//

 
القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ محمد بيسي
طالب باحث بالكلية المتعددة التخصصات بتطوان
تحت عدد: 372
: مقدمة
شكلت الموارد الضريبية ولا تزال منظومة

 لها حساسية خاصة، باعتبارها تعبير عن واقع قانوني يعكس جدلية العلاقة بين الدولة كسلطة عامة تتمتع بشرعية الفرض الضريبي، والمواطن كمعني مباشر بالتضريب. هذه العلاقة انطبعت في جانب كبير من مساحتها التاريخية باتجاه احادي غلب على الدوام على منطق الضريبة كواجب مفروض، ولم يول كثير من الاهتمام لشروط التفاعل الايجابي بين منطق الواجب هذا، ومنطق الحق الذي يجعل المواطن محميا في جميع الاحوال ومقتنعا بأداء واجبه الضريبي[1]، خصوصا وأن النظام الضريبي المغربي يقوم على أساس مبدا الاقرار التلقائي، حيث يلتزم الملزم بالضريبة بإيداع تصريحه  الذي يتضمن كل المعلومات الخاصة بنشاطه ومداخيله، وأنه على أساس ذلك الاقرار تقوم الإدارة الضريبية بتحديد أسس الضريبة. فالعدالة الضريبية تتطلب الصدق وسلامة البيانات الواردة بالتصريح، ومن هنا جاء حق إدارة الضرائب وسلطتها في فحص ورقابة كل عناصر الوعاء الضريبي، وبالتالي التحقق من سلامة ما جاء بالتصريحات من بيانات ووثائق، حتى يتم الفرض الضريبي على أساس من العدالة.

وعليه، فإن التصريح لا يعتد به إلا في حدود مطابقته للواقع ونصوص القانون، وهو لا يقيد إدارة الضرائب كما لا يقيد المكلف بالضريبة نفسه، فيجوز لكل منهما أن ينازع فيه إذا ما ثبت مخالفته للحقيقة أو لنصوص القانون.

            وتباشر إدارة الضرائب الرقابة الضريبية عن طريق إما الرقابة المكتبية الداخلية؛ وفيها تقوم بالمراجعة المكتبية للتصريحات الضريبية، سواء من حيث انتظامها أو أمانتها ومدى اتفاقها مع البيانات والمعلومات المتوفرة لديها، واما عن طريق الرقابة لدى المكلف بالضريبة؛ وفيها تلجأ إدارة الضرائب إلى التدقيق في محاسبة المكلف بالضريبة أو التدقيق المعمق لوضعية الضريبية ، فالسلطة التقديرية تعتبر من بين الصلاحيات القانونية التي خولها المشرع لإدارة الضرائب لتحديد أو مراجعة أساس فرض الضريبة وفق شروط معينة. وبالمقابل يستفيد الخاضع للضريبة بحق المنازعة في هذا الأساس أمام القضاء وفق المساطر التي نص عليها القانون.

فبقدر ما يحق للملزم أن ينازع بكل الوسائل القانونية دفاعا عن وجهة نظره في ما يتعلق بتحديد أساس فرض الضريبة بقدر ما تتجلى مسؤولية الإدارة في الدفاع والحفاظ على موارد خزينة الدولة وتعزيزها من خلال توسيع الوعاء الضريبي مع مراعاة الأحكام والمبادئ التي تؤمن توزيعا عادل للعبء الضريبي.

انطلاقا من هذا المبدا، فان لكل ملزم بالضريبة يشعر بأنه متضرر من تصرفات الادارة الضريبية القانونية أو المادية الحق في أن يلجأ الى القضاء الاداري لمخاصمة الادارة المعنية بموجب دعوى قضائية يطلب فيها ابطال القرارات الصادرة عنها المتسمة بعدم المشروعية أو يلتمس وقف تنفيذها مؤقتا لحين الفصل في مدى مشروعيتها أو تعويضه  عن الأضرار الناجمة عن اعمال الادارة[2].

ومن هنا تأتي أهمية موضوع الفرض التلقاي للضريبة لكونه يعتبر  احد انواع القرارات الادارية التي تتخذها الادارة الضريبية في تحديد الدخول الخاضعة للضريبة  المستحقة، حيث أنها تلجأ لهذا الاسلوب في حالات معينة مستندة لما لها من قوة في تنفيذ القانون وما تتمتع به من صلاحيات .

 ولهذا فإن تدخل الإدارة الضريبية بامتيازاتها وسلطتها العامة في الفرض التلقائي الضريبي ينبغي أن يظل في إطاره الاستثنائي بحيث لا يلجأ إليه إلا في حالة عدم إدلاء الملزم بإقراره أو الإدلاء به ناقصا أو تضمينه معطيات مخالفة لحقيقة النشاط الاقتصادي. ولهذا كان من الضروري إحاطتها بسياج من القيود والضوابط منعا لكل تعسف محتمل وتفاديا لكل مفاجأة تمس المركز المالي للملزم بالصريبة الذي يعتقد في نفسه بأنه في وضعية جبائية سليمة.

من هذا المنطلق تتجلى اشكالية هذا الموضوع  المتمثلة في ما هي الاجراءات المسطرية المتبعة من طرف الادارة الضريبية في الفرض التلقائي للضريبة؟ وما هي الاثر المترتبة عن الحكم ببطلانها؟.

فتبعا لذلك وفي اطار معالجتنا لهذه الاشكالية ، ارتأينا تقسيم الموضوع الى مبحثين أساسيين :

المبحث الأول : المسطرة المتبعة من طرف الإدارة في الفرض التلقائي للضريبة

المبحث الثاني : أثر الحكم ببطلان مسطرة الفرض التلقائي للضريبة


المبحث الأول : المسطرة المتبعة من طرف الإدارة في الفرض التلقائي للضريبة

       أحاط المشرع المغربي مسطرة الفرض التلقائي للضريبة بمجموعة من القيود، وذلك منعا لكل تعسف محتمل وتفاديا لأي مفاجأة قد تمس بالمركز المالي للملزم[3]، خصوصا وانه خلال هذه المرحلة تقوم الإدارة الضريبية بصورة انفرادية بتقدير الوعاء الضريبي،  وهو الشئ الذي قد لا يتم الاتفاق حوله بين الإدارة الضريبية والمكلف بشأن الاساس الذي اعتمدته هذه الاخيرة في فرض الضريبة بشكل تلقائي، مما قد يؤدي الى التنازع بشأنها أمام إدارة الضرائب نفسها أو داخل اللجان الضريبية، أو أمام القضاء باعتبار أن الإجراءات المتعلقة بالمنازعات الجبائية على مستوى فرض الضريبة واحتسابها يشتمل على عدة مقتضيات مسطرية، الغاية منها تخويل الملزمين ضمانات مهمة، علما بأن الهدف المتوخى من هذه الإجراءات هو إقرار توازن أكثر بين الواجبات المفروضة على الخاضعين للضريبة وبين السلطة التي يخولها القانون للإدارة[4]. لا سيما اذا علمنا بان الادارة تستعين في بعض الحالات بآراء لجن استشارية في فرض الضريبة، وبالتالي فإن مساهمة الملزم في هذه الحالات تكون شبه منعدمة[5]، مما قد يؤدي إلى المس بحقوقه.

وعموما فالمسطرة المتبعة من طرف الادارة في الفرض التلقائي للضريبة تمر بصفة أولية من مسطرة الفحص والتصحيح (المطلب الأول)، ليتم بعد ذلك اللجوء إلى الفرض التلقائي للضريبة (المطلب الثاني) إذا تقاعس الملزم عن القيام بالتزاماته القانونية.

 

 

المطلب ألأول:  مسطرة الفحص والتصحيح الضريبي

  تعتبر مهمة المراقبة التي تقوم بها إدارة الضرائب من المهام الأساسية التي تمارسها هده الأخيرة بحيث  خول لها المشرع مجموعة من الصلاحيات فيما يتعلق بعملية فحص و تصحيح أوجه النقص والأخطاء و الاغفالات التي قد تكون شابت عملية  تأسيس الضريبة بصفة كلية او جزئيه، إذا تبين لها من خلال البيانات المتوفرة لديها ضرورة التدخل لتغيير الأساس الضريبي من خلال اتباع مساطر قانونية[6] تتنوع بين مسطرة الفحص الضريبي (الفقرة الأولى) ومسطرة المراجعة أو التصحيح (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : مسطرة الفحص الضريبي

تتجسد مسطرة الفحص الضريبي في انتقال المفتش الى مكاتب الملزم للإجراء تحقيق معمق على مضمون المحاسبة ومقارنتها مع مضامين التصريحات, و كدالك معاينة النشاط المهني والإطلاع على جميع الوثائق الثبوتية  ودلك لمدة محددة ووفق إجراءات معينة، وقد عرف القضاء الفرنسي مفهوم فحص المحاسبة من خلال قرار بلانيير الصادر بتاريخ 13/3/1967 بأنه مراقبة صدق إقرارات الخاضع للضريبة وذلك من خلال مقارنتها مع البيانات المحاسبية من أجل ضمان فرض عادل للضريبة[7].

وتعتبر مسطرة الفحص الضريبي من الحقوق الثابتة للإدارة الضريبية، إلا أن استعمالها لهذا الحق يستوجب عليها إتباع إجراءات محددة نص عليها القانون، مما يقيد عملها ويعطي ضمانات هامة للملزم.

وتبتدئ هذه المسطرة بتوجيه إشعار بالفحص للملزم (أولا) من اجل القيام  بمراقبة الوثائق المحاسبية والوقوف على كل المعطيات القانونية والواقعية ذات الصلة بتحديد الأساس الضريبي (ثانيا).

أولا: الإشعار بالفحص الضريبي

 يعتبر الإشعار بالفحص الضريبي من الضمانات الأساسية المخولة للملزمين, بحيث ان إدارة الضرائب ملزمة بإشعار كل ملزم تنوي إجراء مسطرة الفحص الجبائي معه، فالإشعار بالفحص يعد عماد التوجيب الضريبي وركيزته الاساسية التي يستمد منها شرعيته في الأحوال التي يتخلف فيها الخاضع للضريبة عن تقديم إقراره الضريبي أو تقديمه لإقرار تنقصه المعلومات اللازمة لربط الضريبة أو عند إقدام الإدارة الجبائية بفحص محاسبة الخاضع للضريبة أو بمناسبة مراجعتها لإقراره[8].

وفي هذا الصدد تنص المادة 212 من المدونة العامة للضرائب على ضرورة قيام الإدارة الجبائية بإرسال إشعار إلى الملزم تخبره فيه بنيتها في فحص محاسبته في أجل لا يقل عن 15 يوما من التاريخ المحدد، للفحص وهي نفس المقتضيات التي تم تأكيدها من خلال المادة الثالثة من كتاب المساطر الجبائية.

ويجب أن يتضمن ذلك الإشعار:

-         اسم العون الفاحص ورتبته بحيث يكون على الأقل في درجة مفتش مساعد

-         الفترة التي يغطيها الفحص[9].

-         طبيعة الضرائب المعنية بالفحص.

-         أن يكون الإعلام موقعا و مؤرخا من طرف رئيس فرقة التحقيق, ويحمل رقم هاتف المصلحة و عنوانها.

-         تاريخ بدء عملية الفحص، والتي لا ينبغي أن تتم قبل مرور خمسة عشرة15 يوما على تاريخ الإخطار بالفحص[10].

إن الهدف من هذا الإشعار، هو تمكين الملزم من إعداد الوثائق اللازمة للفحص, ووضعها رهن إشارة المفتش الفاحص، وكذا إعداد محل لاستقبال المفتش داخل المؤسسة. ويعد هذا الأجل كافيا، كما أنه من القواعد الآمرة، يترتب عن مخالفتها بطلان مسطرة الفحص برمتها، وهو بذلك يعد ضمانة مهمة لصالح الملزم، ضد عمليات الفحص المفاجئة. إلا أن الإشكال المطروح يتمثل في مدة 15 يوما، هل يتم احتسابها من تاريخ إرسال الإشعار أو من تاريخ التوصل به؟.

وفي هذا الصدد، ذهبت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى وهي تكرس هذه الضمانة التي من شأنها تمكين الملزم من تهيئ دفاعه والدفاع عن مراكزه القانونية إزاء عملية الفحص، إلى القول بإلغاء مسطرة فرض الضريبة لإخلال الإدارة الضريبية بمقتضيات تلك الضمانة، جاء في قرارها ما يلي[11]:"الآجال الفاصلة بين تاريخ التوصل بالإشعار بإجراء التفتيش وتاريخ حضور المفتش المحقق أمام الشرطة المعنية لفحص المستندات يجب، ألا تقل عن 15 يوما وإن العبرة في ذلك بتاريخ التوصل بالإشعار وليس بتاريخ الإرسال لما في ذلك من ضمانات لفائدة الملزم ليتمكن من تهيئ دفاعه"[12].

وعلى سبيل المقارنة فإن التشريع الفرنسي لم يشر إلى أية مدة من هذا النوع ولكن القضاء[13]، هو الذي قدرها وجعل ما يفصل عن تاريخ التسلم وبداية عمليات الفحص ينبغي أن يكون في حدود لا تقل عن 6 أيام كمدة معقولة لاستعداد المكلف، مع ضرورة إرفاق الإشعار بميثاق للملزم يوضح له حقوقه.[14]

وتجدر الإشارة إلى أن المادة 219 من المدونة العامة للضرائب تؤكد على أن يتم التبليغ بالعنوان المحدد من قبل الخاضع للضريبة في إقراراته أو عقوده أو مراسلاته المدلى بها إلى مفتش الضرائب التابع له مكان فرض الضريبة عليه وذلك إما برسالة مضمونة الوصول مع إشعار بالتسلم، أو أن يكون التسليم بواسطة المأمورين المحلفين التابعين لإدارة الضرائب أو أعوان كتابه الضبط أو الأعوان القضائيين أو بالطريقة الإدارية ويعتبر التبليغ صحيحا إلى الأشخاص التالية:

·        إلى الملزم نفسه.

