القانون المدني- المسطرة المدنية

بقلم ذ كريم الرود
باحث قانوني و وسيط في حل النزاعات
تحت عدد: 410
أطر المشرع المغربي الصلح المدني في قانون

 الالتزامات و العقود من خلال الكتاب الثاني بعنوان  " في مختلف العقود المسماة  و في أشباه العقود التي ترتبط بها " حيث نظم عقد الصلح  بموجب الفصول من 1098 إلى 1116 من خلال مقتضيات جعلته خاضعا للنظرية العامة للعقد التي تحكم سائر العقود، كما أفرد له المشرع من جهة أخرى أحكاما خاصة جعلته متميزا عن باقي العقود منها على سبيل المثال ما جاء في الفصل 1112 من قانون الالتزامات و العقود الذي أكد على أنه لا يجوز الطعن في الصلح بسبب غلط في القانون،  أو الفصل 1106 الذي أكد أنه لا يجوز الرجوع في الصلح ولو  باتفاق الطرفين.

 و من خلال الأحكام الخاصة التي وضعها المشرع المغربي لعقد الصلح جعلته متميزا عن باقي العقود مما أدى إلى تنوع خصائصه التي قد تتشابه مع خصاص بعض العقود لكن قد تختلف عن خصائص بعض العقود المدنية الأخرى و ذلك راجع لكونه وسيلة بديلة لحل النزاع مما جعل المشرع يفرد له خصوصية في التنظيم القانوني مقارنة بباقي العقود المسماة.

و ترتيبا على ما سبق يمكن وضع و تحليل خصائص عقد الصلح انطلاقا من قانون الالتزامات و العقود على النحو التالي :

أولا- الصلح عقد رضائي

من خلال تفحص الفصول المنظمة لعقد الصلح في قانون الالتزامات و العقود يتبين لنا أن أول خاصية له أنه عقد رضائي لا يشترط شكلا خاصا بل أن عقد الصلح يعتبر قائما بمجرد تبادل الايجاب و القبول و تطابقهما.

 و يقصد بتطابق الايجاب و القبول توافق الإرادتين حول ماهية و نوع النزاع و تعيين الحقوق محل التنازع المتبادل و كافة بنود و حدود عقد الصلح . إلا أنه إذا شمل عقد الصلح إنشاء أو نقل أو تعديل حقوق واردة على عقارات أو غيرها من الأشياء التي يجوز رهنها رهنا رسميا وجب إبرامه كتابة و لا يكون له أثر في مواجهة الغير ما لم يسجل بنفس الكيفية التي يسجل بها عقد البيع طبقا للفصل 1104 من قانون الالتزامات و العقود،  و هذا الفصل يعد استثناء من الأصل و لا يمكن أن يأثر على خاصية الرضائية في عقد الصلح.

- و تترتب عن خاصية رضائية عقد الصلح كون الكتابة المتطلبة يقصد بها الاثبات و ليس شكلية انعقاد، و بالتالي و جب الرجوع للفصل 443 من نفس القانون الذي يؤكد على أنه إذا كانت قيمة الاتفاقات الواردة في عقد الصلح تتجاوز قيمتها عشرة الآف درهم و جب إثباتها كتابة بحجة رسمية أو عرفية و لا يقبل الاتباث بشهادة الشهود.

  لكن تعد الكتابة في عقد الصلح شكلية انعقاد و إثبات في الاستثناء الوارد في المادة 1104 حيث ينبغي كتابة الصلح في محرر  رسمي و لا يكون له أثر في مواجهة الغير ما لم يسجل بنفس الكيفية التي يسجل بها البيع.

ثانيا- الصلح من عقود المعاوضة

انطلاقا من الفصل 1098 من قانون الالتزامات و العقود يتأكد لنا أن الصلح يعتبر من عقود المعاوضة نظرا لكون كل متعاقد يتنازل للآخر عن جزء مما يدعيه لنفسه أو بإعطائه مالا أو حقا مقابل تنازل المتعاقد الآخر عن جزء مما يدعيه كدلك.

