القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ محمد بزطامي
محمد بزطامي باحث بصف الدكتوراه جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء
تحت عدد: 5
للتشريع الجمركي المغربي دور بالغ الأثر في اقتصاد البلاد، ليس فقط لأنه يحقق للدولة موارد مالية، و إنما أيضا لأنه السياج الذي تؤمن الدولة بواسطته فاعلية سياستها الاقتصادية و الاجتماعية. و قد واكب ذلك تأسيس تشريع جمركي و تقنينه في مدونة الجمارك و الضرائب الغير المباشرة التي تضمنت مقتضيات استثنائية أبرزت خصوصيات القانون الجمركي عن القواعد العامة، و يشكل إثبات المنازعات الجمركية احد الخصوصيات التي انفرد بها المشرع الجمركي المغربي.

ومما  لا شك فيه، أن أهم ما يميز المنازعات الجنائية الجمركية مقارنة بالمنازعات الجنائية بوجه عام هو ما أضفاه المشرع على المحاضر التي تحرر طبقا لأحكام قانون الجمارك من قوة ثبوتية، بحيث أعفى إدارة الجمارك من عبء الإثبات و جعله على عاتق المخالف. و لئن كانت المحاضر الجمركية تلعب دورا بارزا في إثبات الجريمة الجمركية فإن الجرائم الجمركية يمكن أن تنكشف بالطرق العادية كمحاضر التحقيق في البحث التمهيدي المحررة من قبل الشرطة القضائية، بل و حتى بالاستناد إلى المعلومات والمستندات الصادرة عن السلطات الأجنبية.

و إذا كانت سلطة القاضي في تقدير وسائل الإثبات كاملة في القوانين العامة، فإن الحال غير ذلك في المجال الجمركي حيث تتأرجح سلطته بين العدم و الإطلاق بحسب وسيلة الإثبات.

على ضوء ما سبق، فإن معالجة هذا الموضوع تتطلب منا من جهة الوقوف على خصوصيات وسائل الإثبات في القانون الجنائي الجمركي قبل النظر في كيفية تقدير هذه الوسائل من جهة أخرى.

الفقرة الأولى: خصوصيات وسائل الإثبات

يتم إثبات الجرائم الجمركية بوسيلتين: المحاضر الجمركية و طرق الإثبات الخاضعة للقواعد العامة (القانون الجنائي و المسطرة الجنائية ...).

و تعتبر المحاضر الجمركية الوسيلة المثلى للإثبات، لما تتضمنه من معاينات تسهل عملية الإثبات، و يختلف الأمر تماما بالنسبة للطرق الأخرى التي يكون فيها الإثبات وفقا للقواعد العامة.

- المحاضر الجمركية: و يقصد بها الأوراق التي يحررها أعوان الجمارك وكذا الموظفون المؤهلون لذلك لإثبات ما يقفوا عليه من جرائم جمركية و ظروفها و أدلتها و مرتكبيها، و قد وصفت تلك المحاضر بأنها "شهادة صامتة مثبتة في ورقة"[1]

وكما هو معلوم فإن البحث عن الجرائم يتم عادة عن طريق إجرائي الحجز والتحقيق الجمركيين. و في كلتا الحالتين يتعين على الأعوان الذين اكتشفوا الجريمة تحرير محضر بالنتائج التي انتهت إليها هذه الإجراءات كما نصت على ذلك المادة 240 من مدونة الجمارك بالنسبة لإجراءات الحجز.

    والملاحظ أن المادة 233 من مدونة الجمارك منحت لأعوان الجمارك حق حجز وسائل النقل في إطار إجراء الحجز الجمركي، و الثابت من استقراء مجمل أحكام قانون الجمارك ذات الصلة بإجراء الحجز الجمركي، أن المشرع لم يستثني أفراد الشرطة القضائية المنصوص عليها في المسطرة الجنائية و باقي الأعوان الآخرين المشار إليهم في المادة 233 من مدونة الجمارك من حق مباشرة حجز البضائع بما فيها وسائل النقل،  غير أن ما جاء به المشرع يحمل على الاعتقاد بأن إجراء الحجز الجمركي لاسيما عندما يتعلق الأمر بحجز وسائل النقل من صلاحيات أعوان إدارة الجمارك وحدهم .

- طرق الإثبات الأخرى: تجيز مدونة الجمارك في المادة 247 إثبات المخالفات الجمركية بجميع الطرق القانونية حتى ولو لم يتم أي حجز و لو لم تكن البضائع محلا لأي ملاحظة.

يحدث هذا على وجه الخصوص في الحالات الآتية :

o    إذا قام أعوان إدارة الجمارك بإجراء تحقيق ولم يكتشفوا بضائع محل الغش ولم يباشروا أو يجروا أي حجز أو معاينة طبقا لأحكام قانون الجمارك و اكتفى المحضر بنقل تصريحات الأشخاص.

o    إذا عاين ضباط و أعوان الشرطة القضائية جرائم جمركية إثر تحقيق تمهيدي أجروه وفقا لقانون المسطرة الجنائية.

o    إذا عاين الأعوان الآخرون المشار إليهم في المادة 233 من قانون الجمارك مخالفات جمركية اثر التحقيقات الجنائية و الأمنية أو الاقتصادية التي يجروها وفقا للقوانين الخاصة التي تحكمهم.

o    إذا تم معاينة المخالفات الجمركية بالاستناد إلى المعلومات والشهادات و المحاضر وغيرها من الوثائق التي تسلمها أو تضعها سلطات أجنبية في إطار اتفاقيات التعاون المشترك.