·        إلى ممثله القانوني.

·        أو إلى أحد أقاربه.

·        أو إلى مستخدم عنه.

·        إلى أي شخص يسكن أو يعمل مع الموجهة إليه الوثيقة. وفي جميع الأحوال فإنه يثبت التسليم بشهادة تحرر في نسختين بمطبوع تقدمه الإدارة، وتسلم نسخة من هذه الشهادة إلى المعني بالأمر على أن تتضمن البيانات التالية:

§        اسم العون المبلغ وصفته.

§        تاريخ التبليغ.

§        الشخص الذي تسلم الوثيقة.

§        الإشارة إلى رفض توقيع شهادة التبليغ ممن تسلمه أو عدم استطاعته ذلك.

§        توقيع الشهادة من لدن العون.

وفي هذا الاتجاه قضت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) في قرار لها[15]: "برفض التبليغ الحاصل لحارس العمارة باعتباره ليس مستخدما لدى الملزم، ولا يسكن معه ولا يعمل عنده، وبالتالي فالتبليغ لحارس العمارة لا يعد تبليغا قانونيا على أساس أنه ليس من بين الأشخاص الذين يصح التبليغ إليهم".

ومعلوم أنه سواء تم التبليغ أو تعذر إنجازه لزم العون توجيه الشهادة إلى مفتش الضرائب المباشرة والرسوم التي في حكمها، والإشارة فيها إلى النتيجة التي آلت إليها مسطرة التبليغ، خاصة عند عدم إمكان الاتصال بالملزم أو ممثله القانوني[16].

إلا أن الملاحظ كون المشرع في التبليغ تارة يستعمل كلمة توجيه وتارة يستعمل التبليغ ونحن ندرك أهمية الفرق بينهما والآثار المترتبة عن كل منهما،  كحالة المادة 220 التي تقول :

-  في حالة عدم توجيه الإشعار بالتحقيق إلى المعنيين بالأمر داخل الأجل المنصوص عليه في المادة 212.

-  في حالة عدم تبليغ جواب المفتش على ملاحظات الخاضعين للضريبة داخل الأجل المنصوص عليه .

وقد استقر المجلس الأعلى بالغرفة الإدارية, أن العبرة بتبليغ الإشعار بالفحص واحترام أجاله وليس بواقعة التوجيه, وقضى بإلغاء الضريبة موضوع التصحيح لعدم تبليغ الإشعار بالفحص تبليغا قانونيا [17].

 وفي نفس السياق وارتباطا بأهم الضمانات المنصوص عليها خلال عملية الفحص، نجد المادة 212 من المدونة العامة للضرائب " تنص على أنه يحق للملزم الاستعانة بمستشار من اختياره الشخصي ليعينه في التعامل مع المفتش المراقب لوضع حد لبعض الممارسات غير القانونية التي كان يحتمل حدوثها"[18].

 

 

ثانيا : القيام بالمراقبة الجبائية

يمكن تعريف المراقبة الجبائية[19] بكونها تلك العملية التي تهدف إلى التثبت من صحة المعطيات التي تضمنتها إقرارات الخاضع للضريبة ومدى مطابقتها لوثائقه المحاسبية.

ولا يجب أن يفهم من هذا التعريف أن المراقبة الجبائية تقتصر فقط على فحص الوثائق المحاسبية، إذ تشمل البحث الميداني ومختلف التحريات للإطلاع على المعلومات التي توجد في حوزة الغير مادامت قد تفيد في تحديد الدخل أو الربح الخاضع للضريبة[20].

وعليه يجب أن تكون الدفاتر المحاسبية[21] مدعمة بمختلف الإثباتات من فاتورات المشتريات والأوراق المثبتة للنفقات ونسخ من الفاتورات المسلمة للزبناء أو أوراق الصندوق، وأن تكون خالية من أي بياض بين السطور وأن لا تتضمن أية إضافة أو محو أو تشطيب مما قد يدفع للتشكك في صحة بياناتها.

وإذا تعلق الأمر بمحاسبة ممسوكة بطريقة إعلامية، فيتعين على الملزم تسهيل مهمة المفتش بتمكينه من الولوج لهذه المحاسبة، وتسهيل حصوله على مختلف المعطيات المتعلقة بها. وينصب الفحص في هذه الحالة على المعالجات الإعلامية التي أفضت إلى تكوين رقم الأعمال والنتيجة الجبائية.

غير أن فحص المحاسبة لا يقف عند الدفاتر والوثائق المحاسبية كما سبقت الإشارة بل يمتد لمراقبة المخزون السلعي والتثبت من الوجود الفعلي للأصول الثابتة وغير الثابتة، إضافة إلى الإطلاع على ما يوجد لدى الغير المتعامل مع الملزم من وثائق المصلحة والوثائق المحاسبية التي قد تفيد في ضبط الدخل المستحق عنه الضريبة، وذلك للتأكد من جدية أو عدم جدية البيانات الواردة بالمحاسبة[22].

وبعد الانتهاء من عمليات الفحص يقوم المحقق بتبليغ نتائجه في إطار مسطرة تواجهية أطرتها المدونة بصورة دقيقة من خلال شكليات تتجسد في التعليل وتفصيل جميع التصحيحات وفق أجال معينة يترتب عن عدم احترامها بطلان مسطرة التصحيح برمتها[23]. و يعد تحديد مدة الفحص, من الضمانات الأساسية للخاضع للضريبة، الذي قد تشكل طول مدة تواجد المفتش الفاحص بمقاولته ضيقا و ضغطا نفسيا عليه[24]. فقبل المصادقة على قانون المالية لسنة1996/1997 كانت الإدارة الضريبية غير مقيدة بزمن معين لجريان عملية الفحص، فقد تدوم شهرا أو سنة أو حتى سنتين، ونظرا لتأثير ذلك على تدبير المقاولة، تم تحديد مدة الفحص، حسب مضمون قانون المالية السابق ذكره، في مدة لا تتعدى ست  6 أشهر، لا يدخل في حسابها كل توقف لعمل الفاحص نتيجة عدم تقديم الوثائق المحاسبية.

هذا التحديد وإن كان ضمانة للخاضع للضريبة, نظرا لقصر المدة, فانه كثيرا ما كان يضيع حقوق الخزينة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بفحص مقاولات كبرى, لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتمكن مفتش أو مفتشين من فحصها داخل تلك المدة.

أما بخصوص مدة الفحص المنصوص عليها في المدونة العامة للضرائب فهي[25]:

- ستة  6أشهر بالنسبة للمنشات التي يعادل أو يقل مبلغ رقم معاملاتها المصرح به في  حساب الحاصلات و التكاليف برسم السنوات المحاسبية الخاضعة للفحص عن خمسين 50 مليون درهم دون احتساب الضريبة على القيمة المضافة.

- اثني عشر 12 شهرا بالنسبة للمنشات التي يفوق مبلغ رقم أعمالها المصرح به في حساب الحاصلات و التكاليف برسم إحدى السنوات المحاسبية الخاضعة للفحص خمسون 50 مليون درهم دون احتساب الضريبة على القيمة المضافة[26].

وإذا كان المشرع قد ألزم الإدارة بضرورة إشعار الملزم بانتهاء عمليات الفحص[27]، وفق الشكل المنصوص عليه في المادة 219 من نفس المدونة، فان هذا الإعلام غير كافي للقول بإثبات المدة القانونية للفحص,ذلك أنه إذا كان من الممكن إثبات انتهاء عملية الفحص، فان المشرع لم ينص على أي إجراء معين لإثبات عملية بدء الفحص (كمحضر يوقعه الطرفان يؤرخ لتاريخ بداية عملية الفحص)، مما قد يطرح إشكالا على مستوى تحديد المدة، كالحالة التي لا تبدأ فيها الإدارة عمليات الفحص بعد خمسة عشر 15 يوما من توجيه الإشعار بالفحص لسبب من الأسباب. و إن كنا نعتقد أن اجل احتساب مدة الفحص يبدأ بعد توجيه الإشعار بخمسة عشر يوما15سواء بدأت الإدارة عملية الفحص في ذلك التاريخ أم لا. ومن شأن تجاوز الإدارة للمدة المحددة، بطلان مسطرة التصحيح, فما بني على باطل فهو باطل[28].

كما يمكن للخاضع للضريبة أن يمنع إتمام عملية المراقبة في حال تجاوز مدة الستة 6 أشهر أو الاثنى عشر12 شهرا، دون أن يترتب عن ذلك أية مسؤولية اتجاهه لأنه يكون قد طبق القانون[29].

الفقرة الثانية : مسطرة التصحيح الضريبي

تشكل مسطرة تصحيح الاساس الضريبي امتدادا ونتيجة طبيعية لمسطرة المراقبة الجبائية، بحيث تبتدأ حيث انتهت هذه الاخيرة . فإذا كشف مفتش الضرائب عن وجود اخلالات أو أخطاء أو اغفالات كلية او جزئية في تحديد أسس فرض الضريبة، فانه يستعمل لتصحيح ذلك حقا أخر ناتجا عن سلطة ادارة الضرائب وهو حق تصحيح الاساس الضريبي – بما لديه من حقائق وإثباتات حصل عليها – عن طريق مسطرة التصحيح والتي تسمى أيضا المسطرة التواجهية.

هذه المسطرة تقوم بها الادارة لتصحيح اساس فرض الضريبة الناتجة عن الاقرار التي ادلى به الملزم أو الذي تم فرضه بصورة تلقائية. وتتميز هذه المسطرة بأن عبء الاثبات عدم صحة المعطيات التصريحية كرقم الاعمال أو النتيجة الجبائية يكون على عاتق الادارة الضريبية، كما تتميز بطابع الالزامية بالنسبة للإدارة ورتب المشرع على عدم احترامها جزاءات بالنسبة للطرفين[30].

كما قيد المشرع سلطة الادارة وحقها في اجراء التصحيح بأجل التدارك أي أن الادارة ملزمة بمباشرتها عموما قبل انقضاء السنة الرابعة التالية المستحقة عنها الضريبة.

تباشر الادارة مسطرة تقويم التصريح اما مباشرة بعد عملية فحص المحاسبة في الحالة التي تكشف فيها محاسبة الخاضع عن وجود اخلالات أو نقصان في رقم الأعمال المصرح به، وإما بناء على المعطيات التي تحصل عليها من خلال القيام بتحرياتها  ومراقبتها او من خلال فحصها للوضعية الجبائية للملزم[31]. ويعتبر التبليغ جوهر هذه المسطرة، لذلك فالإدارة الضريبية تسلك اجراءات التبليغ في اطار مسطري إلزامي قصد اقامة حوار مدون مع الخاضع للضريبة وإعطاء قاعدة التواجه مضمونها الحقيقي[32]. حيث يجب على الإدارة الضريبية إشعار الملزم (أولا) قبل الشروع في مسطرة التصحيح الضريبي (ثانيا).

أولا: إشعار الملزم قبل مباشرة عملية التصحيح

يمكن للإدارة الضريبية أن تباشر عملية تصحيح الأساس الضريبي مباشرة بعد عملية الفحص، كما يمكنها أن تقوم بذلك دون اللجوء إلى مسطرة الفحص، و ذلك بناء على المعطيات التي تتحصل عليها من خلال إجراءات التحري و المراقبة، أو من خلال عملية فحصها للوضعية الضريبية للخاضع للضريبة[33].

ويتم تصحيح الأساس الضريبي وفق مسطرة تسمى المسطرة التواجهية مبنية على قواعد ملزمة لكل من الإدارة الضريبية و الخاضع للضريبة، حيث تعرض الإدارة الضريبية و الخاضع للضريبة، مواقفهما و ملاحظاتهما بُغية التوصل إلى اتفاق حول الأساس الضريبي الجديد.

وسواء تعلق الأمر بالمسطرة العادية، أو المسطرة السريعة لتصحيح الأساس الضريبي، فلقد ألزم المشرع الضريبي الإدارة الضريبية إذا ما اعتزمت أن تقوم بتصحيح الأساس الضريبي، أن تتبع مسطرة دقيقة تواجهية يتجسد فيها ما يسمى بالتبليغ، أي بإبلاغ الملزم عن طريق المراسلة الكتابية.

وذلك بهدف حفظ حق الملزم في الإعلام حتى لا تأخذه الإدارة على حين غرة فتفرض عليه الضريبة دون أن يتمكن من إبداء رأيه في هذا الفرض أو دون أن يتوفر على مسالك تصحيح الإلزام الضريبي وفق مقدرته التكليفية الحقيقية[34].

فإذا ما لاحظ مفتش الضرائب عند اطلاعه على محاسبة الخاضع للضريبة ما يستوجب تصحيح أساسها وجب عليه أن يبلغ الملزم في رسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل بأساس التصحيح المزمع القيام به وطبيعة وتفاصيل مبلغه وأن يدعوه إلى الإدلاء بملاحظته داخل أجل شهر من تاريخ التبليغ[35].