 و بالرجوع للفصل 619 من نفس القانون نجد أن المشرع يعرف عقد معاوضة على أنه

 " المعاوضة عقد بمقتضاه يعطي كل من المتعاقدين للآخر على سبيل الملكية شيئا منقولا أو عقارا أو حقا معنويا في مقابل شيء أو حق آخر من نفس النوع أو من نوع آخر"

 و بالتالي فعقد الصلح له نفس الخاصية بحيث أن الصلح دائما يكون من عقود المعاوضة نظرا لوجود التزامات متبادلة بين طرفي العقد  حيث لا أحد من المتصالحين يتبرع للآخر و إنما ينزل كل منهما عن جزء من إدعائه بمقابل و يتمثل المقابل بنزول الطرف الآخر عن جزء مما يدعيه.

ثالثا- الصلح عقد مسمى

نظم المشرع المغربي عقد الصلح في  الكتاب الثاني من قانون الالتزامات و العقود  بعنوان " في مختلف العقود المسماة و في أشباه العقود التي ترتبط بها " وذلك  بموجب الفصول من 1098 إلى 1116 على غرار أغلب القوانين المدنية التي وضعت له أحكام خاصة تنظمه نظرا لكثرة تداوله بين الأفراد في الحياة العملية على اعتبار أن الميدان المدني هو المجال الأكبر و الشاسع لكونه يضم أكثر القضايا التي تنشأ بصددها النزاعات بفعل العلاقات المتشابكة التي تربط ما بين الاطراف و بالتالي يكون حلها عن طريق الصلح المدني أسهل و أسرع من غيرها في ميادين أخرى و على هذا الأساس تدخل المشرع لتنظيمه لكثرة شيوعه بين الناس و بالتالي جعل من أهم خصائصه أنه عقد مسمى

رابعا- الصلح عقد فوري

من خصائصه أنه من العقود الفورية و ليس زمنيا لأن عنصر الزمن ليس جوهريا و مؤثرا فيه ولو كان تنفيد الالتزامات الناتجة عنه مؤجلا إلى وقت لاحق لأن العبرة في عقد الصلح ليست بالأجل بل في تمام تحديد الالتزامات الناشئة عند عقد الصلح وقت إبرامه،  

و أساس هذه الخاصية في الصلح المدني تنبثق بالنظر إلى طبيعة تحديد الحقوق المتنازع عليها ثم المتصالح على بعضها و التي تكون التزامات فورية في عقد الصلح تجعل منه يندرج في طائفة العقود الفورية و لا أثر لعنصر الزمن فيه

خامسا – الصلح عقد محدد أو احتمالي

من خصائص عقد الصلح أنه قد يكون محددا أو احتماليا بحسب تعيين أو عدم تعيين العوض الذي يناله المتعاقدان من الصلح وكمثال على ذلك في عقد الصلح المحدد قد يتنازع شخصين حول مقدار معين من المال ثم يتصالحان بأن يعطي أحدهما للآخر مبلغا محددا من المال فمعرفة المتعاقدين بالصلح لمقدار العوض الذي يأخذانه يجعل من الصلح عقدا محددا.

كما قد يكون عقد الصلح احتماليا إذا تنازع شريكان حول الحصص ثم تصالحا على أن يرتب أحدهما للآخر ربحا أو نسبة غير محددة من عملية تجارية فإن عدم تعيين العوض و عدم معرفة المتعاقدين بالصلح لمقدار هذا المقابل يجعل من الصلح غير محدد بل احتماليا كما أن المشرع أكد على جواز  أن يكون للصلح محل غير محدد القيمة بالنسبة للطرفين في الفصل 1101  من قانون الالتزامات و العقود الذي جاء فيه :

" ... غير أنه يسوغ الصلح على الأموال أو الأشياء ولو كانت قيمتها غير محققة بالنسبة للطرفين".

حيث اعتبر المشرع أن معرفتهما لقيمة ما يتصالحان بشأنه ليس شرطا لإبرام الصلح.

سادسا- الصلح عقد ملزم للجانبين

انطلاقا من الفصل 1098 من قانون الاتزامات و العقود و الذي نص على ما يلي

 " ..وذلك بتنازل كل منهما للآخر عن جزء مما يدعيه لنفسه أو بإعطائه مالا معينا أو حقا "

يتبين لنا أنه عقد ملزم لجانبين على اعتبار أن العقد التبادلي يرتب على عاتق طرفيه التزامات متقابلة و مرتبطة ببعضها البعض بحيث يكون كل متعاقد وفي نفس الوقت دائنا و مدينا نحو المتعاقد الآخر.

