شؤون مهنية

بقلم ذ محمد برهان الدين
باحث في قانون الاعمال و نزاعات الشغل
تحت عدد: 642
اعترفت التشريعات بحماية الاختراع مع ظهور الثورة الصناعية، فكان أول قانون تناول حقوق المخترع هو القانون الذي صدر في 19 مارس 1474 في فينيسيا بإيطاليا، تلاه القانون

الانجليزي الصادر سنة 1623 وجاء بعده القانون الأمريكي الصادر سنة 1790 ثم القانون الفرنسي الصادر سنة1791 ، من هنا انتشر مبدأ حماية حق المخترع من القوانين المذكورة إلى معظم قوانين دول العالم تحقيقا لحماية حق المخترع على المستوى الوطني
أما بالنسبة للدول العربية فإن أول تشريع نظم الملكية الصناعية هو القانون العثماني رقم (23) لسنة 1879، الذي شمل تطبيقه جميع ولايات الدولة العثمانية بما فيها البلاد العربية التي كانت تحت ولايتها و حكمها.وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى و بعد انفصال البلاد العربية عن الدولة العثمانية، و بعد أن بدأت الصناعة في هذه البلاد تنشأ و بدأت التكنولوجيا الغربية تغزوها، ظهرت بوادر الاهتمام بسن القوانين التي تنظم براءات الاختراع و أنشأت أجهزة مختصة للقيام بهذه المهمة، كما انضمت بعض الدول العربية إلى اتحاد حماية الملكية الصناعية على غرار التشريعات الغربية، كما أن عددا من الدول العربية كانت من الدول السباقة لعضوية العديد من اتفاقيات الملكية الدولية

والمغرب على غرار باقي التشريعات المقارنة، نظم مادة الملكية الصناعية لما حظيت به من اهتمام من خلال أحكام ظهير 23 يونيو 1916، و الذي يعد أول التشريعات المغربية المتعلقة بحماية الملكية الصناعية، غير أن هذه التشريعات المستوحاة من القوانين الفرنسية و الاسبانية الصادرة في أوائل القرن العشرين، علاوة على عدم ملائمتها للظروف الاقتصادية و الاجتماعية السائدة في المغرب آنذاك، فقد كانت تهدف إلى حماية الرعايا الأجانب لاسيما الفرنسيين المقيمين بالمغرب بالدرجة الأولى

وبعد الاستقلال، بقي ظهير 1916 مطبقا انطلاقا من تعميم تطبيق القوانين الموروثة عن الاستعمار إلى المواطنين المغاربة، غير أن هذا الأخير لم يعد يتماشى و الوضع السياسي و الاقتصادي الذي عرفه المغرب خلال السنوات الأخيرة، ذلك أنه في إطار الخيار الليبرالي الذي اعتمدته بلادنا كنمط للتنمية الاقتصادية و الانفتاح على الأسواق الخارجية و رؤوس الأموال الأجنبية في أفق تدويل المبادلات التجارية العالمية، أضحى من اللازم وضع تشريع وطني كفيل بضمان حماية قانونية فعالة لحقوق الملكية الصناعية، يستجيب لكل هذه المتغيرات الدولية من جهة، و يضع حدا لازدواجية القوانين السائدة آنذاك من جهة أخرى