و فضلا عن الحالات المذكورة يستشف من استقراء الاجتهادات القضائية وجود حالات أخرى، تتمثل في ظهور ما يثبت أن محضر الحجز قد شابه تدليس أو إكراه.

الفقرة الثانية: تقدير وسائل الإثبات في القانون الجنائي الجمركي

من المسلم به قانونا وقضاء، أن القضاء الجنائي يستقل بتقدير وسائل الإثبات و لا مراقبة عليه في تقديرها، فما مدى تكريس هذا المبدأ في القانون الجمارك؟

 يبدو لنا من أول وهلة، أن القانون الجمركي لم يترك للقاضي أي هامش للحرية في تقدير وسائل الإثبات و خير دليل على ذلك ما نصت عليه المادتان 233 و 240 من مدونة الجمارك.

غير أن المتمعن في أحكام قانون الجمارك يدرك أنه بالرغم مما يتميز  به القانون من إجحاف في حق القاضي بخصوص تقدير وسائل الإثبات فإنه خلافا لما يعتقده الكثير، لم يجرده من كل صلاحياته في هذا المجال إذ ترك له هامشا للحرية يتسع و يتقلص بحسب طبيعة وسيلة الإثبات. و تعتبر المحاضر الجمركية من الوسائل التي تكون فيها السلطة التقديرية للقاضي محدودة و تكون المعاينة الجمركية صحيحة إذا تم تحريرها وفق مقتضيات المادة 240    من مدونة الجمارك.

أولا: القوة الثبوتية للمحاضر الجمركية: خص قانون الجمارك محاضر الحجز و المعاينة الجمركية بقوة ثبوتية غير مألوفة في القانون الجنائي و تختلف هذه القوة بحسب مضمون المحاضر وعدد محرريها و صفتهم فتكون لها قوة كاملة في حالة واحدة أشارت إليها المادة 242من مدونة الجمارك:

أ- الحالة التي تكون فيها للمحاضر الجمركية حجية كاملة بحيث تكون صحيحة إلى أن يطعن فيها بالزور عند توافر شرطين اثنين أولهما يتعلق بمضمون المحاضر و هو نقل معاينات مادية وثانيهما يتعلق بصفة محرري المحاضر و عددهم ، أي أن تكون محررة من قبل عونين  اثنين على الأقل من بين الأعوان المحلفين المشار إليهم في المادة 233 من قانون الجمارك.

و الجدير بالذكر أن القوة الثبوتية للمحاضر الجمركية، عندما تنقل معاينات مادية، تنحصر في المخالفات الجمركية ولا تنصرف إلى جرائم القانون الجنائي التي قد يعاينها أعوان الجمارك كالسب أو الإهانة أو التعدي...

ب- الحالة التي تكون فيها المحاضر الجمركية محررة من قبل عون واحد: إذ تعتبر صحيحة إلى أن يثبت العكس.

ثانيا: حدود حجية المحاضر الجمركية: أضفى المشرع المغربي على المحاضر الجمركية قوة ثبوتية غير أنه حرص على التلطيف من حدة هذه القوة حماية لحقوق الدفاع بحيث أجاز للمتهم الطعن في صحة المحاضر عن طريق الطعن بالبطلان كما أجاز له أيضا الطعن في صحتها عن طريق الطعن بالزور، الذي لم يحدد فيه قانون الجمارك إجراءات الطعن بالزور في المحاضر الجمركية. و بالرجوع إلى قانون المسطرة الجنائية نجد أن المشرع بين من حيث الإجراءات الواجب إتباعها بحسب الجهة التي يقدم أمامها الطعن بالتزوير.

من خلال دراسة حجية الإثبات بواسطة المحضر في المواد الجمركية يتبين مدى الاختلاف الحاصل بين النظام الجمركي و ما هو مطبق في القواعد العامة، ولعل هذا ما يميز  خصوصية القانون الجمركي لإثبات الجرائم و ذلك من خلال :

-          الطابع المطلق للقرائن القانونية التي يعج بها قانون الجمارك؛

-     تقييد القاضي الجنائي أمام المحاضر الجمركية بسبب  الحجية الخاصة و التي أضفاها المشرع في الفصل 242 من قانون الجمارك؛

-          مدى محدودية الأفراد في الدفاع عن نفسهم ضد الجريمة الجمركية؛

 

المراجع:

-          Mohamed HOUSNI, Le droit douanier au Maroc, L’Harmattan, 2011.

-          Règlementation des douanes et impôts indirects, VI.II .1994 

-          Jean Denizard, La charge de la preuve en matière pénale, Thèse, Lille, 1956.

-          مدونة الجمارك و الضرائب الغير المباشرة

-          قانون المسطرة الجنائية



[1]Jean Denizard, La charge de la preuve en matière pénale, Thèse, Lille, 1956.p 45

بقلم ذ محمد بزطامي
محمد بزطامي باحث بصف الدكتوراه جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء