القانون التجاري

بقلم ذ عبد الإله خلفي
باحث حاصل على دبلوم الدراسات العليا المتخصصة في القانون الخاص وحدة المهن القضائية والقانونية حاصل على شهادة الأهلية لمزاولة المحاماة
تحت عدد: 444
مقدمة
تلعب العلامة التجارية دورا بارزا في الدلالة على مصدر

المنتجات، ولاشك أن هذا الدور كان أقدم وظائف العلامة ظهورا من الناحية التاريخية، إلا أن التطور  جعل وظيفة العلامة تتحول من الدلالة على المصدر إلى أن أصبحت رمزا لصفات وخصائص المنتجات ودرجة جودتها، فوجود العلامة على الشكل النهائي للمنتج يوحي بالثقة وضمان الجودة للمستهلك، ويمكنه من التمييز بين المنتوجات.

ومن أجل حماية صاحب العلامة من كل منافسة غير مشروعة وكذا المستهلك من كل التباس أو تلاعب قد ينتج عن تزييف العلامة الخاصة بمنتج معين، قام المشرع المغربي على غرار باقي الدول، بوضع عدة آليات قصد حماية العلامة، خاصة منذ سنة 2006، حيث تم تعديل القانون رقم 17-97 المتعلق بالملكية الصناعية[1]، وذلك من أجل محاربة تزييف العلامات، ومواكبة  للتطور الذي عرفه مجال الحماية[2]. و يعتبر هذا القانون، قانونا معاصرا روعي في مقتضياته الواقع الاقتصادي والاجتماعي بالمغرب، كرس فيه الخيار الليبرالي الذي اعتمده المغرب نمطا للتنمية الاقتصادية، والانفتاح على الأسواق الخارجية ووسيلة لجلب الاستثمار.كما أن هذا القانون صدر بعد التوقيع على اتفاقية الكات بمراكش سنة 1994، التي تتضمن مقتضيات حول حماية العلامة التجارية (المادة 9)، مما يؤكد أنه يندرج أيضا في إطار احترام المغرب لالتزاماته الدولية كعضو في منظمة التجارة العالمية التي تمخضت عن هذا الاتفاق إلى جانب احترام مقتضيات اتفاقية باريس .

 ولكل هذه الأسباب وسعيا إلى توفير الحماية المنشودة للعلامة التجارية نص القانون الجديد على عدة آليات تسمح لصاحب العلامة بتحقيق هذا الهدف، و من أهم هذه الآليات هناك  تدابير الحماية على الحدود، التي تمنح لصاحب الحق على العلامة وإدارة الجمارك على حد سواء حق التدخل من أجل وقف التداول الحر لسلع مشكوك في كونها تحمل علامات مزيفة، وبذلك تدارك المشرع النقص الذي تضمنه قانون الملكية الصناعية لسنة 2000 [3]، عن طريق وضع ضمانات إضافية لحماية العلامة عند الاعتداء عليها من طرف الغير.

فتدخل إدارة الجمارك في مختلف المجالات المتصلة لحماية حقوق الملكية الصناعية ، سيساهم في بناء الثقة المفترض وجودها لدى المستهلك في  السلع أو البضائع المستوردة التي تميزها تلك العلامة، سيما حينما تضطلع بدور رقابي، مشفوع بتدابير مادية ترصد فيها البضائع والسلع المقلدة.

وتتجلى هذه الحماية من خلال النصوص القانونية، التي تحدد آليات وشكليات تدخل إدارة الجمارك في مجال التدابير على الحدود الواردة في قانون حماية الملكية الصناعية على ضوء الاتفاقيات الدولية.

فما هي حدود الصلاحيات الممنوحة لإدارة الجمارك ضمن سعيها للمصلحة العامة، بالقدر الذي تسعى فيه إلى حماية صاحب الحق في العلامة ؟

للإجابة على هذا التساؤل، سنتعرض إلى صلاحية إدارة الجمارك في توقيف التداول الحر لسلع مشكوك في كونها سلعا مزيفة تحمل علامات متطابقة من شأنها خلق التباس لدى المستهلك، وذلك إما بناءا على طلب مالك العلامة، أو بصفة تلقائية من طرف إدارة الجمارك، مع الإشارة إلى توجه المشرع وفق قانون المالية لسنة 2014، بتجريم فعل التزييف وجعله مخالفة جمركية منصوص عليها وعلى عقوبتها في مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة،  كل ذلك وفق التقسيم التالي :

المبحث الأول: آليات تفعيل التدابير على الحدود

المبحث الثاني: دور إدارة الجمارك في مواجهة السلع المزيفة

المبحث الأول: آليات تفعيل التدابير على الحدود

إن اعتماد التدابير على الحدود مرده إلى تواجد إدارة الجمارك بحكم وظيفتها وصلاحياتها على الحدود، وتوفرها على وسائل مراقبة السلع والبضائع المستوردة أو المصدرة، ومواكبة منها لدورها في حماية الاقتصاد الوطني، وتدخل إدارة الجمارك أن يكون إما بناء على طلب من له مصلحة في ذلك (المطلب الأول)، أو تتدخل تلقائيا (المطلب الثاني).