فإذا لم يجب المرسل إليه داخل هذا الأجل فإن الضريبة تفرض عليه، ولا يمكنه حينئذ المنازعة فيها إلا طبقا للمسطرة المعمول بها في فرض الضريبة بصورة تلقائية .

أما إذا تلقى المفتش ملاحظات الخاضع للضريبة داخل الأجل المذكور وتبين له أن جميعها أو بعضها  لا يستند إلى أي أساس صحيح فإنه يتعين على المفتش توجيه رسالة ثانية بنفس الطريقة الأولى إلى الملزم خلال أجل لا يتجاوز 60 يوما من تاريخ تسلم الجواب يبين له فيها أسباب الرفض الجزئي أو الكلي لملاحظته، وكذا الأساس المعتمد في فرض الضريبة، كما يبين له في هذه الرسالة أن الضرائب المعتمدة ستصير نهائية، إذا لم يطعن فيها أمام اللجنة المحلية لتقدير الضريبة داخل أجل 30 يوما من تاريخ تسليم الرسالة.[36]

وإذا لم يقم المفتش بتبليغ الملزم في الآجال التصحيحات المزمع القيام بها تصبح عديمة الأثر، لكون مسطرة تصحيح الأساس الضريبي تشكل ضمانة حقيقية لفائدة الملزم، وبالتالي فان كل إخلال بها يؤدي إلى بطلانها، فقد استقر القضاء الجبائي على أن كل إخلال بمسطرة تصحيح الضريبة أو الرسوم التي في حكمها يفضي إلى اعتبار المسطرة باطلة وهذا ما ذهبت إليه الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) في قرار لها[37]: "حيث يستفاد من أوراق الملف أن إدارة الضرائب صححت قيمة الأصل التجاري المحددة في العقد التوثيقي المؤرخ في 13/3/2003 من غير أن تسلك مسطرة التصحيح المنصوص عليها في الفصلين 12 و12 مكرر من مدونة التسجيل التي تستوجب تبليغ الملزم الأساس الجديد الذي سيعتمده قابض التسجيل وعاء لتصفية الرسوم ويدعوه إلى إبداء موافقته أو تقديم ملاحظاته أو اقتراحاته كتابة في شأن الأساس الجديد المذكور داخل أجل شهر يبتدئ من تاريخ تسلم التبليغ المشار إليه، وهو الإجراء الذي لم تقم به إدارة التسجيل".

وقد أكدت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء[38]، نفس المنحى، "حيث تقدم المدعي بطلب يهدف إلى إسقاط الضريبة العامة على الدخل المفروضة عليه بخصوص الدخل العقاري وذلك لسقوط حق الإدارة في تصحيح الإقرار ولمبالغتها في تحديد الأساس الخاضع للضريبة.

وحيث أنه بموجب البند I من المادة 108 من قانون الضريبة العامة على الدخل فإنه يمكن لمفتش الضرائب أن يقوم بتصحيح الإقرارات المودعة من قبل الخاضعين للضريبة الذين باعوا ممتلكات أو حقوقا عينية عقارية، وإذ لاحظ المفتش بعد الإطلاع على الإقرار المذكور ما يستوجب القيام بتصحيحات أو تقدير ثمن التملك أو نفقات الاستثمار غير المثبتة، وجب عليه داخل أجل أقصاه 60 يوما من تاريخ الإدلاء بالإقرار المنصوص عليه في البند I من المادة 100، بتبليغ الخاضع للضريبة وفق الإجراءات المنصوص عليها في المادة 112 بالأساس الجديد للضريبة وكذا أسباب مبلغ التصحيحات المزمع القيام بها.

وحيث يتبين بالإطلاع على وثائق الملف أن الإدارة لم تعمل على احترام المسطرة المذكورة عند تصحيحها إقرار المدعي، مما يشكل خرقا للضمانات المخولة قانونا للملزم وحرمانا من حق الدفاع، الأمر الذي يكون معه فرض الضريبة باطلا ويتعين تبعا لذلك الحكم بإلغائها"[39].

ويمكن للادارة الضريبية أن تمارس مسطرة التصحيح عقب عملية تقديم الاقرار الضريبي المعتمد في تحديد الاساس الذي تفرض عليه الضريبة أو حتي في حالة الفرض التلقائي للضريبة، وذلك اذا ما ظهر للادارة ما يستوجب تصحيح الاساس التي اعتمدتها في فرض الضريبة، وهو ما نصت عليه المادة 23 من كتاب المساطر الجبائية المحدثة بقانون المالية لسنة 2005 .

ولقيام الادارة بهذا التصحيح خولها المشرع مجموعة من الصلاحيات تتمثل في سلطة المراقبة الجبائية عن طريق الرقابة الوثائقية، وفحص المحاسبة وحق الاطلاع.

وقد قيد المشرع هذه السلطة والامتيازات بإطار قانوني محدد يضمن حقوق الخاضعين للضريبة، ومن أجل ذلك حدد قواعد تضبط مجال ومدة تدخل الادارة قصد الحفاظ على الحقوق المالية للأفراد وتفادي أي تعسف أو شطط قد ترتكبه الادارة.

وتتمثل حقوق الملزم المتعلقة بتصحيح الاساس الضريبي والتي اقرها القانون الجبائي في :

أ – اجراء عملية التصحيح داخل اجل قانوني محدد، وبضرورة اشعاره قبل عملية الفحص.

ب – ضرورة احترام الادارة لمسطرة تواجهية دقيقة تتجسد في فتح حوار بين الملزم والإدارة بغية التوصل الى اتفاق حول الاساس الضريبي، ما لم يكن الملزم قد انخرط في عملية التقادم المبكر أو حالة التسوية الجبائية اللتين يعتبران مانعا قانونيا لمباشرة هاته المسطرة[40].

ثانيا : شروع الإدارة الضريبية في مسطرة التصحيح الضريبي

تشكل مسطرة تصحيح الضريبة كما هي منصوص عليها في التشريع الضريبي ضمانة أساسية للملزم لما لها من ارتباط بحقوق الدفاع المخولة له في إطار هاته المسطرة التواجهية الحضورية[41]، التي تهدف إلى إقرار حقه والمتمثل في إشراكه في عملية تصحيح الوعاء الضريبي، لمعرفة وسائله وحججه وموقفه من الأساس المنوي اعتماده في تصفية الضريبة في إطار التصحيح، إلا أن عدم مواصلة الإدارة الضريبية لهذه المسطرة بعد الشروع في الإجراءات المنظمة لها يؤدي إلى التصريح ببطلانها[42].

وفي هذا الصدد جاء في حكم لإدارية البيضاء[43]:" شروع الإدارة الضريبية في مسطرة تصحيح الضريبة العامة على الدخل والأرباح العقارية، وعدم مواصلتها لذلك رغم توصلها بجواب الملزم على رسالتها الأولى يقضي ببطلانها باعتبارها مسطرة معيبة".

حيث تقدم المدعين بطلب يرمي إلى الحكم بعدم أحقية إدارة الضرائب في فرض الواجب التكميلي على الأرباح العقارية.

فمن خلال وثائق الملف يتبين أن المدعين توصلوا من إدارة الضرائب برسالة مؤرخة في 11 فبراير 2005 تتعلق بتحديد الأساس الجديد المصحح للضريبة على الدخل، الأرباح العقارية، وأنهم أجابوا برسالة مؤرخة في 4/3/2005 متمسكين بالأساس المصرح به من طرفهم، وأنه رغم توصل الإدارة بالرسالة المذكورة إلا أنها لم تواصل الإجراءات المشار إليها في المادة 15 من كتاب المساطر الجبائية المحدثة بقانون المالية لسنة 2005، - وهي نفس الإجراءات المنظمة لهذه المسطرة -  الأمر الذي تكون معه مسطرة التصحيح المباشرة من طرفها معيبة وينبغي التصريح ببطلانها"[44].

وبعد انتهاء مسطرة التصحيح، تأتي سلطة الفرض التلقائي الأحادي للضريبة كجزاء عن عدم قيام الخاضع للضريبة بالتزاماته. فما هي اذن  المقومات الاساسية  التي تستمد منها  الادارة الضريبية سلطتها في فرض الضريبة على الملزمين بشكل تلقائي وانفرادي ؟. 

المطلب الثاني : الفرض التلقائي للضريبة من طرف الادارة الضريبية

يقصد بمسطرة التحديد التلقائي للوعاء الضريبي قيام الادارة الضريبية بصورة انفرادية بتقدير وعاء ضريبة معينة، وقد تستعين في بعض الحالات بآراء لجان استشاريه وبالتالي فان مساهمة الملزم في هذه الحالات تكون شبه منعدمة. وقد اعتمد المشرع المغربي – في تقدير الضريبة – على اساليب مختلفة توخى منها ربط الضريبة، بناء على معطيات دقيقة يتم الوصول اليها عن طريق لجنة الاحصاء أو التصريح المقدم من طرف الملزم. لكن في غياب هذه المعطيات سواء تلك التي يقدمها الملزم بناء على تصريح في الآجال المحددة قانونا أو خلال مرحلة الإحصاء فان الادارة الضريبية لا يمكن ان تبقي مكتوفة الايدي[45]، وإنما تفرض الضريبة بصورة تلقائية إما كإجراء قانوني لا علاقة له بتصريح المكلف، وإما كجزاء نتيجة إخلاله بإحدى التزاماته. فأما الفرض التلقائي كإجراء قانون[46] فإنه لا يكون سوى في بعض الحالات القليلة، لأن فرض الضرائب بصفة عامة في مختلف الأنظمة العالمية استقر حاليا على مبدأ التصريح مع احتفاظ الإدارة بحق المراقبة والتحقيق أما الفرض التلقائي كجزاء وهو الذي يهمنا كونه يجسد قوة الإدارة الجبائية في مواجهة المكلف، فانه يعتبر حق للإدارة الضريبية، يريد المشرع من ورائه استدراك خطا أو تحايل قد يؤدي الى عدم أداء الضرائب وفق الكلفة القانونية وهو ما جعل جميع التشريعات تجيز للإدارة أن تستدرك الربط الضريبي دون أن تمارس أي مسطرة تواجهية في حالة اخفاء المعلومات عن الإدارة أوفي حالة استعمال طرق احتيالية للتهرب من الضريبة، أو في حالة اكتشاف أخطاء مادية، اي عندما تكون الاسباب المؤدية الى ذلك تعود أساسا الى سؤ نية الملزم أو تهاونه. كما قد يقع في عدم تقديم الإقرار، وعدم ارفاق الاقرار بالوثائق اللازمة لفرض الضريبة، ثم عدم مسك محاسبة منتظمة او رفض الكشف عنها[47].

ونظرا لأهمية هذه المسطرة باعتبارها تمثل هيمنة الإدارة الجبائية بمقتضى القانون فانه لابد من التطرق للأسباب القانونية للفرض التلقائي للضريبة (الفقرة الأولى). قبل الانتقال للحديث عن نقطة أساسية تتمحور حول موقف  القاضي الجبائي من إجراءات هذه المسطرة (الفقرة الثانية).

 

الفقرة الأولى : الأسباب القانونية للفرض التلقائي للضريبة

             تعتبر مسطرة التحديد التلقائي للوعاء الضريبي مسطرة احادية الجانب، الغرض منها اخلاء ذمة الادارة الضريبية من الاثبات وترك أمر تصحيح الالزام الضريبي على عاتق الملزم بعد ممارسة حقه في المنازعة الادارية والقضائية. وبمعنى اخرفان الفرض التلقائي للضريبة يعني وجود مرحلة اخرى لمناقشة الالزام الضريبي لكن بشكل اكثر تعقيدا بالنسبة للملزم، وهو ما يجب عليه تحاشاه عن طريق مشاركة الادارة في تقدير الالزام المذكور وإلا اصبح في وضعية اثبات صعبة[48]ويتم فرض الضريبة في إطار إقرار الملزم متى استوفى البيانات الشكلية اللازمة لربط تلك الضريبة، ولا ينتقل عبء تحديد الضريبة من الملزم إلى الإدارة إلا إذا تخلى الملزم نفسه عن الاضطلاع بدوره في تقديم الإقرار، ففي هذه الحالة تلجأ الإدارة إلى فرض الضريبة تلقائيا نتيجة عدم ايداع التصريح او في حالة الاقرار الناقص (أولا)، كما يمكن لها كذلك القيام  بالفرض التلقائي كنتيجة للفحص الضريبي (ثانيا).

أولا : عدم إيداع التصريح لدى المصالح الضريبية او في حالة الاقرار الناقص 

  تفرض الضريبة بصورة تلقائية في هذه الحالة كجزاء رتبه المشرع على إخلال المكلف بواجباته الضريبية، حيث خولت مقتضيات المادة 228 من المدونة العامة للضرائب للإدارة الضريبية صلاحية تحديد أسس الضريبة بشكل أحادي[49].

إن نظام التصريح يلزم المكلف بوضع إقراره داخل الأجل القانوني بمصالح الإدارة الجبائية، فإذا ما انتهى الأجل القانوني يعتبر الملزم كأنه لم يضع التصريح وإن وضعه بعد ذلك، ومنه فبمجرد نهاية الأجل القانوني يمكن للإدارة الضريبية أن تباشر في وضع الأسس الجديدة للضريبة لتفرضها بصورة حكمية وفق المسطرة المعمول بها[50].

