القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ بدر الشافي
طالب باحث
تحت عدد: 441
تفعيلا لمبادئ الديمقراطية التشاركية وتمكين

 المواطنين والمواطنات  من المشاركة السياسية الفعلية وتدبير الشأن العام وصنع القرارات ذات الأولويات بالنسبة لهم وإيجاد الحلول لإشكاليات التنمية ،نص الدستور الجديد في كل من فصله الأول، الفصل الرابع عشر، والفصل الخامس عشر، وفي فصله المائة والتاسع والثلاثين على مشاركة المواطنين من خلال تقديم ملتمسات في مجال التشريع أو تقديم العرائض إلى السلطات العمومية ،بالإضافة إلى تمكين المواطنين والمواطنات والجمعيات من تقديم العرائض لمطالبة المجالس الجهات والجماعات الترابية بإدراج نقطة تدخل في اختصاصاته ضمن جدول أعماله.

    من خلال ما تم التنصيص عليه دستوريا والذي يهمنا في هذه الدراسة هو الفصل الخامس عشر الذي نص على "للمواطنات و المواطنين الحق في  تقديم العرائض للسلطات العمومية ويحدد قانون تنظيمي شروط وكيفيات ممارسة هذا الحق " [1] من خلال ماورد في الفصل اعلاه لقد خول الدستور المغربي للمواطنين والمواطنات حق تقديم العرائض وألزم السلطات العمومية بإحداث هيئات للتشاور ، الهدف منها إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها وفق ما هو منصوص عليه في الفصل 13"تعمل السلطات العمومية على إحداث هيئات للتشاور ، قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها ."[2] غير أنه ترك للقانون التنظيمي تحديد كيفية ذلك .

وفي سياق هذا الأمر صدر قانون تنظيمي رقم 44.14 بتحديد شروط وكيفيات  ممارسة الحق في تقديم العرائض إلى السلطات العمومية ، وعليه سنحاول أن ندرس هذا القانون التنظيمي ونبين نقاط القوة ونقاط الضعف معتمدين في ذلك على التجارب الدولية في مجال تقديم العرائض وسنحاول أن نبرز اكبر عدد من التجارب حتى يتضح لنا النواقص التي رافقت القانون التنظيمي أعلاه .

ورد في الفقرة الأولى من المادة الثانية من .ق.ت.المتعلق بتقديم العرائض تعريف للعريضة ، حيث عرفها ب : "العريضة : كل طلب مكتوب يوجهه مواطنات ومواطنين مقيمون فوق التراب الوطني أو خارجه إلى رئيس الحكومة ، يتضمن مطالب أو توصيات أو مقترحات ،يعرضها أصحابها ،بصفة جماعية ،على هذا الأخير قصد اتخاذ ما يراه مناسبا في شانها في إطار احترام مقتضيات الدستور والقانون "[3]

"والعريضة حسب هذا النص طلب يتضمن مقترحات وتوصيات ومطالب تحال على رئيس الحكومة باعتباره رئيسا للسلطات العمومية. وهذا التعريف لا يميز العريضة على الطلبات العادية"[4]،  كما يمكن لحق تقديم العريضة أن يتلاقى مع حق التقاضي  ، الأمر الذي يوجب تحديد نقط التمايز بين هذان الحقان الدستوريان [5].

بالإضافة إلى أن عبارة  للمواطنين و المواطنات لا يمكن الأخذ بها بشكل مطلق في التعريف أعلاه و التي يجب أن نستستثني منها  الأشخاص الذين منع عنهم حق الاقتراع . والمنصوص عليهم في المادة الخامسة و السادسة من مدونة الانتخابات.

من خلال المادة الخامسة و والسادسة التي تتطرق لحالات المنع من القيد في اللوائح الانتخابية نستنتج منها انه :

لا يجوز للأشخاص المحكوم عليهم بإحدى العقوبات المشار إليها في البنود (ب) و(ج) و(د) من المادة الخامسة أن يطلبوا قيدهم في اللوائح الانتخابية إلا بعد انصرام خمس سنوات من تاريخ قضاء العقوبة أو تقادمها أو من التاريخ الذي أصبح فيه الحكم نهائيا إذا تعلق الأمر بعقوبة موقوفة التنفيذ وذلك دون إخلال بالحالات التي يحكم فيها بالحرمان من حق التصويت لمدة أطول.[6] وبالتالي لا يمكن لهؤلاء المواطنين والمواطنات ممارسة حق تقديم العرائض إلا بعد انصرام خمس سنوات من تاريخ قضاء العقوبة أو تقادمها...

