دور مؤسسة التعرضات في حماية الملكية العقارية - Alkanounia.com

 
القانون العقاري

بقلم ذ محمد بوسنة
باحث في قوانين التجارة والأعمال، جامعة محمد الأول بوجدة
تحت عدد: 634
لا شك أن العقار يشكل الدعامة الأساسية لجميع المشاريع التنموية والاقتصادية في جميع أنحاء المعمور، و من تم وجب تأمين الملكية العقارية

وتسهيل تداولها من خلال إقرار نظام للتحفيظ العقاري لخلق الطمأنينة في نفوس مختلف المالكين العقاريين
من هذا المنطلق، عمل المشرع المغربي على تشكيل منظومة قانونية متعلقة بالثروة العقارية،على رأسها ظهير 12 غشت 1913 المنظم لمسطرة التحفيظ العقاري، التي تبتدئ بإيداع مطلب التحفيظ وتنتهي إما بتحفيظه أو رفضه أو إلغائه .فإذا كان إيداع مطلب التحفيظ يعد قرينة على تملك طالب التحفيظ للعقار المراد تحفيظه، لكن هذه القرينة تبقى نسبية، حيث يمكن إثبات عكسها عن طريق مسطرة التعرض

وهنا ينبغي التمييز بين حالة التعرض في المساطر العادية و حالة التعرض في المساطر الخاصة وإن كان التدخل عن طريق التعرض لا يختلف بين الحالتين من حيث جوهر الحق المطالب به، وإن كان يختلف من حيث كيفية ممارسة هذا الحق وآجاله والجهة التي يقدم أمامها
وكما هو معلوم فإن أكبر خطر يداهم طالب التحفيظ هو التعرض، وذلك لكونه يطيل مسطرة التحفيظ وينقلها من المرحلة الإدارية إلى المرحلة القضائية،إلا أن التعرض في بعض الأحيان يقدم عن سوء نية وبشكل تعسفي أو كيدي، فإنه بالمقابل يعد وسيلة للحيلولة دون الترامي على ملك الغير
ووعيا من المشرع المغربي بقدم المقتضيات المنظمة للتحفيظ العقاري وعدم ملائمة العديد منها للواقع الحالي الذي عرف العديد من التطورات الاقتصادية والاجتماعية، تدخل المشرع من خلال القانون رقم 14.07 لتغيير وتتميم بعض هذه المقتضيات حيث خصص ما يزيد عن عشرين فصلا لتنظيم مؤسسة التعرض بداية من الفصل 24 من القانون المذكور سلفا
ومن كل ما سبق نطرح الإشكال الآتي : إلى أي حد استطاع المشرع المغربي تجاوز عيوب النصوص السابقة بسنه للمقتضيات الخاصة بالتعرض لحماية الملكية العقارية ضمن القانون 14.07 ؟
:للإجابة عن الإشكال المطروح ارتأينا تناول الموضوع عبر التقسيم الموالي
المبحث الأول : التعرضات وسلطات المحافظ بشأنها
المبحث الثاني : الآثار المترتبة عن قبول التعرضات


المبحث الأول : التعرضات وسلطات المحافظ بشأنها
إن من بين أهم الآليات القانونية الرامية إلى حماية حق الملكية العقارية،إمكانية المنازعة في مطلب التحفيظ عن طريق سلوك مسطرة التعرض، وهي آلية يمارسها الغير للحيلولة دون إتمام إجراءات التحفيظ وبالتالي توقيفها إلى غاية البت في النزاع، و نظرا لأھمیة مؤسسة التعرض في میدان التحفیظ العقاري، قام المشرع المغربي بتنظیمها سواء فيما يتعلق بكیفیة ممارستها مع تحديد الجھات التي یمكنھا تلقي التعرضات (المطلب الأول ) أو من حيث سلطات المحافظ العقاري في اتخاذ القرارات المعلقة (بالتعرض (المطلب الثاني
المطلب الأول : نطاق التعرض والجهات التي يقدم أمامها
بما أن التعرض وسيلة لمنازعة طالب التحفيظ في مشروعه الرامي إلى تحفيظ العقار، ولا يمكن تأسيس رسم عقاري للعقار إلا بعد إنهاء التعرض سواء برفعه من طرف طالب التحفيظ أو بقبوله إياه أو بإلغائه أو بالبت فيه قضائيا بشكل نهائي.فإن القانون أخضعه لعدة شروط يتعين احترامها،من بينها تحديد نطاق التعرض من حيث الأشخاص و الحقوق (الفقرة الأولى)، (وكذا للجهات التي يقدم أمامها التعرض (الفقرة الثانية
الفقرة الأولى : نطاق التعرض من حيث الأشخاص و الحقوق
حماية لحقوق الأغيار والملكية العقارية حدد المشرع المغربي نطاق التعرض من حيث الأشخاص (أولا) و الحقوق (ثانيا)
أولا : نطاق التعرض من حيث الأشخاص
انطلاقا من الفصل 24من ظهير التحفيظ العقاري المعدل والمتمم بقانون 14.07 أعطى المشرع المغربي حق :التعرض لكل من
أ: الشخص الذي ينازع طالب التحفيظ في حق الملكية سواء في وجود حق الملكية لطالب التحفيظ أو في مدى هذا الحق أو بشأن حدود العقار
ب: المتعرض الذي يدعي ملكيته لحق من الحقوق العينية العقارية القابلة للتسجيل كحق الارتفاق وحق الانتفاع والزينة وغيرها من الحقوق المنصوص عليها في الفصل 9 من القانون 08-39 المتعلق بمدونة الحقوق العينية