وقد حددت المدونة العامة للضرائب عدة آجال لإيداع التصريحات، تختلف مواعيدها حسب أنواع الضرائب و الرسوم،كما حددت عدة طرق لإيداع التصريحات، كالإيداع لدى مصالح الإدارة الضريبية، أو بعثه عن طريق البريد المضمون, أو عن طريق البريد الالكتروني. ويتسلم الخاضع للضريبة عند إيداعه للتصريح وصل عن التصريح المودع، يحمل تأشيرة المفتش، وتاريخ الإيداع، و رقمه و طابع المكتب المستقبل لها، وهذا الوصل يعد وسيلة أساسية لإثبات إيداع التصريح. وفي حالة بعث التصريح بالبريد المضمون، فيظل الإشعار بالاستلام المعد من طرف مصالح البريد هو وسيلة إثبات التصريح، أما في حالة الإيداع الالكتروني فان مديرية الضرائب تصدر شهادات الكترونية تسلم للخاضعين للضريبة المعنيين يحمل التوقيع الالكتروني للخاضع الذي أودع الإقرار الالكتروني[51].

كما تَلجأُ إدارة الضرائب إلى الفرض التلقائي للضريبة إذا قام الملزم بإيداع التصريح خارج الآجال، أو افتقاده إلى العناصر الأساسية التي تمكن من معرفة الأسس المفروضة عليها الضريبة، وذلك دون إشراكه في عملية تحديد الوعاء الضريبي. وهو ما يؤكد أن للإدارة سلطة الجزاء والعقوبة تجاه المكلف المخالف للنصوص التشريعية والتنظيمية تمارسها حسب المقتضيات القانونية ولا يحد من سلطتها سوى القانون نفسه الذي يفرض عليها مساطر لابد من اتباعها، فهي قبل ذلك ملزمة بتوجيه رسالة أولى إلى الخاضع للضريبة تدعوه من خلالها إلى إيداع إقراره المذكور داخل أجل محدد في ثلاثين (30) يوما، وعند عدم تقديمه لأي جواب يتم توجيه رسالة ثانية بنفس الطريقة إلى الملزم عند انصرام الأجل دون قيام الخاضع للضريبة بوضع الإقرار تكون الأسس التي حددتها الإدارة في الرسالة الثانية موضع فرض ضريبي.

ولا يكون أمامه سوى وضع طلب نزاعي أمام الإدارة الضريبية أو طلب استعطافي إذا كان لا ينازع في الأساس. وبعد أن ترد الإدارة على طلبه النزاعي أو تنتهي مدة 6 أشهر دون أن تجيبه يمكن له آنذاك أن يطعن في قرارها أمام القضاء الإداري[52].

وفي هذا الصدد فقد ذهب الاجتهاد القضائي الفرنسي[53] في نفس منحى نظيره المغربي معتبرا كذلك أن التأخر في وضع الإقرار كعدم وضعه، إلا أن الأخذ بحالة التأخر على إطلاقها لتحريك مسطرة الفرض التلقائي يعد أمرا غير منطقي لأن من شروط اللجوء إلى مسطرة الفرض التلقائي هو عدم وضع الإقرار وإن تقديم الإقرار قبل استخراج الجدول الضريبي وتحديد أساس الضريبة يوقف مسطرة الفرض التلقائي ويكتفي في هاته الحالة بفرض الغرامات المستحقة كجزاء عن تقديم الإقرار بشكل متأخر سيما وأن النصوص الجبائية لم تعمل على تنظيم الحالات المانعة من تقديم الإقرار كحالة القوة القاهرة أو الحادث الفجائي، وإن مثل هاته الموانع المادية والقانونية يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في تحريك مسطرة الفرض التلقائي في إطار تحقيق عدالة جبائية[54].

ويعتبر التصريح الناقص- كما في حالة إيداعه خارج الآجال- كأن لم يكن, الشيء الذي يبرر لإدارة الضرائب اللجوء إلى مسطرة الفرض التلقائي, بعد اِستنفاذ كل الإجراءات المعمول بها في هذه الحالة.

ويجب التميزهنا بين حالات نقصان التصريح، و حالة غياب أحد المعطيات أو المعلومات الواجب على الخاضع للضريبة تعبئتهما في التصريح، كإغفال التنصيص على هويته، أو عنوانه أو مبالغ الدخول المسجلة أو التوقيع....

ونعتقد أنه إذا كان غياب بعض المعطيات المهمة التي من شَأنها أن تعمل على تحديد الأساس الضريبي يبرر لجوء إدارة الضرائب إلى مسطرة الفرض التلقائي, فان غياب بعض المعطيات الثانوية قد يجعل ألإدارة تعمل على تتميم ذلك النقص، انطلاقا من المعلومات الموجودة لديها في الملف الجبائي للخاضع للضريبة، دون اللجوء مباشرة إلى الفرض التلقائي.

كما أنه قد يكون النقص حاصلا من جهة عدم إرفاق التصريح ببعض الوثائق اللازمة, كما لو تعلق الأمر، بإرفاق البيانات المحاسبية، أو صورة من العقد[55].

وبذلك فالملزم عندما لا يحترم الإجراءات اللازمة إبان مسطرة الفرض الضريبي من ضرورة الإدلاء بجميع الوثائق المحاسبية للإدارة الضريبية فإن أي دفع بخرق مسطرة التقدير المباشر يعتبر باطلا ويبقى دون جدو

  ثانيا : الفرض التلقائي كنتيجة للفحص الضريبي

يمكن فرض الضريبة بصورة تلقائية على مخالفة الأحكام المتعلقة بتقديم الوثائق المحاسبية وحق المراقبة، لأن عدم تقديم الوثائق المحاسبية للمفتش المحقق يعتبر قرينة على عدم مسك المحاسبة وعلى عدم القيام بواجب التصريح على الوجه القانوني، مما يخالف القانون الضريبي مخالفة صريحة تستوجب تصحيح الوضع عن طريق الفرض التلقائي للضريبة. وأن ادعاء الملزم انه لا يتوفر على الوثائق المحاسبية بسبب ضياعها لا يسعفه في شئ ذلك أن المشرع، انتبه الى ذلك عندما نص على وجوب الاحتفاظ بالوثائق طوال 10 سنوات في المكان المفروضة فيه الضريبة[56].

فحينما يرفض المكلف إحضار الوثائق المحاسبية المطلوبة، أو يرفض الخضوع لمسطرة المراقبة، فإن المادة 229 من المدونة العامة للضرائب تتيح إمكانية الفرض التلقائي بعد توجيه الإدارة رسالة إلى الملزم تحته فيها على ضرورة الخضوع للمراقبة أو إحضار الوثائق المطلوبة في أجل 15 يوما، فإذا أصر المكلف على الرفض ترسل له الإدارة رسالة ثانية تخبره فيها، بتطبيق غرامة مالية قدرها 2000 درهم، وغرامة 100 درهم عن كل يوم تأخير في حدود 1000 درهم وتمنحه أجل إضافي جديد مدته 15 يوما فإذا ما انتهى الأجل ولم يحضر المكلف الوثائق المطلوبة أو يبرر غيابها. أو لم يقبل الخضوع لمسطرة المراقبة فإنه يتعرض للفرض التلقائي للضريبة من دون إشعار مسبق، ويفقد الحق في النزاع أمام اللجان الضريبة، ولا يمكنه اللجوء إلى القضاء إلا بعد سلوك مسطرة الطلب النزاعي أمام الإدارة الجبائية[57].

وقد يحدث أن يقبل المكلف الخضوع لحق الفحص، ويحضر الوثائق المطلوبة، لكن المفتش الضريبي يكتشف وجود إخلال جسيم في المحاسبة المقدمة، فهل يحق للمفتش في هذه الحالة فرض ضرائب تكميلية بصورة تلقائية؟

استنادا إلى مقتضيات المدونة العامة للضرائب، والقوانين المحاسبية، فإن المكلف إذا التزم بالإجراءات القانونية في علاقته مع الإدارة الجبائية، فإن عبيء إثبات وجود إخلالات جسيمة بمحاسبته يبقى على عاتق الإدارة، ومنه فلا يمكن لهذه الأخيرة فرض الضريبة بصورة تلفائية، وإنما يمكن أن تفرضها بعد ولوج المسطرة التواجهية. لذلك فإن المفتش الفاحص ينبغي أن يوجه إلى المكلف رسالة يخبره فيها بالأخطاء الموجودة في محاسبته، والتصحيحات الجديدة المزمع القيام بها، فيكون على المكلف أن يرد على رسالة المفتش في أجل 30 يوم يقبل كل التصحيحات أو يرفضها كليا أو جزئيا، فإذا لم يرد داخل الأجل تفرض الضريبة عليه تلقائيا. وإذا قبل كل التصحيحات، فرضت الضريبة وفق الأسس التي اقترحها المفتش. وإذا ما رفص كليا أو جزئيا، فإما أن تعدل الإدارة عن اقتراحات التعديل وهي من الحالات النادرة، وإما أن تفرض الضريبة حسب القبول الجزئي للمكلف، أو يحدث ألا يقتنع المفتش بتبريرات المكلف فيعزم على فرض الضريبة وفق الأسس التي يراها مناسبة، فيرسل رسالة ثانية إلى المكلف في أجل 60 يوم من تاريخ توصله برد المكلف، يخبره فيها بالأسس الجديدة التي ستفرض الضريبة بناءا عليها، كما يخبره بحقه في الطعن أمام اللجنة المحلية داخل أجل 30 يوم من تاريخ التوصل برسالته[58].

وعلى هذا الأساس يمكن القول أن ممارسة الادارة الضريبية لحق الفرض التلقائي للضريبة لا يكتسي أي طابع تواجهي، بينها وبين الملزم، لأن تبليغ الادارة الضريبية الخاضع للأسس الضريبية ليس من شأنه أن يفتح الحوار بين الادارة والملزم، وهو ما تتميز به مسطرة التصحيح فهي لا تدعوه الى الموافقة أو ابداء ملاحظاته بشأن الأساس المقترح لربط الضريبة، بل هي مجرد دعوة أو تذكير من الادارة للخاضع للضريبة بالتزاماته الجبائية عند تجاهله لها[59]. فقواعد المساطر الجبائية هي قواعد جوهرية وملزمة يترتب عن خرقها إكتساب حق أو ضياعه فهي بذلك ترتبط أشد الارتباط بالإلزام الضريبي. اذن فما هو موقف القاضي الجبائي  من هذه المساطر ؟

الفقرة الثانية : موقف القضاء من مسطرة الفرض التلقائي للضريبة

تعد الضرائب من أكثر المجالات إثارة للنزاع بين الملزم والإدارة نتيجة التدخل المستمر لهذه الأخيرة بمناسبة فرض الضريبة أو تصحيحها أو عند الشروع في تحصيلها، ولذلك عملت مختلف التشريعات الضريبية على منح الملزم باعتباره الطرف الضعيف في العلاقة، الحق في الدفاع عن مصالحه المالية بواسطة مجموعة من الوسائل توازي الامتيازات والسلطات التي تتوفر عليها الإدارة، وتتمثل هذه الوسائل القانونية في طرق الطعن والاعتراض المخولة للملزم في مواجهة إدارة الضرائب إذا ما حدث نزاع بين الطرفين.

ويتجلى الدور الإيجابي للقاضي في هذا النوع من الدعاوى من خلال السلطات الواسعة التي يتوفر عليها، خاصة فيما يتعلق بتحديد المواعيد والآجال الخاصة بإيداع المستندات وتقديم الملاحظات ومواعيد الجلسات وغيرها من الإجراءات التي تتطلبها سير الدعوى، إضافة إلى التزامه بالفصل في الدعوى وفق الوثائق والمستندات التي يدلي بها أطراف الدعوى. وهذا يتطلب تعاونا وتنسيقا إيجابيا بين أطراف الخصومة من جهة،  والقاضي المقرر من جهة أخرى، وذلك من خلال إدارة  وتبادل المذكرات والإطلاع على أوراق الملف وإخطار الأطراف والأمر بإيداع المستندات المهمة والحاسمة وكل الأوراق والوثائق التي يتطلبها سير الدعوى في اتجاه تحقيق العدالة، سواء أكان ذلك من طرف القاضي أو بطلب من الأطراف،  لأن مصداقية الحقوق المدعى بها تتوقف على قوة الحجج المثبتة لها، لذلك فإن الحق يكون عديم الفائدة إذا عجز صاحبه عن إثبات وجوده.[60]

ومن  أجل التطرق إلى مختلف الإشكالات التي يطرحها موضوع مسطرة الفرض التلقائي للضريبة أمام القضاء، سنتعرض لموقف القضاء الفرنسي (أولا) ثم بعد ذلك سنتطرق لموقف القضاء المغربي (ثانيا).

أولا : موقف القضاء الفرنسي

تعامل القضاء الفرنسي فيما يخص الفرض التلقائي بنوع من الصرامة النابعة من إعمال مبدأ أسبقية الخطأ، وكذلك من وجود مبدأ الاختصاص المقيد للإدارة في تطبيق هذه المسطرة.

فمبدأ أسبقية الخطأ يقوم على أساس أن الخاضع للضريبة هو الذي كان سباقا إلى الخطأ حينما لم يقم بالتزامه القانوني، وأن أي خطأ من جانب الإدارة سبقه خطأ من جانب الملزم[61].

ويمكن الإشارة إلى بعض تجليات موقف القضاء الفرنسي من خلال ما يلي:

1- الخلل الذي قد يطال الرسالة الثانية الموجهة للخاضع للضريبة ليس من شأنه التأثير على صحة مسطرة الفرض التلقائي للضريبة.

