القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ أبو مسلم الحطاب
دكتور في الحقوق رئيس غرفة سابق بمحكمة النقض
تحت عدد: 229
التشريع الجنائي هو المصدر الوحيد للتجريم والعقاب


من الأقوال المتداولة لدى بعض فقهاء القانون الجنائي أن التشريع الجنائي هو المصدر الوحيد للقواعد الجنائية، دون غيره من مصادر القانون الأخرى،  وخاصة ما يتعلق بالتجريم والعقاب، أو ما يطلق عليه «مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص» الذي يشكل، مع «مبدإ قضائية العقوبة»،  أو «لا عقوبة بدون حكم» إحدى الدعامتين الأساسيتين في التشريعات الجنائية الحديثة.

يعد الفصل الأول من القانون الجنائي أول دعامتين، إذ ينص على «يحدد التشريع الجنائي أفعال الإنسان التي يعدها جرائم بسبب ما تحدثه من اضطراب اجتماعي، ويوجب زجر مرتكبيها بعقوبات أو تدابير وقائية»، وعلى ثانيتهما في المادة الثانية من قانون المسطرة الجنائية التي جاء فيها «يترتب عن كل جريمة الحق في إقامة دعوى عمومية لتطبيق العقوبات...» والتي تمنع من تنفيذ أي عقوبة لم يصدر بها حكم قضائي، حتى ولو كانت الجريمة التي ترتبت عنها العقوبة ثابتة، ومسلما بها من طرف الشخص الذي ارتكبها، وكانت العقوبة ذات حد واحد، كالعقوبات المقررة في المواد من 201 إلى 204 من القانون الجنائي.
بيد أنه إذا كان مقررا أن التشريع الجنائي هو المصدر الوحيد للتجريم والعقاب، فإن ذلك لا يعني استبعاد غيره من مصادر القانون، سيما تلك التي يكون لها أثر في توفير بعض عناصر الجريمة، مثل جريمة الخيانة الزوجية التي تتوقف على ثبوت الزوجية بإحدى الوسائل المقررة في مدونة الأسرة، في حالة المنازعة فيها من أحد الزوجين الذي يكون طرفا في الجريمة، وجريمة خيانة الأمانة التي لا تقوم إلا بعد إثبات الأمانة بالطرق المقررة في القانون المدني في حال  إنكارها، أو في استبعاد العقوبة، أو في قيام الجريمة نفسها كالعرف (الذي هو بيت القصيد).


والعرف، وإن كان لا ينشئ جريمة ولا يقرر عقوبة، فإن له دورا مهما في استبعاد العقاب عن فعل مجرم في الأصل، أو في إباحته، ورفع صفة التجريم عنه. ويتجلى ذلك في عدم المعاقبة على العنف المستعمل أثناء ممارسة بعض الألعاب الرياضية المقامة بصفة نظامية، سواء كان عن عمدا، كما في الملاكمة والمصارعة...،  أو كان عن خطإ، كما في كرة القدم، وعلى الظهور على الشواطئ البحرية بملابس الاستحمام، وعلى ظهور السائحات الأجنبيات بالمغرب بالأزياء التي تعودن عليها في أوطانهن بالشوارع العمومية في المغرب الذي يتوافدن عليه كبلد آمن ومستقر، يمتاز بقيم الانفتاح والتسامح والاعتدال، التماسا للراحة والاستجمام، وذلك لأن الناس ألفوا تلك الأنواع من الظهور، وتلقوها بالقبول، واستمروا عليها، ودون أي تقزز أو استنكار، حتى أصبحت عرفا وقاعدة من قواعد نظامهم الاجتماعي: «استعمال الناس حجة يجب العمل به» «والمعروف عرفا كالمشروط شرطا»...، وواضح أن كل تلك الأفعال مجرمة ومعاقب عليها في الأصل، وأنه لولا العرف لعوقب الملاكمون والمصارعون، ولولا العرف لعوقب كل من يظهر على الشواطئ بملابس الاستحمام، ولولا العرف لعوقبت النساء الأجنبيات اللواتي يرتدين ملابس لا تراعي قواعد الحشمة والتقاليد المغربية.


لكن، وفي المقابل، هل يسمح لإحدى المستحمات، أو العداءات، أو السباحات، أن تتجول في الشارع العمومي، سواء في المدن أو في القرى، بالملابس  نفسها التي ترتديها بالشاطئ، أو بميدان العدو، أو بالمسبح، مما يستنكره السلوك الاجتماعي العام، أو الخاص، الذي تحرص عليه بعض المناطق الجنوبية عموما، والصحراوية خصوصا، حيث تعتبر الظهور بتلك الملابس تسفلا ومروقا عن مكارم الأخلاق؟ كلا. والسبب واضح للعيان وللأذهان. وهو أن العرف جار بقبول الظهور بتلك الملابس بالشواطئ، وبميادين العدو وبالمسابح، ولم يجر بها أو بقبولها، أو بالسكوت عنها عندما يقع في الشارع العمومي! (ما يراه الناس حسنا، فهو عند الله حسن، وما يرونه قبيحا، فهو عند الله قبيح)، والمراد بالناس عامة الشعب، لا خاصته، أو بعض أفراده.


