القانون الاجتماعي

بقلم ذ يونس العياشي
نائب وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالقنيطرة دكتور في الحقوق
تحت عدد: 54

للشغل مفهوم راسخ لا جدال حوله، فهو حقيقة ثابتة في الماضي والحاضر والمستقبل، وهو مصدر كل إنتاج وثروة وحضارة وخير، وهو ما يميز الإنسان عن باقي الكائنات ويفضله عنها. فبالعمل وحده، انتقل الإنسان من حالة الهمجية إلى حالة التحضر والمدنية، وعن طريق العمل تحرر الإنسان من قسوة الطبيعة ، محولا مواردها إلى خيرات، ينتفع بها ويشبع حاجاته منها باستمرار، وبواسطة العمل أقام الإنسان علاقات  اجتماعية، ونمت المجتمعات وازدهرت الحضارات وظهرت علاقات العمل التي تطورت من فردية إلى جماعية. وعبر مسيرة الحضارة الإنسانية، بدأ العمل كجهد إنساني حر لدى الإنسان البدائي لتلبية  حاجاته الأساسية والإبقاء على نوعه، ومع الحاجة للتعاون بسبب تعقد الحياة وازدهار عصر النهضة، نال العمل قدرا من الإجلال، وبدأ الطموح لامتلاك العالم،  وذلك بغزو المكان والاستيلاء على الحركة وترويض الزمان ذاته، وأصبحت سلطة الإنسان على الطبيعة سلطة أكبر

 


أولا: العمل كان موضوع عناية من قبل القوانين الوضعية على اختلاف درجاتها

 

مع تقدم الثورة الصناعية ظهرت أهمية العمل، وقد اعتبر رواد الفكر الليبرالي أن ثروة الأمم تنتج عن العمل، وكان ذلك ثورة على ما روج له الاقتصاديون من قبل من حيث إن مصدر الثروة هو الذهب والفضة، أو أن ينبوع القيمة الوحيد هو خصب الأرض.


وما قاله آدام سميت عن قيمة العمل في خلق الثروة في كتابه «بحث في طبيعة ثروة الأمم وأمجادها»، أكده الفقيه الفرنسي منتسكيو، الذي اعتبر أن الإنسان لا يكون فقيرا لأنه لا يملك شيئا، وإنما لأنه لا يعمل.

  
ولقد تبوأ العمل مكانة سامية في الرسالات السماوية، سيما الإسلام، واقترن دوما بالإيمان والعبادة حتى أن الرسول صلى الله  عليه وسلم، اعتبر العمل والعبادة سيان في القيمة والأجر والثواب عند الله تعالى.
والعمل في الإسلام ليس غاية في حد ذاته ،وإنما هو وسيلة لضمان استمرار الحياة وتطور المجتمعات في توازن بين حاجتي الروح والجسد، بين الدنيا والآخرة، عملا بالقول المأثور «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك ستموت إذا.

 
والعمل بهذا المعنى، كان موضوع عناية واهتمام ليس فقط من قبل الرسالات السماوية، وإنما أيضا من قبل القوانين الوضعية على اختلاف درجاتها، وكذا الاتفاقيات الدولية سواء ذات الطبيعة العالمية أو الإقليمية، الأمر الذي مهد إلى خلق مؤسسات متخصصة في ميدان العمل وشؤون العملة أو الأجراء من قبيل منظمة العمل الدولية ومنظمة العمل العربية اللتين تحاولان قدر الإمكان توحيد قوانين العمل أو التقريب بين مستوياتها.


والعمل المنتج للثروة - وكما هو معلوم - إما أن يتم في إطار حر من ذلك التجارة والزراعة– وهي مهن قديمة قدم التاريخ - والصيدلة والمحاماة....، وإما أن يتم في إطار علاقة قد تكون نظامية مع الإدارة أو تبعية للغير.


وقد أضحى الحق في الشغل اليوم من أبرز حقوق الإنسان، وهو يأتي من حيث الأهمية مباشرة بعد الحق في الحياة.


وفرص الشغل على أهميتها وكثرة الطلب عليها تتحكم فيها عوامل، تجعلها متوفرة أحيانا وغير مستقرة في أخرى سواء في البلدان المتقدمة أو النامية، ذلك أن هاجس البطالة والعطالة يقض مضجع دول العالم غنيها قبل فقيرها، كبيرها قبل صغيرها.


وتسعى الدول من خلال الدراسات المنجزة في مجال الشغل، الوقوف على مكامن الخلل التي تحول دون توفير الشغل واستقراره، سيما مع تقلص إمكانيات الدولة الحديثة في التوظيف، كما هو الشأن في المغرب الذي عرف لأول مرة في تاريخه برنامجا للمغادرة الطوعية، وذلك بهدف التقليص من كثلة الأجور التي يعتبرها البعض معيقة للتنمية.