ت: المتعرض على حق وقع الإعلان عنه طبقا للفصل 84 من القانون 07-14، بموجب ذلك فإذا نشأ على عقار في طور التحفيظ حق خاضع للإشهار أمكن لصاحبه، من أجل ترتيبه والتمسك به في مواجهة الغير، أن يودع بالمحافظة العقارية الوثائق اللازمة لذلك ويقيد هذا الإيداع بسجل التعرضات، وعند التحفيظ يقيد الحق المذكور بالرسم العقاري في الرتبة التي عينت له إذا سمحت إجراءات المسطرة بذلك

ويلاحظ أن قانون التحفيظ العقاري السابق كان يقصر التعرض على الأشخاص الذين ينازعون طالب التحفيظ في حق الملكية أو نطاقها أو في حدود العقار المطلوب تحفيظه، أو ممن يدعون حقوقا عينية عقارية قابلة للتسجيل، بينما القانون الجديد أضاف بموجب الفقرة الأخيرة من الفصل 24 صنفا جديدا من المتعرضين والذين لا ينازعون في مطلب التحفيظ، وإنما ينازعون أصحاب الحقوق المودعة طبقا للفصل 84

كما أن الفصل 24 وكذا الفصل 83 من القانون 07-14 قد خلقا وضعية قانونية من شأنها التأثير أحيانا على مصلحة طالب التحفيظ، وذلك في حالة كون التعرض موجه ضد أصحاب الحقوق المودعة طبقا للفصل 84 فقط، أو الحقوق المنشأة أو المغيرة أو التي وقع الإقرار بها في نطاق الفصل 83، دون وجود أي تعرض على المطلب. بحيث أن إجراءات المطلب تتوقف في انتظار البت في التعرض المقدم ضد صاحب الحق العيني المودع أو صاحب الحق المنشأ أو المغير أو المقر به والذي يكسب صاحبه صفة طالب التحفيظ في حدود الحق المعترف به حسب ما يقضي بذلك الفصل 83 من نفس القانون

بالمقابل أجاز القانون 07-14 في الفصل 26 منه تقديم التعرض باسم الغير، ويتعين على مقدم التعرض أن يثبت هويته وهوية من يتعرض باسمه، وأن يدلي بالوثائق المثبتة لنيابته، وإذا كان الأمر يتعلق بوكيل فإن عليه الإدلاء بالوكالة التي تخوله صلاحية تقديم التعرض ويشار فيها إلى العقار المراد التعرض عليه وإلى رقم المطلب وذلك لسد الطريق على كل من يسعى إلى عرقلة إجراءات التحفيظ وتقديم التعرض باسم الغير دون تكليف حقيقي. كما أعطى القانون صلاحية التعرض للأوصياء والممثلين الشرعيين ووكيل الملك والقاضي المكلف بشؤون القاصرين والقيم على أموال الغائبين والمفقودين باسم المحجورين والغائبين والمفقودين والغير الحاضرين

ثانيا : نطاق التعرض من حيث الحقوق
التعرض مبدئيا لا يمارس إلا في مواجهة طالب التحفيظ وفي حدود نطاق العقار المزمع تحفيظه وعليه لا يمكن للمتعرض المطالبة بحقوق ليست موضوع مطلب التحفيظ، كما أنه لا يمكن أن يمارس التعرض في مواجهة متعرض أخر، وبالرجوع إلى الفصل 24 من ق ت ع السالف الذكر، فإن المشرع المغربي حدد الحقوق التي يمكن التعرض عليها

فالمنازع في شأن وجود حق ملكية العقار موضوع مطلب التحفيظ يمكنه أن يقدم تعرضا شاملا كل الوعاء العقاري لمطلب التحفيظ ويسمى بالتعرض الكلي، كما يمكن أن يشمل فقط جزء من العقار ويسمى بالتعرض الجزئي والذي يستلزم تحديد وعائه إما بإجراء عملية التحديد أو عن طريق تحديد تكميلي لاحق قد يتم في المرحلة الإدارية أو القضائية للتحفيظ، ويكون النزاع بشأن مدى حق الملكية كما لو كان الأمر يتعلق بعقار مملوك على الشياع وطالب أحد الملاك تحفيظ العقار المشترك بنسبة تتجاوز حصته الحقيقية، حيث قد يكون طالب التحفيظ ادعى لنفسه نصيبا أكبر من نصيبه، فيحق لشريكه رفع تعرض يطالب فيه بتصحيح نصيب طالب التحفيظ بهذا الملك ويسمى هذا التعرض بالتعرض على حقوق مشاعة، أما فيما يخص النزاع بشأن الحدود فإن المتعرض لا يهدف من خلال تعرضه إلى المنازعة في حق الملكية، وإنما يهدف إلى تعديل حدود عقار طالب التحفيظ الذي قد يكون مطلبه شاملا جزء من عقار المتعرض

ما يلاحظ بخصوص الفصل 24 من ق ت ع في حدود الفقرتين الأولى و الثانية، أن الفقرة الثانية شاملة للفقرة الأولى، فعندما ينازع المتعرض في وجود حق الملكية لطالب التحفيظ أو في مدى هذا الحق أو بشأن حدود العقار فهو يدعي استحقاق حق عيني قابل للتقييد بالرسم العقاري الذي سيقع تأسيسه وهو حق الملكية، إذ لا يمكنه أن يكتفي بالمنازعة في الحق المدعى به دون أن يطالب باستحقاقه لهذا الحق

من خلال ما سبق يتضح لنا أن المشرع المغربي وسع من دائرة الأشخاص الذين يحق لهم تقديم التعرض، بهدف تحقيق الملكية بشكل أكثر دقة ومنح الفرصة لكل من يدعي ملكية حق في العقار موضوع التحفيظ إبداء تعرضه على مسطرة التحفيظ، لتشكل بذلك ضمانة حقيقة لحماية الملكية العقارية وتأسيس رسوم عقارية على أسس متينة وبيانات سليمة