أيضا عبارة المواطنين والمواطنات لا يمكن الأخذ بها بشكل مطلق ، حيث نرى في هذه الأخيرة لا تنطبق أيضا على العسكريين  ، وعلة ذلك أن النصوص القانونية المغربية ،تحظر على العسكريين ممارسة حق الاقتراع ، ربما يرجع ذلك لعدة اعتبارات الغرض منها إبعاد العسكريين من الاشتراك في المعارك السياسية التي قد تبعدهم عن واجبهم الأصلي المتمثل في الدفاع عن الوطن ، بالإضافة إلى أن ممارسة حق تقديم العرائض قد يتعارض مع طاعة العسكري لرئيسه ، وان اهتمام العسكري بالشؤون العامة قد يصرفه عن ممارسة مهمته الأصلية،كما ان تقديم العريضة من قبل العسكري ثم نشرها قد يؤدي الى تعريض المهنة العسكرية للإحراج والخطر.

إلا انه يمكن التخفيف من ذلك بالسماح للعسكري إذا تعلق الأمر بمصالح أحد من أصوله أو فروعه أو زوجته و كان هذا الشخص هو المكلف الوحيد برعايتهم ،وان تلك المصلحة الخاصة بهم لا تمت بأي صلة بوظيفته العسكرية بل يتوجب قبول العريضة حتى وان تعلق الأمر بمصلحة شخصية  و كانت لا تتعلق بالأمور العسكرية ، كما لو كانت تتعلق بمصلحة له مع إحدى الدوائر الحكومية كالمياه والمواصلات  .

و هذا الأمر معترف به في النظم القانونية الغربية ، ففي عام  1915 قدمت عريضة  إلى رئيس مجلس الشيوخ موقعة من عسكري بالخدمة  موضوعها طلب المساعدة الاجتماعية لحمايته من قبل الجهة التي تتولى مساعدة المسنين ، وقد قبلت اللجنة المختصة في مجلس الشيوخ العريضة ثم أرسلها المجلس إلى وزير الداخلية[7] .  

 أيضا نص الفصل 15 جاء بصيغة " للمواطنات و المواطنين " أي انه لم يضع قيود تشمل الجنس  ، غير أن هذا اللفظ هل يمكن أن لا يشمل الأشخاص المحرومون من الحقوق السياسية إما بسبب الأهلية و الأشخاص المقبوض عليهم أو المحكوم عليهم بالتحريم من الحقوق السياسية و المدنية حيث أن هؤلاء لا يجب حرمانهم من حق تقديم عرائض التماس العفو من الحكم.

في هذا الإطار اتجه الفقيه "روس" في أحد محاضراته في القانون الدستوري إلى اعتبار "حق تقديم العرائض يمكن ممارسته من قبل النساء الكادحات ، ومن قبل الأشخاص المحكوم عليهم بالحرمان من الحقوق المدنية ، لا بل يمكن القول أن هذا الحق يمكن تقريره للأشخاص الذين حكم عليهم بالموت المدني*."[8]

