القانون المدني

بقلم ذ ليلى الادريسي العزوزي
باحثة بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية -سلا
تحت عدد: 606
حظيت الجالية المغربية باهتمام المشرع الدستوري ،وهو أمر يستقي شرعيته من المكانة التي تحتلها،فعدد المغاربة القاطنين في الخارج وصل إلى أربع ملايين ونصف حسب إحصائيات مديرية الشؤون القانون القنصلية فالمغرب من بين 15 دولة المصدرة لأكبر عدد من المهاجرين،حيث أن 52 بالمائة من مغاربة الخارج إناثا والتشبيب المتزايد بحيث أن أكثر من 70 بالمائة من مغاربة الخارج لهم أقل من 45 سنة.

إن تواجد هذه الأعداد الهائلة من المغاربة خارج أرض الوطن ,يعد عاملا مهما بالنسبة للمغرب، إذ يمكن لهؤلاء خاصة الفئات المثقفة و فئة الجامعيين و رجال الأعمال وجزء كبير من النسيج الجمعوي أن يساهموا بشكل قوي و فعال في تدعيم صورة المغرب بالخارج على المستوى السياسي و الثقافي و السياحي ،ودعم قدراته الاقتصادية إضافة إلى الدفاع عن مصالحه و قضاياه الوطنية في بلدان الاستقبال و تدعيم مكانته و إشعاعه بين الدول.

علاوة على ذلك ،تعتبر الجالية المغربية المقيمة بالخارج عنصرا أساسيا في تحقيق التنمية على مستوى الجهوي والمحلي،وخاصة أنه لا أحد يشك اليوم بأن التحويلات المالية والاستثمارات،تشكل المصدر الأساسي للعملة الصعبة بالنسبة لكثير من الدول المصدرة لليد العاملة وتساهم بشكل كبير في الرفع من الادخار الوطني إضافة الى أن أجواء الإصلاح السياسي في المغرب أصبحت تفرض واقعا جديد هو واقع حاجة هذه الجالية للدعم وترسيخ ثقافة الحقوق الانتماء للوطن الأم.

المحور الأول: الدستور المغربي الجديد لسنة 2011

جاء الدستور الجديد ليجيب على انتظارات مغاربة العالم ألمختلفة إذ شكلت الفصول الأربعة المخصصة لهذه الشريحة الأساسية من المغاربة التي تعادل عشر السكان استجابة لنضال طويل للجسم الهجري بمختلف تشكيلاته وموجاته. ولأول مرة في تاريخ المغرب تترجم الوثيقة الدستورية انشغالات مغاربة ألعالم حيث تمت دستة العديد من القضايا التي شكلت أحد المطالب الأساسية للقوى الديمقراطية والفاعلين في مجال الهجرة ألا وهي الاعتراف بالقيمة المضافة للهجرة المغربية.

حرص نص الدستور الجديد للمملكة على المغربية الذي تم إقراره خلال استفتاء الفاتح من يوليو وعمل على تكريس حماية حقوق الجالية المغربية وتكريس مطالب من خلال الدفاع عن حقوقهم السوسيو ثقافية والإنسانية وضمان حقوق المواطنة الكاملة .

1 الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والثقافية للمغاربة المقيمين بالخارج
من خلال إقرار الحقوق الاجتماعية والثقافية للجالية المغربية وحتى الإنسانية حيث أنها حقوق مشروعة لهم بصفتهم مواطنين كباقي المواطنين بالوطن الأم وذلك من أجل «ضمان حقوقهم وصيانة مصالحهم من وجهة وكذا المساهمة في التنمية البشرية والمستدامة في وطنهم المغرب وتقدمه من جهة أخري لكن يبدو لي أن إحدى المهام الأساسية أيضا لمغاربة العالم هي أيضا المساهمة في تنفيذ وتسهيل سياسة الهجرة والاندماج في بلدان الاستقبال بما يسهل اندماج المغاربة.

فقد نص مشروع الدستور على أن الدولة ستعمل على الحفاظ على الوشائج الإنسانية ولاسيما الثقافية وتعمل على تنميتها وصيانة هويتهم الوطنية ولهذا الأمر دلالة قوية فالفصل ألذي نص على صيانة الهوية الوطنية والدفاع عنها الشيء الذي يشكل مطلبا أساسيا للمغاربة بالخوارج وخصوصا للأجيال ألصاعدة من أجل نهج سياسة مشتركة بينهم بغية تحقيق الحماية الكاملة لحقوق والدفاع عن مصالح سواء في البلدان المستقبلة أو داخل بلدهم الأصلي.

