القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ جواد الخرازي
طالب باحث
تحت عدد: 494
مقدمة: لقد جعل الظهيرالشريف رقم 91-11-1 صادر في 27 من

Zone de Texte:    شعبان 1432 (29 يوليو 2011) بتنفيذ نص الدستور، من التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي، يقوم على الجهوية المتقدمة[1].

     في نفس السياق نص الفصل 135 من الدستور على أن الجماعات الترابية للمملكة هي الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات، كما اعتبرها أشخاصا اعتبارية، خاضعة للقانون العام، تسير شؤونها بكيفية ديمقراطية[2].

    ولقد عرف القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، الجهة بأنها:" جماعة ترابية خاضعة للقانون العام، تتمتع بالشخصية الإعتباريةوالإستقلال الإداري والمالي، وتشكل أحد مستويات التنظيم الترابي للمملكة، باعتبارها تنظيما لا مركزيا يقوم على الجهوية المتقدمة"[3].

وللجهة اليوم دور بالغ الأهمية في تفعيل السياسة العامة للدولة، وفي إعداد السياسات الترابية، وذلك من خلال اختصاصات ذاتية واختصاصات مشتركة مع الدولة واختصاصات منقولة إليها من هذه الأخيرة.

      ويعتبر الحق في الحصول على الماء والعيش في بيئة سليمة والتنمية المستدامة، إحدى أهم الحقوق التي عمل المشرع الدستوري على إدراجها في الباب الثاني من الدستور المغربي لسنة 2011، تحت اسم "الحريات والحقوق الأساسية"، وهي حقوق تعمل الدولة والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين منها على قدم المساواة[4].

      كما يتبين أن المشرع من خلال اعتماده القانون التنظيمي رقم 111.14، قد خول للجهات صلاحيات مهمة في إطار حماية البيئة وتعزيزها وتثمينها والنهوض بكافة عناصرها، ولا يجب أن نغفل في هذا الصدد التشريعات البيئية الأخرى التي تهدف بدورها إلى حماية البيئة، كالقانون المتعلق بالماء[5]، والقانون ـ الإطار الذي اعتبر بمثابة ميثاق وطني للبيئة والتنمية المستدامة[6].

     ولمحاولة إبراز المقتضيات القانونية المكرسة لتدخل الجهة في حماية البيئة سنحاول الإجابة عن الإشكال التالي: ما هي المرتكزات القانونية المكرسة لصلاحيات الجهة في حماية البيئة على ضوء القانون رقم 111,14 وباقي التشريعات البيئية الأخرى؟.

المحور الأول: صلاحيات الجهة في إطار حماية البيئة   على ضوء القانون التنظي رقم 111.14 المتعلق بالجهات


      تناط بالجهة داخل دائرتها الترابية مهام النهوض بالتنمية المندمجة والمستدامة وذلك بتنظيمها وتنسيقها وتتبعها، ولا سيما فيما يتعلق...بتحقيق الإستعمال الأمثل للموارد الطبيعية وتثمينها والحفاظ عليها، والإسهام في تحقيق التنمية المستدامة[7].

وعليه سنحاول توضيح صلاحيات الجهة في حماية البيئة وكافة عناصرها (أولا)، وبعد ذلك سنقوم بإبراز صلاحيات رئيس الجهة ومجلسيها في إطار حماية البيئة (ثانيا).

أولا: صلاحيات الجهة في حماية البيئة على ضوء القانون التنظيمي رقم 111.14

لقد أناط القانون التنظيمي رقم 111,14 للجهة ولمجلسها ورئيسيها صلاحيات مهمة في الميدان البيئي من شأن الحرص على تفعيلها وممارستها النهوض بالبيئة ومختلف مصادرها.

أـ اختصاصات الجهة الذاتية المتعلقة بالبيئة

 تمارس الجهة اختصاصات ذاتية في مجال التنمية الجهوية[8]، وتشتمل الإختصاصات الذاتية للجهة في مجال التنمية الجهوية على الميادين التالية[9]:...تهيئة وتدبير المنتزهات الجهوية، ووضع استراتيجية جهوية لإقتصاد الطاقة والماء، وكذا إنعاش المبادرات المرتبطة بالطاقة المتجددة.