المطلب الأول: توقيف التداول الحر للسلع المزيفة بناءا على طلب من له مصلحة في ذلك

تنص المادة 176-1 من القانون رقم 31-05 [4]  المتعلق بحماية الملكية الصناعية، على أنه "يمكن لإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، بناء على طلب مالك علامة مسجلة أو مستفيد من حق استغلال استئثاري أن يوقف التداول الحر لسلع مشكوك في كونها سلعا مزيفة تحمل علامات متطابقة أو علامات مماثلة للعلامة المذكورة تؤدي إلى خلق التباس…".

ويتضح من خلال هذا النص أن المشرع مكن الإدارة من التدخل  بناء على عنصر الشك وحده أي بمجرد قيام الشك الذاتي وليس الموضوعي، بمعنى آخر أن القابلية لأن تكون السلع مزيفة يكفي في نظر المشرع وهو ما  يمس بمبدأ أن الأصل هو البراءة .

حيث إن الأصل أن الشك يفسر لصالح المتهم والحال أن الشك يؤسس لمبدأ المتابعة والمسؤولية الجنائية وما ذهب إليه التشريع يخالف قواعد المحاكمة العادلة و يمس بالحقوق والحريات الفردية التي يضمنها الدستور ، مما يؤدي ّإلى طرح تساؤل حول دستورية هذه المقتضيات.

وبغض النظر عن دستورية هذه المقتضيات من عدمها، نجد أن المسطرة المتبعة من أجل توقيف التداول الحر للسلع المزيفة بناءا على طلب من له مصلحة في ذلك، تم تحديدها بشكل دقيق بواسطة المرسوم رقم 1485.05.2 الصادر في 20 فبراير 2006، الذي غير وتمم المرسوم رقم 368.00.2 الصادر في 007/06/2004 بتنفيذ القانون رقم 17-97 المتعلق بحماية الملكية الصناعية،[5] الذي منح إدارة الجمارك صلاحية وضع نموذج للطلب المنصوص عليه في الفصل 176-1 السالف ذكره، لتسهيل وتوحيد عملية المراقبة.

وبناءا على هذه المادة، يمكن لمالك العلامة وكذلك صاحب الحق في استغلالها أن يتقدم بطلب إلى إدارة الجمارك وفق النموذج الذي حددته هذه الأخيرة [6]، وذلك بهدف وقف التداول الحر للسلع  المشكوك في أنها مزيفة أو مقلدة  لعلامته. و ووفقا للقرار المشترك لوزير المالية والخوصصة و وزير الصناعة و التجارة وتأهيل الاقتصاد رقم 206.06 بتاريخ 6 فبراير 2006 بتحديد شروط تطبيق الفصل السابع من القانون رقم 17.97 المتعلق بالتدابير على الحدود و كذا الدورية الصادرة عن إدارة الجمارك رقم 4994/410 بتاريخ 10 مارس 2006، فإنه يتعين على صاحب العلامة أن يوجه طلبه إلى الإدارة المركزية بالرباط ، حيث تقوم المصلحة المختصة بدراسة الطلب ثم إرساله إلى المصالح المكلفة على مستوى الحدود، كل ذلك بهدف مركزة الطلبات، وضمان التدخل السريع و الفعال.

وقد اتجهت الإدارة الجمركية في الآونة الأخيرة إلى تسهيل هذه المسطرة عبر تخصيص حيز للعلامة المسجلة ضمن نظامها المعلومياتي " بدر" حيث أصبح بإمكان مالكي العلامات أن يضعوا طلباتهم عبر هذا النظام قبل توجيه الوثائق إلى الإدارة المركزية، وهو إجراء يساعد مفتشي الجمارك من الإطلاع على العلامة الأصلية و اتخاذ التدابير اللازمة لوقف تداول العلامات المزيفة.