ومؤدى ذلك، فإن الانخراط في  العمل المأجور أو التابع، هو حتما في تزايد مضطرد عبر العالم، بحيث أصبح المعول عليه الأول لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يفرض بالضرورة إعادة النظر في الترسانة القانونية المرتبطة بميدان الأعمال كضرورة استلزمتها سياسة التقويم الهيكلي، الذي فرضت على المغرب من قبل المؤسسات المالية الدولية، كصندوق النقد الدولي والبنك العالمي في العقد الثامن من القرن الماضي، والذي أنجز وقتها تقريرا أكد فيه أن المغرب لئن كان  وضعه الاقتصادي ينبأ بالسكة القلبية على حد قول جلالة المغفور له الحسن الثاني، فإن ذلك يرجع إلى صعوبة تدفق الاستثمار بالمغرب الناتج بالأساس على غياب الأمن القانوني والقضائي في ميدان الأعمال، علما أن المغرب وبالنظر لاتفاقيات الشراكة الاقتصادية التي تجمعه مع مجموعة من الدول عقب انضمامه إلى منظمة التجارة العالمية بعد التوقيع على اتفاقية «الكات»، أصبح مدعو أكثر من أي وقت مضى إلى تأهيل المقاولة المغربية وجعلها قادرة على التنافسية في محيطها الجهوي والوطني والدولي.
وبالنظر إلى أن استقرار علاقات الشغل الفردية والجماعية - حماية حق الشغل - هي مؤشر أصيل على قدرة المقاولة على التنافسية، فإننا نتساءل أي دور للتشريع والقضاء المغربيين في حماية حق الشغل وفي استقرار علاقات الشغل الفردية والجماعية ؟


إن الضرورة المنهجية للإجابة على هذا الإشكال المحوري، تقتضي تقسيم الموضوع على النحو التالي:
المحور الأول : دور التشريع في حماية حق الشغل في المقاولة المفربية.


يلعب التشريع عموما دورا مهما في حماية الحقوق وفي استقرار المعاملات، والتشريع سواء كان عاديا صادر عن البرلمان أو فرعيا صادر عن الحكومة في شكل نصوص تنظيمية (قرارات ومراسيم )، يكون ملزما وبدرجة أعلى متى كانت أحكامه آمرة ومتصلة بالنظام العام، كما هو الحال في تشريع الشغل بسبب طابعه الحمائي أو من خلال مدونة التجارة في باب صعوبات المقاولة لارتباطها بالحياة الاقتصادية والاجتماعية.


وسنحاول إبراز ومقاربة دور التشريع في حماية حق الشغل من خلال مستويين، نخصص الأول للحماية المقررة لحق الشغل على مستوى التشريع الاجتماعي بشقيه تشريع الشغل وتشريع الضمان الاجتماعي، على أن نخصص  المستوى الثاني لإبراز الدور نفسه على مستوى قوانين أخرى سواء كانت تلك القوانين موضوعية أو إجرائية، وهي قوانين لئن كانت تبدو بعيدة عن ميدان الشغل والأعمال، إلا أنها مؤثرة بشكل أو بآخر في استقرار علاقات الشغل الفردية والجماعية على حد سواء.
أولا : مظاهر حماية التشريع الاجتماعي المغربي لحق الشغل.


معلوم أن التشريع الاجتماعي المغربي يضم فضلا عن مدونة الشغل المعروفة بقانون 65.99، قانون الضمان الاجتماعي الصادر سنة 1972 كما تم تتميمه وتعديله في عدة مناسبات .
وحماية حق الشغل في إطار هذا القانون الأخير أي قانون الضمان الاجتماعي يتم بطريقة غير مباشرة من خلال التعويضات التي يوفرها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، أو ما يعرف عند فقه الشغل  بالأجر الاجتماعي، ذلك أن عقد الشغل هو عقد تبادلي وملزم لجانبين، وأن الأجر يؤدى عن العمل، وأن عدم أداء العمل من قبل الأجير إما  مثلا بسبب مرضه مرضا غير مهني، أو بسبب الولادة بالنسبة للأجيرة يعفي المشغل من أداء الأجر من حيث المبدأ، وهنا يتدخل نظام الضمان الاجتماعي لصرف التعويضات المقررة في القانون تحقيقا لفلسفة المشرع المتمثلة في عدم إرهاق الذمة المالية لرب العمل بأجر، يكون فيه عقد الشغل متوقفا، وفي ذلك حماية غير مباشرة لحق الأجير في الشغل وضمان استمرار عقد الشغل إلى حين انتهاء العذر الاضطراري الذي أدى إلى توقفه.