الفقرة الثانية : الجهات التي يقدم أمامها التعرض
كان ظهير التحفيظ العقاري قبل تعديله و تتميمه بالقانون 14.07،يسمح بتقديم التعرضات أمام المحافظة العقارية وأمام المهندس القائم بالتحديد وأمام المحكمة الابتدائية (محاكم السدد بتعبير النص القديم ) وبمكاتب السلطة المحلية (القائد أو الباشا) وبمركز قاضي التوثيق على أن تتولى الجهة التي قدم لها التعرض إرساله إلى المحافظة العقارية. إلا أن تعدد الجهات المكلفة بتلقي التعرض وإرسالها إلى المحافظة العقارية، هو إشكال في حد ذاته يؤثر على السير العادي لمسطرة التحفيظ، رغم ما قد يقال من أن تعدد هذه الجهات يتيح إمكانية أوسع للمتعرضين، وإعفاؤهم من عناء التنقل إلى مقر جهة وحيدة مختصة

وعليه عمل المشرع المغربي من خلال مقتضيات الفصل 25 من القانون رقم 14-07على تحديد الجهات التي يقدم التعرض أمامها، وحصرها في المحافظ العقاري والمهندس المساح الطبوغرافي المنتدب أثناء إجراءات التحديد،ونرى أن هذا التعديل في محله، لأن التعرض يجب أن يقدم أمام الجهة المختصة لتبقى مسؤولة عليه، ولتفادي ضياعه أمام جهات إدارية أخرى

ويعد تقدیم التعرض في مقر المحافظة ھو الإجراء العادي الذي یدخل في نطاق اختصاصھا الأصلي، حیث یحضر الشخص الذي یرغب في إقامة تعرض على مطلب التحفیظ مدلیا بطلب یضمن فیه حالته المدنیة وما إذا كان یتعرض بصفته كوكیل والحالة المدنیة لموكله وأن یعین موطنا مختارا، وأن یبین بدقة رقم المطلب موضوع التعرض، وتحدید وعاء التعرض فیما إذا كان تعرضا كلیا أو جزئیا أو فقط فیما یخص الحدود أو أحد الحقوق العینیة، ویجب تبیان المساحة التي یتعرض علیھا وموضعھا من الوعاء العقاري بمطلب التحفیظ كما یتم بیان مستندات المتعرض كالإراثات أو رسوم الملكیة أو قسمة أو أي وثیقة من شأنھا تدعیم تعرضه

كما یمكن تقدیم التعرض أثناء إجراء عملیة التحدید أمام المھندس في عین المكان، حيث یحضر جمیع الأشخاص الذین لھم علاقة بالعقار موضوع التحدید بناء على الاستدعاءات الموجھة إلیھم من طرف المحافظ طبقا لما نص علیه الفصل 19 من ق :ت ع حیث یتم استدعاء

طالب التحفيظ؛ - المجاورين المبينين في مطلب التحفيظ؛ - المتدخلين وأصحاب الحقوق العينية والتحملات العقارية المصرح بهم بصفة قانونية-
ویمكن لأي شخص تھمه عملیة التحدید أن یحضر دون استدعاء وفي عین المكان وأثناء التاریخ المحدد لإجراء عملیة التحدید، وعليه فالمهندس العقاري يقوم بدور مزدوج فھو من جھة یطوف بالعقار قصد وضع العلامات وتعیین الحدود وتعیین الأجزاء المتعرض علیھا من طرف الغیر ومن جھة أخرى یقوم باستفسار الحاضرین وقت التحدید عن كل المعلومات التي تفید التحدید

فإذا كان المھندس العقاري یتمتع بالخبرة والكفاءة المطلوبة للقیام بعمله من الناحیة التقنیة، فإنه لا یتوفر في أغلب الحالات على الخبرة والكفاءة القانونیة اللازمة مما ینتج عنه في كثیر من الحالات صیاغة سیئة للحقوق المعبر عنھا من طرف المتعرضین والمتدخلین، الشيء الذي یستلزم حضور ممثل عن المحافظ

المطلب الثاني : فعالية قرارات المحافظ بخصوص التعرضات
یعتبر التعرض الوسیلة القانونیة التي یمکن لکل شخص بمقتضاها التدخل في مسطرة التحفیظ قصد الدفاع عن حقوقه وحمایتها بالحجیة المطلقة للرسم العقاري، وبالرجوع للفصل 24 من قانون التحفیظ العقاري لم یضع أي قید في مواجهة الأشخاص الذین یریدون ممارسة التعرض لحمایة حقهم في الملكية، وقد حاول المشرع منح آجال معقولة لممارسة التعرض ومنح للمحافظ سلطة قبوله طالما كان مستوفیا لشروطه الشكلیة والجوھریة (الفقرة الأولى) أو رفضه –إلغائه إذا كان غير مستوفي للشروط (القانونیة (الفقرة الثانية

الفقرة الأولي : قرار المحافظ بقبول التعرض
إن قبول التعرض من قبل المحافظ، دلیل على توفر الطلب على جمیع الشروط الشكلیة والجوھریة ( المنصوص عليها في الفصل 25 من قانون 14.07)، وعلى جدیة المطالب التي تقدم بھا المتعرض، خاصة إذا كان یستند في ذلك على وثائق وحجج قویة، الشيء الذي یجعل المحافظ لا یتردد في قبوله في إطار سلطته التقديرية