 ويلاحظ من خلال مقتضيات المادة 176-1، أنها منحت الإمكانية إلى إدارة الجمارك لاتخاذ القرار المناسب بعد دراستها للطلب، و بالتالي منحها  المشرع  سلطة تقديرية في هذا المجال، ومن أجل دراسة الطلب أوجب المشرع على مقدم الطلب أن يدعمه بعناصر إثبات ملائمة  توحي بوجود مس ظاهر بالحقوق المحمية ويتضمن معلومات كافية يمكن أن يستشف منها بشكل معقول أنها معروفة لدى مالك الحقوق.

 وقد حددت الدورية المذكورة العناصر التي يجب أن يتضمنها الطلب كالمعلومات المتعلقة بصاحب الحق وطبيعة حقوق الملكية الصناعية أو التجارية المحمية، والوصف المفصل بما فيه الكفاية للسلع المقلدة.

ويتبين مما سبق أن المشرع المغربي ساير من خلال هذه المادة توجه اتفاقية تربيس[7]، التي ألزمت في مادتها 51 الدول الأعضاء بأن توفر في تشريعاتها قواعد إجرائية لتمكين صاحب الحق من تقديم طلب إلى السلطات المختصة لتوقيف إجراءات الإفراج التي يكون لديه أسباب مشروعة للارتياب في أنها تنطوي على اعتداء على العلامة التجارية، كما نصت في مادتها 52 أنه على مقدم الطلب تقديم ما يدل على أنه صاحب الحق في العلامة.

كما يجب إخبار الطالب وكذا المصرح أو حائز السلع من طرف إدارة الجمارك، بإجراء التوقيف المتخذ، وذلك بكافة الوسائل بما في ذلك البريد المضمون مع الإشعار بالتوصل أو بواسطة مفوض قضائي.[8]

وتجدر الإشارة إلى أن المادة 176-1 نصت في فقرتها الرابعة على أن طلب التوقيف يبقى صالحا ومستمرا لمدة سنة أو للفترة المتبقية من مدة حماية العلامة إذا كانت تقل عن سنة.

ويتعين على طالب وقف التداول الحر للسلع المشكوك في أنها مزيفة أن يدلِ داخل أجل 10 أيام من تاريخ تبليغ إجراء التوقي  وإما إثبات القيام بإجراءات تحفظية مأمور بها من طرف رئيس المحكمة أو اللجوء إلى المحكمة قصد رفع دعوى قضائية أمام قضاء الموضوع وتقديم الضمانات التي تحددها المحكمة من اجل تغطية الأضرار التي يمكن أن تلحق صاحب السلع المدعى أنها مزيفة، وذلك وفق مقتضيات المادة 176-2 .

وقد حدد  المشرع  المغربي أجل القيام بالإجراءات التحفظية أو اللجوء إلى المحكمة داخل أجل عشرة أيام عمل، من تاريخ تبليغ إجراء التوقيف، وقد جاء في حكم للمحكمة الإدارية بأكادير9[9]أن التعرض على دخول وتداول بضاعة مستوردة يجعل قرار إدارة الجمارك بإيقاف التداول الحر لتلك البضاعة نافذا ومستمرا إذا أقامت المتعرضة دعوى في الموضوع خلال أجل عشرة أيام عمل ابتداء من تاريخ تبليغها بإجراء التوقيف.

  وقد أتاحت اتفاقية التربس الإمكانية أمام السلطات الجمركية بتمديد هذه المدة إلى ضعف المدة المقررة أصلا وذلك في المادة 55 منها.

وفي حالة عدم إثبات الطالب أنه قام بالإجراءات التحفظية أو لجوئه إلى المحكمة، فإنه يتعين والحالة هاته أن يتم رفع إجراء التوقيف بقوة القانون، مالم تكن السلع موضوع الطلب تم حجزها من طرف النيابة العامة أو بناءا على طلب من له مصلحة  إلى رئيس المحكمة بصفته قاضى المستعجلات طبقا لمقتضات المادة 206 من القانون رقم 17-97.

 

المطلب الثاني: توقيف التداول الحر للسلع المشكوك في أنها مزيفة من طرف إدارة الجمارك

 

إلى جانب مسطرة إيقاف التداول الحر للسلع المزيفة بناءا على طلب صاحب الحق في العلامة، فإن المشرع المغربي منح هذه الإمكانية لإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، التي يمكنها أن تتخذ هذا الإجراء تلقائيا، وذلك وفق المقتضيات التشريعية المتمثلة خاصة في المادة 176-4، التي نصت على انه:"عندما تتأكد إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة ، أو تشك أن سلعا مستوردة أو مصدرة أو عابرة هي سلع مزيفة توقف تلقائيا التداول الحر لهذه السلع، وتخبر فورا مالك الحقوق بالإجراء المتخذ، وتطلعه بناءا على طلب منه على المعلومات المشار إليها في المادة 176-3 أعلاه... ".