    كما يهدف التصميم الجهوي لإعداد التراب، على وجه الخصوص إلى تحقيق التوافق بين الدولة والجهة حول تدابير تهيئة المجال وتأهيله وفق رؤية استراتيجية واستشرافية، بما يسمح بتحديد وتوجهات واختيارات التنمية الجهوية، ولهذه الغاية:.. يضع إطارا عاما للتنمية الجهوية المستدامة والمنسجمة بالمجالات الحضرية والقروية[10].

ب ـ اختصاصات الجهة المشتركة ذات الصبغة البيئية

 تمارس الجهة الإختصاصات المشتركة بينها وبين الدولة في العديد من المجالات، من بينها المجال البيئي، ويتعلق الأمر بـــ[11]:

ـ المحافظة على المنظومة البيئية الغابوية.

ـ المحافظة على الموارد المائية.

 ـ الحماية من الفيضانات.

ـ الحفاظ على الموارد الطبيعية والتنوع البيولوجي ومكافحة التلوث والتصحر.

ـ المحافظة على المناطق المحمية.

ج ـ اختصاصات الجهة المنقولة الرامية إلى حماية البيئة

تحدد ـ حسب المادة 94 من القانون التنظيمي للجهات ـ اعتمادا على مبدأ التفريع مجالات الإختصاصات المنقولة من الدولة إلى الجهة، وتشمل هذه المجالات مجموعة من الميادين، ولكن فيما يخص الميدان البيئي، فقد تمت الإشارة إلى الطاقة والماء والبيئة.

ثانيا: صلاحيات مجلس الجهة ورئيسها في حماية البيئة

لقد خص القانون التنظيمي المتعلق بالجهات مجلس الجهة (أ) ورئيسها (ب)بمجموعة من الصلاحيات في مجال الحفاظ على البيئة.

 

 

أـ صلاحية مجلس الجهة في الميدان البيئي

    يضع مجلس الجهة، تحت إشراف رئيس مجلسها خلال السنة الأولى من مدة انتداب المجلس، برنامج التنمية[12] الجهوية وتعمل على تتبعه وتحيينه وتقييمه، ويحدد برنامج التنمية الجهوية لمدة ست سنوات العمال التنموية المقرر برمجتها أو إنجازها بتراب الجهة، اعتبارا لنوعيتها وتوطينها وكلفتها، لتحقيق تنمية مستدامة ووفق منهج تشاركي وتنسيق مع والي الجهة بصفته مكلفا بتنسيق أنشطة المصالح اللاممركزة للإدارة المركزية[13].

ب ـ صلاحية رئيس الجهة في المجال البيئي

يقوم رئيس مجلس الجهة بتنفيذ مداولات المجلس ومقرراته، ويتخذ جميع التدابير اللازمة، ولهذا الغرض يدبر أملاك الجهة ويحافظ عليها، ويتخذ الإجراءات اللازمة لتدبير الملك العمومي للجهة[14].

   كما يقوم رئيس الجهة حسب المادة 105 من القانون التنظيمي للجهات، بإعداد برنامج التنمية الجهوية والتصميم الجهوي لإعداد التراب.

 المحور الثاني: دور الجهة في التشريع البيئي: الأسس والأهداف 

لا تقتصرصلاحيات الجهة في مجال الحفاظ على البيئية على القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات فقط، بل تأطرها العديد من التشريعات البيئية الوطنية، وفي هذا السياق سنحاول الوقوف على بعض القوانين، للتعرف على ما تقوم به الجهة في سبيل تكريس وتعزيز مقومات البيئة السليمة، والحرص على توازنها واستدامتها.

أولا: القوانين المؤطرة لتدخل الجهة في الميدان البيئي

إن المنظومة التشريعية البيئية المغربية عرفت تطورا ملحوظا في السنوات الأخيرة نتيجة تزايد الإهتمام بالبيئة والماء والتنمية المستدامة، وذلك جراء ظهور العديد من الظواهر والكوارث الطبيعية التي أكدت بما يكفي أن الأرض تتعرض لخطر آني ومستقبلي يدعى التغيرات المناخية ينذر بصعوبة العيش على الكرة الرضية.

