التنظيم القضائي

بقلم ذ عزيز نداعلي
باحث في الدراسات القانونية - عضو المنتدى الوطني لأطر الإدارة القضائية الباحثين
تحت عدد: 646
أثارت القرارات القضائية الصادرة في حق ما يعرف بحراك الريف سخط العديدين، وتدمر البعض لدرجة اتهام السلطة التقديرية للقضاة الذين ناقشوا القضية وتداولوا فيها

بتهم أقل ما يقال عنها أنها انحازت عن الطريق القويم. والحال أن القناعة الوجدانية للقاضي الجنائي تتحكم فيها ظروف مناقشة القضية وملابساتها من الناحية الواقعية والقانونية وحتى الجيو سياسية، ولهذا لاحظنا وخاصة على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي تهكم كل الصفحات على القرار الجنائي الصادر في حق ناصر الزفزافي ومن معه، وفي حق الصحفي حميد المهداوي لارتباطهما بنفس الأحداث بكون القرارات الصادرة في هاذين الملفين لم يكونا منصفين بالمرة، والحال أننا غلَّبنا عواطفنا الإنسانية الجياشة وناقش الكل الموضوع من زاوية المطالب المشروعة لأهلنا وأبنائنا بجهة الريف، غير عابئين بالخراب والدمار الذي خلفه الحراك بقصد أو بدونه، إلا أن السلطة بكل مكوناتها داخل الدولة تُعْمِل سياسة "شد الحبل" بالطريقة والوسيلة والزمن اللذين تراهما مناسبين

لا يخفى على كل مغربي أننا أمام دستور 2011 عمد ولأول مرة إلى الفصل بين السلط الثلاث ليس بالمفهوم الذي جاء به عصر الأنوار، ولكن بمفهوم الدولة المخزنية التي جعلت كل السلط تعمل في تناغم تام لخدمتها من غطرسة المتغطرسين وشماتة الفارين وتضاهر المتضاهرين، هؤلاء الذين كانت لهم الكلمة في بداية خريف 2017 فيما يعرف بحراك الريف وما واكبه من تضاهرات واختلالات ومواجهات، لتصل في نهاية المطاف إلى إصدار قرار قضائي يجب الامتثال له بشكل يتناغم مع ما نؤمن به كأفراد وكمؤسسات

: هذه الكلمات الهدف منها محاولة استقراء القرار من زوايا متعددة
من الزاوية الدستورية : هنا يجب أن نستقرأ مبدأ الفصل بين السلط بالشكل الذي أقره الدستور ونؤمن به كمغاربة وارتضوه سبيلا لقضائهم، ونتساءل أجمعين هل القاضي بلغ من النضج وأتمه ليٌفَعّلَ هذا المبدأ الدستوري في حياته المهنية بكل تجرد واستقلال؟
هذه الإشكالية التي بلا شك تؤرق القاضي، والأثر القانوني المترتب عن الحكم أو القرار الصادر عنه، فمن جهة ليست الاستقلالية التي ارتضاها المشرع الدستوري بمفهومها التقليدي الكلاسيكي الذي يمنع أي تدخل من أي جهة كانت، وهذا مقدور عليه ووفر له المشرع الوسائل القانونية الكفيلة بالحد منه، بل نحن نتحدث عن الاستقلالية بمفهومها الكوني بمعنى أن تناقش السلطة القضائية بشكل عام الملفات المعروضة عليها بدون خلفيات تخالج ضمير القاضي لمحاولة .... استجلاء العطف والرضا، أو خشية التأديب أو النقل
ومن جهة أخرى، هذا المبدأ الدستوري ليس قاصرا على القرار الصادر عن السلطة القضائية، بل يتجاوزه إلى المواطن الذي عليه أن يخضع له، وأن يباشر حقه في الطعن فيه قانونا من دون الخوض في من أصدروه بكلام لا معنى له، وهذا ما نلحظه بعد إصدار القرار في حق كل من ناصر الزفزافي ومن معه والصحفي حميد المهداوي وخاصة على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي، لنرسخ في أنفسنا القناعة بكون المبدأ الدستوري مبدأ يشمل حتى سلطة الشعب وتجردها عن باقي السلط الثلاث

من الناحية القانونية:القاضي يبني قناعته على ما راج أمامه وما ناقشه شفاهيا وحضوريا وبناء عليه يصدر قراره في تناغم تام مع النصوص القانونية موضوع المتابعة، كما خوله المشرع إمكانية إعادة تكييف الأفعال وفق سياق المادة 432 من ق م ج
فالقرار الصادر في حق كل من ناصر الزفزافي وحميد المهداوي وإن اقتنع القضاة بالإدانة وأعملوا سلطتهم التقديرية بما ورد بالمنطوقين، إلا أن القانون خول للمتهمين ولدفاعهم مكنة الطعن فيهما، أنا لا أقول جديدا، وإنما استفزتني التعاليق غير المنسجمة مع قناعة المغاربة وثقتهم في السلطة القضائية، فمباشرة إجراءات الطعن بالاستئناف وعرض القضية من جديد على هيئة أخرى مكونة من قضاة أكثر تجربة وحيلة، سبيل إلى تحقيق غاية الكثيرين ممن أساؤوا ظنهم بالسلطة القضائية

: من الناحية السياسية لا غرابة أن تصدر الأغلبية الحكومية بلاغا تؤكد على احترام استقلال القضاء وعلى ضمان شروط المحاكمة العادلة التي يقرها الدستور، وذكر البلاغ بآمال المتهمين وأسرهم في مراجعة هذه القرارات خلال المرحلة الاستئنافية، فلا أحد يجادل على أن الحكومة تفاعلت إيجابا مع المطالب المشروعة والمعبر عنها عن طريق التظاهر من قبل ساكنة إقليم الحسيمة وتعهدت بضرورة تنفيذ التعليمات الملكية في احترام تام لهذه المطالب
صراحة لم أجد الكلمات التي تعبر عن ما يخالج نفسية المواطن المغربي وهو يعيش زمن الردة السياسية بما تحمل الكلمة من معنى ويصدق عليها المثل القائل "تقتل الميت وتمشي في جنازتو" فكيف من خلال البلاغ نؤطر لاستقلال القضاء وفي نفس الآن نؤثر عليه خلال نظره في القضية خلال المرحلة الاستئنافية؟ وكيف نقبل تجاوب السلطة التنفيذية مع المطالب المشروعة للمتظاهرين وفي نفس الآن تحيل الملف القضية على السلطة القضائية بتهم ثقيلة ضد من أطر لهذه المظاهرات التي أقرت السلطة التشريعية من خلال تصريحات الأمناء العامون لجميع الأحزاب السياسية الممثلة داخل البرلمان بمشروعيتها ؟

هذه أسئلة وأخرى لعل القادم من الأيام كفيل بالإجابة عنها، على اعتبار أن السلطة بكل تلويناتها السياسية والقضائية والتشريعية لم تجد لها طريقا يتوافق والسلطة الشعبية، التي لا تحتاج إلى أن نذكر بأن نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية الأخيرة بلغت 43 في المائة مما يستتبع القول بأن للشعب سلطة (57 في المائة) تختلف تمام الاختلاف عن باقي السلط داخل الدولة، على المثقف أن يتصدى لهذه الهوة بما يكفل رأب الصدع وتأمين المجتمع ضد كل انزلاق

بقلم ذ عزيز نداعلي
باحث في الدراسات القانونية - عضو المنتدى الوطني لأطر الإدارة القضائية الباحثين
 


أعلى الصفحة