2- سجن الخاضع للضريبة عند تبليغ رسالة الإدارة لتقديم الإقرار، لا يشكل قوة قاهرة لتسوية وضعيته الجبائية طالما أنه لم يقم خلال الثلاثين (30) يوما المحددة له بالإجراءات الضرورية من أجل الحصول على الوثائق أو المعلومات الضرورية لتعبئة الإقرار.

3-  إن الاجتهاد القضائي الفرنسي قد سار على أنه في جميع الحالات التي يكون فيها عدم التوصل بطي التبليغ أو التأخير في التوصل به، يرجع لظروف يتحملها فقط الخاضع للضريبة، فهذا الأخير لا يمكنه أن يرتكز على ذلك الفعل بالتقادم.

كما ذهب في نفس الاتجاه حينما قضى بأنه إذا رحل الخاضع للضريبة وغير مسكنه أو محل استغلاله، أو حول مقره الاجتماعي دون أن يقوم بالإجراءات الضرورية أمام إدارة البريد من أجل إعادة إرسال رسالته أو تسليمها لمن ينوب عنه يكون التقادم قد تم قطعه بأول رسالة موجهة إلى العنوان الذي يضمنه في آخر إقرار له[62].

وفي نفس الاتجاه عبر القانون الفرنسي عن موقفه المتشدد في حالة الفرض التلقائي حينما وضع عبء الإثبات على الخاضع للضريبة متى وجد في حالة الفرض التلقائي، وتفسير ذلك أن الضريبة المفروضة تلقائيا تنبني على فرضية الصحة وينبغي على الخاضع للضريبة أن يدحض هذه القرينة بإثبات العكس[63].

لهذا نجد المشرع الفرنسي منع الحكم بالبطلان حتى ولو خالف الشكل نص القانون، طالما لم يتحقق ضرر من جراء ذلك، حيث أجاز تصحيح الإجراء الباطل مسايرا بذلك التشريعات الحديثة التي تهدف إلى حماية مصالح الخصوم والاكتفاء بالنظر إلى الشكل على أنه مجرد وسيلة يقصد من ورائها تحقيق غايات محددة[64].

ثانيا: موقف القضاء المغربي

             رتب القضاء المغربي على الإخلال بمقتضيات مسطرة الفرض التلقائي للضريبة البطلان اعتبارا لتعلقها بحق الدفاع الذي يعتبر من قبيل الإجراءات الجوهرية الآمرة، تطبيقا منه لقاعدة ما بني على باطل فهو باطل، ويمكن الاستشهاد بمجموعة من الأحكام القضائية المؤكدة لذلك :

حيث جاء في حكم صادر عن المحكمة الإدارية بوجدة ما يؤكد ضمانة حق الدفاع من خلال تبليغ الملزم بالرسالتين الأولى والثانية مع إثبات التوصل أو رفضه أو بعد انصرام أجل 10 أيام في حال تعذر تسليمها، إذ جاء في حكمها ما يلي: " تشكل المسطرة التواجهية ضمانة للملزم لما يترتب عنها في تمكينه من الدفاع عن مركزه القانوني...وأن الإخلال بأحكام تلك المسطرة يعد مساسا بحق الدفاع وخرقا لإجراءات جوهرية يترتب عنها بطلان مسطرة فرض الضريبة"[65].

كما أن المحكمة الإدارية بالرباط كرست نفس المبدأ القاضي بضرورة احترام مسطرة التبليغ القانوني تحت طائلة بطلان مسطرة الفرض التلقائي للضريبة، فقد جاء في حكم صادر عن هذه المحكمة أن عدم احترام  قواعد التبليغ على النحو المحدد قانونا يرتب بطلان مسطرة الفرض التلقائي للضريبة، وأن قيام الإدارة الضريبية بتوجيه المراسلات إلى عنوان الموثق وليس إلى عنوان المعنيين بالأمر يجعل ذلك التبليغ غير صحيح، وذلك لكون عنوان الموثق لا يشكل محل المخابرة وأن الموثق ليست له الصفة للتسلم نيابة عن المدعين، وأن التبليغ ينبغي أن يهم المعنيين بالأمر شخصيا أو بعنوانهم وفق المقتضيات القانونية في هذا المجال، وأن الإدارة الضريبية لما أخلت بالمقتضيات الخاصة بالتبليغ القانوني، وعدم قيامها بتبليغ الخاضعين للضريبة وفقا للضوابط القانونية الجاري بها العمل تكون مسطرة الفرض التلقائي الضريبي تبعا لذلك باطلة[66].

بل أكثر من ذلك فقد ذهبت نفس المحكمة إلى اعتبار التبليغ لا يتم صحيحا إلا إذا كانت الرسالة الثانية تتضمن المعطيات القانونية المحددة للأسس التي تنوي الإدارة الضريبية اعتمادها، وأن عدم تضمين الرسالة هذه المعطيات يجعل مسطرة الفرض التلقائي غير سليمة تستوي في ذلك من حيث الآثار القانونية مع عدم القيام بها أصلا حيث جاء ضمن حيثيات هذا الحكم ما يلي " وحيث يتضح من هذه المعطيات، أن الرسالة التي وجهتها الإدارة إلى دفاع المدعي بتاريخ 16/09/2003، لا يمكن اعتبارها بمثابة رسالة الإخبار التي نص المشرع على وجوب أن تسبق الفرض التلقائي للضريبة واشترط تضمينها جملة من المعطيات الأساسية المرتبطة بتحديد الأساس الذي سيعتمد من طرف الإدارة الضريبية في فرض الضريبة في حالة عدم إيداع الإقرار داخل أجل ثلاثين يوما، وهو ما غاب عن الرسالة المذكورة التي جاءت فقط كرد على رسالة المدعي بتاريخ 10/09/2003، وبالتالي لا تغني عن الرسالة الثانية المنصوص عليه في المادة 103 أعلاه.

وحيث من جهة أخرى على فرض أن المدعي لم يجب على الرسالة الأولى للإدارة إلا بعد فوات الأجل القانوني كما تمسكت بذلك هذه الأخيرة في مذكرة جوابها، فإن ذلك لا يعطيها الحق في اللجوء إلى الفرض التلقائي للضريبة إلا بعد توجيه الرسالة الثانية إلى المدعي وفق الشروط المشار إليها أعلاه، والتي بانتفائها تبقى مسطرة الفرض الضريبي غير سليمة، ويتعين إلغائها..."[67].

وهذا ما أكده كذلك حكم للمحكمة الإدارية بالرباط. الذي قضى بأنه في غياب توصل الملزم بالضريبة العامة على الدخل بالرسالتين المنصوص عليهما في المادة 103 من القانون رقم 89/17 المتعلقة بالضريبة على الدخل يجعل الفرض التلقائي لتلك الضريبة عليه باطلا[68].

وفي نفس الاتجاه قضت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) في قرار لها[69] بإلغاء الأمر المتعلق بالضريبة التكميلية على الأرباح العقارية المومأ إليها مستندة في ذلك على خرق الإدارة الضريبية للمقتضيات المنصوص عليها في المادة 103 من القانون رقم 89/17 المتعلق بالضريبة العامة على الدخل.

وقد جاء في قرار للمجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا)[70] وهو يربط بين مسطرة التظلم ومسطرة الطعن القضائي وتقرر بطلان مسطرة فرض الضريبة لإخلال إدارة الضرائب بضمانة حق الدفاع المخولة للملزم في إطار مسطرة الفرض التلقائي ما يلي : "  لكن حيث إن المشرع إذ كان في الفصل 47 من القانون المتعلق بالضريبة على القيمة المضافة قد أوجب على الملزم بالضريبة أن يتظلم لدى الإدارة المختصة قبل رفع منازعته إلى القضاء، فإن المشرع قبل ذلك أعطى للملزم حقا أساسيا ينص عليه الفصل 28 من نفس القانون، وهو حق الدفاع المتمثل في وجوب تمكين الملزم من التعرف على أساس الضريبة ومناقشتها قبل فرضها تلقائيا عليه"[71]

وجاء في قرار اخر لنفس المجلس ما يلى :" حيث تبت من خلال الاطلاع على الشهادة الادارية المحررة بتاريخ 1994/11/29 أن شركة....توقفت عن نشاطها منذ سنة 1989 وأن ادارة الضرائب من جهتها لم تقم باشعار المستأنف بتقديم اقرار رقم معاملاته داخل الاجل المحدد قانونا، كما لم تبلغه بالأسس التي قدرتها في فرض الضريبة المتنازع بشأنها الأمر الذي يجعل مسطرة فرضها معيبة ويكون الحكم المستأنف عندما قضى بخلاف ذلك معرضا للإلغاء..."[72].

يتضح اذن من خلال كل هذه الاحكام والقرارات القضائية بان المشرع حصر بطلان مسطرة الفرض التلقائي في حالتين اثنتين هما : عدم احترام اجل 15 يوما قبل الشروع في مراقبة المحاسبة واجل 60 يوما للرد على ملاحظات الملزم بالرسالة الثانية، كما ان المشرع حمل المسؤولية للإدارة والملزم كل على حدا في حالة عدم احترام الضوابط المتعلقة بقواعد التبليغ.

إلا انه بالرجوع الى الممارسة القضائية يلاحظ ان الملزم توسع في مجال المطالبة ببطلان المسطرة في حالات اخرى متعددة يتعلق جلها بمسطرة فرض الضريبة، والتي لم يتم التنصيص على جزاء بشأنها قانونا. وهو الشئ الذي يجعلنا نتساءل حول ما هي أثر الحكم ببطلان مسطرة الفرض التلقائي للضريبة؟ وألا يعتبر الحكم بإبطال المسطرة في بعض الحالات غير المنصوص عليها قانونا خروجا عن النص القانوني الصريح وعن القاعدة القائلة بأنه لا بطلان بدون نص؟.

 

المبحث الثاني : أثر الحكم ببطلان مسطرة الفرض التلقائي للضريبة

     لقد اطلعت المحاكم الإدارية بدور مهم في إعادة الثقة للمواطنين والتأكيد على أن القانون يعلو فوق الجميع بما في ذلك الإدارة المكلفة بالتحصيل الضريبي، ولعل ما يؤكد هذا هو الارتفاع النسبي في عدد القضايا المتعلقة بالمنازعات الضريبية، فالقاضي الضريبي يتناول جميع العناصر التي أدت الى فرض الضريبة على المكلف بها، فيعترف له بالحق في تقدير الوقائع والنظر في التقديرات التي اجرتها ادارة الضرائب لوعاء الضريبة.

 فالإخلال بالقواعد المسطرية التي تنظم مسطرة فرض الضريبة وتصحيح وعائها قد يؤدي الى بطلانها لتعلقها بإجراءات جوهرية، رتب القضاء الضريبي البطلان على عدم احترامها.

ويجب ان ترفع الدعوى أمام المحكمة الادارية اما من طرف المكلف بالضريبة، أو من طرف ادارة الضرائب، ويجب أن تكون هذه الدعوى مستوفية للشروط المتعلقة بشكلها وبمحتواها، ويتولى القاضي الضريبي التحقيق فيها طبقا لما هو منصوص عليه في القانون الضريبي، ثم يصدر القرار حسب الشكل المنصوص عليه في هذا القانون، والذي يرتب أثاره القانونية. 

وفي هذا الإطار يجب التمييز بين اثار الحكم  ببطلان مسطرة الفرض التلقائي للضريبة ومسطرة تصحيح أساسها ( المطلب الأول)، والحالات التي يقضى فيها من طرف اللجنة الوطنية للنظر في الطعون الجبائية ببطلان مسطرة فرض الضريبة ( المطلب الثاني).

المطلب الأول : الحكم ببطلان مسطرتي الفرض التلقائي وتصحيح الأساس الضريبي

الاصل أن يتم تحديد الضريبة بناء على اقرار عفوي صادر عن الخاضع للضريبة، فالإقرار يشكل بذلك وسيلة قانونية تمكن الادارة من معاينة وجود المادة الضريبة ومبلغها وهو وسيلة أيضا للتعبير من قبل الملزم عن الرغبة في تحمل المساهمة في النفقات العامة. وعليه، فان الخاضع للضريبة ملزم بالإدلاء بتصاريح أو اقرارات تخص دخله ورقم معاملاته داخل أجل معين ويترتب على عدم تقديمه لهذه الاقرارات فرض الضريبة بصورة تلقائية عليه.

إلا أن المشرع أحاط مسطرة الفرض التلقائي هذه بضمانات قانونية هامة، فالإدارة يجب عليها أن تشعر الخاضع للضريبة مرتين من أجل ايداع اقراره وتمنحه في كل اشعار أجلا مدته 30 يوما، ولا تفرض عليه الضريبة في هذه الحالة ألا اذا لم يستجيب للإشعارين الموجهين اليه (المادة 228 من المدونة العامة للضرائب).

      وتجدر ألإشارة الى أن الاشعارين المذكورين يشكلان سلوكا الزاميا من جانب الادارة بحيث يترتب على عدم احترامه تصريح المحكمة في اطار مراقبتها للشكليات ببطلان مسطرة الفرض التلقائي[73] ( الفقرة الأولى )، هذه الاخيرة التي يختلف الأثر القانوني لبطلانها عن مسطرة تصحيح الأساس الضريبي( الفقرة الثانية)، خاصة على مستوى تقادم المسطرة الضريبية. ويحتل هذا الموضوع أهمية قصوى بالنظر للآثار القانونية المترتبة عنه المتعلقة بتقادم إمكانية إعادة فرض الضريبة من جديد مما يضيع عن الخزينة العامة منتوجا ضريبيا مهما.