 و باعتبار أن عقد الصلح ملزم للجانبين فإنه يخضع لأحكام المتعلقة بهذا النوع من العقود كالدفع بعدم التنفيذ و فسخ عقد الصلح و هو ما أكده المشرع في الفصل   1110 الذي جاء فيه :

 " إذا لم ينفد أحد الطرفين الالتزامات التي تعهد بها بمقتضى الصلح حق للطرف الآخر أن يطلب تنفيد العقد، إن كان ممكنا،  و إلا كان له الحق في طلب الفسخ مع عدم الإخلال بحقه في التعويض في كلتا الحالتين"

سابعا – عقد الصلح لا يتجزأ

من خصائص عقد الصلح أنه لا يتجزأ و بالتالي لا يخضع لنظرية تجزئة البطلان التي تطبق على الحالة التي يكون العقد في شق منه باطلا أو قابلا للإبطال، فهذا الشق وحده هو الذي يبطل إلا إذا تبين أن العقد ما كان ليتم بغير الشق الذي وقع باطلا أو قابلا للإبطال فيبطل حينها العقد كله، و من خصوصية عقد الصلح أنه لا يخضع لنظرية تجزئة البطلان فبطلان جزء منه يقضي ببطلان عقد الصلح كله إلا أن هذا المبدأ يرد عليه استثناء و هو في الحالة التي يتبين فيها من عبارات عقد الصلح أن المتعاقدين قد اتفقا على أن أجزاء العقد مستقلة بعضها عن بعض.

 و هذا ما أكده المشرع في الفصل 1114 الذي نص على أن

" الصلح لا يقبل التجزئة فبطلان جزء منه أو ابطاله يقتضي بطلانه أو إبطاله كله:

 ولا يسري هذا الحكم :

أولا-إذا تبين من العبارات المستعملة أو من طبيعة الاشتراطات أن المتعاقدين قد اعتبروا شروط الصلح أجزاء متميزة و مستقلة بعضها عن البعض الآخر          

ثانيا- إذا نتج البطلان عن عدم توفر الأهلية لدى أحد المتعاقدين.

 وفي هده الحالة لا يستفيد من البطلان إلا ناقص الأهلية الذي تقرر لصالحه مالم يكن قد اشترط صراحة أنه يترتب على فسخ الصلح التحلل من حكمه بالنسبة إلى المتعاقدين جميعا ".

ثامنا- عقد الصلح ينصب على التنازل الجزئي لإدعاء الحق

من خصاص عقد الصلح أن تنازل كل طرف للآخر في جزء من إدعائه هو تنازل ينبغي أن يكون على وجه التقابل و كذلك أن يكون التنازل جزئيا و ليس كليا و إلا انعدم الصلح، حيث أن إقرار الخصم بكل ما يدعيه أو نزوله عن إدعائه لا يكون صلحا لأن هذه الخاصية هي التي تميز عقد الصلح عن باقي العقود التي تنهي النزاع كالإبراء باعتباره عقد اختياري تبرعي ملزم للمبرء و ينتج أثره ما دام المدين لم يرفضه صراحة طبقا للفصل 340 من قانون الالتزامات و العقود.

  و بالتالي تعتبر هذه الخاصية التي يمتاز بها عقد الصلح من أهم مميزاته فإدا كانت تفرض أن ينصب التنازل عن جزء من الإدعاء على وجه التقابل فإنه لا يشترط أن يكون ما يتنازل عنه أحد الطرفين في إدعاءه معادلا لما يتنازل عنه الطرف الآخر طبقا للفصل 1101 الذي نص على ما يلي :

" ... غير أنه يسوغ الصلح على الأموال أو الأشياء ولو كانت قيمتها غير محققة بالنسبة للطرفين" بحيث اعتبر المشرع أن معرفتهما لقيمة ما يتصالحان بشأنه ليس شرطا لإبرام الصلح

تاسعا – عقد الصلح يشمل نزاع قائم أو محتمل

من أهم خصائص عقد الصلح في قانون الالتزامات و العقود و التي تميزه عن التنظيمات الخاصة لعقد الصلح في مجالات المنظم فيها كالصلح في مدونة الأسرة و الصلح في مدونة الشغل أنه يمكن أن يكون محله نزاع محتمل.

