القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ محمد المساوي
باحث في العلوم الجنائية
تحت عدد: 266
عندما يتعرض الأفراد للاعتداء عليهم أو على مصالحهم، تتدخل أجهزة العدالة الجنائية من أجل اكتشاف الحقيقة وملاحقة المجرمين وتقديمهم للمحاكمة.

 

 وقد اهتمت معظم التشريعات الجنائية بوضعية الجاني أمام أجهزة العدالة الجنائية وأولته العناية الفائقة، ومنحته العديد من الحقوق والضمانات في الحصول على محاكمة عادلة، بينما تناست وأهملت حقوق ضحايا الجريمة لمدة طويلة وتركتهم يعانون في صمت، حتى تعالت أصوات العاملين في حقل السياسة الجنائية بوجوب إنصاف ضحايا الجريمة وحمايتهم في تعاملهم مع أجهزة العدالة الجنائية حتى لا يضاروا مرتين مرة عند تحملهم لآثار الاعتداء والعدوان عليهم، ومرة أخرى في تعاملهم مع أجهزة العدالة الجنائية[1] بهدف خلق التوازن بين حقوق الجناة والضحايا، وخاصة بعد أن ظهر فرع جديد من العلوم الجنائية يهتم أساسا بالدراسة العلمية للضحية سمي :"علم الضحية "   la victimologie، فأصبحت السياسة الجنائية الحديثة تولي اهتماما متزايدا بحقوق ضحايا الجريمة.

فما هي أهم الحقوق التي أقرها المشرع الجنائي المغربي لضحايا الجريمة أمام أجهزة العدالة الجنائية ؟

وللإجابة على هذا السؤال سنتطرق  في المحور الأول لدور جهاز الشرطة القضائية في حماية حقوق الضحية، بينما نخصص الثاني لتوضيح حقوق الضحية أمام سلطات التحقيق، ونبرز في الأخير دور القضاء الجنائي في احترام حقوق الضحية.

المحور الأول: دور الشـرطة القضائية فـي حمـاية حقـوق الضحية

تعتبر الشرطة إحدى أهم المؤسسات الأقرب اتصالا بالجمهور، وهي أقدم صور الحماية التي يوفرها المجتمع للفرد، سواء كان ذلك قبل وقوع الجريمة أو بعد وقوعها.

وهي أول جهاز من أجهزة العدالة التي يلجأ إليها ضحايا الجريمة من أجل كشف المجرم وتقديمه للعدالة[2] ولذلك منح المشرع للضحايا مجموعة من الحقوق التي يتوجب على الشرطة حمايتها وضمانها لهم ومن أهم هذه الحقوق:

1- الحـق فـي التبـليـغ

الملاحظ أن كثيرا من ضحايا الجرائم يمتنعون عن التبليغ عن الجرائم التي لحقت بهم، وغالبا ما تعود أسباب عدم التبليغ إلى نوع الجريمة نفسها كالجرائم الجنسية عامة وخاصة ما يقع منها في نطاق الأسرة، حيث أن هذا النوع من الجرائم يتم في الخفاء، ويؤثر الناس –عادة- التكتم على الفضيحة، بدلا من تدخل السلطات لمعاقبة الجاني وما قد يجره ذلك من عار اجتماعي يظل طول الحياة، وقد يكون الاحجام عن التبليغ مرده التأر من الجاني، أو ربما مرده الخوف من انتقام الجاني وذويه، وقد يكون العزوف في الجرائم الناشئة عن استخدام الحاسب الآلي عن التبليغ من أجل إخفاء أسلوب ارتكاب الجريمة حتى لا يتم تقليدها من جانب الآخرين خوفا من الدعاية المضادة وضياع ثقة المساهمين في مشروعه[3].

ولما كان كثيرا من الجرائم لا يبلغ عنها لجهل الضحايا بعمل أجهزة العدالة الجنائية، أو عدم ثقتهم فيها، وجهلهم بحقوقهم في هذا الشأن.

ولإقرار هذا الحق فقد عهد إلى ضباط الشرطة القضائية بناء على المادة 21 من قانون المسطرة الجنائية بتلقي الشكايات والوشايات وأن يجروا الأبحاث التمهيدية بشأنها.  