الفقرة الأولى : بطلان مسطرة الفرض التلقائي للضريبة

         يقصد ببطلان مسطرة فرض الضريبة خرق الاجراءات الجوهرية التي ينبغي الاعتداد بها . وهكذا يعتبر التبليغ من الاجراءات الجوهرية التي يجب على الادارة احترامها لمساسها بحق الدفاع.

       وقد رتب القضاء على خرقها بطلان مسطرة فرض الضريبة، بحيث جاء في قرار للمجلس الاعلى ( محكمة النقض حاليا) ما يلي : " لكن حيث ان فرض الضريبة كما هو الوضع في النازلة يستوجب أن يكون الملزم قد سبق انذاره بوجوب تقديم تصريحه وتمكينه من ابداء ملاحظاته حول اسس الضريبة قبل فرضها حسب الكيفيات التي حددها الفصل 28 من القانون المنظم للضريبة على القيمة المضافة الأمر الذي لا تجادل فيه المستأنفة التي تذكر أنها وجهت رسالتين موصى بهما الى الملزمة المدعية الاصيلة وانه لا يكفي توجيه هذين الاشعارين بل يتعين اثبات التوصل بهما للإنتاج أثارهما، ان المستأنفة تقر بعدم توصل المستأنف عليها بالرسالتين فيكون ما انتهي اليه الحكم مما قضي به من الغاء الضريبة المتابع فيه مؤسسا"[74].

وفي نفس الاتجاه تقريبا أصدرت المحكمة الإدارية بالرباط - القضاء الشامل – بتاريخ13  فبراير2009  حكما يقضي بإلغاء الضريبة على القيمة المضافة المطعون فيها لسقوطها بالتقادم. وتعود وقائع هذه القضية إلى تاريخ 20 أبريل  2007، حيث قامت الإدارة بإجراء المسطرة القانونية تدعو من خلالها الملزم إلى تقديم تصريحه عن عملية البناء الذي سلمه لنفسه؛ فتقدم المعني بالأمر بطلب يهدف إلى الحكم بإلغاء الضريبة على القيمة المضافة وأسس طعنه على وسيلتين : الأولى مستمدة حسب تقديره من عدم احترام الإدارة لمسطرة الفرض التلقائي للضريبة والثانية من تقادم إجراءات فرض الضريبة[75].

و يستوجب هذا الحكم  الإدلاء بالملاحظات التالية :

1-  إن المدعي، وهو مخاطب بقواعد القانون الجبائي، كان عليه حال الانتهاء من أشغال البناء القيام بالتصريح والأداء المنصوص عليه في القانون.

وحفاظا على حقوق الخزينة وحق المجتمع، تمت معه مباشرة مسطرة الفرض التلقائي؛ وهي مسطرة صحيحة لم تناقشها المحكمة.

2 -   لقد استندت المحكمة الموقرة أساسا على واقعة عقد الاشتراك للتزود بالكهرباء للقول بالتقادم. ولم تطالب المعني بالأمر بتقديم نسخة من وصل إيداعه التصريح؛ ولم تكلف نفسها أيضا طرح سؤال هل فعلا عقد الاشتراك هذا كان بعد الانتهاء من الأشغال أم أثناء القيام بالأشغال لما تتطلبه وجوبا من استخدام القوة الكهربائية.

3- أثناء مناقشة وقت انتهاء ألأشغال استدلت هيئة المحكمة بالفصل 10 من القانون المنظم للضريبة على القيمة المضافة ، 30-85 واعتبرت أن المشرع لم يحدد بدقة مسألة إثبات انتهاء الأشغال ؛ مادام أنه تحدث عن رخصة السكنى أو أي وثيقة أخرى تقوم مقامها، وهذا صحيح. ولكنه ترك للقاضي حرية الاجتهاد : فانتهاء الأشغال يقترن عادة بطلب رخصة السكنى ؛ وفي حالة عدم طلبها يقترن بواقعة السكن ذاتها[76].

فكيف اذن يستند القضاء في حكمه على شهادة السكنى، مع العلم أن أي مواطن يمكنه أن يستقر بسكنه دون طلب أي شهادة سكنى من السلطة المحلية إلا عند حاجته إليها. وقد يكون هذا بعد أكثر من سنتين أو ثلاث، مع أن شهادة السكنى ليست قرينة تفيد تاريخ انتهاء الأشغال، بل تفيد واقعة السكنى في تاريخ تسليمها من طرف الإدارة (وغالبا ما تسلم هذه الشهادة بأثر رجعي عن سنوات سابقة. وعندما قمت المحكمة بإلغاء الضريبة على القيمة المضافة بسقوطها بالتقادم، هل حققت فعلا ذلك التوازن بين حق الملزم في الاعتراض ودفعه بالتقادم، وبين واجبه في إيداع إقراره وأداء الضريبة في الأجل القانوني ؟

نعتقد  أن هيئة المحكمة الموقرة بواسطة حكمها هذا، قد فوتت فرصة إعادة الأمور إلى مجراها الطبيعي بمساءلة المعني بالأمر عن عدم إيداعه التصريح، وإعطاء الإشارات الصحيحة للإدارة والملزمين. وبذلك فهي في نظرنا لم تقم ذلك التوازن بين حقوق الملزم وواجباته[77].

وفي هذا الاطار ذهب بعض الفقه الى أن هناك فراغ تشريعي لا يمكن حله ولو بافتراض إمكانية الرجوع إلى الفصل 389 من قانون الالتزامات والعقود ، علما أن الإجراءات المتعلقة بفرض الضريبة بشكل تلقائي المنصوص عليها بالفصل 103 من القانون 89-17 ومثيله بالثلاثية الضريبية لا ينطوي على أية مطالبة بقدر ما تعتبر وسائل قانونية وإجرائية لفرض الضريبة وأن المطالبة بدين الضريبة لا تستقيم إلا في ظل إنذارات ضريبية وأن حل هذا الفراغ التشريعي يكمن في الرجوع إلى القواعد العامة التي تحكم اجل التقادم وأجل السقوط. وباعتبار أن آجال القيام بتلك الإجراءات هي آجال سقوط وليس آجال تقادم .

ويقابل هذا الرأي رأي آخر مفاده أن الالتزام الضريبي واجب دستوري ووطني وأن الالتزام الضريبي تعبير عن المواطنة لتمويل نفقات الشأن العام ولا يعقل أن يبطله فساد مسطرة تأسيس الضريبة وأن المبادئ العامة للقانون ومنها مبدأ الالتزام الضريبي المضمون دستوريا تجعل الإدارة محقة في إقامة مسطرة فرض الضريبة داخل أجل أمد التقادم وأنه لا يعقل أن تكون إجراءات مسطرة تصحيح الوعاء الضريبي قاطعة للتقادم والحال أن الأمر يتعلق بضريبية تكميلية فقط وأن إجراءات مسطرة فرض الضريبة بصورة تلقائية كضريبة أصلية وفاء للالتزام الضريبي لا تقطع التقادم  سواء بالنسبة  لإدارة الضرائب التي أقدمت على إعادة مسطرة فرض الضريبة بصورة تلقائية بعد إلغائها قضاء ولا بوجود حكم قضائي في الموضوع، هذا وقد تدخل المشرع الجبائي بقانون المالية لسنة 2005 في كتاب الجبائية ونص في المادة 33 منه على أنه ينقطع التقادم بالتبليغين المنصوص عليهما في البند 1 من المادة 19 من الفقرة الأولى من المادة 20 المتعلقتين بإجــراءات فرض الضريبة بصــورة تلقائـــية، ويبقى التساؤل حول تطبيق هذا المقتضي القانوني مطروحا في حالة ما إذا كانت تلك الإجراءات القاطعة للتقادم أو إحداها فاسدة وكانت قد مرت أكثر من أربع سنوات على الواقعة المنشئة للضريبة ، فهل يرتب ذلك الإجراء الباطل بعدم صحة التبليغ لأثره  فيما يخص قطع التقادم واحتساب أمد جديد للتقادم المذكور[79].

هنا يذهب البعض إلى أن الإجراءات التي تمت على وجه صحيح والغير باطلة هي التي من شانها أن تقطع التقادم ومن تم إذا بينت أن الإجراءات المتعلقة بفرض الضريبة بصورة تلقائية والمقصود بها الدعوة إلى تقديم الإقرار والإخبار بالأساس المنوي اعتماده في إصدار الضريبة كانت باطلة في الوقت الذي مضت على الواقعة المنشئة للضريبة أمد التقادم المحددة في أربع سنوات يسقط حق الإدارة في فرض الضريبة باعتبار أن الإجراء الباطل لا يترتب عليه أي اثر قانوني، هذا وعلى خلاف إذا ما كان قد تقرر بطلان مسطرة فرض الضريبة قضاء لفساد الإجراءات المقررة في تأسيسها وكانت مدة التقادم المحددة في أربع سنوات من تاريخ الواقعة لم تمض بعد آنذاك يمكن للإدارة إعادة إجراءات فرض الضريبة وأن في شأن تبليغ الملزم بالدعوة إلى تقديم الإقرار أن يرتب لأثره فيما يخص قطع التقادم .

وهذا هو موقف القضاء الإداري المغربي في العديد من قراراته ومنها قرار المحمودي الصادرعن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى  ضد إدارة الضرائب بالملفين 425 و 425 /96 عدد 198 الصادر بتاريخ 10/2/ 1999 الذي نص على ان قيام الإدارة بإجراءات الفصل 107 من قانون 17-89 في تصحيح الضريبة دون سلوك مسطرة الإشعار بالفحص المنصوص عليها بالفصل 105 من نفس القانون لا يرتب أثره فيما يخص قطع التقادم[81].

يتضح اذن أن القاضي الضريبي يحكم الرقابة على مسطرة الفرض الضريبي، بحيث أن كل اخلال بأحد شروط ومقومات المسطرة الصحيحة في الفرض الضريي يجعل من هذا الاخير فرضا باطلا غير منتج لأثره القانونية، وهو توجه نعتبره صائبا بالنظر الى القاعدة الفقهية التي تعتبر أن ما بني على باطل فهو باطل.

ومن الدواعي التي توجب بطلان مسطرة الفرض الضريبي :

-         عدم مراعاة طبيعة العمليات الخاضعة للضريبة بحيث لا يمكن مثلا تضريب الأعمال  ذات الطابع المدني.

-         مخالفة المقتضيات القانونية المؤطرة للوضعية المراد فرض الضريبة مما يجعل الضريبة موسومة بعيب مخالفة القانون، وذلك كعدم احترام ما يمكن أن نسميه الاستثناء من الاداء الضريبي، بحيث يتم فرض ضريبة مثلا على مناطق مستثناة من تحملها.

-         عدم احترام مبذأ الالتزام باعلام الملزم بالأداء الضريبي، وذلك كنتيجة للاخلال بشكليات التبليغ أو الجوانب المسطرية المرتبطة به.

-         عدم اعتماد النسبة الغير المحددة قانونا لتحديد الأساس الضريبي.

-         عدم مراعاة مبدأ الاعفاء الضريبي.

-         فرض ضريبة على غير الملزم، وذلك مثلا كأن يتم فرض ضريبة على شخصية طبيعية عوض شخصية معنوية أو اعتبارية.

-         عدم اعتماد الخبرة كأساس للتاكد من القيمة التجارية للعقار المراد تضريبه[82].

واذا كان القضاء الجبائي قد بسط رقابته على مسطرة الفرض التلقائي للضريبة ، فانه يتضح من خلال مراجعة بعض الأحكام الصادرة بعد دخول القانون المحدث للمحاكم الادارية حيز التطبيق أن جلها يتعلق ببطلان مسطرة فرض  الضريبة لعدم التبليغ القانوني بالاجراءات المتطلبة في ذلك . واذا أخذ بعين الاعتبار أن الخاضع للضريبة ملزم بتقديم اقراره لتحقيق الالزام الضريبي المضمون دستوريا والذي يعبر فيه عن مواطنته ورغبته في تحمل تمويل النفقات العامة وأن ادارة الضرائب من خلال اجراءات فرض الضريبة بصورة تلقائية لا تذكره سوى بالتزاماته الجبائية، لذلك فالاخلال بهاته المسطرة من طرف الادارة وما ينجم عنها من بطلان مسطرة فرضها من جديد اما لوجود فراغ تشريعي، ولتقادم الحق في ذلك يجب أن يتدخل المشرع ليقرر بشكل صريح أن بطلان مسطرة فرض الضريبة لا يترتب عنه بطلان الالتزام الضريبي، وانما يرتب فقط عدم الخضوع للغرامات المستحقة عن ذلك، وتبقى الضريبة المفروضة في ظل تلك المسطرة هي محل المنازعة أمام القضاء الاداري على خلاف مسطرة تصحيح وعاء الضريبة بغاية فرض ضريبة تكميلية، حيث ينبغي التشدد في فرض سلامتها وتحقيق الضمانات المخولة للملزمين في اطارها[83].

الفقرة الثانية : بطلان مسطرة تصحيح الأساس الضريبي

    اذا كان المشرع المغربي قد أعطى مجموعة من الحقوق والصلاحيات لإدارة الضرائب لتمكينها من مراقبة وتصحيح الأساس الضريبي فهو في المقابل ألزمها باحترام مجموعة من الاجراءات المقررة كضمانات للملزم ورتب القضاء عن الاخلال بها بطلان مسطرة تصحيح الضريبة لارتباطها بحق الدفاع الذي يعتبر من النظام العام، ولما ترمى اليه من اشراك الملزم في مسطرة تصحيح أساس الضريبة بواسطة المسطرة التواجهية بينه وبين الادارة التي من شأنها أن تحمي حقوقه ومراكزه القانونية وهكذا فقد نص المشرع على ضرورة تبليغ الاشعار بالفحص الملزم بمدة لا تقل عن 15 يوما لتهيئ دفاعه قبل مباشرة اجراءات الفحص بين ستة أشهر و سنة حسب أهمية الخاضع للضريبة .