أـ صلاحيات الجهة البيئية على ضوء القانون ـ الإطار رقم 99.12 بمثابة ميثاق وطني للبيئة والتنمية المستدامة.

   لقد جاء القانون ـ الإطار، الذي يعتبر بمثابة ميثاق وطني للبيئة والتنمية المستدامة، بمجموعة من المقتضيات التي يجب السهر على احترامها من طرف الجماعات، وهذا ما يتضح من المادة 20، من منه، والتي تنص على أنه: "تسهر الجهات والجماعات الترابية الأخرى على إدماج المبادئ[15] والأهداف المنصوص عليها في هذا القانون ـ الإطار ضمن آليات التخطيط وبرامج التنمية كل في مجال الترابي.

   وتلتزم بضمان مشاركة ساكنتها في اتخاذ القرار المرتبط بالمحافظة على البيئة المحلية والتنمية المستدامة لمجالاتها الترابية والولوج إلى المعلومة البيئية المحلية المتعلقة بهذه الميادين.

   تلتزم الجهات المتجاورة وباقي الجماعات الترابية المتجاورة، قدر الإمكان، بإتباع سياسات عمومية محلية ومندمجة ومنسقة عند إقامة تجهيزات وبنيات تحتية تتعلق بالمحافظة على البيئة والتنمية المستدمة"[16].

ب ـ مهام الجهة في ظل القانون رقم 36.16 المتعلق بالـمـاء

في إطار الحفاظ على الموارد المائيةوتثمينها وتعزيزها جاء القانون رقم 36.15بمجموعة من المقتضيات الرامية إلى جعل الجهاتفاعلا أساسيا في تدبير وحماية الملك العمومي المائي، وهذه بعض المقتضيات:

ـ للدولة والجماعات الترابية....طبقا لمقتضيات هذا القانون، في القيام داخل الملكيات الخاصة بأشغال البحث عن المياه وفق مقتضيات القانون المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة وبالإحتلال المؤقت[17].

ـ يحق للدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية التي تتدخل لفائدتها أان تقوم، بعد استطلاع الرأي المطابق لوكالة الحوض المائي المعنية، بإنجاز أشغال البنية التحتية لأجل المصلحة العامة فوق الملك العمومي المائي مع مراعاة الحقوق المخولة بصفة قانونية للغير[18].

ـ يحق للجماعات الترابية في دائرة نفوذها الترابي تجميع وتخزين وتوزيع مياه المطار لكافة الإستعمالات المنزلية أو الصناعية أو السقي أو غيرها[19]، إلى غير ذلك من التدابير والإجراءات والآليات الرامية إلى تدبير الماء والملك العمومي المائي.

 

 

ثانيا: أهداف حماية البيئة

  سواء تعلق الأمر بالدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات والمقاولات العمومية أو الخواص أو جمعيات ومنظمات المجتمع المدني...فإن الغايات أو الأهداف من التدخل لحماية البيئية والماء ومختلف العناصر الطبيعية، يبقى هو الحرص على التنزيل السليم للحقوق الدستورية المتعلقة بالعيش في بيئة سليمة والحصول على الماء، والتنمية المستدامة المكفول للمواطنات والمواطنين بمقتضى الفصل 31 من دستور 2011 على أرض الواقع، وتعزيزحماية الموارد المائية والأوساط الطبيعية والتنوع البيولوجي والموروث الثقافي والمحافظة عليها والوقاية من التلوثات والإيذايات و مكافحتها؛

     كما يهدف التشريع البيئي بصفة خاصة والتشريعات الوطنية بصفة عامة إلى تعزيزالإجراءات الرامية إلىا لتخفيف وإلى التكيف مع التغيرات المناخية ومحاربة التصحر،وإرساء نظام للمسؤولية البيئية ونظام للمراقبة البيئية، وللحفاظ على البيئة أيضا أهدافا أخرى كتحقيق العدالة البيئية، وتوعية وتحسيس الرأي العام وتوجيهه نحو حماية البيئة.