من خلال هذه المادة ولما تتوفر عليه إدارة الجمارك من معلومات ووسائل التعرف على السلع والبضائع المزيفة، منحها المشرع إمكانية التوقيف التلقائي للسلع المزيفة، شريطة إخبار صاحب العلامة وكذلك المصرح أو حائز السلع.

وقد أوجب المشرع على صاحب الحق في العلامة بمجرد إشعاره أن يقوم بالإدلاء لإدارة الجمارك، خلال اجل 10 أيام عمل بما يثبت القيام بالإجراءات التحفظية، لأن عدم قيامه بذلك يوجب على إدارة الجمارك رفع هذا التوقيف بقوة القانون.

يتجلى من هذه المادة مدى جدوى هذا الدور الذي تضطلع به إدارة الجمارك، إذا ما علمنا أن صاحب الحق في العلامة يصعب عليه في أحيان كثيرة معرفة أن سلع مزيفة مستوردة أو مصدرة توجد على الحدود، من هنا فإن إمكانية توقيف السلع من طرفها وإخباره، سيمكنه بلا شك من اتخاذ ما يراه ملائما من مساطر قانونية بهدف حماية حقوقه.

وتجدر الإشارة إلى انه ومن خلال مقتضيات المادة 176-7 يلاحظ أن المشرع المغربي استثنى من تطبيق أحكام الإيقاف التلقائي السلع التي ليست لها طبيعة تجارية، الموجودة ضمن أمتعة المسافرين بكمية قليلة أو الموجهة في إرساليات صغيرة بغرض الاستعمال الشخصي والخاص، وبذلك ساير ما جاء في اتفاقية التربيس في مادتها 60 التي نصت على أنه يجوز للبلدان الأعضاء أن تستثني من تطبيق أحكامها الكميات الضئيلة من السلع ذات الصبغة غير التجارية، التي ترد ضمن أمتعة المسافرين الشخصية أو ترسل في طرود صغيرة.

ومن أجل توفير النجاعة لتدخل إدارة الجمارك في إيقاف التداول الحر للسلع المشكوك في أنها مزيفة فإن إدارة الجمارك لا تتحمل أي مسؤولية إزاء إجراء توقيف التداول الحر المتخذ وفقا للقانون 17-97.

وبالنسبة لمصير السلع التي يتم إيقاف تداولها، وتقرر بموجب قرار قضائي نهائي أنها مزيفة، يتم إتلافها، وذلك للحيلولة دون استفادة المستوردين من جني فوائد اقتصادية غير مشروعة، وبالتالي لا يمكن أن تكون هذه السلع المزيفة موضوع أي نظام جمركي آخر، كما تقع مصاريف عملية الإتلاف على عاتق من المزيف.

المبحث الثاني: دور إدارة الجمارك في مواجهة السلع المزيفة

إن من أهم الأدوار التي تضطلع بها إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، حماية المستهلك،  التي تتجلى في الحماية الصحية لمواجهة المخاطر الناتجة عن الاستيراد أو التصدير لسلع من شانها المساس بصحة الإنسان، ثم الحماية عن طريق مراقبة الجودة والمواصفات ومدى توفر البضائع على شروط السلامة والأمن.

واعتبارا لم تشكله عملية التزييف من مخاطر، من كونها عقبة تحول دون تشجيع الخلق والابتكار، وكذلك عاملا لتشجيع  القطاع غير المنظم وتقليص فرص العمل، الشيء الذي دفع بالمشرع المغربي إلى تمكينها من وسائل مهمة، بهدف تفعيل التدابير على الحدود، التي سبق استعراضها في المبحث الأول من هذا البحث، لكن السؤال يطرح حول مدى فعالية نظام التدابير على الحدود وفق ماهو جار به العمل (المطلب الأول)، ثم ماهي التدابير التي يسعى المشرع إلى اتخاذها بهدف تقوية الدور الفعال لإدارة الجمارك في محاربة هذه الظاهرة المتنامية (المطلب الثاني).