إلا أن قبول التعرض لا يفهم منه إثبات الحقوق المتنازع فیھا أو نفیھا، وإنما یدل على منازعة جدیة لمطلب التحفیظ والتي قد تؤدي إلى إحالته على المحكمة في الحالة التي لا ینتج عن المرحلة الإداریة البت في ھذا التعرض،وعند قبول التعرض یقوم المحافظ فورا بتبلیغه إلى طالب التحفیظ، تفعیلا لدوره الإیجابي في مسطرة التحفیظ، طبقا لما ھو منصوص علیه في الفقرة الأولى من الفصل 31 من ق ت ع
وطبقا لهذا المقتضي فإنه يمنح فرصة لطالب التحفیظ لربح الوقت لمحاولة رفع التعرض أو للتحقق من جدیته لیقبله، ولعل ھذا التبلیغ المبكر ھو ما یساھم في إطلاع طالب التحفیظ بوجود نزاع بخصوص ما یدعي ملكیته فیلجأ إلى محاولة تصفیة النزاع بشكل ودي جزئیا أو كلیا،ومن أجل تحدید ھذا الموقف الذي یجب أن یكون داخل أجل شھر من التبلیغ أو على الأقل من تاریخ اختتام المسطرة طبقا للفصل 31 من ق ت ع، كما یحق لطالب التحفیظ أن یطلع في عین المكان على الوثائق والمستندات التي یكون المتعرض قد أودعھا بالمحافظة العقاریة تدعیما لتعرضه ،وعموما عند قبول التعرض والقیام بإجراءات التبلیغ فان موقف طالب التحفیظ لا یخرج عن احتمالین إما إثبات رفع التعرض أو التصریح بقبوله

وتجدر الإشارة إلى أن السلطات الواسعة للمحافظ العقاري بشأن قبول التعرضات لا تقتصر فقط على حالة عدم الإدلاء بالحجج، إذ نجده يتمتع بنفس السلطات بشأن قبول التعرض ولو قدم خارج الأجل طبقا لما جاء به الفصل29 ق.ت.ع، لكن هل سلطات المحافظ العقاري بشأن قبول التعرض سلطة مطلقة لا تخضع للرقابة؟

حيث أنه من المعلوم أن أهم ما يخشاه صاحب مطلب التحفيظ هو التعرض، لذلك فإن قبول التعرض من طرف المحافظ العقاري يؤثر على المركز القانوني لهذا الأخير،وهو ما يفرض أن يمتع بضمانة الطعن في قرار المحافظ العقاري، وبالرجوع إلى الفصل 32 ق.ت.ع لا نجد فيه ما يفيد إمكانية الطعن في قرار المحافظ العقاري بقبول التعرض، لكن بما أن المحافظ العقاري له سلطة إدارية فقراراته بما فيها قرارات قبول التعرض هي قرارات إدارية من شأنها أن تلحق أضرارا بحقوق الأفراد .لذلك فهي قابلة للطعن فيها بالإلغاء بسبب الشطط في استعمال السلطة أمام المحاكم الإدارية، وهو ما جاء في الحكم

الصادر عن المحكمة الإدارية بأكادير " ... بجواز الطعن في قرارات المحافظ على الملكية العقارية أمام القضاء الإداري "وأن الاستثناء هو ما ورد في الفصل 96 من نظام التحفيظ العقاري

الفقرة الثانية : قرارات المحافظ بالرفض أو الإلغاء
عند تقدیم التعرضات إلى المحافظ بصفة نظامیة ووفقا للآجال والشروط المقررة قانونا، فإنه ملزم بقبولھا وإحالة الملف على المحكمة الابتدائیة التي یوجد العقار في دائرة نفوذها لتبت فیه، أما في حالة اختلال إحدى ھذه الشروط والآجال، أعطى المشرع المغربي للمحافظ العقاري سلطة واسعة باتخاذ القرار المناسب في شأنھا، فبإمكانه رفض التعرض المقدم خارج (الآجال (أولا)، أو إلغاء التعرض (ثانيا

أولا : رفض التعرض المقدم خارج الآجال
حيث يرفض طلب التعرض لوجود مبرر لذلك منذ البدایة وقبل تضمینه، وأبرز مبرر هو تقدیم التعرض خارج الأجل القانوني ألا وهو شهران ابتداء من تاریخ نشر الإعلان عن انتهاء التحدید بالجریدة الرسمیة،لكن يمكن قبول التعرض بصفة استثنائية من طرف المحافظ على الأملاك العقارية، ولو لم يرد على مطلب التحفيظ أي تعرض سابق، شريطة

أن لا يكون الملف قد وجه إلى المحكمة الابتدائية،وهذا ما جاء في القرار الصادر عن المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) باعتبار أنه "...يمكن أن يقبل التعرض بصفة استثنائية من طرف المحافظ ما دام لم يوجه الملف إلى كتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية..."،وفي قرار آخر صادر عن نفس المحكمة جاء فيه " ... يخول المحافظ وحده قبل توجيه الملف إلى كتابة الضبط سلطة قبول التعرض خارج الأجل أو عدم القبول..."، وإذا رفض المحافظ التعرض فإن قراره یعتبر نھائیا غیر قابل للطعن،وهو ما يتعارض مع فلسفة حمایة حقوق الغیر التي یعتبر التعرض أھم وسیلة لوقایتھا من المزاعم الكاذبة لطالب التحفیظ، وذلك بإظھار ھذه الحقوق قبل صدور الرسم العقاري النھائي غیر القابل للطعن والذي یطھر العقار من كل الحقوق السابقة غیر المعلنة خلال مسطرة التحفیظ
إضافة إلى أنه لا یوجد مبرر معقول یمنع قبول التعرض مادام الرسم العقاري لم یؤسس بعد، خصوصا وأن قبول التعرض لا یفید إثبات الحقوق المدعى بھا، وإنما یفید وجود منازعة جدیة لمطلب التحفیظ ویبقى القضاء ھو من له الحق في تقریر صحة التعرض من عدمه، وبالتالي فإن رفض المحافظ لتعرض ورد علیه خارج الأجل یجعله یمارس سلطة القضاء في تقریر الحقوق لأصحابھا، وخصوصا إذا علمنا بأنه عند تأسیس رسم عقاري لھذا المطلب فإنه یستحیل على من كان یدعي حقا المنازعة في ھذا الرسم. كما أن رفضه ھذا قد یفسر بأنه امتیاز لطالب التحفیظ في مواجھة المتعرض، وھو ما یبین مدى خطورة ھذه السلطة التقدیریة الواسعة التي قد تؤثر سلبا على حقوق المتعرضین وتجعلھا عرضة للضیاع أمام نھائیة الرسم العقاري