 

حماية الأجير مقررة في جميع مراحل العملية التعاقدية مع المشغل

 

عدم وجود مثل هذا المقتضى، يجعل رب العمل يتخلى عن الأجير ويعوضه بغيره بمجرد توقف الأول عن العمل، وهو ما لا يتماشى مع الطابع الحمائي للتشريع الاجتماعي عموما. وما قيل عن دور  نظام الضمان الاجتماعي في حماية حق الشغل ولو بطريقة غير مباشرة، يصدق على نظام التأمين عن حوادث الشغل والأمراض المهنية المعروف بظهير 6 فبراير 1963على اعتبار أن نظام التأمين وهو إلزامي يتدخل بدوره لحماية حق الشغل وبطريقة غير مباشرة إلى حين ارتفاع العذر الاضطراري، الذي أدى إلى توقف عقد الشغل ، إما بسبب حادثة شغل أو مرض مهني، مما يفيد أن التأمين كان له دور مهم في تطوير أحكام المسؤولية المدنية سواء كانت عقدية أو تقصيرية.

أما على مستوى مدونة الشغل، فالحماية مقررة بشكل جلي في جميع مراحل العملية التعاقدية بين الأجير والمشغل، ونستدل على ذلك بما ورد مثلا في المادة 19 من مدونة الشغل والتي جاء فيها :»إذا طرأ تغيير في الوضعية القانونية للمشغل أو على الطبيعة القانونية للمقاولة، وعلى الأخص بسبب الإرث أو البيع أو الإدماج أو الخوصصة، فإن جميع العقود التي كانت سارية المفعول حتى تاريخ التغيير، تظل  قائمة بين الأجراء وبين المشغل الجديد الذي يخلف المشغل السابق في الالتزامات الواجبة للأجراء...»
ويعتبر هذا المقتضى التي خالف فيه المشرع المغربي القاعدة الرصينة الواردة في المادة 228 من قانون الالتزامات والعقود -الذي نظم بدور عقد إجارة الخدمة- والتي تنص « الالتزامات لا تلزم إلا من كان طرفا في العقد ..»، قلت يعتبر هذا المقتضى مظهرا من مظاهر تقلص مبدأ الأثر النسبي للعقد والتي تروم حماية حق الشغل واستقرار علاقات الشغل الفردية والجماعية بالمقاولة المغربية.
ومن مظاهر حرص مشرع مدونة الشغل على حماية حق الشغل بالنسبة للأجير ماتضمنته المادة 23، والتي لئن اعتبرت التكوين المستمر حقا للأجراء، فهو حتما وبمفهوم المخالفة واجبا بالنسبة للمشغل يجب أن يثبت أنه قام به قبل فصل الأجير في إطار ما تسمح به المادة 35 من مدونة الشغل، والتي تمنع فصل الأجير دون مبرر مقبول، إلا إذا كان المبرر مرتبط بكفاءته أو سلوكه في نطاق الفقرة الأخيرة من المادة 37 و38 أدناه أو تحتمه ضرورة سير المقاولة في نطاق المادتين 66 و67. 


وقد ميز مشرع المدونة بين حالات توقف عقد الشغل وحالات إنهائه، معتبرا أن حالات التوقف هي واردة على سبيل الحصر وليس المثال، وهي في معظمها تعود لأسباب اضطرارية نصت عليها المادة 32 من مدونة الشغل كوضع الأجيرة حملها، أو مرض الأجير أو إصابته بحادثة شغل أو مرض مهني.... ، بحيث يبقى حق الشغل ثابتا للأجير ويعود إلى السريان من جديد بمجرد ارتفاع المانع الاضطراري، ومعنى هذا أن إنهاء عقد الشغل في الأحوال المذكورة في المادة 32 بمبادرة من المشغل يجعل الإنهاء يتسم بالتعسف، الأمر الذي يستلزم أساسا الحكم بالإرجاع إلى العمل واحتياطيا الحكم بالتعويض عن الطرد التعسفي في إطار دعوى الخيار.


ويبقى أهم مظهر في حماية حق الشغل وفي دعم مبدأ استقرار علاقات الشغل، ذاك الذي نظم من خلاله المشرع كيفية إنهاء عقد الشغل، معتبرا أنه لا يمكن فصل الأجير دون مبرر مقبول، إلا إذا كان المبرر مرتبط بكفاءته أو سلوكه في نطاق الفقرة الأخيرة من المادة 37 و39 أو تحتمه ضرورة سير المقاولة في نطاق المادتين 66 و67 من مدونة الشغل، بشرط مراعاة مدة الإخطار المقررة في المادة 43 من مدونة الشغل والفصل 61 و62 و63 في حالة الفصل التأديبي، وذلك تحت طائلة اعتبار الفصل تعسفيا ولو كان يستند لسبب جدي، وهو ما ستقر وتواتر  عليه قضاء محكمة النقض. 