وبالفعل، فقد تمت الاستجابة لكل هذه الإكراهات بصدور القانون رقم 97/17 المتعلق بحماية الملكية الصناعية الصادر بتنفيذه ظهير1.00.19 الصادر في 15 فبراير 2000 ، والذي حمل العديد من المستجدات من ضمنها وضع المشرع تنظيم خاص باختراعات الأجراء يقتفي فيه أثر باقي التشريعات المقارنة. ويتمثل ذلك من خلال مقتضيات ضمنها في المادة 18 من هذا القانون، حماية لمصالح الأجير كطرف ضعيف اقتصاديا و اجتماعيا في عقد الشغل و لضمان مصالح المؤسسة لما قد يكون في هذه الاختراعات من أهمية لتطويرها و نمائها، فقد ضبطت هذه القواعد الحد الأدنى من الحماية للأجير و مكنت من تجاوزها كلما وقع الاتفاق على ما هو أنفع له. فإلى أي مدى وفق المشرع المغربي في تحقيق التوازن بين مصالح الطرفين بشكل يتسنى معه تشجيع الإبداع و التطور الصناعي أم انه راعى مصلحة أحد الأطراف على حساب الطرف الآخر؟
المحور الأول : تصنيف اختراعات الاجراء
يلعب الاختراع دورا هاما في تنمية المجتمعات البشرية، و يرجع السبب في تقدم الدول الصناعية إلى الاختراعات التي شكلت المحور الأساسي في هذه النهضة الصناعية و ما أفرزته من تطور اقتصادي
و في هذا السياق تحتل فئة الأجراء مكانة هامة لا يستهان بها في تحقيق التنمية الاقتصادية، حيث تشكل نسبة ابتكاراتهم في مجال الملكية الفكرية النسبة الغالبة من مجموع الابداعات الآخرى . و الاختراعات التي يتوصل إليها الأجراء لا تأتي على نسق واحد، لذلك فإن صاحب الحق فيها يختلف باختلاف مناسبة التوصل إليها، فمنها ما يثبت للمشغل و منها ما يثبت للأجير، لذلك فإن مسألة تصنيف اختراعات الأجراء يعد أمرا جوهريا كونه يترتب عليه أثارا قانونية مهمة، و لهذا يجب البحث عن التصنيف الدقيق للاختراعات التي يتوصل إليها الأجير و ذلك لاختلاف أحكامها على اعتبار أن كل صنف يقرر حقوقا و يرتب التزامات تختلف عن الصنف الآخر

و تصنف المادة18 من القانون رقم 97/17 المتعلق بحماية الملكية الصناعية اختراعات الأجراء إلى: اختراعات ناتجة مباشرة عن المهام الموكولة إلى الأجير في إطار عقد الشغل و هي تسمى اختراعات الخدمة أو اختراعات في إطار المهمة(أولا)،و اختراعات غير ناتجة بصفة مباشرة عن هذه المهام و هي الاختراعات الحرة (ثانيا)، و اختراعات تجتمع (فيها هاتان الصفتان المذكورتان مما يجعلها اختراعات مختلطة (ثالثا
أولا: اختراعات الخدمة
نصت المادة 18 من القانون رقم 97/17 في فقرتها (أ) على أنه: » تعتبر ملكا للمشغل الاختراعات التي حققها الأجير خلال تنفيذه إما لعقد عمل يتضمن مهمة إبداعية تطابق مهامه الفعلية و إما لدراسات و أبحاث مسندة إليه بصريح « العبارة
يقصد بالاختراعات المذكورة في هذه الفقرة تلك الاختراعات التي يتوصل إليها الأجير إما أثناء تنفيذ عقد الشغل الذي ينص على وجود مهمة إبداعية بشرط أن تتطابق هذه المهمة مع المهام الفعلية المسندة إليه، و إما في إطار الدراسات و الأبحاث المكلف بها .و هنا يكون موضوع التزام الأجير الوارد في عقد الشغل هو تحقيق الاختراع، فإذا لم يكن هناك عقد مكتوب فإن التزام الأجير بتحقيق الاختراع يستشف من طبيعة العمل المسند إليه أو من طبيعة التعليمات التي يتلقاها من المشغل
إن التزام الأجير بتحقيق الاختراعات هو التزام ببدل عناية و ليس بتحقيق نتيجة، بحيث أن هذا الالتزام يندرج تحت معيار عناية الرجل المعتاد ،وهو معيار هام يتحدد به معيار الخطأ الذي يمكن أن ينسب إلى الأجير.و هكذا يجب على الأجير القيام بكل ما يستطيع من البحث و الدراسة و التجريب للتوصل لهذه الاختراعات، فإذا توصل لها تكون من حق المشغل لأنها تمثل الغاية التي أرادها بالتعاقد مع الأجير، وإذا لم يتوصل للاختراع مع بذله العناية اللازمة فلا مسؤولية قانونية تترتب جراء ذلك،و لكن إذا لم يبذل الأجير عناية الرجل المعتاد و قصر في أداء العمل الموكل إليه فإن الجزاء المترتب على ذلك يخضع لأحكام المسؤولية العقدية المقررة في القانون المدني و المتمثلة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت المشغل جراء ذلك
و المهمة الإبداعية التي ينجز في إطارها الاختراع يمكن أن تكون مهمة ذات صبغة دائمة و ذلك بالخصوص عندما ينتج الابتكار الصناعي عن تنفيذ التزامات شغلية ملازمة و لصيقة لوظيفة الأجير، و قد تكون مهمة ذات صبغة عرضية و ذلك في الحالات التي يكلف فيها الأجير بمهام بحث أو دراسة خارجة مبدئيا عن نطاق المهام المعهودة بها إليه شريطة أن يكون التكليف الوقتي صريحا مهما كان الأسلوب المعتمد في ذلك، سواء تم عن طريق ملحق داخلي للمقاولة أو عن طريق المراسلات الخاصة بمصالح الشركة أو عن طريق محاضر العمل
وتؤول الاختراعات التي يتوصل إليها الأجير خلال هذه المرحلة إلى المشغل لأن طبيعة عمل الأجير تقتضي منه إفراغ جهده في الابتكار و بالتالي يكون للمشغل الحق في جميع الحقوق الناشئة عن الاختراع على أن يتقاضى الأجير مقابلا على اختراعه يقدر وفقا لمقتضيات العدالة كأجرة إضافية .و هذا ما لم يكن هناك اتفاق بين المشغل و الأجير يقضي بأحقية هذا الأخير في تملك الاختراع، فالمقتضيات المنظمة لهذا الصنف من الاختراع تمثل الحد الأدنى من الحماية للأجير إذ يمكن مخالفتها كلما وجد اتفاق يمنح الأجير امتيازا أو حقوقا أكثر. وعليه، لا تطبق أحكام الفقرة (أ) من المادة 18 المشار إليها أعلاه إلا في حال عدم وجود بنود تعاقدية تعطي الأجير المخترع حقوقا أفضل، فقد يتضمن عقد الشغل أو اتفاقية الشغل الجماعية مقتضيات تكون لمصلحة الأجير وتمنحه حقوقا أفضل من أحكام هذه المادة
ويستطيع المشغل بناء على ذلك أن يستصدر لهذا الاختراع شهادة براءة باسمه هو بصفته مالكا و صاحب الامتياز في الاستغلال عدا الحق المعنوي في الاختراع الذي يبقى من حق الأجير وحده، لأن هذا الحق حق معنوي و شخصي لصيق بالأجير المخترع و هو من الحقوق المقدسة التي لا يجوز التنازل عنها للغير