المطلب الأول: مدى فعالية نظام التدابير على الحدود

إن الهدف من تدخل إدارة الجمارك من تلقاء نفسها، يختلف عن الهدف من تدخلها بطلب من صاحب الحق، فهذا الأخير لا يروم بطلبه من إيقاف إدخال السلع المزيفة إلا حماية مصالحه الشخصية وخاصة منها المادية، وذلك بحصرية تسويقه لمنتجه تحت علامة معينة، أما تدخل إدارة الجمارك بشكل تلقائي  فهو جزء من النظام العام، يدخل في إطار صلاحيات هذه الإدارة وواجباتها المتعلقة بحماية المستهلك من السلع المزيفة التي يصعب التحقق من توفرها على معايير الجودة والسلامة التي تتميز بها العلامة الأصلية.

كما أن تدخل الإدارة يندرج أيضا في إطار وظائفها المتعلقة بحماية الاقتصاد الوطني من علامات تجارية مزيفة قد تشكل منافسة غير شريفة لعلامات وطنية مسجلة.

أما حينما يتعلق الأمر بحماية علامات تجارية أجنبية فإن تدخل إدارة الجمارك يدخل في إطار احترام التزامات المغرب الدولية لحماية الملكية الفكرية، خاصة وأن المغرب عضو في اتفاقية باريس حول حماية الملكية التي انضم إليها سنة 1917، وكذا اتفاق وبروتوكول مدريد بشان التسجيل العالمي للعلامات.

إن فعالية نظام التدابير على الحدود، تتجلى أساسا من خلال الحماية التي توفرها النصوص القانونية، التي تحدد آليات وكيفيات تدخل إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، في مجال محاربة ظاهرة تزييف السلع، من خلال مقتضيات قانون الملكية الصناعية.

لكن ينكشف واقع النقص عن هذا الدور المأمول حينما يكون واجبا على موظفي إدارة الجمارك، رفع الحجز التحفظي عندما لا يلجأ صاحب الحق في العلامة التجارية إلى القضاء خلال الأجل المحدد بموجب القانون، مما سيعرض بلا شك حقوق المستهلكين إلى الضياع، إزاء السماح بدخول سلع مزيفة على اعتبار أن بعض السلع المقلدة مرتبطة بالحاجيات الأساسية للإنسان كالغداء أو الدواء أو السلامة العامة.

يتجلى أيضا قصور الحماية، حينما يتفق صاحب الحق في العلامة والمستورد على إدخال السلع المقلدة مع عدم اللجوء إلى اتخاذ أي إجراءات قضائية، خاصة وأن قانون حماية المستهلك لم يتطرق إلى الحماية من المنتوجات المزيفة، و إن كان هذا القانون قد أشار إلى حماية المستهلك من أي لبس قد يتعرض له نتيجة اختلاف السلعة بما في ذلك تحريف العلامة الأصلية زيادة أو نقصانا، شكلا أو مضموما.

 

 

المطلب الثاني: تقوية دور إدارة الجمارك

يرى بعض الباحثين[10] أنه كان  حريا بالقانون أن يعمد إلى أن يتجاوز الدور الرقابي لإدارة الجمارك، إلى المكانة التي تسمح لهذه الأخيرة بمقاضاة المستورد طالما أن الغاية لا تتوفر عند حماية صاحب الحق في العلامة ، بل يمتد إلى المستهلك الذي قد يكون المتضرر الأول، في الحالة التي لا يلجأ فيها صاحب الحق إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة داخل الآجال المنصوص عليها في القانون.

وحتى يمكن تحقيق الحماية للمستهلك عند إعمال إدارة الجمارك لدورها في هذا المجال، الذي يعتبر حلقة من حلقات البناء التي شيدت فكرة حماية العلامة التجارية، على أساس تدخلها في مراقبة حركة تدفق السلع والمنتجات داخل التراب الوطني، وتعمل على ضبط التجاوزات غير المشروعة التي تستهدف المساس بالاقتصاد الوطني.

ومن التشريعات المقارنة التي سعت إلى تعزيز دور السلطات الجمركية في هذا المجال نجد المشرع الكويتي الذي يعتبر أن العمل على إخفاء العلامات الأصلية من قبيل جريمة التهريب الجمركي التي يلزم أن يعاقب مقترفوها على هذا الأساس فقد نصت المادة 17 في فقرتها التاسعة من القانون الجمركي الكويتي على أنه:"يعتبر في حكم التهريب ما يلي:...

9- إخفاء العلامات الأصلية.." 

وكذلك المشرع الفرنسي الذي جرم عملية التزييف وعاقب عليها بمقتضيات زجرية بهدف التصدي لهذه الظاهرة، إذ اعتبر ذلك بمثابة استيراد أو تصدير لبضائع محظورة بمفهوم الفصل 38 من مدونة الجمارك الفرنسية، وعاقب عليها بمقتضيات الفصل 414 من نفس المدونة[11]، التي يلاحظ من خلالها أن المشرع الفرنسي اعتبرها جنحة من الطبقة الأولى وتشدد في العقوبة المفروضة على مرتكبيها.