وقد سبق وعبرنا عن رأينا بخصوص هذه النقطة بالذات، واعتبرنا أن الإفراط في العدل لمصلحة الأجراء - من خلال اعتبار الفصل تعسفيا لمجرد عدم احترام شكليات الفصل بالرغم من وجود ما يبرره - قد يصير ظلما في حق أرباب العمل، كما لو تعلق الأمر بسرقة أو خيانة أمانة أو إضرام نار بالمقاولة عمدا ثابتة، بمقتضى حالة التلبس أو اعتراف صريح من المتهم - داعين المشرع والقضاء  معا إلى تبني  اتجاه أكثر مرونة بالنظر إلى صعوبة تنفيذ الحكم القاضي بالإرجاع إلى العمل، وذلك بالاكتفاء بتخصيص تعويض خاص عن عدم احترام شكليات الفصل  ليس إلا.


ثانيا :  حماية حق الشغل من خلال تشريعات أخرى غير التشريع الاجتماعي .
قد يعتقد البعض خطأ أن حماية حق الشغل قاصرة على التشريع الاجتماعي ليس إلا، بيد أن الحماية القانونية لهذا الحق مقررة في العديد من التشريعات الأخرى كالحماية المقرة في قانون الالتزامات والعقود لسنة 1913 وفي قانون المسطرة المدنية وفي مدونة التجارة وفي القانون الجنائي وفي قانون الخوصصة وفي قانون حرية الأسعار المنافسة...، هذا فضلا عن الحماية المقررة في الاتفاقيات والتوصيات الصادرة عن منظمات متخصصة كمنظمة العمل الدولية ومنظمة العمل العربية، وذلك لسموها عن القانون الداخلي بمقتضى أحكام الدستور.


فعلى مستوى قانون الالتزامات والعقود - والذي يعتبر مصدرا احتياطيا لباقي القوانين المتفرعة عنه -، سبق ونضم إجارة الخدمة بمقتضى الباب الثاني وتحديدا الفصول من 723 إلى 758، علما أن ما تضمنته المادة 19 من مدونة الشغل السالف ذكرها تجد مصدرها في المادة 754 من (ق .ل.ع) وتحديدا في فقرته السابعة، ما يعني أن مشرع الحماية ومن خلال المادة 754 من (ق.ل.ع) كان سباقا إلى إقرار حماية خاصة للأجير مند تعديل الفصل المذكور بمقتضى ظ 1938.


وحيث إن قانون الالتزامات والعقود هو نص عام وسابق ومدونة الشغل  هينص خاص ولاحق، فإن مدونة الشغل هي الواجبة التطبيق، ولا يمكن الركون إلى المقتضيات الواردة في قانون الالتزامات والعقود إلا عند وجود فراغ تشريعي ليس إلا. ولا تقتصر حماية حق الشغل على قواعد الموضوع، وإنما تتعداه إلى قواعد الشكل، ونعني بذلك قواعد قانون المسطرة المدنية والذي يعتبر بمثابة الروح في الجسد بالنسبة لقواعد الموضوع. 


وحماية حق الشغل من خلال القواعد الإجرائية يتضمنها الباب الرابع من القسم الخامس وتحديدا المسطرة في القضايا الاجتماعية والتي تلزم القضاء قبل البت في موضوع النزاع تفعيل آلية الصلح المقررة في الفصل 227 من قانون المسطرة المدنية والتي تنص :» يحاول القاضي في بداية الجلسة التصالح بين الأطراف.


وتعتبر هذه الشكلية شكلية جوهرية وقانونية  تبسط محكمة النقض رقابة عليها  وبالتالي فلا يمكن بأي حال من الأحوال القفز عليها أو تجاهلها.


وقد كانت الضرورة المنهجية تقتضي إبراز الحماية القانونية لحق الشغل من خلال ما تضمنه الكتاب الخامس من مدون التجارة والخاص بصعوبات المقاولة، إلا أنه وحرصا منا على التعامل مع هذه القوانين وفق تسلسلها الكرونولوجي فرض البدء بقانون الالتزامات والعقود، ثم بعده قانون المسطرة المدنية ، فقانون الخوصصة.

بقلم ذ يونس العياشي
نائب وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالقنيطرة دكتور في الحقوق
 


أعلى الصفحة