 لكن هذه الخاصية غير ممكنة في الصلح في مدونة الأسرة و في مجال الإجتماعي على سبيل المثال لا الحصر حيث يشترط في التنظيمات الخاصة لعقد الصلح أن يكون النزاع موجودا و أكثر تحديدا فمثلا الصلح في إطار مدونة الاسرة يقتضي أن يكون النزاع معروض على القضاء و الصلح في المادة الاجتماعية طبقا للمادة 41 من مدونة الشغل تؤكد أنه

  " ..لا يمكن للطرفين أن يتنازلا مقدما عن حقهما المحتمل في المطالبة بالتعويضات الناتجة عن إنهاء العقد سواء كان الانهاء تعسفا أم لا.. "  

و بالتالي فخاصية أن عقد الصلح يشمل نزاع المحتمل ينفرد بها الصلح المدني في قانون الالتزامات و العقود و هي من أبرز مميزاته في هذا الإطار

عاشرا - عقد الصلح كاشف للحقوق

رغم ورود الصلح من بين العقود التي تقع على الملكية لا يعني أنه يعمل على نقلها حيث أن من الآثار المترتبة عن عقد الصلح أن الحق الذي انتقل للمتصالح بمقتضاه يجد سنده في مصدره الأول أي السند الذي انتقل بموجبه إلى الشخص الذي تصالح به لا إلى عقد الصلح الذي انتقل بموجبه إلى المتصالح معه فمثلا إذا وقع نزاع بين شريكين في شركة حول نصيب كل منهما في الشركة و أبرما صلحا يحدد نصيب كل منهما بشكل محدد فإن كليهما يعتبر مالكا لهذا النصيب لا بمقتضى عقد الصلح و لكن بمقتضى عقد الشركة الذي أبرم مند البداية.

وعند تفحص الفصول المنظمة لعقد الصلح نجد أن خاصية الأثر الكاشف للصلح تجد سندها في الفصل 1105 من قانون الالتزامات و العقود الذي جاء فيه على أنه :

 " ...يتأكد لكل من طرفيه ملكية الأشياء التي سلمت له و الحقوق التي اعترف له بها من الطرف الآخر.."               

فالتأكيد و الاعتراف يعنيان إثبات ما كان عليه حاله، و تثبت وضعية ماضية و تأكيدها يستتبع الكشف عنها و إقرارها.

  احدى عشر - عقد الصلح يحسم النزاع

من أهم خصوصيات عقد الصلح أنه يحسم النزاع بحيث لا يجوز التراجع عنه ولو باتفاق الطرفين و قد أكد المشرع هذه الخاصية المميزة لعقد الصلح باعتباره أداة فعالة لحسم النزاع بموجب عدة فصول منها الفصل 1105 من قانون الالتزامات و العقود الذي أكد على أنه يترتب على الصلح أن تنقضي نهائيا الحقوق و الإدعاءات التي كانت محلا له.

و نجد أيضا الفصل 1106 من نفس القانون  الذي أكد على خاصية حسم النزاع حيث أنه لا يجوز الرجوع في الصلح ولو باتفاق الطرفين و كذلك نجد الفصل 1112 الذي خرج باستثناء فريد بتأكيده على عدم جواز الطعن في الصلح بسبب غلط في القانون و لعل هذا الاستثناء يجد تبريره في خاصية الصلح الذي يحسم النزاع بحيث حذف المشرع إمكانية إبطاله لغلط في القانون.

إضافة إلى ما سبق يؤكد الفصل 1113  من نفس القانون على أن المستندات التي كانت مجهولة منهما وقت التعاقد و التي اكتشفت فيما بعد لا تكون سببا لإبطال الصلح  ما لم يكن هناك تدليس من المتعاقد الآخر.

و لعل المشرع المغربي بتضمينه لهذه المقتضيات و كذا تقليص فرص إبطال عقد الصلح كعدم اعتداده بإمكانية إبطاله لغلط في القانون،  ينسجم مع التوجه الذي سلكه من خلال تأكيد اعتبار عقد الصلح مميزا عن باقي العقود بخاصية حسم النزاع على اعتباره من أبرز الوسائل البديلة لفض النزاع.

بقلم ذ كريم الرود
باحث قانوني و وسيط في حل النزاعات
 


أعلى الصفحة