و يترتب على ثبوت هذه الملكية، أنه تنتقل للمشغل جميع الحقوق و الالتزامات المترتبة على هذا الاختراع، و منها حق ملكية براءة الاختراع ، و حق إقامة دعوى حماية الاختراع،و التزام دفع الرسوم السنوية...إلخ ، وبذلك يصبح هو المالك لبراءة الاختراع، و يكون له الحق في استغلالها ، كما له الحق المطلق في التصرف فيها، فله أن يرهنها أو يبيعها أو يرخص في استغلالها
ثانيا:الإختراعات الحرة
لم يتناول المشرع المغربي بشكل واضح الاختراع الحر في المادة 18 من قانون الملكية الصناعية، لكن أشار إليه بعبارة تعتبر جميع الاختراعات الأخرى ملكا للأجير و قد عرفه أحد الفقهاء بأنه الاختراع الذي تنتفي فيه الشروط التي بموجبها يعتبر الاختراع "اختراع الخدمة"، أي الاختراع الذي يتوصل إليه الأجير بمعزل عن علاقة الشغل التي تربطه بالمشغل

فالأجير في مثل هذه الحالة يتوصل إلى اختراعه بصورة مستقلة و منقطعة الصلة عن عقد الشغل، كأن يوفق إليه خارج مكان العمل، و في غير أوقاته الرسمية، و دون الاستعانة بأية أدوات أو مواد مملوكة للمشغل، و بالتالي فإن هذا النوع من الاختراعات لا يتصور فيه مشاركة المشغل للأجير،لا في الحق المعنوي و لا في حق الاستغلال المالي، فهو حق خالص للأجير حتى و إن بدا أن ما توصل إليه الأجير من اختراع ما كان ليتحقق لولا الخبرة التي اكتسبها لدى المشغل، فلا يثبت للمشغل قبله أي حقوق بشأنه، لأنه حصيلة مجهود فكري و دعم مادي مستقل عن أية تبعية للمشغل أو مؤسسته ،لا بل حتى و إن تضمن عقد الشغل شرطا يمنح بموجبه المشغل الحق فيما توصل إليه الأجير من اختراعات حرة،إذ يكون هذا الشرط باطلا و لا يرتب أثارا