أما بالنسبة للمشرع المغربي[12]، فقد  تم إحداث مقتضى قانوني يعاقب على استيراد البضائع الحاملة لعلامة صنع أو تجارة أو خدمات مقلدة، ويهدف هذا التعديل الذي عرفته مدونة الجمارك، حسب المذكرة التقديمية لقانون المالية إلى ما يلي:

-                    تنسيق التشريع الجمركي مع المعايير الدولية في هذا المجال.

-                    الانخراط في مسعى المنظمات الدولية التي تلح على تدخل المصالح الجمركية في هذا المجال والقيام بدورها كاملا في حماية حقوق الملكية، وبالتالي حماية المستهلك في مواجهة غزو وتهديد المنتجات المزيفة، علما بان الجمارك المغربية تعتبر من طرف العديد من الهيئات الدولية كمثال يقتدى به في المنطقة.

-                    إرساء مراقبة فعالة وذلك بتخويل إدارة الجمارك سلطات بشكل يمكنها من حماية المستهلك ومحاربة هذا الشكل من المنافسة غير الشريفة.

-                    وضع رهن إشارة إدارة الجمارك الوسائل الكفيلة لمحاربة التقليد عند استيراد البضائع.

-                    إعطاء تدخل الجمارك دورا ردعيا أكثر فعالية بحكم أن الإدارة ستعتبر كطرف أساسي في قضايا محاربة التقليد من خلال العمليات الوقائية المتخذة في إطار القانون رقم 17-97 أو من خلال العمليات الزجرية تطبيقا لمدونة الجمارك.

   إن هذه الأهداف التي يسعى المشرع إلى تحقيقها من خلال مدونة الجمارك ستمكن بلا شك من تعزيز دور إدارة الجمارك في حماية المستهلك، إذ بمقتضى التعديل الجديد لمدونة الجمارك أضحت عملية استيراد بضائع مزيفة مخالفة جمركية، وأصبح نص الفصل 285 من مدونة الجمارك على الشكل التالي:  الفصل 285 - تشكل المخالفات الجمركية من الطبقة الأولى :

       1-...

12- استيراد بضائع حاملة لعلامة صنع أو تجارة أو خدمات مقلدة حسب ما هو منصوص عليه في القانون رقم 17-97 المتعلق بحماية الملكية الصناعية.

وهي المخالفة التي يعاقب عليها بموجب الفصل 284 من مدونة الجمارك الذي ينص على أنه:" يعاقب عن المخالفات الجمركية من الطبقة الأولى:

1- بغرامة تعادل ثلاث مرات مبلغ الرسوم والمكوس المتجانف عنها أو المتملص منها ؛

2- بمصادرة البضائع المرتكب الغش بشأنها؛

3- مصادرة وسائل النقل طبقا للشروط المنصوص عليها في الفصل 212 أعلاه.".

وبذلك يكون المشرع المغربي قد جعل من استيراد البضائع المزيفة مخالفة من مخالفات التشريع الجمركي، وبالتالي أصبح بإمكان إدارة الجمارك في حالة عدم إبرام المخالف معها للصلح ، أن تلجأ إلى المحكمة المختصة بهدف المطالبة بالتعويض المدني وفق أحكام مدونة الجمارك[13].

لكن ما يمكن ملاحظته هو أن عملية إدخال بضائع مزيفة أصبحت معاقب عليها بموجب نصين مختلفين هما مدونة الجمارك، والقانون رقم 17-97 المتعلق بالملكية الصناعية، الذي جاء في مقتضيات المادة 225 منه ما يلي:

يعتبر مزيفاً ويعاقب بالحبس من شهرين إلى ستة أشهر وبغرامة من 50.000 إلى 500.000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط:

...

5 – كل من قام باستيراد أو تصدير منتوجات عليها علامة مزيفة أو موضوعة بطريقة تدليسية."

ويمكن القول في هذه الحالة إن نفس الفعل المتمثل في استيراد منتوجات حاملة لعلامة مزيفة، معاقب عليه بمقتضى نصين، الأول هو القانون رقم 17-97 معاقب عليه بموجب نصين قانونيين، مدونة الجمارك وقانون الملكية الصناعية، مع اختلاف في درجتهما فهذا الفعل مجرد مخالفة في مدونة الجمارك، في حين اعتبره المشرع جنحة في قانون الملكية الصناعية قد يعاقب عليها بالحبس كذلك.