2 ضمان حقوق المواطنة الكاملة لأفراد الجالية المغربية
فإذا كان الدستور المغربي أضفى وضعا اعتباريا للهجرة المغربية من خلال التنصيص على الحقوق المدنية والسياسية لقد حددت الفصول (17 -18 -163) خريطة طريق لإعادة استثمار كل ما تم إنجازه لحد الآن في مجال السياسة العمومية الخاصة بالهجرة ألمغربية بل أنها رسمت حقوقا وواجبات تجعل من مغاربة العالم مقيدين بمسؤوليات تاريخية تجاه بلد الأصل وتجاه بلدان الاستقبال.

حيث يشكل الفصل 17 على الخصوص ثورة جديدة للدولة المغربية في تعاملها مع المواطنين القاطنين في الخارج وفيما يخص التمثيلية بالبرلمان كان من الممكن التنصيص بصراحة على دوائر انتخابية بالخارج ليتيح للمغاربة بالخارج انتخاب نواب يدافعون عن تدبير معقل وإيجابي لملفهم بالوطن وبالخراج أما مضمون الفصل 18 الذي يؤكد على ضمان أوسع مشاركة ممكنة للمغاربة المقيمين بالخارج في المؤسسات الاستشارية،وهيئات الحكام الجيدة التي يحدثها الدستور أو القانون. الفصل لكل مواطن أو مواطن الحق في ألتصويت وفي الترشيح لانتخابات شرط بلوغ سن الرشد القانونية والتمتع بالحقوق المدنية والسياسية. وينص القانون على مقتضيات من شأنها تشجيع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في ولوج الوظائف الانتخابية.

يتمتع الأجانب بالحريات الأساسية المعترف بها للمواطنين والمواطنات المغاربة وفقا للقانون. ويمكن للأجانب المقيمين بالمغرب المشاركة في الانتخابات المحلية بمقتضى القانون أو تطبيقا لاتفاقيات دولية أو ممارسات المعاملة بالمثل.

وإحداث أجهزة تسهر على حماية حقوق الجالية والدفاع عن مصالحهم بالإضافة إلى ممثلين عن السلطات والمؤسسات المعنية بقضاياهم حيث وضمن المحور الثامن من ديباجة الدستور والذي يؤكد على دستة بعض المؤسسات ومن بينها مجلس الجالية المغربية بالخارج بحيث ينص الفصل من ألدستور على إحداث مجلس الجالية برئاسة جلالة الملك محمد السادس نصره ألله والذي يعمل على الحفاظ على علاقات متينة مع هويتهم ألمغربية وكذا المساهمة في التنمية البشرية والمستدامة في وطنهم المغرب وتقدمه كما أن التنصيص على حق الأجانب في التصويت والترشيح على المستوى الجهوي والمحلي في إطار مبدأ المعاملة بالمثل يعتبر إذنا دستوريا يسمح للدولة المغربية بإبرام اتفاقيات مع دول المهجر تسمح بالمشاركة السياسية .

والتنصيص الدستوري على حقوق الجالية المغربية بالخارج يعتبر تقدما مهما ومكسبا أساسيا ليس فقط للجالية بل وللدولة المغربية في تعاملها مع مغاربة ألعالم بل و حتى مع وثيقة الشراكة مع الاتحاد الأوربي. والسماح للجالية ككتلة بشرية مهمة تساهم بشكل كبير في الرفع من نمو الاقتصاد المغربي أن تكون فاعلا سياسيا يؤثر إيجابيا في الحياة السياسية بالمغرب لهذا بجب التفكير داخل البرلمان وفي أوساط الجالية بشكل منفتح وشمولي وجماعي وتشاركي حول مسألة المواطنة فالحقيقة والحقوق الاقتصادية والسياسية للمواطنين بالخوارج وأن تتحمل الدولة والأحزاب المسؤولية في تحقيق وتنزيل كل أبعاد هذه المواطنة.

المحور الثاني: منطوق الخطب الملكية السامية
وباعتبار أفراد الجالية المغربية جزء لايتجزأ من مكونات الشعب المغربي فقد أولى الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش رعاية خاصة واهتماما كبيرا ل حيث يحرص أشد الحرص على أن تنال شؤونها وقضاياها بما تستحق من عناية من أجل خدمة مصالحها و صون حقوقها المشروعة.

إن الملك هو الذي يضع التوجيهات السياسية الداخلية والخارجية من خلال خطبه وتدخلاته العمومية التي يحدد فيها الخطوط العريضة وتوجهات السياسة الخارجية وفي نفس الوقت يقدم معلومات وشروحا تتعلق بقراراته وكذا عن تطورات الوضع الداخلي والخارجي ،فالخطابات تحولت إلى مصدر مباشر لمعرفة المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية.