وهكذا، يبقى للأجير أن يتصرف باختراعه على النحو الذي يراه فله أن يستغله بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، بأن يتنازل عنه للغير بمقابل أو بغير مقابل دون أن يكون ملزما بأن يتصرف فيه للمشغل الذي يعمل لديه. إلا أن مبدأ حسن النية يقتضي ألا يبدأ الأجير بالتصرف في اختراعه للغير المنافس للمشغل إلا بعد عرضه عليه.و بالمقابل يثبت للمشغل الحق في إثبات أن هذا الاختراع ليس اختراعا حرا بل له صلة بعقد الشغل المبرم بينه و بين الأجير، أي أنه اختراع خدمة و بالتالي له حقوق على هذا الاختراع
ثالثا : الاختراعات العرضية
الاختراعات العرضية هي الاختراعت التي يتوصل إليها الأجير المخترع أثناء قيامه بمهامه داخل المؤسسة و باستعمال الوسائل و التقنيات الخاصة بالمنشأة التي يشتغل بها أو بفضل المعطيات التي وفرتها له
و يقصد بالتقنيات و الوسائل الخاصة بالمنشأة تلك التي تنفرد بها أو على الأقل يصعب الحصول عليها من خارج المنشأة، مثل معارف تقنية طورتها هي بنفسها، أو آليات و معدات خاصة كان لها الفضل في انجازها

و لقد حدد المشرع المغربي الشروط الجوهرية التي يفترض وجودها في الاختراع حتي يكون من ضمن فئة الاختراعات العرضية، و التي يحق فيها للمشغل تملك الحقوق الناجمة عن الاختراع أو الانتفاع بها كليا أو جزئيا
فبالرجوع إلى مقتضيات الفقرة (ب) من المادة 18 من قانون الملكية الصناعية نجدها ترتب مجموعة نتائج تخص تنظيم :العلاقة بين الأجير المخترع و المشغل
1- يتعين على الأجير المخترع في حالة عدم وجود أي شرط تعاقدي يحقق فائدة أكثر له أن يخبر مشغله بشكل آني و فوري عن توصله لاختراع عرضي و ذلك بواسطة تصريح مكتوب يوجهه إليه في رسالة مضمونة مع الإشعار بالتسلم. و في حالة تعدد المخترعين يقدم تصريح مشترك من قبلهم جميعا أو من لدن بعضهم فقط , و يجب أن يتضمن : التصريح المعلومات التالية
موضوع الاختراع و كذا التطبيقات المزمع إنجازها •
ظروف إنجاز الاختراع و لاسيما التعليمات أو التوجيهات التي تم تلقيها، وخبرات أو أشغال •
المقاولة المستعملة، و المساعدات المحصل عليها؛
هوية المخترع أو المخترعين و صفاتهم و مهامهم •
: و يجب أن يرفق التصريح بوصف للاختراع على أن يبرز الوصف مايلي
المشكل الذي واجهه الأجير، مع الأخذ بعين الاعتبار، عند الاقتضاء، حالة التقنية السابقة؛ •
الحل الذي أتى به لمواجهة المشكل المذكور؛ •
نموذج واحد على الأقل للانجاز يكون مشفوعا عند الاقتضاء، بالرسوم •
2- يمنح المشغل أجل 6 أشهر من تاريخ تسلم التصريح المذكور قصد السعي للحصول على الانتفاع بمجموع أو بعض الحقوق المرتبطة بالاختراع أو تملكها عن طريق إيداع طلب لدى الهيئة المكلفة بالملكية الصناعية .و في حالة عدم قيام المشغل بهذا الايداع خلال الأجل المحدد ينسب الاختراع بقوة القانون للأجير