ونعتقد أن ذلك قد يطرح تضاربا ولبسا على مستوى الواقع العملي، والقضائي حول أي النصين أولى بالتطبيق، إذ المفروض أن الإدارة الجمركية إنما تتدخل من أجل تطبيق مختلف المقتضيات الصادرة عن القطاعات الوزارية برمتها، ومن تم كان لزاما تحيين المدونة الجمركية لتشمل هذا المقتضى الزجري المتمثل في العقوبة الحبسية المنصوص عليها بالقانون 17-97).                                     

خــاتـــمة:

من الغني عن البيان أن تزوير العلامات التجارية وتقليدها يعرقل أداء العلامة لوظائفها، سواء من حيث دلالتها على المصدر أو الوظيفة التسويقية لها، مما يبرز الدور الفعال الذي يجب أن تضطلع به إدارة الجمارك كفاعل أساسي في المبادلات التجارية، وفي الحياة الاقتصادية، وتعزيزا لدورها في حماية المستهلك، في ظل منحها صلاحية التدخل بموجب مدونة الجمارك، دون انتظار تحرك صاحب الحق في أو على العلامة، الذي قد يتواطئ مع المستورد.

 ومن أجل توجيه المراقبة نحو السلع القابلة للتزييف، تم إدراج ومعالجة هذه المنتجات عبر نظام الانتقائية الأوتوماتيكية، وقد عرف عدد الطلبات المتعلقة بحماية العلامات التجارية سنة 2015 زيادة ملحوظة تقدر ب 524 طلب.[14]

وفي إطار سعي إدارة الجمارك إلى إغناء الخدمات التي يتيحها النظام المعلومياتي بدر، تم العمل على إدراج خدمة جديدة تسمح بتدبير طلبات تعليق التداول الحر للسلع المشكوك في كونها مزيفة.

وبالتالي أصبح بإمكان أي مالك لحقوق الملكية الصناعية إيداع طلبات توقيف التداول الحر للسلع عبر الأنتريت.

ولتفعيل هذه الحماية يتعين إيجاد مقاربة تشاركية بين كل المتدخلين في مجال حماية الملكية الصناعية، وكذلك تقوية وتدعيم علاقات التعاون بين الدول للتصدي لظاهرة التزييف، كما يتعين العمل بهدف محاربة ظاهرة التزييف والبضائع المقلدة، عن طريق تعزيز الترسانة التشريعية بنصوص واضحة وصريحة، وتفادي ازدواجية النصوص، لتجنب أي لبس أو غموض في التطبيق على مستوى القضاء.

والسؤال الذي يطرح نفسه، هل يمكن الحد من ظاهرة التزييف عن طريق تجريم عملية استيراد البضائع المقلدة؟

 

  لائحة المراجع المعتمدة:

·       امـحــمد لفروجي:الملكية الصناعية والتجارية، تطبيقاتها ودعاواها المدنية والجنائية، سلسلة الدراسات القانونية 5، الطبعة الأولى، أكتوبر 2002، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء.

·       فؤاد معلال: قانون الملكية الصناعية والتجارية، دراسة في القانون المغربي والاتفاقيات الدولية،الطبعة الأولى ، منشورات مركز قانون الالتزامات والعقود، كلية الحقوق فاس.

·       يونس بنونة: العلامة التجارية بين التشريع والاجتهاد القضائي، وفقا لآخر تعديلات ظهير 14/02/2006، الطبعة الأولى 2006، مطبعة النجاح الجديدة.

·       سامر الدلالعة وعبد الله السوفاني:"الحماية القانونية للمستهلك في ضوء إعفاء السلطات الجمركية من إقامة الدعوى الجزائية على مستوردي  الضائع المقلدة لعلامة تجارية محمية –دراسة مقارنة- "أبحاث اليرموك"سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعية" المجلد 26، العدد 3 ، 2010.

·       التقريرين السنويين لسنتي  2014، و 2015 لإدارة الجمارك، يمكن الاطلاع عليها على الموقع الإلكتروني لإدارة الجمارك، www.douane.gov.m.



[1] - هذا القانون جاء ليلغي ظهير 23يونيو 1916.

[2] - للمزيد من التوسع حول ظروف إصدار هذا القانون  انظر محمد لفروجي:الملكية الصناعية والتجارية، تطبيقاتها ودعاواها المدنية والجنائية، سلسلة الدراسات القانونية 5، الطبعة الأولى، أكتوبر 2002، مطبعة النجاح الجديدة الدارالبيضاء، ص 8 وما بعدها.