من هنا يبرز الاهتمام الذي يوليه صاحب الجلالة لمواطنيه بالمهجر وتتضح الالتفاتة المولوية لقضاياهم ولقضية الهجرة إن مجموع الخطب الملكية لا على مستوى المغفور له "الملك الحسن الثاني أو على مستوى خطب صاحب الجلالة الملك محمد السادس قد ركزت دوماً على دور هذه الجالية تزامنا مع تطور القوانين والمؤسسات المعنية بهذه الشريحة وقد كان من أهمها ،نص الخطاب الملكي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش لسنة 2015 أحد الخطابات القوية ملف هذه الفئة من المغاربة يعكس منظورا استراتيجيا في تدبير ملف المغاربة القاطنين بالخارج ،وهذا يفترض أن تكون لدينا إستراتيجية وطنية منبثقة عن رؤية واضحة المعالم كما هو في جميع القطاعات الحيوية والتعجيل بإخراج الإستراتيجية الوطنية لصالح الجالية المغربية المقيمة بالخارج في أفق 2030 لمواكبة المطالب المستعجلة بتدابير و آليات جديدة ونهج سياسة أكثر وعيا بالتحديات الجديدة وحلول مبدعة من أجل التعامل مع الظروف الحياتية للمهاجرين المغاربة خلال تواجدهم بأرض الوطن بالشكل الذي يراعي ويخدم حجم الإكراهات الاجتماعية والقانونية المفروضة عليهم بالمهجر.

وتعزيزا لهذا التوجه فقد دعا المغرب،على هامش الجمعية العامة للام المتحدة في أكتوبر سنة 2013،إلى إقامة مبادرة "التحالف الافريقي للهجرة والتنمية"،وهي مبادرة تقوم منظور إفريقي مشترك وعلى المسؤولية المشتركة بين دول المصدر والعبور والاستقبال،وكذا على الترابط الوثيق بين الهجرة والتنمية، وقد جدد جلالة الملك بتاريخ 06 نونبر2013، في خطابه السامي بمناسبة الذكرى الثامنة والثلاثين للمسيرة الخضراء دعوة الحكومة إلى وضع سياسة شاملة حول قضايا الهجرة واللاجئين وفق مقاربة إنسانية تتوافق مع الالتزامات الدولية للمغرب وتحترم حقوق المهاجرين"،ومثل هذا الخطاب يؤشر على أن الدولة تبحث عن مقاربة جديدة في علاقتها مع الهجرة المغربية ظن وعن سياسة جديدة مع الجالية.

وفي خطابه 20 غشت 2012 رسم جلالته ،خارطة الطريق لمستقبل الجالية وضمان المواطنة الكاملة ومسالة مشاركتها السياسية وتمثيلها داخل المؤسسات ،وأما مقتضيات الخطاب الملكي لسنة 2007 والذي جدد من خلاله على ضمان الحماية لحقوق مواطنيه بالخارج والدفاع عن كرامتهم وصيانتها ووضع هياكل مناسبة تستجيب لحاجيات المنعشين في مجال الاستثمار.

وقد نوه الملك في خطابه الموجه إلى الأمة يوم 20 غشت 2001 والمتزامن مع لاحتفال بعيد العرش والشباب وذكرى ثورة الملك والشعب ،على إقبالهم المتزايد على زيارة بلدهم من تعلق بوطنهم الأم ومن ثقة بوطنهم ومن ثقة في حاضره ومستقبلة ومبرزا حرصه على أن يتسم عمل مختلف المؤسسات المعنية بشؤونهم بالتنسيق والتكامل.

إن توجيهات الملك محمد السادس تشكل رؤية جديدة للسياسة الوطنية في مجال ألهجرة إنسانية في فلسفتها وشاملة في مضمونها ومسؤولة في مقاربتها والتجاوب مع نبض الجالية .

خاتمة
إن الرؤية التي يتعامل بها المغرب مع المغاربة المقيمين بالخارج تندرج في تكريس دولة الحق والقانون ،وتكريس الانفتاح الذي انخرط فيه المغرب عبر الإصلاح الدستوري ،والتحول في موقف المغرب من الهجرة خاصة من خلال اعتماد المقاربة الحقوقية ،إلا أنه لابد تظافر جهود مجموعة من المؤسسات والفاعلين والعمل على التجسيد العملي لكافة التوجيهات، فالأساس واحد هو ضمان الحماية للجالية المغربية بمختلف درجاتهم و ذلك ناتج عن رغبة هذه الأخيرة في توطيد علاقاتهم بالوطن الأم و إنعاش اقتصادهم.
بقلم ذ ليلى الادريسي العزوزي
باحثة بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية -سلا
 


أعلى الصفحة