ثانيا : إلغاء التعرض
انطلاقا من الفصل 32 من ق .ت.ع فإنه ” يعتبر التعرض لاغيا وكأن لم يكن، إذا لم يقدم المتعرض خلال الأجل المنصوص عليه في الفصل 25 من هذا القانون، الرسوم والوثائق المؤيدة لتعرضه، ولم يؤد الرسوم القضائية وحقوق المرافعة أو لم يثبت حصوله على المساعدة القضائية

وعليه فإن إلغاء التعرض لا یقدم علیه المحافظ إلا بعد تضمین التعرض وظهور سبب یبرز هذا الإلغاء، وتتجلی هذه الأسباب في عدم أداء الرسوم القضائیة أو عدم إثباته حصوله على المساعدة القضائیة، وکذلك یتم إلغاء التعرض لعدم إدلاء المتعرض بالمستندات المؤیدة لتعرضه بعد إنذاره برسالة مع الإشعار بالتوصل ومرور شهر على انتهاء أجل التعرض

وقد جاء المشرع بهذا المقتضی لردع کل المتعرضین الذین یقدمون تعرضات کیدیة لا تنبني على حجج ووثائق ومستندات جدیة، فرغم أن المشرع لم یمنح للمحافظ فحص جدیة الوثائق وعلاقتها بالملك لأن هذا الأمر موکول للقضاء، ولکن منحه إلغاء التعرض إن کان خالیا من أیة وثیقة تؤیده، فالتعرض على مسطرة تحفیظ عقار معین بدون تقدیم مستندات أو تقدیم حجج واهیة أصبح حرفة للبعض والهدف منه التأثیر النفسي على طالب التحفیظ، لذلك ینبغي بسط سلطته في إلغاء کل تعرض اقتنع بعدم جدیته والمتجلیة في عدم أداء الرسوم القضائیة والإدلاء بالوثائق المؤیدة للتعرض

المبحث الثاني : الآثار المترتبة عن قبول التعرضات
إن أهم أثر يترتب عن قبول التعرض من طرف المحافظ على الأملاك العقارية هو تفعيل مؤسسة الصلح (المطلب الأول)،هذه الأخيرة الغرض منها بالأساس حسم الخلاف بين أطراف النزاع دون اللجوء إلى القضاء، إلا أنه في حالة فشل محاولة الصلح يتم نقل النزاع إلى القضاء للبث فيه ليقول القضاء كلمته في النزاع المعروض عليه، وبعد أن تصبح الأحكام القضائية نهائية يعاد الملف من جديد إلى المحافظ العقاري، باعتباره جهة تنفيذية يناط بها تنفيذ مختلف الأحكام العقارية إلا أن قرارات المحافظ بشأن هذه الأحكام تتأرجح دوما بين القبول حينما لا تثار بشأنها أية إشكالية وهو أمر نادر الوقوع من الناحية العملية و بالرفض عندما لا تكون مطابقة لبيانات ومندرجات السجلات العقارية وهنا تتجلى صعوبة تنفيذها، وعليه سنخصص (المطلب الثاني) للوقوف على هذه الصعوبات
المطلب الأول : دور مؤسسة الصلح في حماية الملكية العقارية
تعد مؤسسة الصلح من أنجع الآليات القانونية للحد من الدعاوى الكيدية في المرحلة المتقدمة من التحفيظ. فالصلح فرصة حقيقية للمتعرضين للاتفاق مع طالب التحفيظ على حل وسط قد يرضيهما معا، كما أنه فرصة للمتعرضين ذوي النيات السيئة (للعدول عن دعواهم. وينبغي أن يمارس هذا الصلح وفق شروط (الفقرة الأولى) يكتسب بموجبها الحجية (الفقرة الثانية

الفقرة الأولى : شروط إجراء الصلح
يقوم المحافظ على الأملاك العقارية بمحاولة إجراء الصلح عندما تكون طبيعة النزاع تسمح بذلك واستجابة لكل الشروط الشكلية المتطلبة لقبوله وعجز طالب التحفيظ عن رفضه أو قبوله ليبقى بإمكان المحافظ القيام بإجراءات الصلح إما بمبادرة منه أو (بطلب من الأطراف (أولا) شريطة أن يكون هذا التصالح في نطاق التعرض ومنهي للنزاع (ثانيا

:أولا: إجراء الصلح بمبادرة من المحافظ أو بطلب من الأطراف
يمكن للمحافظ إذا قبل إيداع التعرض في سجل التعرضات وقبل إحالة الملف على المحكمة أن يجري صلحا بين أطراف النزاع -طالب التحفيظ والمتعرض- من أجل تفادي وصول النزاع إلى المحكمة وبالتالي ربح الوقت.فالمحافظ يشعر الأطراف من أجل إجراء صلح بينهما وحل النزاع المشار إليه حبيا وإن كان يرى بعض الفقه أن من صلاحيات المحافظ رفض إجراء الصلح متى تبين له أن النزاع لا يمكن حله بالصلح

والرأي فيما نعتقد أن المحافظ لا يمكن له رفض الطلب الرامي إلى إقامة صلح بين طرفي النزاع، فمادام الطرفين قد تراضيا على إجراءه فعليه مساعدتهما من أجل حل ذلك النزاع قبل الوصول إلى المحكمة