[3]- انظر فؤاد معلال: قانون الملكية الصناعية والتجارية، دراسة في القانون المغربي والاتفاقيات الدولية،الطبعة الأولى ، منشورات مركز قانون الالتزامات والعقود، كلية الحقوق فاس، ص 601.

[4]           - القانون رقم 31-05  يقضي بتغيير وتتميم القانون رقم 17.97 المتعلق بحماية الملكية الصناعية منشور في الجريدة الرسمية عدد 5397 بتاريخ 20/02/2006.

[5]           - منشور في الجريدة الرسمية عدد 5398 بتاريخ 23/02/2006.

[6]           - حددت هذا النموذج الدورية الصادرة عن إدارة الجمارك و الضرائب غير المباشرة تحت رقم 4994/410 بتاريخ 10/03/2010.

[7]           - اتفاقية تربس هي اتفاق بشأن جوانب الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة، بما في ذلك الاتجار في السلع المزورة.

[8]           - يونس بنونة: العلامة التجارية بين التشريع والاجتهاد القضائي، وفقا لآخر تعديلات ظهير 14/02/2006، الطبعة الأولى 2006، مطبعة النجاح الجديدة، ص 96.

[9]           - امر استعجالي رقم 159 في الملف رقم 144/2012، غير منشور.

[10]         -  سامر الدلالعة وعبد الله السوفاني:"الحماية القانونية للمستهلك في ضوء إعفاء السلطات الجمركية من إقامة الدعوى الجزائية على مستوردي  الضائع المقلدة لعلامة تجارية محمية –دراسة مقارنة- "أبحاث اليرموك"سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعية" المجلد 26، العدد 3 ، 2010، ص 508.

[11] -  تنص مقتضيات الفصل 414 من مدونة الجمارك الفرنسية على ما يلي:

" Article 414 : Sont passibles d'un emprisonnement de trois ans, de la confiscation de l'objet de fraude, de la confiscation des moyens de transport, de la confiscation des objets servant à masquer la fraude, de la confiscation des biens et avoirs qui sont le produit direct ou indirect de l'infraction et d'une amende comprise entre une et deux fois la valeur de l'objet de fraude, tout fait de contrebande ainsi que tout fait d'importation ou d'exportation sans déclaration lorsque ces infractions se rapportent à des marchandises de la catégorie de celles qui sont prohibées ou fortement taxées au sens du présent code.

La peine d'emprisonnement est portée à une durée maximale de cinq ans et l'amende peut aller jusqu'à trois fois la valeur de l'objet de fraude lorsque les faits de contrebande, d'importation ou d'exportation  portent sur des biens à double usage, civil et militaire, dont la circulation est soumise à restriction par la réglementation européenne.

La peine d'emprisonnement est portée à une durée de dix ans et l'amende peut aller jusqu'à cinq fois la valeur de l'objet de la fraude soit lorsque les faits de contrebande, d'importation ou d'exportation portent sur des marchandises dangereuses pour la santé, la moralité ou la sécurité publiques, dont la liste est fixée par arrêté du ministre chargé des douanes, soit lorsqu'ils sont commis en bande organisée.

Article 414-1 :Est passible des peines prévues au premier alinéa de l'article 414 :

1° Le fait d'exporter de Guyane de l'or natif soit sans déclaration en détail ou sous couvert d'une déclaration en détail non applicable aux marchandises présentées, soit en soustrayant la marchandise à la visite du service des douanes par dissimulation ;.../...

2° La détention ou le transport d'or natif dans le rayon des douanes de Guyane sans présentation d'un des justificatifs prévus à l'article 198. »

[12] - من خلال قانون المالية لسنة 2014، الجريدة الرسمية عدد 6217 مكرر بتاريخ 31/12/2013.

[13] - من خلال التقرير السنوي لسنة 2015  لإدارة الجمارك، بلغت القيمة الإجمالية للسلع المحجوزة 140 مليون درهم، بزيادة تقدر ب 32,6% عن سنة 2014، وتقدر السلع التي تم إيقافها ب 1,2 مليون منتوج مقلد، التقرير منشور على الموقع الإلكتروني لإدارة الجمارك، www.douane.gov.ma.  

[14] - التقرير السنوي لسنة 2014.

بقلم ذ عبد الإله خلفي
باحث حاصل على دبلوم الدراسات العليا المتخصصة في القانون الخاص وحدة المهن القضائية والقانونية حاصل على شهادة الأهلية لمزاولة المحاماة
 


أعلى الصفحة