وإذا كنا نتكلم عن التخفيف أو السماح للمواطنين اللذين تكلمنا عنهم أعلاه واللذين أصلا لا يمكنهم التقييد في اللوائح الانتخابية بحكم القانون (العسكريين ،المحكوم عليهم بالحرمان من الحقوق السياسية...)، فلماذا لا يمكن للمواطنين غير المقيدين في اللوائح الانتخابية ان يمارسوا حق تقديم العرائض ، فهذه مسألة أخرى تثير الاهتمام والمتعلقة بشرط التقييد في اللوائح الانتخابية ، الذي يعتبر بالأساس من ضمن الشروط الضرورية لقبول العريضة من طرف المواطنين ، وعليه فهذه المسألة تعتبر إجحافا في حق المواطنين غير المقيدين في اللوائح الانتخابية ، علما منا أن هذه الفئة هي ربما غير راضية عن السياسات العمومية وترفض المشاركة السياسية لأنها ترى فيها أنها لا تعبر عن طموحاتهم وحاجياتهم ، وبالتالي حرمان هذه الشريحة والتي على الغالب هي أكثر كثافة عددية من الفئة المقيدة ،ومن تم كيف يمكننا إشراك جميع المواطنين سواء كانوا مقيدين او غير مقيدين في اللوائح الانتخابية ؟ وهل عدم التقييد في اللوائح ينقص من وطنية المواطنين ؟ فالمشاركة السياسية تدخل في باب الحقوق المعترف بها دستوريا ، واستعمال هذا الحق أو عدم استعماله يبقى مرتبط بالشخص وبالظروف التي تحكم استعمال هذا الحق ، وبالتالي ف "هذا الشرط يبدو من موقعه هذا على انه يؤسس لنوعين من المواطنين المخاطبين بالدستور ، نوع أول يتمتع بالحقوق المدنية والسياسية ولا حق له في ممارسة جميع الحقوق الدستورية ، ونوع ثان يتمتع بالحقوق المدنية والسياسية ، وبالحقوق الناتجة عن القيد في اللوائح الانتخابية وهو فقط من له ممارسة عدد من الحقوق المخولة دستوريا"[9] ، هذا فقط عن المنع المرتبط بالمواطنين اللذين لا يحق لهم ممارسة حق تقديم العرائض ، وتجدر الإشارة أيضا ان هناك موانع أخرى نصت عليها المادة الرابعة من نفس القانون التنظيمي والتي لا يمكن فيها تقديم العرائض .

في هذا الصدد وبالمقارنة مع بريطانيا ذهبت هذه الاخيرة "  سنة 1669 إلى تأكيد مجلس العموم البريطاني آن من حق أي شخص إعداد العرائض و تقديمها إلى مجلس العموم حول آي أمر محل تظلم  وعلى مجلس العموم أن يتلقى تلك العرائض ويفحصها ويحدد موضوعها  وطبيعتها و أن يصدر حكمه فيما إذا كانت تستحق القبول أو الرفض ".[10]

  وعليه "فالعريضة أصلا آلية من آليات تصريف مقتضيات الديمقراطية المواطنة التشاركية . وهي مشاركة في صنع القرار للحصول على نتائج إيجابية . ومن تجلياتها ميثاق عمل لحل المشاكل عن قرب عن طريق التكامل بين الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية . وقد تقدم العريضة إلى البرلمان إذا تعلق الأمر بالعريضة التشريعية التي تسعى إلى تعديل دستوري . وهذا ما لم يمكن توفره عندنا بمنطق الدستور. وهذه تجربة في بوركينا فاصو في الفصل 58 من الدستور . والمادتين 146 و147 من النظام الداخلي . أما الدول العريقة في الديمقراطية فحدث ولا حرج "[11] على سبيل المثال "الدستور الاسكتلندي حدد المجالات التي من خلالها يمكن للموطنين تقديم العرائض بشأنها التي أوردها علي سبيل الحصركمايلي: 
-التربية و التعليم -الصحة -الإسكان -العدالة -الحكومة المحلية -التخطيط الشرطة وخدمات إطفاء الحريق -الموصلات"[12]

أيضا مسالة تقديم العرائض إلى رئيس الحكومة ، لماذا لا تضع الحكومة موقعا الكترونيا لاستقبال العرائض كما هو الحال في بريطانيا حيث وضعت موقعا لاستقبال العرائض،أيضا "تجربة البرلمان الاسكتلندي: كل ما تحتاجه لتقديم عريضة إلي البرلمان الاسكتلندي هو التوقيع و لا توجد اى قيود سواء : في سن مقدم العريضة او لغة التي تقدم بها العريضة ، كما يمكن تقديم  العريضة إلي البرلمان الاسكتلندي الكترونيا "[13].