    2- الحـق فـي حـسـن معـاملـة الضحـايا والشـهـود وحمايتهم

إن الشرطة ملزمة بأن تحسن معاملة ضحايا الجريمة حتى تحصل منهم  على ما تريد من معلومات، فلا شك في أهمية المعلومات التي يقدمها الضحايا إلى الشرطة إذ تساعدها على القيام بدورها في معرفة الجاني والقبض عليه.

فالضحية هي التي رأت الجاني غالبا، وتستطيع أن تدلي بمواصفاته، وأن تشير إلى من تحوم حوله الشبهات، وغير ذلك من المعلومات التي لا يستطيع أن يدلي بها غيرها، وبناء على ذلك فإنه على الشرطة أن تشعر الضحايا بآدميتهم وإنسانيتهم وأن تحسن استقبالهم، ولا يجوز لها إخضاعهم لأية مؤثرات تنال من حريتهم الشخصية، ما لم يكن هناك ضرورة تجيز القيام بذلك[4].  

وإن الحماية التي يقررها القانون للشاهد تظل نظرية ما لم تقم الشرطة بدورها في محاولة منع هذه المؤثرات والحيلولة دون وقوع الإكراه على الشاهد وهذا ما أقره القانون رقم 37.10 المتعلق بحماية الضحايا والشهود والخبراء والمبلغين، حيث تم التنصيص في المادة 82 في من قانون المسطرة الجنائية على  إشعار الضحية المتضرر من جريمة  بحقه في الانتصاب كمطالب بالحق المدني أمام قاضي التحقيق أو أمام هيئة المحكمة كما يتعين إشعاره بالحقوق التي يخولها له القانون، ويشار إلى هذا الإشعار بالمحضر المنجز من طرف الشرطة القضائية...، كما يمكن أن تأمر سلطات التحقيق مصالح الشرطة بتوفير الحماية الكفيلة بتأمين سلامة  الضحية وأسرته وأقاربه أو ممتلكاته من كل ضرر قد يتعرض له جراء تقديمه لشكايته.

3- الحـق فــي التـزام الشـرطـة للشـرعيـة وحماية الحق في الحياة الخاصة.

يكتسي الحق في الحياة الخاصة أهمية بالغة، بحيث أنه لا يتأتى للفرد أمنه الشخصي إلا بالاعتراف له بالحق في الحياة الخاصة ومن تم يتعين على الشرطة إلتزام الشرعية في كل مراحل البحث والتقصي وملاحقة الجاني.

وقد تعرض المشرع إلى أنواع الجرائم التي يمكن أن يرتكبها ضباط الشرطة القضائية بمناسبة ممارستهم مهامهم أو نتيجة لاستغلال صفتهم، ضمن مجموعة القانون الجنائي وأطلق عليها اسم " شطط الموظفين في استعمال سلطتهم إزاء الأفراد وممارسة التعذيب". في الفصول من 224 إلى 232 منه.

كما أكد المشرع في المادة 15 من ق.م.ج على الطابع السري للبحث التمهيدي بما في ذلك أسرار كل من الضحية والجاني- ورتب على إفشاء أسراره عقوبات جنائية.

4- الحـق فـي حفـاظ الشـرطـة علـى مـسـرح الجـريمـة.

تظهر أهمية مسرح الجريمة في كونه الشاهد الصامت الذي يستحيل التأثير عليه، وخاصة إذا وصلت الشرطة إليه قبل أن تطاله أيادي التغيير.

ويتجلى دور الشرطة في المحافظة على مسرح الجريمة من خلال سرعة الانتقال إليه ثم استدعاء الخبراء المختصين لمسرح الجريمة للقيام بالتفتيش ومعاينة كل ما يوجد في دائرة الفعل الجرمي.

ومن تم يجب على ضباط الشرطة القضائية أن يحرروا محاضر بما أنجزوه من عمليات وأن يخبروا وكيل الملك أو الوكيل العام للملك المختص فورا بما يصل إلى علمهم من جنايات وجنح[5].   

وبعد ذلك ينتقل ضحايا الجريمة أمام سلطات التحقيق، فما هي أهم الحقوق المكفولة لهم أمام كل من النيابة العامة وقضاء التحقيق.                                                    

المحور الثاني: دور سلطـات التحقـيق فـي حمـاية حقـوق الضحية

يمكن لسلطات التحقيق أن تلعب دورا مهما في كفالة حقوق ضحايا الجريمة، سواء تعلق الأمر بالنيابة العامة أو قضاء التحقيق، وقد منح المشرع الجنائي لضحايا الجريمة العديد من الحقوق كضمانة ضد أي تعسف من قبل سلطات التحقيق.

أولا: حـقـوق الضـحيـة أمـام النيابـة العامـة

تعد النيابة العامة ممثلة الحق العام، وهي بهذه الصفة تدير شؤون الدعوى الجنائية وتختص بمباشرتها.

فهي تمثل الهيئة الاجتماعية في التحقيق والاتهام وتحريك الدعوى الجنائية ومتابعة سيرها حتى يصدر حكم نهائي، وتهتم بكفالة تنفيذ القوانين والأحكام القضائية وكذلك حماية الأشخاص العاجزين عن حماية أنفسهم[6].

1- الحـق فـي الشـكـوى

فإذا كان الأصل في عمل النيابة العامة أنها هي التي تقوم بجمع عناصر الاتهام وتحريك الدعوى واتخاذ جميع إجراءات مباشرتها أمام القضاء، ولا شأن للضحية فيما تقوم به النيابة العامة من إجراءات، فقد كان من الضروري- للحد من هذا التحكم- إحداث ضمانات للضحية في مواجهة إنفراد النيابة العامة برفع الدعوى الجنائية والاعتراف لها بالتالي بدور في الخصومة الجنائية، فالجريمة أيا كانت فهي لا تمس الجماعة في قواعدها وأمنها فحسب، بل إنها تنال في المقام الأول من المصالح والحقوق الفردية للضحية بل إن من الجرائم ما يقتصر على الضحية مباشرة دون أن يتعداها إلى غيرها.

وقد ارتأى المشرع  بالنسبة لهذه الجرائم أن يترك للضحية حرية التقدير بشأن إقامة الدعوى الجنائية، وذلك لغلبة صالح الضحية فيها على صالح الجماعة، فكان لابد إذن من مواجهة المبدأ الأصيل في عمل النيابة العامة، ألا وهو احتكارها وانفرادها برفع الدعوى الجنائية عن طريق غل يدها في مثل هذه الجرائم بجملة من القيود، هي في الواقع عبارة عن ضمانات للضحية في مواجهة النيابة العامة بعد أن استأثرت هذه الأخيرة بمفردها بإقامة الدعوى الجنائية ومباشرتها.

ويشكل قيد الشكوى الذي يرد على حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية، بالنسبة لبعض الجرائم، أحد أهم الضمانت التي كفلها المشرع للضحية في هذا الإطار، خصوصا وأن هذا القيد أصبح يكتسي أهمية قصوى في التشريعات المقارنة نظرا لما للشكوى من أهمية على مستوى دعم حقوق الضحية واعطائها مجالا أوسع في الدعوى الجنائية، فيكون لها الحق في إثارتها مثلما لها الحق في التنازل عنها أو التصالح بشأنها[7].

2- الحـق فـي الحـضـور والإطــلاع

وبالإضافة إلى ذلك فقد منح المشرع للضحية العديد من الحقوق[8] أهمها: الحق في الحضور والاطلاع على إجراءات التحقيق، وبمؤازرة الدفاع، حيث تقرر المادة 139 ق.م.ج أنه :" لا يجوز سماع المتهم والطرف المدني أو مواجهتهما إلا بحضور محامي كل منهما أو بعد استدعاء هؤلاء المحامين بصفة قانونية، ما لم يتنازل أحد الطرفين أو كلاهما صراحة عن مؤازرة الدفاع.

ولعل الغرض من حضور المحامي مع الضحية أثناء التحقيقات، هو تدارك نقص العلم والخبرة القانونية لدى ضحايا الجريمة والخصوم عموما، فيتمكن المحامي من متابعة التحقيق والاعتراض على ما يتخذ من إجراءاته بالمخالفة للقانون.

3- الحـق فـي رد الأشـيـاء المـحـجـوزة

كما أنه أصبح من حق ضحايا الجريمة طلب رد الأشياء التي سرقت منهم لأنها قد تتعرض للتلف أو الضياع أثناء فترة حجزها، حيث نصت الفقرة التاسعة من المادة 40 من ق.م.ج على إمكانية رد الأشياء التي ضبطت أثناء البحث لمن له الحق فيها من طرف وكيل الملك، وذلك بشرط ألا توجد منازعة جدية في ملكيتها وألا تكون لازمة لسير الدعوى[9].

4-الحـق فـي إرجاع الحـالـة إلـى مـا كانـت عليه في حالة الاعـتداء على الحيازة

كما أنه في حالة الإعتداء على الحيازة بعد تنفيذ حكم، يحق للضحية أن تطالب بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، حيث نصت الفقرة الثامنة من المادة 40 ق.م.ج أنه يجوز لوكيل الملك أن يأمر باتخاذ أي إجراء  تحفظي يراه ملائما لحماية الحيازة وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه إذا تعلق الأمر بانتزاع الحيازة بعد تنفيذ حكم[10].

5- حـق المـطـالبـة بالصـلـح

كما يمكن للمتضرر أن يطلب من وكيل الملك أن يطبق مسطرة الصلح، حيث تقضي المادة 41 من ق.م.ج بإمكانية إجراء صلح على يد وكيل الملك قبل إقامة الدعوى العمومية، كلما تعلق الأمر بجنحة من الجنح المعاقب عليها بسنتين حبسا أو أقل أو بغرامة مالية لا يتجاوز حدها الأقصى 5000 درهم.

 ويتم الصلح إما بإقتراح من الأطراف أو باقتراح من وكيل الملك، ومن خلال هذا الصلح يتم جبر خاطر الضحية، ووتمكينها من حقوقها في وقت قياسي[11].

وهذا التدبير احدث حلا وسطا بين قراري الحفظ والمتابعة الذين تملكهما النيابة العامة.

ثانيا: حقـوق الضـحـية أمـام قـضـاء التـحقـيق

يعتبر قاضي التحقيق الجهة التي أوكل إليها القانون القيام بالتحقيق الإعدادي، وإن المهام المتعددة التي أسندها إليه جعلته صاحب أدوار مختلفة ومتداخلة، فهو ضابط سام للشرطة القضائية، من حيث جمع الأدلة عن الجرائم والبحث عن مرتكبيها مباشرة أو بواسطة إنابة قضائية، وهو أيضا جهة اتهام من حيث مهامه الشبيهة بمهام النيابة العامة، كما أنه جهة قضائية من حيث إصدار القرارات، وإجبارية تعليل بعضها، ومن حيث قابلية هذه القرارات للطعن[12].

وتتجلى أهم حقوق الضحية أمام قضاء التحقيق فيما يلي:

1- المطـالبـة بالـتحقـيق مـن طـرف الـمتـضـرر

يفهم من المواد 92 من ق.م.ج وما يليها أنه يحق للمتضرر إقامة الدعوى العمومية بواسطة الإدعاء المباشر أمام قاضي التحقيق، سواء تعلق الأمر بجناية أو جنحة قابلة للتحقيق، فإذا لم تكن قابلة للتحقيق فإنه لا يمكن للمطالب بالحق المدني أن يطالب بإجراء تحقيق بشأنها وقد نصت المادة 92 من ق.م.ج أنه يمكن لكل شخص تضرر من جناية أو جنحة أن ينصب نفسه طرفا مدنيا عند تقديم شكايته أمام قاضي التحقيق المختص، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.

وتعبير " ما لم ينص القانون على خلاف ذلك" الواردة في المادة 92 من ق.م.ج يعني بالإضافة إلى ما ذكر، حالات أخرى يقرر فيها القانون مسطرة خاصة، كما هو الشأن بالنسبة للحصانة الديبلوماسية أو البرلمانية، أو كالمطالبة بإجراء تحقيق في حق عضو من أعضاء الحكومة من أجل فعل جرمي نسب إليه خلال ممارسته مهامه، أو كما هو الشأن بالنسبة للمساطر الخاصة المنصوص عليها في المواد 264 وما يليها من ق.م.ج بشأن الجرائم المنسوبة لبعض القضاة والموظفين، حيث يقرر القانون مسطرة خاصة تتم عبر إحالة القضية من طرف النيابة العامة على الغرفة الجنائية بالمجلس الأعلى، أو على الرئيس الأول لمحكمة الإستئناف حسب الأحوال وهو ما لا يفسح المجال لتحريك الدعوى من طرف المتضرر مباشرة. علما بأن الغرفة الجنائية بالمجلس الأعلى أو الرئيس الأول لمحكمة الإستئناف قد يقرر أن إجراء تحقيق في القضية، وفي هذه الحالة فلا شيء يمنع المتضرر من الإنتصاب كطرف مدني أمام قاضي التحقيق[13].