ورتب بطلان مسطرة المراجعة عن الاخلال بالإشعار بالفحص، ونفس المقتضيات تضمنتها المادة 3 من كتاب المساطر الجبائية والمادة 212 من المدونة العامة للضرائب، ذلك أنه عندما يكتشف عن خلل في المحاسبة تتبع مسطرة التصحيح الجبائي بشكل تواجهي على مستوى مرحلتين، مرحلة التبليغ الأولى ومرحلة التبليغ الثانية[84].

وهكذا نجد مقتصيات المادة224  من المدونة العامة للضرائب تنص على أنه: "إذا لحظ مفتش الصرائب، فيما يتعلق بالأرباح العقارية بعد الاطلاع على القرار الخاضع للصريبة المنصوص عليه في المادة 83، ما يستوجب القيام ببعض التصحيحات أو تقدير ثمن التملك أو نفقات الاستثمار الغير المبررة أو هما معها أو القيمة التجارية للأملاك المبيعة، وجب عليه أن يبلغ إلى الخاضع للضريبة، وفقا للإجراءات المنصوص عليها في المادة 219 ، الأساس الجديد المصحح وكذا أسباب ومبلغ التصحيحات المزمع القيام بها داخل أجل لا يتجاوز تسعين يوما الموالية لتاريخ إيداع الإقرار المذكور...".

          فمن خلال هذه المواد، يتضح لنا أن المسطرة التواجهية أو المتعارضة، والتي تشكل عماد مسطرة التصحيح من أهم الضمانات المخولة للملزم اذ تشكل قناة للحوار والتواصل بين طرفي النزاع الضريبي. وفي اطار تكريس هذه الضمانات، اعتبر القضاء الاداري أن كل اخلال بإجراءات مسطرة التصحيح سببا موجبا لبطلانها[85].

         وفي هذا الاطار دهب المجلس الأعلى ( محكمة النقض حاليا) الى ما يلي : " وحيث انه لئن كانت الادارة الجبائية تملك امكانية الاطلاع والتقصي ولو اقتضى الأمر ما بيد الأغيار من كشوفات ووثائق بغية الحد من ظاهرة التهرب الضريبي، فإنها مع ذلك تبقى ملزمة بإطلاع الملزم على ما تم التوصل اليه عن طريق أجهزتها الخاصة، وذلك بإشعاره عن طريق البريد المضمون مع الاشهاد بالتسلم يتضمن أسباب وطبيعة وتفصيل المبالغ المراد تصحيحها ودعوته الى تقديم ملاحظاته خلال أجل 30 يوما الى اخر الاجراءات التي حددها الفصل 43 من القانون رقم  30-85 وهي تتعلق بحق الدفاع المتمثل في تمكين الملزم من مناقشة أساس تصحيح الضريبة قبل فرض التصحيح عليه.

وحيث انه لا نزاع أن الادارة المستأنفة لم تراع الاجراءات التي حددها الفصل 43 كما اشير إليه، وأن ذلك يعتبر كافيا للتصريح بعدم مشروعية المقرر الضريبي المنازع فيه"[86].

وقد سارت محاكم الموضوع ضمن نفس توجهات المجلس الأعلى حيث جاء في حكم للمحكمة الادارية بالرباط " لكن بالرجوع الى وثائق الملف ليس هناك ما يفيد اقدام ادارة الضريبة للمسطرة التبليغية السالفة الذكر...

وحيث ان ما رأته ادارة الضرائب بكون شكاية المدعية المؤرخة في 26/11/1996 وكذا الرسالة المؤرخة في 01/02/1994 يعتبران بمثابة اعتراف صريح من طرفها باحترام ادارة الضرائب لمسطرة الفرض التلقائي قبل فرض الضريبة غير مبني على أساس سيما وأن الشكاية المؤرخة في 01/02/1994 غير واضحة، والشكاية صادرة بعد الفرض الضريبي، فضلا على أن عبء اثبات احترام مسطرة الفرض الضريبي يقع علي ادارة الضرائب، لانه من المبادئ العامة الذي يتم تكريسها فقها وقضاء، ان مسطرة الفرض الضريبي بوجه عام تقوم على أساس قاعدة جوهرية تتمثل في مدى احترام المسطرة التواجهية بين الملزم وادارة الضرائب كضمانة أساسية لحقوق الطرف الأول في مواجهة الفرض المباغت والمفاجئ الذي تقدم عليه ادارة الضرائب ، حتي يتمكن الملزم من تقديم اوجه دفاعه حول الاخلالات التي تنسبها اليه هذه الأخيرة، ويتداركها قبل اللجوء الى فرض الضريبة بشكل تلقائي، وبالتالي فان المنطق القانوني في المادة الضريبية يقتضي من الادارة قبل اللجوء الى مسطرة الفرض التلقائي أن تشعر الملزم بطريقة واضحة لا لبس فيها.

وحيث انه وأمام هذه المعطيات، وطالما أن الادارة لم تدل بما يفيد احترامها للمسطرة المشار اليها تكون الضريبة موضوع النزاع غير مبنية على أساس، ويتعين الغائها"[87].

وبناء عليه فإن الإشكالية التي تبقى مطروحة هنا تتعلق بمعرفة آثار إلغاء مسطرة التصحيح التي تفرض علينا طرح مجموعة من الأسئلة :

-         هل الإلغاء هو إلغاء مطلق أم نسبي، بمعنى يبيح إعادة المسطرة من جديد.

-         وفي حالة إعادة المسطرة هل يصح الرجوع إلى كل السنوات التي شملتها عملية الفحص أم الاقتصار على السنوات الغير المتقادمة بما قد ينجم عن ذلك من إقصاء لبعض الفترات التي شملها الفحص.

-         وبالنسبة للتقادم هل يؤخذ بعين الاعتبار مدة انقطاعه وإيقافه تبعا على التوالي لرسالة الفحص الأولى وطلب الطعن أمام اللجنة المحلية المقدم من طرف الملزم[88].

للجواب على هذه الأسئلة يتعين الرجوع إلى بعض المقتضيات الجبائية وكذا بعض الأحكام القضائية في هذا الشأن :

ففي هذا الإطار تنص الفقرة الثانية من  المادة212  من المدونة العامة للضرائب على ما يلي : يجب على الإدارة عبء إجراء مراقبة في عين المكان :

- أن تطبق المسطرة المنصوص عليها في المادة 220....؛

- ويجوز لها أن تقوم فيما بعد بفحص جديد للحسابات التي سبق فحصها، من غير أن يترتب على الفحص الجديد، ولو تعلق الأمر بضرائب ورسوم أخرى، تغيير أسباب فرض الضريبة التي وقع إقرارها عقب المراقبة الأولى.

يستنتج من هذه المادة أنه لا مانع من إعادة المسطرة، شريطة أن لا يترتب عليها تغيير أساس الضريبة المحددة في إطار المسطرة الأولى.

كما جاء في المادة 210 ما يلي  :"ولا يجوز إثارة حالت البطلان المشار إليها أعلاه من لدن الخاضع للضريبة لأول مرة أمام اللجنة الوطنية للنظر في الطعون المتعلقة بالضريبة".

ويقصد المشرع من هذا المقتضى إلزام الخاضع للضريبة إذا ما لحظ عيبا في المسطرة أن يثيره حال حتى تتمكن الإدارة من تدارك هذا العيب مبكرا. وهذا يدل مرة أخرى على أن الإدارة تتمتع بالحق في إعادة المسطرة بعد إلغائها[89].

    وقد ذهب القضاء في نفس الاتجاه ونذكر هنا على سبيل المثال الحكم تحت رقم 446 بتاريخ 2004/3/30 والذي ورد فيه في شأن عدم احترام أجل15 يوما ما يلي: " وحيث تأسيسا على ما ذكر فإن الأمر بالتحصيل المستند إلى مسطرة التحقيق الباطلة يصبح غير مرتكز على أساس ويتعين الحكم بإلغائه.  

وحيث أن آثار الإلغاء تقتصر على إعادة مسطرة التحقيق وفقا لما هو منصوص عليه قانونا مع ضمان حقوق الملزم في مناقصة تقديرات المفتش المحقق أمام اللجان الضريبية".

وهكذا يتضح أنه لا يوجد ما يمنع من إعادة المسطرة من جديد، شريطة تطبيق هذه المسطرة على السنوات التي لم يطلها التقادم.

بالنسبة لإشكالية التقادم للسنوات المعنية بإعادة المسطرة أعتقد أن القانون الجبائي نفسه لما رتب بطلان المسطرة لم يرتب بطلان الأثر القانوني لأي إجراء  صحيح متعلق بها. وهذا يصح أولا على الأثر القانوني للرسالة الأولى والمتمثل في قطع التقادم وثانيا على الأثر القانوني لطلب الطعن الموجه للجنة المحلية والمتمثل في إيقاف نفس التقادم إلى انصرام الشهر الثالث التالي للشهر الذي صدر فيه المقرر النهائي للجنة المذكورة أو اللجنة الوطنية للطعون في الضريبة[90].

اذن فالأثر  المترتب عن الإخلال بمسطرة الإشعار بالفحص وأجل تبيلغ رسالة التصحيح الثانية هو إلغاء مسطرة التصحيح برمتها، أو تقرير بطلانها كما هو وارد بقانون المالية لسنة 97-98 حينما نص على عدم إمكانية إثارة حالة البطلان تلك أمام اللجنة الوطنية لأول مرة، ومؤدى ذك أن بطلان مسطرة التصحيح يشمل جميع الإجراءات المتخذة في إطار مسطرة تصحيح الأساس الضريبي من أولها إلى الإجراء الذي كان سببا في بطلانها ما دام أن المشرع نص صراحة على بطلان مسطرة التصحيح وليس بطلان الإجراء القانوني في حد ذاته، ولذلك فلو أن إدارة الضرائب احترمت مسطرة الإشعار بالفحص وآجال رسالة التبليغ الأولى ولم تلتزم بضابط أجل رسالة التبليغ الثانية يلحق البطلان جميع إجراءات التصحيح بما فيها الصحيحة والباطلة وعلى الإدارة أن تعيد مسطرة التصحيح من البداية على شرط عدم تغيير أساس الضريبة الوارد بالرسالة الأولى[91].

هذا بخصوص آثار الحكم ببطلان مسطرة فرض الضريبة أو تصحيح وعائها على الالتزام الضريبي، فما موقف التشريع والقضاء من الآثار القانونية المترتبة عن بطلان مسطرة تصحيح الوعاء الضريبي المقررة من طرف اللجنة الوطنية للنظر في الطعون المتعلقة بالضريبة ؟

المطلب الثاني : على مستوى مقررات الطعن امام اللجن  الادارية

      إن فتح باب الطعن في الأسس الضريبية المصححة يعتبر من أهم الضمانات الأساسية التي نص عليها المشرع الجبائي لفائدة الخاضعين للضريبة، قصد البحث عن حل يرضي الطرفين والذي لم تسفر عنه المسطرة التواجهية بين الإدارة الجبائية والخاضع للضريبة. لذا عمد المشرع إلى إنشاء لجان مستقلة عن الإدارة الجبائية لتنظر في النزاع القائم بينها وبين الخاضعين للضريبة حفاظا على حقوق الطرفين ووضع حد لتعسف الإدارة في استعمال سلطتها التنفيذية بشكل يخالف النص القانوني تأويلا وفي ذلك إقرار بضمانات واضحة للملزم من أجل الدفاع عن مصالحه المشروعة ولضمان خلق توازن بين الإدارة والمكلف لإثبات شرعية الضريبة والإجراءات المرتبطة بها. لكن إقرار الضمانات أوجب احترام بعض الشكليات الإجرائية خلال المنازعة الضريبية. أولها تقديم مطالبة أوشكاية أمام الإدارة الضريبية لبحث ما ينعاه الملزم على العملية.

فاللجوء إلى الإدارة قبل عرض النزاع أمام القضاء مألوفة في النزاع الإداري سواء تعلق الأمر بالمنازعة الضريبية أو بدعوى الإلغاء. إلا أن حتميتها وإلزاميتها يؤدي في حالة الإخلال بالمسطرة القانونية الواجب إتباعها في هذه الى ترتيف مجموعة من الاثر (الفقرة الثانية)، الا انه قبل التطرق الى هذه الاثر، نرى من الواجب الاشارة اولا الي بعض الاثر المترتبة عن الطعن لتقدير الضريبة امام اللجن ودورها في الحكم ببطلان مسطرة التصويب ( الفقرة الاولى).

الفقرة الأولى : اثر حالة الطعن لتقدير الضريبة أمام اللجن وبطلان مسطرة التصويب 

        ينص البند الثالث من المادة  220 من المدونة العامة للضرائب  بعد تعديله على أنه :" يتسلم المفتش المطالبات الموجهة إلى اللجنة المحلية لتقدير الضريبة ويسلمها لها مصحوبة بالوثائق المتعلقة بإجراءات المسطرة التواجهية التي تمكن هذه اللجنة من البت.