أيضا مسألة مآل العريضة ، تطرح عدة إشكالات خاصة على مستوى القوة الإلزامية ، بحيث أن القانون التنظيمي أفرغها من كل قوة إلزامية ، وسمى بها فقط إلى مرتبة التنبيه إلى طلب أو مقترح ، أو توصية . في حين أن هذه المقترحات تم مأسستها وأصبحت دارجة ضمن المجال الإداري وبالتالي يمكن الطعن فيها في حالة رفضها ، لكن القانون التنظيمي كان مجانبا للصواب في هذه المسألة وطرح تناقضا آخر يجب الانتباه له في التعديلات المقبلة . أيضا بالنسبة للشروط المرتبطة في العدد كان على المشرع أن يرفع سقفها بنسبة أكبر وأن تكون هناك نسبة موزعة على جميع جهات المملكة ، حتى تشمل جميع المواطنين. فهذا العدد الحالي وبهذا الشكل يمكن أن يفتح بابا لجمع المرتزقة ، بل الأكثر هذا العدد سيسمح بكثرة المطالب والاقتراحات والتوصيات ، وقد تكون في بعض الأحيان في غير ذي محلها وبالتالي سننتظر الممارسة وما ستفرضه على أرض الواقع .  

    وعلى العموم إن القانون  الذي نحن بصدده خطوة إيجابية بالنسبة للتنزيل الديمقراطي للمقتضيات الدستورية من الناحية الشكلية لكن من حيث المضمون يحتاج إلى تدعيم وتقوية وأملنا في الحكومة أن تطور هذه المضامين إضافة إلى المجلس الوزاري والبرلمان والمحكمة الدستورية والمجتمع المدني حتى نؤسس لهذا الحق المتعلق بالعرائض[14]

 



[1]  ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 شعبان 1432 (29 يوليو2011 ) بتنفيد نص الدستور.

[2]  نفس المصدر السابق .

[3]  مشروع قانون تنظيمي رقم 44.14 بتحديد شروط وكيفيات  ممارسة الحق في تقديم العرائض إلى السلطات العمومية.

[4]  نورا لدين قربال ،" مشروع قانون تنظيمي رقم44.14 المتعلق بالعرائض " ،نشر في الرأي المغربية يوم 01 - 05 - 2015

[5]   انظر رشيد لزرق ،"الدستور المغربي وحق تقديم العرائض.. دراسة مقارنة بين التجارب الدولية والتراكم المغربي (4/4"نشر في المساء يوم 09 - 01 - 2014

[6] انظر ظهير شريف رقم 83-97-1 صادر في 23 من ذي القعدة 1417 بتنفيذ القانون رقم 97-9 المتعلق بمدونة الانتخابات (ج. ر بتاريخ 24 ذي القعدة 1417 - 3 أبريل 1997).

[7] انظر ، امين سلامة العضايلة ،"حق تقديم العرائض في الدستور الاردني لعام 1952"- شبكة قانوني الاردن.ص.14. ف. 2

[8]  نفس المرحع السابق ص:13 ف.2 .

*مرادف الكلمة الموت المدني / الحرمان الكامل من الحقوق المدنية باللغة الإنجليزية هو : Civil Death.

 

[9]  نبيل بو حميدي ،"قراءة في مشروعي القانونين التنظيميين المتعلقين بالحق في تقديم العرائض والملتمسات التشريعية"،ص.16 مجلة العلوم القانونية،العدد الثالث،مطبعة الامنية.

[10]إبراهيم ايت المودن ،ملتمسات التشريع في دستور 2011 ،  الخميس 21 فبراير 2013 www.marocdroit.com

[11] نورا لدين قربال ،" مشروع قانون تنظيمي رقم44.14 المتعلق بالعرائض " ،نشر في الرأي المغربية يوم 01 - 05 - 2015

إبراهيم ايت المودن،نفس المرجع السابق [12]

[13]  إبراهيم ايت المودن،نفس المرجع السابق .

[14]  نورالدين قربال ،نفس المرجع السابق. 

بقلم ذ بدر الشافي
طالب باحث
 


أعلى الصفحة