2- المطـالبـة بالـحـق المـدنـي أمـام قـاضـي التـحقـيق

منح المشرع للمتضرر إمكانية إقامة الدعوى العمومية لحماية حقوقه في حالة عدم قيام النيابة العامة بتحريك الدعوى العمومية في إطار إعمال ما لها من سلطة الملائمة فيحق له أن يقيم هذه الدعوى عن طريق الإدعاء المباشر بالحق المدني أمام قاضي التحقيق.

كما أنه يحق للمتضرر غير المثير للشكاية المباشرة أن يتدخل للمطالبة بالحق المدني أمام قاضي التحقيق وفي أي مرحلة من مراحل التحقيق حسب المادة 94 من ق.م.ج.

كما أكد المشرع ما سبق أن منحه للضحايا من حقوق أمام النيابة العامة كحق الشكوى والحضور والاطلاع ومؤزارة المحامي، إضافة إلى الحق في تقديم الدفوع والطلبات والأدلة، كما أتاح لهم فرصة الرد على ما يقدمه باقي الخصوم من أدلة عن طريق المحامي[14].

3- حـق طـلـب إجـراء الخـبـرة

يحق للمدعي المدني أن يطلب تعيين خبير أو أكثر في الدعوى[15] أو حتى طلب إجراء خبرة مضادة.

ويعلن هو ومحاميه بنتائج تقرير الخبير ويعطى له أجل لإبداء ملاحظاته أو تقديم طلباته، خاصة بقصد إجراء خبرة تكميلية، أو خبرة مضادة ويحق له الحصول على نسخة من تقرير الخبير[16].

كما يجوز للطرف المدني الذي يدعي أن له حقوقا على شيء محتفظ به لدى العدالة أن يقدم طلبا لقاضي التحقيق لإسترداده أو إسترداد ثمنه إذا كان قاضي التحقيق قد قرر بيعه خشية فساده أو تلفه أو لتعذر الاحتفاظ به، ويبث قاضي التحقيق بأمر معلل داخل ثمانية أيام فيما قدم له من طلبات وذلك بعد أخد رأي النيابة العامة، وله أن يأمر برد الأشياء تلقائيا[17].

4- حـق الطـعـن فـي قـرارات قاضـي التحـقيـق

غني عن البيان أن إدعاء ضحايا الجريمة بحقوق مدنية أمام قضاء التحقيق القصد الرئيسي والحقيقي منه هو الوصول إلى قرار إحالة المتهم إلى المحكمة الجنائية تحت ستار الحكم في دعواه المدنية، فإذا قررت سلطة التحقيق عدم وجود وجه لإقامة الدعوى، أو رفضت إجراء التحقيق، فإنها بهذا أو ذاك ترتب ضررا مباشرا بمصالح ضحايا الجريمة، مما يكون لهم مصلحة في  الطعن في مثل هذه القرارات، طالما حاز كل منهم منذ البداية صفة الخصومة باستيفائه إجراءات الإدعاء المدني وفق القواعد المقررة في هذا الصدد[18].

فقد خول المشرع للطرف المدني بمقتضى المادة 224 من ق.م.ج الحق في أن يستأنف الأمر الصادر بعدم إجراء التحقيق والأمر الصادر بعدم المتابعة وغيرهما من الأوامر التي تمس مصالحه المدنية، ومنع عليه صراحة إستئناف الأوامر الصادرة بشأن اعتقال المتهم، أو بالمراقبة القضائية على أساس أن تلك الأوامر لا تؤثر على مصالحه المدنية.

أما إذا رأى قاضي التحقيق أنه غير مختص، فيصدر- بعد التماسات النيابة العامة- أمرا إلى المطالب بالحق المدني برفع دعواه إلى المحكمة المختصة[19].

فما هي حقوق ضحايا الجريمة أمام هيئة القضاء؟

المحور الثالث: دور القضـاء الجنائـي في احترام حقوق الضحية

الدعوى الجنائية هي في حقيقتها مبارزة بين الخصوم، يواجه فيها كل خصم غريمه بما لديه من أدلة وبراهين وتتاح للآخرين فرصة الإطلاع عليها ومناقشتها وتقديم ما يعتقدونه داحضا لها، حتى يستطيع القاضي الإحاطة بمختلف جوانب الدعوى وملابستها، ويصبح في وسعه أن يتخد قرارا في الدعوى عن بينة واقتناع[20].

ولهذا منح المشرع الجنائي بعض الحقوق لضحايا الجريمة في مرحلة المحاكمة أمام القضاء الجنائي. وتتمثل أهم هذه الحقوق فيما يلي:

1- حـق التـدخل فـي اخـتيـار نـظـام الجـلسـات

إن مبدأ علانية الجلسات يعد مبدأ هاما، استهدف به المشرع تحقيق مصلحة عامة، إذ أن حضور العموم لجلسات المحاكمة يتيح له مراقبة إجراءاتها مما يدعم ثقته في عدالة القضاء[21].

إلا أن احترام مبدأ العلانية على إطلاقه بالنسبة لجميع جلسات المحاكمة قد يؤدي إلى الأضرار بالصالح العام ذاته، إذ قد يؤدي إلى نتائج عكسية- قد تعوق إدارة العدالة الجنائية على الوجه الأمثل- فالعلانية قد تعري الناس من الأمور التي يحرضون على التكتم عليها، ومن هنا أجاز القانون لضحية الجريمة أن يتدخل في اختيار نظام الجلسة، وذلك من خلال طلبه أن تكون الجلسة سرية خلافا للأصل في علانية الجلسات.

فإن إجراءات المحاكمة يجب أن تتم في جلسات عمومية وعلنية، حيث تقضي المادة 300 بأنه يجب تحت طائلة البطلان أن تتم إجراءات البحث والمناقشة في جلسة علنية ما عدا في الحالات المنصوص عليها في المادتين 301 و 302 بعده[22]، ولا يمكن إثارة هذا البطلان فيما بعد إلا إذا طلب ممثل النيابة أو الطرف المدني أو المتهم تسجيل الإشهاد بعدم علنية الجلسة.

2- حـق ضحـايا الجـريمـة فـي حـضـور إجـراءات المحـاكمـة

إن الأصل في إجراءات المحاكمة العلنية، وقد عزز المشرع ذلك الحق، فأوجب إعلان الخصوم رسميا بالموعد المحدد للجلسة حتى تباشر جميع إجراءات المحاكمة في حضورهم[23].

والمقصود بالحضور هنا التواجد بالجلسة بشخص الخصم أو بوكيل عنه في الحالات التي يجوز فيها ذلك.

والحضور في التحقيق النهائي أمام المحكمة حق للأطراف، حيث يمكنهم من إبداء دفاعهم، ومن ثم لا يجوز للمحكمة أن تعرض القضية في الجلسة دون أن تمكنهم من استعال حقهم هذا عن طريق إعلامهم بموعد ومكان المناقشة، وإن استدعاء الأطراف إجراء جوهري يؤدي الإخلال به إلى بطلان المسطرة والحكم الذي قد يصدر تبعا لذلك[24].

3 - حـق ضحـايا الجـريمـة فـي رد القـضـاة ومخـاصمـتهم

إن حياد القاضي يعتبر إحدى الضمانات الأساسية لإحقاق العدالة، وقد حدد المشرع الحالات التي يمكن استنادا إليها تجريح القاضي، وقد تناولت المواد من 273 إلى 285 من ق.م.ج موضوع التجريح[25].

ولتحقيق ذلك فقد حرص المشرع على منع القاضي من نظر الدعوى إذا توافر سبب يخل بهذه الحيدة، فقد نص المشرع على عدة حالات أوجب فيها على القاضي الذي توافرت فيه إحداها أن يتنحى عن نظر الدعوى[26].

بل إن المشرع ذهب أبعد من ذلك عندما أجاز للخصوم مقاضاة القاضي في حالة ما إذا أثار مسلك القاضي الشك في حيدته عن طريق دعوى المخاصمة.

ويهدف تجريح القاضي إلى إبعاده عن القيام بالإجرارات أو  الحكم في القضية وذلك قبل أن يبدو منه أي تحيز أو غش.

أما المخاصمة فتأتي بعد ارتكاب القاضي لغش أو تدليس أو ثبوت مسؤوليته أو إنكاره للعدالة.

ولذلك اقتصر أثر التجريح عند ثبوت سببه على تخلي القاضي عن القضية، بينما المخاصمة عند ثبوت سببها قد يستحق صاحبها التعويض زيادة على سحب القضية من القاضي المعني بالأمر[27].

4- الحـق فـي الـطعـن فـي الأحـكـام

وبالإضافة إلى الحقوق السابقة أعطى المشرع للضحية الحق في الطعن في الأحكام، حيث أجازت المادتان 396 و 397 للطرف المدني الطعن بالاستئناف في الأحكام الصادرة في المخالفات والجنح فيما يخص حقوقه المدنية لا غير نتيجة ما تعرض له من ضرر جسماني أو مادي أو معنوي تسببت فيه الجريمة المرتكبة.

كما يمكن للضحية الطعن بالنقض في الأحكام غير القابلة للاستئناف أو في القرارات النهائية الصادرة عن محكمة الاستئناف[28].

 

  



[1]  محمد أحمد عبد اللطيف الفقي: الحماية الجنائية لحقوق ضحايا الجريمة، رسالة لنيل الدكتوراه في الحقوق، دار النهضة العربية القاهرة، 2001، ص 26 .

[2]  المادة 18 من ق.م.ج " يعهد إلى الشرطة القضائية...بالثتبت من وقوع الجرائم وجمع الأدلة عنها والبحث عن مرتكبيها.

[3]  جميل عبد الباقي الصغير: القانون الجنائي والتكنولوجيا الحديثة – الكتاب الاول- الجرائم الناشئة عن استخدام الحاسب الالي، دار النهضة العربية 1992 ص 17-18.

[4]  سعود محمد موسى:" الشرطة والمجني عليه" مجلة الفكر الشرطي، شرطة الشارقة مجلة 3 ع 4 مارس 1995 ، ص 247.

[5]  المادة 23 من ق.م.ج.

[6]  رمسيس بهنام: "علم النفس القضائي" منشأة المعارف الاسكندرية 1979 ، ص 21.

[7]  جمال الحفيان: كفالة حقوق المجني عليه في الدعوى العمومية، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا، جامعة عين الشق، الدار البيضاء، 1999.، ص 80.

[8]  سبق أن تناولنا جانبا منها أمام هيئة الشرطة، وهي تمثل حقوق لضحايا الجريمة أمام النيابة العامة أيضا، لذا لم نجد بدا من الإحالة عليها منعا للتكرار.

[9]  وزارة العدل: شرح قانون المسطرة الجنائية، الجزء الأول، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الشروح والدلائل، العدد 2، 2004، ط .الرابعة 2006.

[10]   وزارة العدل: شرح قانون المسطرة الجنائية: المرجع السابق، ص 182.

[11]  وزارة العدل: شرح قانون المسطرة الجنائية، المرجع السابق، ص 189- 191.

[12] أنظر وزارة العدل: شرح ق.م.ج: المرجع السابق، ص 217.

[13]  وزارة العدل: شرح ق.م.ج المرجع السابق، ص 226.

[14]  المادة 140 من ق.م.ج.

[15]  المادة 194 من ق.م.ج.

[16]  المادة 208 من ق.م.ج.

[17]  المادة 106 من ق.م.ج.

[18]  محمد أحمد عبد اللطيف الفقي: المرجع السابق، ص 221.

[19]  المادة 97 من ق.م.ج.

 [20]   محمد أحمد عبد اللطيف الفقي: المرجع السابق ، ص 324.

[21]  ألبرت شافان: حماية حقوق الإنسان في الإجراءات الجنائية في فرنسا في مرحلة المحاكمة تقرير مقدم للمؤثمر الثاني للجمعية المصرية للقانون الجنائي الأسكندرية9-12/04/1988 منشورات الجمعية سنة 1989 ، ص 263.

[22]  المادتان 301 و 302 المشار إليهما تقضيان بأن لرئيس الجلسة منع الأحداث أو بعضهم من دخول قاعة الجلسات إذا رأى أن دخولهم غير مناسب، او ان علنية الجلسة خطر على الأمن أو الأخلاق.

[23]  المادة 308 من ق.م.ج.

[24]  أحمد الخمليشي : شرح قانون المسطرة الجنائية، ج2. ط.3، دار نشر المعرفة 1990، ص 124.

[25]  وزارة العدل: شرح ق.م.ج المرجع السابق، ص 63-64.

[26]   حسب المادة 273 من ق .م.ج.

[27] لمزيد من الإطلاع على تجريح القضاة ومخاصمتهم أنظر: أحمد الخمليشي: المرجع السابق، ص 68 وما بعدها.

[28] المادة 415 من ق.م.ج

بقلم ذ محمد المساوي
باحث في العلوم الجنائية
 


أعلى الصفحة