خاتمة:

نخلص مما سبق إلى أن القانون التنظيمي المتعلق بالجهات وباقي التشريعات البيئة الأخرى قد منحت للجهة صلاحيات مهمة وواسعة في إطار السهر على حماية البيئة ومختلف عناصرها، لذلك يجب أن تعمل على القيام بدورها في الميدان البيئي، وذلك من خلال اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة الرامية لتثمين والحفاظ على الموارد المائية والأوساط الطبيعية.

كما يتطلب من الجهة القيام بالتوعية والتحسيس بالقضايا البيئية، والحرص على تشجيع إنشاء جمعيات من أجل الدفاع عن القضايا البيئية، كما يجب أن عليها أن تعمل على خلق التوازن بين متطلبات الحفاظ على البيئة وحاجيات الساكنة.

   وتجدر الإشارة في الأخير، إلى أن القضايا البيئة، ليست بقضية جهوية أو وطنية بل هي قضية دولية، والحفاظ عليها يتطلب تظافر كافة الجهود الدولية، فالبيئة اليوم في كفة ميزان والإنسانية في كفة أخرى، بحيث لا يمكن لدولة واحدة أن تتغلب على التغيرات المناخية والتلوثات ومختلف أشكال الاعتداءات على الطبيعة لوحدها، ومن هنا يمكن طرح الإشكال حول مدى إمكانية تحقيق الحكامة البيئية في دولة ما في ظل عدم تظافر الجهود الدولية في حماية البيئة؟.

 

 



[1]ـ الفقرة الأخيرة من الفصل الأول من الدستور المغربي لسنة 2011.

[2]ـ للمزيد من التفاصيل أنظر الباب التاسع من الدستور المعنون ب " الجهات والجماعات الترابية الأخرى"، الفصول من 135 إلى 146 .

[3]ـ المادة الثالثة من الظهير الشريف رقم 1.15.83 الصادر في 20 من رمضان 1436 (7يوليوز2015) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات.

[4]ـ الفصل 31 من الظهيرالشريف رقم 91-11-1 صادر في 27 من شعبان 1432 (29 يوليو 2011) بتنفيذ نص الدستور.

[5]ـ الظهير الشريف رقم 1.16.113 الصادر بتاريخ 10 أغسطس 2016 بتنفيذه القانون رقم 36.15 المتعلق بالماء.

[6]ـ الظهير الشريفرقم 1.14.09 الصادر في 4 جمادىالأولى 1435 ( 6 مارس 2014  ) بتنفيذالقانون-الإطاررقم99.12 بمثابةميثاقوطني للبيئةوالتنميةالمستدامة الجريدة الرسميةعدد 6240 بتاريخ 18 جمادىالأولى1435ـ 20 مارس 2014).

[7]ـ  المادة 80 من القانون التنظيمي رقم 111.14.

[8]ـ المادة 81، نفس المرجع.

[9]ـ المادة 82، نفس المرجع.

[10]ـ المادة 89، نفس المرجع.

[11]ـ المادة 91 من القانون التنظيمي رقم 111.14.

[12]ـ حسب المادة 85 من القانون التنظيمي رقم 111.14 :" يمكن تحيين برنامج التنمية الجهوية ابتداء من السنة الثالثة من دخوله حيز التنفيذ".

[13]ـ المادة 83 من القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات.

[14]ـ المادة 101، من نفس المرجع.

[15]ـ أنظر المادة الثانية من القانون ـ الإطار رقم 99.12 .

[16]ـ المادة 20  من الظهير الشريفرقم 1.14.09 الصادر في 4 جمادىالأولى 1435 ( 6 مارس 2014  ) بتنفيذالقانون-الإطاررقم99.12 بمثابةميثاقوطني للبيئةوالتنميةالمستدامة الجريدة الرسميةعدد 6240 بتاريخ 18 جمادىالأولى1435ـ 20 مارس 2014).

[17]ـ المادة 21 من القانون رقم 36.15 المتعلق بالماء.

[18]ـ المادة 22، نفس المرجع.

[19]ـ المادة 62 ، نفس المرجع.

بقلم ذ جواد الخرازي
طالب باحث
 


أعلى الصفحة