ويثار السؤال هنا بخصوص مسؤولية المحافظ الذي لم يقم بعرض الصلح على الأطراف؟
إن هذا السؤال يقتضي طرح فرضيتين: الأولى تتمثل في عدم تبليغ طالب التحفيظ بوقوع تعرض على مطلبه وفي هذه الحالة تثار مسؤولية المحافظ بخرقه لمقتضيات الفصل 31 من قانون التحفيظ العقاري. ومسؤوليته هنا لا تنبني على مقتضيات الفصل 97 من قانون التحفيظ العقاري بل تخضع لأحكام الفصلين 79 و80 من ق.ل.ع والتي يتم التمييز فيها بين نوعين من الأخطاء ؛ الخطأ الشخصي الذي يتحمله المحافظ شخصيا، والخطأ المرفقي الذي تتحمله الإدارة وتكون في هذه الحالة مسؤوليته مسؤولية شخصية عند وقوع ضرر لطالب التحفيظ من جراء هذا الإخلال

أما الفرضية الثانية فتتجلى في قيام المحافظ بتبليغ طالب التحفيظ بوقوع التعرض لكنه لا يقوم بعبض الصلح على الأطراف وهنا لا تثار مسؤوليته لأن المشرع منحه السلطة التقديرية في إجراء التصالح من عدمه

كما قد تأتي مبادرة الصلح من الخصوم أنفسهم أي طالب التحفيظ والمتعرض إذا رغبوا في الصلح، ويجوز أيضا للغير التدخل لإقامة هذا الصلح أو تهيء الجو المناسب لإبرامه.وعلى إثر ذلك يقوم المحافظ بإستدعاء من يهمهم الأمر إلى جلسة الصلح بمكتبه، حيث ينبغي أن يبدل غاية جهده قصد التوفيق بينهما وإن اقتضى الحال التوجه مع الفريقين إلى عين المكان لدراسة النزاع بكيفية أوفر وأبلغ دون أن يتحملوا أي مصاريف

إن إختصاص المحافظ العقاري مقيد بالنزاع القائم بين طالب التحفيظ والتعرض إذ لا ينبغي أن يمتد إتفاق محضر الصلح إلى حقوق عينية لا يتضمنها طلب التعرض لأنه من شأن ذلك أن يعرض حقوق الغير للضياع، ويجعل بالتالي محضر الصلح خارجا عن الإطار المحدد له،فالغاية التي يتوخاها المشرع تتمثل في فض النزاع وتجنيب الأطراف المساطر القضائية والخسائر التي تنجم عنها، وليس إنشاء حقوق جديدة، لأن العقود تبقى هي المصدر الوحيد لإنشاء الحقوق ولا يدخل في إختصاص المحافظ تحرير العقود

ويكون للمحضر الناتج عن هذه العملية قوة تبوتية تجاه أطرافه فهو ملزم لهما،ولا يمكن الطعن فيه إلا بما يطعن في العقد، فيجوز لهما أن يطعنا فيه بالإبطال لنقص الأهلية أو لعيب في الرضا، من غلط أو تدليس أو إكراه

ولما كان الغرض من إجراء الصلح هو إنهاء النزاع والتسريع بإجراءات المسطرة فإنه لا بد أن يكون هذا الصلح منهيا للنزاع فإذا كان جزئيا غير شامل ولم يقضي على كل أسباب الخلاف موضوع التعرض فإن المحافظ العقاري لا يمكنه القيام به وهو غير مختص به

الفقرة الثانية:حجية محضر الصلح
إن المشرع المغربي خول للمحافظ العقاري وحده صلاحية تحرير محضر الصلح،ونظرا لكون المحافظ موظف عمومي له إختصاصات محددة لا يمكن له تجاوزها وبالتالي يصدق القول على أن تحرير محضر الصلح يجعل من هذا الأخير وثيقة رسمية، والحال أن الفقرة الأخيرة من الفصل 31 المشار إليه سلفا أوردت :"...تكون لاتفاقات الأطراف المدرجة بهذا "المحضر قوة الإلتزام العرفي
وبهذا تعتبر وثيقة محضر الصلح وثيقة عرفية بصريح النص أعلاه بالرغم من أنها تتوفر على جميع شروط الوثيقة الرسمية

ونعتقد أن المشرع أضفى على محضر الصلح الشكل العرفي ليمنح للأطراف إمكانية الطعن فيه، وذلك بعدم إعطائه حجية رسمية لا يمكن الطعن فيها إلا بالزور وهو ما نؤيده على خلاف بعض الفقهاء، نظرا للأهمية الناتجة عن محضر الصلح ولأن إمكانية الطعن فيه تجعل المحافظ أكثر حرصا وتحريرا عند إستماعه للأطراف وعند تضمينه لهذه الإتفاقيات في المحضر

وعلى الرغم من ذلك، إن المحضر ملزم للطرفين طبقا للفصل230 من ظ.ت.ع "فالعقد شريعة المتعاقدين" لا يجوز نقضه أو تعديله أو إلغائه إلا باتفاقهما معا، لذلك يلاحظ أن المشرع المغربي سوى بين محضر الصلح والذي حرر من طرف المحافظ العقاري وبين الوثيقة المحررة من ذوي الإختصاص والتي تحتاج إلى إثبات تاريخها، فإذا كانت الوثيقة الرسمية تعد حجة إتجاه الطرفين والغير، ولا يمكن الطعن فيها إلا بالزور فإن محضر الصلح يعد حجة إتجاه طرفيه فقط، ويمكن الطعن فيه بجميع طرق الطعن المقررة قانونا

المطلب الثاني: سير التعرضات وصعوبات تنفيذها
لدعوى التعرض في ميدان التحفيظ العقاري خصوصيات تميزها عن غيرها من الدعاوى العادية الأخرى،ذلك أنها تحال من المحافظ إلى القضاء دون أن يكون المعني بالأمر مجبرا على تحرير المقال في بعض الحالات، وعليه فبعد فشل المحافظ في حسم الخلاف بواسطة مؤسسة الصلح، يقوم بتوجيه الملف إلى المحكمة للبث وتسمى هذه المرحلة بالقضائية (الفقرة الأولى)، ثم (يصدر الحكم ليطبقه المحافظ إلا أنه كثيرا ما تواجهه عدة صعوبات (الفقرة الثانية

الفقرة الأولى: سير التعرض في المراحل القضائية
بعد توجيه ملف التحفيظ المتضمن لمطلب التحفيظ والتعرضات المتعلقة به،إلى كتابة ضبط المحكمة الابتدائية التي يوجد العقار المطلوب تحفيظه ضمن دائرتها الترابية، يقوم رئيس المحكمة الابتدائية فور توصله بمطلب التحفيظ بتعيين قاضي مقرر يكلف بتحضير القضية للحكم واتخاذ جميع الاجراءات المناسبة لهذه الغاية

ويكمن للقاضي المقرر على الخصوص إما تلقائيا أو بطلب من أحد الأطراف أن ينتقل إلى عين العقار موضوع النزاع ليجري بشأنه بحثا أو يطبق عليه الرسوم. كما يمكنه بعد موافقة رئيس المحكمة أن ينتدب لهذه العمليات قاضيا آخر

وتجدر الاشارة أن الفصل 34 المذكور خول للقاضي المقرر الاستعانة بمهندس مساح طبوغرافي محلف من جهاز المسح العقاري، مقيد في جدول الهيئة الوطنية للمهندسين المساحين الطبوغرافيين، بعد الاتفاق مع المحافظ على الأملاك العقارية على تعيينه وعلى تاريخ انتقاله إلى عين المكان، ويحدد من جهة أخرى، المبلغ الذي يودعه المعني حسب الأشغال التي ستنجز والتعويضات التي تقتضيها

ويمكنه كذلك أن يتلقى جميع التصريحات أو الشهادات، ويتخذ جميع الاجراءات التي يراها مفيدة لتحضير القضية،ويستمع بالخصوص إلى الشهود الذين يرغب الأطراف في الاستماع إليهم
وعموما عند ما يرى القاضي المقرر أن القضية أصبحت جاهزة يخبر الأطراف بيوم الجلسة العلنية التي ستعرض فيها وذلك قبل موعدها بثمانية أيام على الأقل بعد التوصل بالاستدعاء
وبعد استماع القاضي إلى الأطراف وتقديم ممثل النيابة العامة – إن اقتضى الحال - مستنتجاته،يتم الفصل في القضية في الحين أو بعد المداولة.وتبث المحكمة في وجود الحق المدعى به من قبل المتعرضين وطبيعته، مشتملاته ونطاقه، وتحيل الأطراف للعمل بقرارها، بعد اكتساب الحكم قوة الشيء المقضي به، على المحافظ على الأملاك العقارية الذي له وحده النظر في قبول أو رفض مطلب التحفيظ كلا أو بعضا مع الاحتفاظ بحق الطعن

:وبالتالي حكم المحكمة لا يخرج عن الحالات الآتية
إما الاشهاد على قبول طالب التحفيظ التعرض الموجه ضده، وفي هذه الحالة يمكن للمتعرض أن يتقدم بمطلب تحفيظ ذلك العقار في اسمه بنفس الكيفية التي قدم بها مطلب التحفيظ
وإما الاشهاد على التنازل في حالة تخلي المتعرض عن تعرضه على مطلب التحفيظ -
أما في حالة تشبت كل من طالب التحفيظ والمتعرض كل بموقفه، فإن المحكمة تقضي إما بإلغاء جميع التعرضات، أو بقبولها كلا أو بعضا، أو قبولها جزئيا، أو في نطاق معين، وبالرغم من أن المحكمة تقتصر فقط بالحكم بصحة التعرض أو عدم صحته، فإن هذا لا يمنعها في بعض الحالات من النظر إلى الحجج التي أدلى بها طالب التحفيظ ودراستها لتقييم حجية وثائق المتعرض والترجيح بينها
وأخيرا بما أن أحكام المحكمة الابتدائية بشأن التعرضات ليست بمطلقة، فإن لأطراف الطعن بالاستئناف لدى محكمة الدرجة الثانية بعد حصول التبليغ وفق الشروط المنصوص عليها في الفصل 40 من ظهير التحفيظ العقاري كما غير وتمم بالقانون 14.07
وتجدر الإشارة أن الأحكام المطعون فيها موضوع التحفيظ تقبل الاستئناف مهما كانت قيمة العقار المطلوب تحفيظه. ويتكلف الرئيس الأول لدى محكمة الاستئناف بتعيين مستشار مقرر يقوم بنفس مهام القاضي المقرر المنجزة في المرحلة الابتدائية
وبعد المناقشات تبث محكمة الاستناف في القضية إما في الحين أو بعد المداولة سواء حضر الأطراف أو تخلفوا دون أن يقبل أي تعرض ضد القرار الصادر
كما يمكن للأطراف الطعن في القرار بالنقض طبقا للفصل 47 من ظهير التحفيظ العقاري، غير أن هذا الفصل لم يحدد المسطرة خاصة الطعن عن طريق النقض إذ إكتفى بالاحالة على القواعد العامة خلافا للمرحلتين الابتدائية والاستئنافية.ولعل السبب في ذلك يرجع للصبغة التي تتميز بها محكمة النقض لكونها لا تعتبر درجة ثالثة من درجات التقاضي،ولا ينظر في القضية نفسها ولكن في القرار المطعون فيه،لهذا فإن مسطرة الطعن في التحفيظ العقاري ستكون تطبيقا من تطبيقات القواعد العامة، ومع ذلك فإن النصوص المتعلقة بمحكمة النقض جاءت بخصوصيات تهم قضايا التحفيظ العقاري خاصة فيما يتعلق بأجل الطعن وآثار النقض
الفقرة الثانية: الصعوبات المثارة أثناء تطبيق الأحكام العقارية
غالبا ما تعترض المحافظ على الأملاك العقارية صعوبات في تطبيق الأحكام القضائية الصادرة بشأن مسطرة التحفيظ، لإعتبارات قد يراها المحافظ سببا لإثارة مسؤوليته في حالة تطبيقها

:ونميز بين نوعين من الصعوبات
الصعوبات المادية أو الواقعية ومناطها الحكم القضائي نفسه، ولعل أهمها الحالة التي يتعذر فيها على المحافظ تحديد وعاء التعرض أثناء ت المرحلة الإدارية لإجراءات التحفيظ، فيرجأ هذا التحديد إلى المرحلة القضائية، وذلك إستنادا إلى مقتضيات الفصل 25 من ظهير التحفيظ العقاري، الذي ينص في الفقرة ما قبل الأخيرة منه على ما يلي :"وإذا كان التعرض لا يتعلق إلا بجزء من العقار لم يتيسر تحديده بكيفية صحيحة في يوم التحديد حسبما هو منصوص عليه في الفصل20، تباشر هذه العملية على نفقة المتعرض، وإذا تعذر تحديد وعاء التعرض، فإن المحافظ يحيل المطلب على المحكمة الإبتدائية ويمكن "للقاضي المقرر الذي أحيل عليه الملف، أن ينجز هذا التحديد كما هو منصوص عليه في الفصل 34 من هذا القانون
ويستفاد من الفصل المذكور أن القاضي المقرر يتولى إجراء التحديد التكميلي في المرحلة القضائية، ويجب أن يتم هذا التحديد طبقا لمقتضيات الفصل 4 من القرار الوزيري المؤرخ في 03-06-1915 المتعلق بتفاصيل تطبيق نظام التحفيظ العقاري، وبتنسيق مع مصلحة المسح العقاري لإعداد تصميم لوعاء التعرض الجزئي بشكل نظامي

وقد يترتب عن تأجيل ضبط وعاء الجزء المتنازعفيه، إلى حين صدور الحكم، صعوبة في إنجاز التصميم، سواء بالنسبة للتعرض الجزئي أو بالنسبة لباقي المطلب، خاصة إذا إمتنع أحد الأطراف الذين ليست لهم مصلحة في التنفيذ حضور عمليات التحديد

ذلك أنه في حالة الحكم بصحة التعرض الجزئي يقتضي الأمر أن يبت هذا الأخير في باقي الطلب، وهذا لن يتأتى إلا بفرز وعاء القطعة المحكوم بها لصالح المتعرض، مما يقتضي في حالة تعذر إنجاز التحديد التكميلي في المرحلة الإدارية أن يتم التحديد المذكور وجوبا في المرحلة القضائية، حيث يتعين إعمال مقتضيات الفصل 25 المذكور في صيغته الإلزامية وليس الإختيارية، وهذا الرأي فيما نعتقد أقرب إلى الصواب وجدير بالتأييد

فبالرجوع إلى هذا الفصل المذكور آنفا، نجد أن المشرع ورغم أهمية الإجراء الوارد فيه المتمثل في إجراء التحديد التكميلي خلال المرحلة القضائية، والذي من شأنه العمل على تجاوز مجموعة من الصعوبات التي قد تواجه المحافظ أثناء تنفيذ الأحكام الفاصلة في التعرضات الجزئية، إلا أنه جعله إختياريا، وهو ما يستفاد من عبارة " .....يمكن..."الواردة في الفقرة الأخيرة من الفصل المذكور، نر أنه كان يجدر به أن ينص على إلزامية الإجراء
إضافة إلى الصعوبات المادية التي قد تعترض المحافظ العقاري وتجعله يتخذ موقفا رافضا بشأن التنفيذ، توجد كذلك صعوبات أخرى مصدرها القانون تجعل هذا الأخير في موقف حرج من أمره بين تنفيذ حكم صادر باسم جلالة الملك رغم مخالفته أو تعارضه مع نص قانوني صريح، إذ كثير من الأحكام القضائية توقف تنفيذه على ضرورة الحصول على رخصة إدارية كما هو الشأن بالنسبة لبعض الأحكام القاضية بالقسمة، كما أن بعض الأحكام قد تكون مخالفة لمبدأ تسلسل التقييدات بشكل تخالف مضمون الوعاء العقاري إضافة إلى بعض الأوامر الإستعجالية القاضية بالتشطيب على التقييد الإحتياطي المقيد بناء على مقال للدعوى

: خاتمة
ولا يسعنا في الأخير أن نؤكد على وجود مجموعة من الإشكاليات ترتبط بالتعرضات وتؤثر على اكتساب الملكية العقارية خاصة وعلى رفع تنمية العقار عموما
ويمكن القول أن مؤسسة التعرض تشكل سيفا ذو حدين، فإما أن يمارسها المتعرض للحفاظ على ملكيته والتمسك بحقه، قبل أن يضيع منه، بواسطة مبدأ التطهير، هذا الأخير الذي يعد خاصية مهمة من خصائص التحفيظ العقاري. وإما أن تكون ممارسة هذا التعرض كيديا أو بسوء نية، فيكون صاحبها معرض لتأدية غرامة لفائدة الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح الخرائطي لا يقل مبلغها عن 10% من قيمة العقار أو الحق المدعى عليه

كما نحث بدورها المشرع المغربي لتجديد النظر في المقتضيات المنظمة للتعرضات وخصوصا فيما يتعلق بالآجال التي ينبغي توحيدها والسلط التي يجب تحديدها

بقلم ذ محمد بوسنة
باحث في قوانين التجارة والأعمال، جامعة محمد الأول بوجدة
 


أعلى الصفحة