وبهذا يكون المشرع قد راعى في هذه الحالة مصلحة المشغل من جهة حتى لا يؤدي احتكار الأجير لاستغلال اختراعه ماليا أو تنازله عنه للغير إلى منافسة المشغل و الإضرار به، و في ذات الوقت راعى المشرع مصلحة الأجير المخترع حين اشترط أن لا يكون شراء البراءة أو استغلالها بواسطة المشغل إلا بمقابل يدفعه للأجير المخترع . ويعتبر الوقت الذي يتم في خلاله طلب براءة الاختراع لصالح الأجير ذات أهمية، فقد وضعت بعض التشريعات خوفا من أن يتعمد الأجير المخترع إخفاء اختراعه عن مشغله نصوصا قانونية تؤكد فيها، أن الأجير الذي يطلب براءة لاختراعه بعد تركه العمل خلال مدة معينة، يعتبر من الاختراعات التي اكتشفت أثناء قيامه بالعمل لدى المشغل و تكون الحقوق فيه لهذا الأخير.وهذا ما تؤكده المادة 8 من قانون حماية حقوق الملكية الفكرية المصري رقم 82 لسنة 2002 التي جاء فيها:" الطلب المقدم من المخترع للحصول على براءة اختراع في خلال سنة من تاريخ تركه المنشأة الخاصة أو العامة، يعتبر كأنه قدم في خلال تنفيذ العقد أو أقسام رابطة العمل أو الاستخدام، ويكون لكل من المخترع وصاحب العمل جميع الحقوق المنصوص عليها في المادة السابقة تبعا للأحوال. وتزداد المدة إلى ثلاث سنوات إذا أنشأ العامل أو التحق بمنشأة " منافسة، وكان الاختراع نتيجة مباشرة لنشاطه وخبرته بالمنشأة التي كان يعمل بها
وبهذا المعنى، قضت محكمة باريس إلى أن الاختراعات التي تمت قبل مغادرة الأجير للمقاولة المتعاقد معها، و التي كانت في إطار مهمة اختراعية، فإن طلب البراءة المسلم بعد تاريخ انتهاء عقد الشغل يعود على المشغل
إلا أن القانون المغربي لم يأت على ذكر هذه المسألة، و بالتالي فإن ما يسعنا قوله في هذه الحالة، هو أنه من الضروري إدراج نص قانوني تحدد فيه المدة التي يحق فيها للمشغل أن يطلب ملكية الاختراع الذي طلب له البراءة من قبل أجير كان يعمل عنده و يعتقد أن هذا الاختراع قد تحقق لأي سبب من الأسباب المرتبطة بالمؤسسة التي عمل فيها. وفي جميع الأحوال، فإن لمالك البراءة الحق في استغلال الاختراع بكل أوجه الاستغلال التي يقرها القانون و ذلك لتحقيق الغاية بالاستئثار بالاختراع خلال الأجل الذي يقره القانون المتعلق بالملكية الصناعية ، و في نطاق المكان الذي سجل فيه الاختراع
الواقع أن الاستئثار بالاختراع في هذه الحالة يعد استئثارا نسبيا و ليس مطلقا، كون أن تسجيل الاختراع في أي دولة من الدول بصفة منفردة لا يعطي لصاحبه إمكانية الاستئثار المطلق و إنما يبقى على المخترع اللجوء إلى إجراءات التسجيل الدولي للاختراع و ذلك طبقا للإجراءات التي تقرها الاتفاقيات الدولية بهذا الخصوص
المحور الثاني: حقوق الأجير و المشغل في براءة الاختراع
ينتج عن ابتكار الأجير لإختراع ما حقوقا متقابلة بين طرفي عقد الشغل وفق شروط معينة ينظمها القانون. ويجب التمييز في إطار الإختراعات بين الحرة منها والتي يستأثر فيها الأجير بكامل الحقوق سواء كانت معنوية أو مادية ،كما يستفيد من كافة الحقوق المترتبة عن الإختراعات المختلطة وبقوة القانون
و إذا كان للاجير حقوقا بمناسبة وصوله لبراءة اختراع في اطار علاقة التبعية و ما ينتج عنها فإنه بالمقابل نجد القاانون قد منح المشغل كذلك مجموعة من الحقوق
(و تقتضي منا دراسة هذا المحور التطرق الى حقوق الأجير (أولا) و حقوق المشغل (ثانيا
أولا: حقوق الاجير في براءة الاختراع