 يحدد أجل أقصاه أربعة أشهر لتسليم المطالبات والوثائق السالفة الذكر منطرف الإدارة للجنة المحلية لتقدير الضريبة، ابتداء من تاريخ تبليغ الإدارة بالطعن المقدم من طرف الخاضع للضريبة أمام اللجنة المذكورة".

وإذا كان المشرع قد الزام المفتش بإحالة طعن الملزم على اللجنة المحلية داخل أجل محدد، إلا أن التضارب في الصياغة بين الإشارة في الفقرة الأولى إلى أن المفتش هو الذي يتسلم المطالبات وبين ما تضمنته الفقرة الثانية من أن الادارة هي التي تسلم تلك المطالبات للجنة بعد توصلها بها، يحيل على الفهم بأن مسطرة الإحالة كما لو أنها تمر بمرحلتين، مرحلة توصل المفتش بالطعن وتبليغه للإدارة، ومرحلة تبليغ الطعن من طرف هذه الأخيرة إلى اللجنة داخل أجل أربعة أشهر من تاريخ توصلها به[92].

كما أنه في السياق ذاته لا يجوز للإدارة الضريبية في شخص المفتش المحقق أن تقرر ما إذا كان يتعين إحالة الطعن على اللجنة المحلية أم لا حتى ولو قدم خارج الأجل القانوني أو في مسألة تخرج عن اختصاص هذه الأخيرة، لأن ذلك ينافي قاعدة عدم جواز الجمع بين صفتها كخصم وحكم في نفس الآن، وبالتالي فإن الإلزام الواقع على الإدارة هو إلزام مطلق مهما كان موقفها من تاريخ تقديم الطعن وموضوعه والذي يرجع أمر البت فيه إلى اللجنة بمفردها، وهذا ما بنت عليه المحكمة الإدارية بالرباط حكمها بإلغاء مسطرة فرض الواجبات التكميلية بشأن الضريبة على الأرباح العقارية في الملف رقم 08/2519  ش ض بتاريخ 2009/11/23 وذلك بسبب إحجام الإدارة عن إحالة طعن المدعي على اللجنة المحلية اعتقادا منها أنه قدم خارج الأجل القانوني[93].

وفي هذا الصدد ينص كذلك البند السادس من المادة 232 من المدونة العامة للضرائب أنه يوقف التقادم طوال الفترة الممتدة من تاريخ تقديم الطعن إلى اللجان المحلية لتقدير الضريبة إلى انصرام الشهر الثالث التالي للشهر الذي صدر فيه المقرر النهائي عن اللجان المذكورة أو اللجنة الوطنية للنظر في الطعون المتعلقة بالضريبة.

 وقد جاءت المادة 23 من كتاب المساطر الجبائية لقانون المالية لسنة 2005 بتعديل طفيف يتعلق باحتساب وقف التقادم إلى غاية انصرام أجل الثلاثة أشهر التالية لتاريخ تبليغ المقرر الصادر بصورة نهائية إما عن اللجنة المذكورة و إما عن اللجنة الوطنية لذلك فتقرير بطلان مسطرة تصويب الضريبة من طرف اللجنة الوطنية للإخلال بمقتضيات الإشعار بالتحقيق أو عند جواب المفتش داخل الأجل القانوني، كما ذهبت إليه اللجنة المذكورة في إحدى قراراتها يضع الإدارة بين خيارين فإما أن تعيد مسطرة تصويب الضريبة بكاملها ابتداء من توجيه الإشعار بالتحقيق وتبليغه للملزم ومواصلة باقي الإجراءات المتطلبة في التصويب داخل مدة التقادم بعد احتساب مدة الوقف شريطة أن لا تتعدى الأسس التي سبق فرضها في ظل المسطرة السابقة المختلة .

  وإما أن تقدم الطعن القضائي المقرر المذكور أمام المحكمة المختصة داخل الأجل القانوني وفي هاته الحالة تتحمل الآثار القانونية الناتجة عن رفض طعنها وهو فوات أمد التقادم لإعادة مسطرة تصويب الضريبة في إطار تحقيق الالتزام الضريبي[94].

وبذلك فرفع الطعن أمام اللجنة المحلية لتقدير الضريبة يترتب عنه أثرين أساسين، الأول هو وقف أمد التقادم من تاريخ رفع الطعن إلى غاية انصرام الشهر الثالث الموالي لتاريخ تبليغ المقرر الصادر بصورة نهائية عن اللجنة المذكورة أو عن اللجنة الوطنية للنظر في الطعون المتعلقة بالضريبة. أما الأثر الثاني  فهو اعتبار النزاع مستمرا وعدم إفضاء المسطرة التواجهية إلى حل رضائي بين الملزم والإدارة.

أما بالنسبة للتقادم في ميدان تحصيل الديون العمومية فنجد أن المدد الواجب انقضاؤها لتحقيق التقادم حسب مقتضيات المادة 123 من المدونة فإن إجراءات تحصيل الضرائب والرسوم تتقادم بمضي أربع سنوات من تاريخ الشروع في تحصيلها، كما أن المحاسب المكلف بالتحصيل إذا بدأ المتابعة ثم تركها مدة أربع سنوات، فإن حقه يسقط تجاه الملزم بالضريبة، وتحتسب مدة التقادم بالأيام لا بالساعات حسب التقويم الميلادي، ويقتضي هذا عدم حساب اليوم الأول لأنه يكون يوما ناقصا أو جزءا من  يوم، وكذا اليوم الأخير، وإذا كان التقادم لا يكتمل إلا بانقضاء آخر يوم منه، فإنه يقع صحيحا ما يتخذ من الإجراءات بشأن التقادم في هذا اليوم .

وإذا وافق حلول آخر يوم من مدة التقادم يوم عطلة رسمية، فإن سريان التقادم يوقف بالقوة القاهرة إلى أول يوم من أيام العمل يأتي بعده، ولا تكتمل مدة التقادم إلا بانقضاء هذا اليوم دون أن يقطع الدائن سريانه هذا وفي حساب مدة التقادم تضم مدة السلف إلى مدة  الخلف، ويبدأ سريان التقادم كمبدأ عام من وقت استحقاق الدين إذ أن الدائن لم يكن يستطيع المطالبة بالدين قبل استحقاقه[95].

 

الفقرة الثانية : حالة الإخلال بالمسطرة القانونية الواجب إتباعها في المطالبة النزاعية

          إن قيام الإدارة الجبائية، بحكم وظيفتها القانونية، بربط وتحصيل الضرائب من الطبيعي أن يثير العديد من الخلافات والمنازعات بين الملزمين والإدارة، بالرغم من أن هذه الأخيرة يفترض فيها أنها تمارس مهامها وفقا للقوانين والمراسيم التطبيقية لها.

هذه الخلافات والمنازعات وضع المشرع عدة مراحل من أجل حلها بدءا بالمرحلة الإدارية أو ما يصطلح عليه بالمطالبة التمهيدية ثم مرحلة الطعن أمام اللجان الضريبية وانتهاء بالمرحلة القضائية.

هكذا يبدو أن المنازعة الجبائية يمكن أن تقطع أشواطا كثيرة ويستغرق حلها وقتا طويلا، لذا فإنه قد يكون من المفيد بالنسبة للطرفين - الإدارة والملزم -حسم الخلاف القائم بينهما في مراحله الأولى[96].

فمختلف النصوص القانونية المنظمة للمنازعات الجبائية، تؤكد على ضرورة سلوك مسطرة المطالبة التمهيدية قبل رفع الدعوى أمام القضاء، وهو نفس التوجه الذي دأب عليه العمل القضائي المغربي قبل وبعد إنشاء المحاكم الإدارية، حتى أصبحت أحكامه تتميز بالاستقرار في هذا الموضوع. فقد استقرت اغلب أحكامه على اعتبار المطالبة التمهيدية بمثابة إجراء ابتدائي ضروري لمسطرة المنازعة الضريبية أمام القضاء، وهذا ما أكدته العديد من الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية، وكذا القرارات الصادرة عن محاكم الاستئناف الإدارية والغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، عندما صرحت بعدم قبول الدعاوى الغير مسبوقة بمسطرة المطالبة التمهيدية.

 فقد جاء في حكم صادر عن المحكمة الإدارية بالدارالبيصاء ما يلي: " وحيث من الثابت من وثائق الملف أن المدعية لم تدل للمحكمة بما يفيد سلوك مسطرة التظلم الإداري السابقة للمنازعة القضائية الأمر الذي يتعين معه التصريح بعدم قبول دعواها شكلا"[97].

وقد جاء في الحكم رقم134 الصادر عن المحكمة الإدارية بمراكش بتاريخ2007/05/07  في الملف رقم  2007/5/38س ما يلي: "وحيث إنه بذلك فإن المشرع قد أوجب على الملزم بالضريبة أن يتظلم لدى الإدارة المختصة قبل رفع منازعته أمام المحكمة، كما أن القضاء الإداري سواء على مستوى المحاكم الإدارية أو على مستوى الغرفة الإدارية بالمجلس الاعلى لم يخول اللجوء مباشرة إلى القضاء دون إلزامية الطعن الإداري.....وأن عدم استيفاء الإجراء المذكور يجعل الدعوى معيبة شكلا ويتعين تبعا لذلك التصريح بعدم قبولها"[98].

إذا كان المبدأ العام هو عدم قبول الدعوى الضريبية أمام القضاء، إلا بعد استنفاد مسطرة المطالبة التمهيدية أمام إدارة الضرائب،  فأن العمل القضائي قد شذ عن هذا المبدأ وقرر في حالات معينة، قبول المنازعة الجبائية من دون أن تكون مسبوقة بمطالبة تمهيدية، ومن بين هذه الحالات :

أ‌-       حالة عدم احترام الإدارة لمسطرة الفرض الضريبي

        لقد اعتبرت بعض المحاكم الإدارية أن سلوك مسطرة المطالبة التمهيدية لا يكون إلزاميا إلا في الحالة التي تكون فيها الإدارة الضريبية قد احترمت مسطرة الفرض الضريبي، أما في حالة فرض الضريبة دون احترام لمسطرة تقديم الإقرار أو مسطرة التصحيح، فإن ذلك يعفي الملزم من التقيد بمصطرة المطالبة التمهيدية.

وهكذا فقد جاء في حكم صادر عن إدارية فاس[99] ما يلي: " حيث دفعت الإدارة الجبائية بكون الدعوى غير مقبولة من الناحية الشكلية لتقديمها خرقا للضوابط القانونية المنصوص عليها في البند11 من الفصل5 من قانون المالية لسنة 1978 المنظم للضريبة على الأرباح العقارية الموجب لضرورة سلوك مسطرة المطالبة الإدارية قبل عرض النزاع على أنظار القضاء.
وحيث إنه فعلا إذا كان المدعي حسب الثابت من وثائق الملف عدم تقيده بالمقتضى القانوني الآنف الذكر، فإنه وما دام ينازع في قانونية مسطرة التصحيح الضريبي المواجه به وباعتبار ما استقر عليه الاجتهاد القضائي من كون المدعي لا يكون ملزما بسلوك مسطرة المطالبة الإدارية حالة ما ثبت خرق الإدارة الضريبية لمسطرة فرض الضريبة او تصحيحها".

ويبدو من خلال هذا التوجه الذي سلكه القضاء أنه ما دامت الإدارة قد خرقت مسطرة الفرض التلقائي، فإنه من حق الملزم أيصا عدم احترام مسطرة المطالبة التمهيدية.

ب - حالة تمسك المدين بتقادم إجراءات التحصيل

إن التقادم حالة موضوعية تتحقق بموجب المادة123 من مدونة تحصيل الديون العمومية بمرور أربع سنوات على تاريخ الشروع في التحصيل دون أن تقطع بأي إجراء من إجراءات التحصيل الجبري.
وقد استقر العمل القضائي على عدم إلزامية سلوك مسطرة المطالبة التمهيدية في الحالة التي تكون فيها دعوى المدين مبنية على التقادم في التحصيل. وفي هذا الصدد صدر قرار عن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى تحت عدد 529 بتاريخ 2007/05/30 في الملف عدد 2005/2/4/485 أكدت بموجبه أن المدعي لا يكون ملزما بسلوك مسطرة المطالبة التمهيدية إذ كانت دعواه مبنية على واقعة التقادم . كما أنه وبالرغم من وضوح وصراحة المقتضيات الواردة في المادة 120 من مدونة تحصيل الديون العمومية التي تؤكد على إلزامية سلوك مسطرة المطالبة تحت طائلة عدم قبول الدعوى؛ فإن المحكمة الإدارية بالدارالبيضاء سلكت توجها مخالفا حينما صرحت في حكم صادر لها بتاريخ 2007/04/25 تحت عدد  322 في الملف رقم 2006/667غ، بأن الطرف المدعي غير ملزم بسلوك مسطرة المطالبة التمهيدية عند رفع دعوى لسقوط حق الخزينة العامة في الاستخلاص للتقادم.

ففضلا عن كون هذا التوجه لم يتقيد بإرادة المشرع الصريحة والمتمثلة في إلزامية المطالبة التمهيدية، فإن التقادم ليس من النظام العام لذا يحبذ تكييف وتفسير النصوص والوقائع المرتبطة به تفسيرا ضيقا لصالح خزينة الدولة، لأن ضابط أعمالها وموجهها هو المصلحة العامة، كما يجب ألا يتعارض هذا التفسير أو التكييف مع نصوص قانونية صريحة[100].

ج- حالة المنازعة في مبدأ فرض الضريبة

بقلم ذ محمد بيسي
طالب باحث بالكلية المتعددة التخصصات بتطوان
 


أعلى الصفحة