واعتبار العرف سببا لاستبعاد العقوبة عن جريمة الإخلال العلني بالحياء المقررة في الفصل 483 من القانون الجنائي، لا يحول دون النظر إليه بوصف آخر، كسبب من أسباب تبرير الفعل الجرمي في حد ذاته وإزالة صفة الإجرام عنه، عملا بالفصل 124 من القانون الجنائي نفسه الذي ينص على أنه «لا جناية ولا جنحة ولا مخالفة في الأحوال الآتية:


1 - إذا كان الفعل قد أوجبه القانون وأمرت به السلطة الشرعية….»


ويقرر الفقه الجنائي في تعليقه على هذا الفصل، أن الإيجاب المدلول عليه بفعل  «أوجبه»، ليس على بابه، أي على حقيقته، وأن المراد به الإذن أو الترخيص، وأن المراد بالقانون جميع القواعد المقررة في مختلف مصادر القانون (بما فيها العرف)، وأن الواو العاطفة لجملة (أمرت به السلطة الشرعية) على جملة (أو جبه القانون) التي تفيد ضرورة الجمع بين المتعاطفين كشرطين لازمين لنفي الجناية والجنحة والمخالفة (لا جناية ولا جنحة ولا مخالفة) أي لاعتبارها أفعالا مبررة، وبالتالي مباحة بمعنى أو، كما هو مقرر لدى النحويين، ويكون مفهوم الفصل 124 بعد تأويله على هذا النحو: «لا جناية ولا جنحة ولا مخالفة إذا كان الفعل قد رخص به القانون، أو أمرت به السلطة الشرعية».


ويستدل على صحة هذا التأويل بما يصدره قضاة التحقيق من أوامر بالسجن أو بإلقاء القبض، اعتمادا على المادة 142 من قانون المسطرة الجنائية. فهذه المادة ترخص لقضاة التحقيق بإصدار تلك الأوامر، ولا توجب عليهم قبل إصدارها، تلقي أوامر بها من أي جهة كانت، لأنهم مستقلون في عملهم. وما قيل عن قضاة التحقيق، يقال عن المحاكم عند ممارستها للرخصة المخولة لها بمتقضى المادة 392 من قانون المسطرة الجنائية، ويقال أيضا عن وكلاء الملك في حالة الأمر بإيداع المتهم بالسجن، وفي حالة التلبس بجنحة معاقب عليها بالحبس، أو في حالة عدم توفره على ضمانات كافية للحضور، تطبيقا للمادة 74 من القانون المذكور.
وهكذا يتبين جليا أن للعرف (بمكوناته من عادات وتقاليد اجتماعية، وطنيا أو محليا، وشعور بالحياء وقيم دينية)، دورا فعالا في اعتبار ما هو مسموح به اجتماعيا من الألبسة، أو غير مسموح به منها مما يعد إخلالا بالحياء، وأن قاضي الموضوع وإن كان ملزما بتطبيق العرف باعتباره قاعدة قانونية، فإنه يستقل بتقدير مدى ما يمنعه العرف من الملابس، وما لا يمنعه، في إطار سلطته التقديرية التي لا رقابة عليه فيها إلا من حيث التعليل، غير آبه بما يقع هنا أو هناك من وقفات احتجاجية، أو مزايدات سياسية، يقصد بها التأثير عليه وتثبيط عزيمته، مما يعتبر مسا خطيرا باستقلاله وقدرته على مواجهة لومة أي لائم، وذلك مثل ما حاول البعض القيام به في قضية ما بات يعرف إعلاميا بقضية فتاتي انزكان التي اهتم بها جانب كبير من المواطنين الذين انقسموا بشأنها بين معارض ومؤيد… مع أن الكل يؤمن بأننا مسلمون وأبناء دولة دينها الاسلام، وتتميز بتبوؤ الدين الإسلامي فيها مكان الصدارة، ومنه تستمد قوانينها الوضعية، كما وعد بذلك جلالة الملك محمد السادس، شعبه الوفي، في الخطاب الذي عرض عليه به مشروع الدستور الجديد للاستفتاء بشأنه، وصوت عليه بنعم.




بقلم ذ أبو مسلم الحطاب
دكتور في الحقوق رئيس غرفة سابق بمحكمة النقض
 


أعلى الصفحة