خول المشرع المغربي على غرار التشريعات المقارنة للأجير المخترع مقابلا ماديا لقاء تنازله عن اختراعه، مميزا بين الأجر الإضافي الذي يتلقاه الأجير إثر إنجازه لاختراع في إطار المهام المسندة إليه في عقد الشغل ، و بين الثمن العادل الذي يستحقه عن الاختراع الذي يتوصل إليه خارج إطار نشاط المقاولة لكن باستعماله لتقنياتها ووسائلها
1-الأجر الإضافي
أعطى المشرع المغربي للأجير المخترع وفقا لما نصت عليه المادة 18 من القانون رقم 17/97 المتعلق بالملكية الصناعية- إذا كان مكلفا من قبل المشغل و متفق معه عقديا للقيام بمهمة إبداعية أو القيام بأبحاث و دراسات للتوصل للاختراع- الحق في الحصول على أجر إضافي و ذلك لقاء تنازله عن اختراعه المسند إليه في إطار المهام الإبداعية المكلف بها،هادفا من وراء ذلك تشجيع الأجراء على التفاني في العمل و إعطاء كل ما لديهم من إمكانيات علمية حتى يتوصلوا في أقرب وقت ممكن للاختراع المطلوب
لكن بالرجوع إلى مقتضيات هذه المادة يتضح لنا جليا الغموض الذي يكتنف مفهوم الأجر الإضافي، حيث اكتفى المشرع في المادة المذكورة أعلاه بالإشارة إليه دون تحديد المعايير الواجب اعتمادها، تاركا المجال الواسع للحرية التعاقدية لطرفي عقد الشغل، و ذلك إما بتضمينه في عقود الشغل الفردية أو في اتفاقيات الشغل الجماعية ،علما أن هذه الأخيرة لا ينبغي أن تتضمن شروطا من شأنها الحد من حقوق الأجير المخترع التي منحه إياها القانون و إلا اعتبرت باطلة
إلا أنه إذا لم يرد في عقد الشغل أو الاتفاقية الجماعية للشغل أي مقتضى يحدد مبلغ الأجر الإضافي، فإن تحديده يتم بالتراضي بين طرفي العلاقة التعاقدية أوعن طريق المحكمة في حالة عدم التوصل إلى اتفاق بشأن ذلك
وتبقى المحكمة التجارية هي صاحبة الاختصاص للبث في مثل هذه النزاعات استنادا لمقتضيات المادة 15 من القانون رقم 17/97 المتعلق بحماية الملكية الصناعية و التي جاء فيها : " يكون للمحاكم التجارية وحدها الاختصاص للبث في " المنازعات المترتبة عن تطبيق هذا القانون باستثناء القرارات الإدارية المنصوص عليها
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ما هي المعايير الواجب اعتمادها لتحديد هذا الأجر، هل سيتم تكييفه وفقا للقيمة التقنية و الفنية التي أنتجها أو وفقا للمجهود الذهني و الفكري الذي بذله الأجير المخترع لتحقيق إنجاز صناعي أم استنادا إلى الأجرة الشهرية؟
في هذا الإطار أقرت محكمة النقض الفرنسية في قرار لها صادر بتاريخ 21 نونبر 2000 بأنه لم يثبت في أي نص قانوني أو عرفي أن احتساب الأجر الإضافي يقوم على أساس الأجرة، محددة معايير تحديد الأجر الإضافي في الإطار العام للبحث و الصعوبات التي اعترضت الأجير المخترع و مساهمته الشخصية و كذا الأهمية الاقتصادية للاختراع
وللأجير المخترع الحق في المطالبة بهذا الأجر من تاريخ توصله للاختراع و ليس من تاريخ إيداع أو إصدار براءة الاختراع
وإن ما تحسن الإشارة إليه في الأخير أن الأجر الاضافي يعتبر جزءا من الأجر و بالتالي فإنه يخضع لأحكامه سواء على مستوى النظام الضريبي أوعلى مستوى الاقتطاعات المستحقة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أو بالنسبة للتقادم أو غيره
2-الثمن العادل
: نص المشرع المغربي في المادة 18 من قانون 97/17 في الفقرة (ب) على مايلي
" يجب أن ينال الأجير عن ذلك ثمنا عادلا، تتولى المحكمة تحديده إذا لم يحصل من شأنه اتفاق بين الطرفين، و تراعي المحكمة جميع العناصر التي يمكن أن يقدمها إليها بوجه خاص المشغل و الأجير، قصد تحديد الثمن العادل " باعتبار المساهمات الأولية المقدمة من كلا الطرفين و رعيا لما يعود به الاختراع من منفعة صناعية و تجارية

من خلال هذه المقتضيات، يتبين لنا أن الثمن العادل هو ذلك المقابل المادي الذي يدفعه المشغل للأجير المخترع مقابل تنازل هذا الأخير عن حقوق الاختراع ، و يتم تحديد قيمته إما باتفاق بين الطرفين أو من طرف المحكمة في حالة اختلافهما بشأنه، اعتمادا على المساهمات الأولية للطرفين معا أي مدى إسهام الأجير في خلق الاختراع و مشاركة المقاولة بتزويد الأجير بكل الوسائل و التقنيات و المعطيات الضرورية لتحقيق الاختراع ، و المنفعة الاقتصادية و التجارية للاختراع أي العائدات المرجوة من الاستغلال الصناعي و التجاري لهذا الاختراع
والجدير بالذكر هنا أنه يصعب تقدير الثمن العادل لأن هذا التقدير يتم في وقت لم يتم فيه بعد استغلال الاختراع أو يكون ذلك الاستغلال لازال في بداياته الأولى،الشيء الذي قد يلحق ضررا بالأجير، من أجل ذلك نؤيد ما ذهب إليه الفقيه : Mousseron حين قال أنه

" في الوقت الذي يحدد المبلغ اتفاقيا أو عن طريق قرار اللجنة الوطنية لاختراعات الأجراء أو قرار القاضي آنذاك يصبح تسليم الاختراع أمرا مناسبا" ، فبذلك نصون حق الأجير لأنه من غير الممكن تحديد الفائدة التجارية لاختراع ما إلا بعد استغلال صناعي فعلي، علما أن الأهمية التجارية عامل أساسي في تقييم مبلغ الثمن العادل إضافة إلى أنه لا يوجد في النص القانوني ما يفرض وقوع تفويت الملكية فورا، فالمشرع أعطى المشغل أجل 6 أشهر من أجل التعبير عن رغبته في حيازة ملكية الاختراع أما الوقوع الفعلي لعملية التنازل لم ترد قانونيا
وقد يتبادر للذهن تساؤل حول إمكانية طلب الأجير استرجاع ملكية اختراعه إذا ما أخل المشغل بواجباته الواردة في عقد التنازل و ذلك بعدم استغلاله الاختراع فألحق بذلك ضررا بالأجير المخترع الذي لم يتوصل بالمقابل المادي عن التنازل الذي قدمه
قضت محكمة باريس بهذا الخصوص "ّ بما أن أجر المتنازل تحدد مجزءا بحسب رقم المعاملات فإنه يستنتج من كيفية التحديد هذه أن المشغل قد تعاقد على إجبارية استغلال البراءة، وأن لهذه الاتفاقية القوة الإلزامية و الإجبارية التي لا " يمكن معها للمستفيدة France Telecom أن تنقضها بموجب إرادتها المنفردة
من خلال هذا القرار يتبين أن مسألة استغلال الاختراع تصبح إلزامية على المشغل ما دامت هي المعيار الأساسي الذي يقوم عليه أجر التنازل
وتجدر الإشارة في الأخير أن الثمن العادل يجب أن يقدر اعتبارا من تاريخ إيداع البراءة و ليس من تاريخ تحديد الثمن العادل
ثانيا: حقوق المشغل في براءة الإختراع
نص المشرع المغربي من خلال المادة 18 من قانون 17.97 المتعلق بحماية الملكية الصناعية على أنه : " إذا كان المخترع أجيرا فإن الحق في سند الملكية الصناعية يحدد وفقا للقواعد التالية ما لم تنص على شرطي تعاقدي أكثر فائدة :بالنسبة لهذا الأجير
أ-تعتبر ملكا للمشغل الإختراعات التي حققها الأجير خلال تنفيذه إما لعقد عمل يتضمن مهمة إبداعية تطابق مهامه "....الفعلية،وإما لدراسات وأبحاث مسندة إليه بصريح العبارة
وبالتالي تصبح جميع الحقوق المادية من نصيب المقاولة في شخص المشغل ويكون له حق التصرف فيها كما يريد. ومن جهة أخرى،قد يتوصل الأجير إلى اختراع ما من تلقاء نفسه ودون تكليفه من طرف مشغله،أثناء وقت العمل او باستعمال أدوات ومعدات المقاولة ()حيث يحق للمشغل الاحتفاظ به لنفسه إذا رغب في ذلك وفق الشروط التي حددتها الفقرة 2 من المادة18 من قانون 17.97
ذلك ان المشرع من خلال هذه المادة أعطى الأفضلية للمشغل،لأن الأجير سيبقى مغلول اليدين لمدة ستة اشهر لمعرفة ما إذا كان المشغل سيسجل الإختراع لمصلحته أم لا،حيث بمرور هذه المدة دون إيداع طلب البراءة تنسب هذه الأخيرة إلى الأجير بقوة القانون
ويعتبر الفقه الحديث ان المشغل يمكن ان يكتسب صفة المخترع،وذلك لإعتبارين:أولهما سلطته في الإدارة والإشراف وثانيهما مساهمته في تحقيق الإختراع
1 : حق الإستغلال
خول المشرع المغربي للمشغل حق استغلال براءة الاختراع نظير الأموال الكثيرة التي انفقها في سبيل الحصول على البراءة،وبالتالي يصبح له الحق في الاستفادة من هذا الإختراع بشكل مادي بأية وسيلة مشروعة،كأن يقوم بنفسه بتصنيع هذا الإختراع وبيعه وتصديره،ومن صور الاستغلال حق رهنه أو جعله كضمان للوفاء بديونه تجاه دائنيه
2:بيع براءة الإختراع باعتبارها عنصر من عناصر الأصل التجاري
تعد براءة الإختراع عنصرا من العناصر المعنوية للأصل التجاري،إلا أن هناك إشكالا مطروحا حول إمكانية بيع المبتكرات الجديدة مستقلة عن الأصل التجاري،مع العلم أنها ليست مالا مستقلا عن الأصل التجاري،وإنما هي مال معنوي،مرتبط له وتابع له كباقي حقوق الملكية الصناعية . وهذا ما نصت عليه المادة 80 من القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة:" يشمل الأصل التجاري وجوبا على زبناء وسمعة تجارية ويشتمل أيضا عن الأموال الأخرى الضرورية لإستغلال الأصل كالاسم التجاري والشعار والحق في الكراء والآثاث التجاري والبضائع والمعدات والأدوات " ... وبراءة الإختراع
وعليه،في حالة بيع هذا الأصل فإن كافة العناصر التي تكونه تكون محل هذا التفويت بما فيه براءة الإختراع،إلا إذا تم استتثناء ذلك من خلال بنذ في العقد
ومن جهة أخرى،يمكن بيع براءة الاختراع الجديدة بصورة منعزلة عن الأصل التجاري،شريطة وجود عقد كتابي يثبت انتقال ملكية البراءة المسجلة حتى يتمكن المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية من تقييده بالسجلات الوطنية الخاصة ببراءة الإختراع
: 3: تقديم براءة الإختراع كحصة في شركة
تعتبر براءة الإختراع مال معنوي منقول تخول لمالكها حق الدخول لها كحصة عينية في شركة ،وذلك بتقديمها إما على سبيل التمليك –نقل الملكية-أة على سبيل المنفعة فقط
والأصل أن الحصة تقدم للشركة على سبيل التمليك،ما لم يوجد اتفاق أو عرض يقضي بخلاف ذلك،غير أن هذه القرينة تبقى بسيطة يمكن تقويضها بإثبات العكس وتسري أحكام البيع على الحصة متى انتقلت ملكيتها إلى الشركة حيث يظل الشريك ملتزما بضمان الإستحقاق والعيوب الخفية
أما إذا كانت الحصة المقدمة قاصرة على حق الانتفاع بهذه البراءة المقدمة،فإنه تسري عليها أحكام الكراء في العلاقة بين الشريك والشركة،فيكون بذلك الشريك مكريا والشركة مكترية وعليه تبقى هذه الحصة في ملكية المشغل ولا يكون للشركة حق التصرف فيها

خاتمة
من خلال ما سبق دراسته قمنا بالتعرض للحالات التي يمكن أن يتوصل فيها الأجير لاختراعات و أوضحنا أنها لا تأتي على نسق واحد، فصاحب الحق فيها يختلف باختلاف مناسبة التوصل إليها، فمنها ما يثبت للمشغل كما في اختراع الخدمة و الاختراع العرضي، و منها ما يثبت الحق فيها للأجير و هي الاختراعات الحرة، و على الرغم من اختلاف الأحكام القانونية لكل نوع من هذه الأنواع إلا أن القاسم المشترك الذي يجمعها أنها تقرر الحق الأدبي للأجير المخترع وحده. واقتناعا منا بأن سن القوانين وحده لا يكفي للإحقاق الحقوق و حمايتها فإن القضاء يبقى أحد أهم الأطراف المعول عليها من أجل حل الخلافات الناشئة بين المشغل و الأجير المخترع، لذلك فدعوتنا له للتسلح بالحكمة و التبصر كلما أثير أمامه نزاع متعلق بالأجر الإضافي أو الثمن العادل، وبالتالي أن يضع ميزانه وسط هذه المصالح المتعارضة لإعطاء حلول ناجعة. فإذا كان الأجير الذي يمثل أحد أطراف العملية الإنتاجية في الدولة دور خاص و مهم في التوصل لابتكارات و اختراعات جديدة، فإنه ينبغي حماية حقوق هذا الأخير، باعتباره من يقدم للبشرية خدمة عظيمة في إيجاد و تطوير اختراعات جديدة بشكل يومي و مستمر

بقلم ذ محمد برهان الدين
باحث في قانون الاعمال و نزاعات الشغل
 


أعلى الصفحة