القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ محمد البخاري
طالب باحث في ماستر الدراسات الدولية والدبلوماسية
تحت عدد: 429
تشكل عودة المغرب للمؤسسة الإفريقية بعد انسحابه

تشكل عودة المغرب للمؤسسة الإفريقية بعد انسحابه من منظمة الوحدة الإفريقية لأزيد من 32 سنة بسبب قبول عضوية الجمهورية الصحراوية الوهمية، أحد أهم القضايا التي تشهدها الساحة الإفريقية عامة والمغربية خاصة، حيث يتساءل الكثيرون عن سبب هذه العودة وفي هذه الظرفية بالذات، لذلك ارتأينا الإجابة عن هذا التساؤل من خلال نقطتين أساسيتين، أولهما اقتصادية حيث يعمل المغرب على بناء شراكات جديدة تقوم على أساس التعاون جنوب-جنوب وتكون مرتكزة على المشاريع الاقتصادية المنتجة للثروة بنكهة إنسانية واجتماعية وثقافية متميزة، فإفريقيا حاليا تعتبر ثاني أكبر المناطق جذبا للاستثمارات، لذا فإن عودة المغرب للمنظمة الإفريقية في هذه الظرفية ستفتح أمامه فرصا استثمارية مهمة، ولعل الموقع الاستراتيجي المتميز للمغرب يمكن أن يجعل منه نقطة عبور للاستثمارات الأوربية والأمريكية والخليجية المتطلعة لتمويل مشاريع استثمارية في القارة، ومن ثم فالتوجه الجديد للسياسة الخارجية المغربية لا يقتصر فقط على تجاوز واقع الأزمة الاقتصادية التي يعرفها شركاؤه التقليديون بالاتحاد الأوربي تحديدا وإنما تشمل أيضا العمل على تنويع شركائه خاصة بإفريقيا التي لاتزال أرضا خصبة للاستثمار، أما النقطة الثانية فهي سياسية بامتياز، تتمثل أساسا في عدم اعتراف أي منظمة دولية بالجمهورية الصحراوية الوهمية باستثناء منظمة الاتحاد الإفريقي، وفي ظل سحب مجموعة من الدول الإفريقية لاعترافها بالجمهورية الصحراوية الوهمية حيث تراجع العدد من 26 إلى  10 دول فقط، صارت عودة المغرب للمنظمة ضرورية لدفاعه عن قضيته الوطنية من داخل الاتحاد الإفريقي وكذا لإضعاف الطرح الانفصالي لجبهة البوليساريو الذي لطالما دعمتها فيه كل من الجزائر وجنوب إفريقيا.    

 إن عودة المغرب لمنظمة الاتحاد الإفريقي تصطدم بمجموعة من التحديات، لعل أهمها كون السبب الرئيسي لانسحاب المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية هو قبولها لعضوية جبهة البوليساريو باعتبارها دولة كاملة السيادة، وهو نفس الشيء بالنسبة لمنظمة الاتحاد الإفريقي حيث تعتبر الجمهورية الصحراوية أحد أعضائها المؤسسين، مما يدفع بخصوم المغرب الى اعتبار هذه العودة بمثابة اعتراف بالجمهورية الصحراوية الوهمية، ويمكننا الرد على ذلك في كون أن الاعتراف في القانون الدولي لديه شروط، فقد يكون صراحة أو ضمنيا، كما أن الانضمام لمنظمة الاتحاد الإفريقي لا يعني الاعتراف بالجمهورية الصحراوية الوهمية، فأغلب الدول العربية لا تعترف بإسرائيل رغم عضويتها إلى جانبها في منظمة الأمم المتحدة، كذلك فميثاق منظمة الاتحاد الإفريقي يتضمن مجموعة من البنود التي تشكل تحديات قانونية للمغرب والتي يجب عليه مواجهتها بالوسائل القانونية والدبلوماسية الممكنة، حيث تنص المادة 3 في البند 2 من القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي على الالتزام بالدفاع عن سيادة الدول الأعضاء ووحدة أراضيها واستقلالها، كما تنص المادة 4 في بندها 2 على احترام الحدود القائمة عند نيل الاستقلال، هنا يجب الوقوف على مجموعة من النقط الأساسية، أولها إثبات أن الجمهورية الصحراوية الوهمية لا تتوفر على مقومات الدولة المنصوص عليها في القانون الدولي والتي تنقسم الى عناصر مادية تتكون من الشعب والإقليم والسلطة السياسية ثم عناصر قانونية متمثلة  في السيادة وفي الشخصية القانونية، وهكذا ففيما يتعلق بالشعب فإن سكان الصحراء المغربية ظلوا أوفياء لعقد البيعة التي كانت تربطهم بسلاطين المغرب، وحتى مع انسحاب الاستعمار الإسباني من الصحراء المغربية سنة 1975 كان أغلب سكانها عبارة عن رحل متنقلين، ولعل من مبادئ القانون الدولي تتمثل في كون السكان الرحل المتنقلين غير أكفاء لتكوين دولة معترف بها، ومن حيث الإقليم فالجمهورية الصحراوية الوهمية تعتبر أنها تسيطر على 20 في المئة من الإقليم المتنازع عليه والتي يعتبرها المغرب والأمم المتحدة منطقة عازلة، ويعيش أغلب أفرادها بتندوف في الجزائر، ومن حيث السيادة فالجمهورية الصحراوية الوهمية ليست لديها سيادة على الإقليم التي تدعي أنه ينتمي لها كما لا تعترف بها جميع المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة باستثناء منظمة الاتحاد الإفريقي، هذا الى جانب سحب مجموعة من الدول لاعترافها بها خلال العقود الماضية، ومن جهة أخرى فمطالبة جبهة البوليساريو بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير تتعارض كليا مع اعتبارها دولة كاملة السيادة، وكذلك فمبدأ الحدود الموروثة عن الاستعمار هو مبدأ سياسي بامتياز وليس قانوني، ويتناقض بشكل تام مع مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها.                        

وانطلاقا من كل ما سبق، يتعين على المغرب أن يتعامل مع الوضع الجديد وفق أجندة زمنية واستراتيجية من خلال تثبيت تواجده في منظمة الاتحاد الإفريقي كخطوة أولى والتغلغل ضمن مؤسساتها، ثم العمل على طرد الجمهورية الصحراوية الوهمية أو على الأقل تجميد عضويتها إلى غاية الوصول الى حل سياسي تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة، وبالتالي يجب على المغرب العمل على إقامة جبهة إفريقية مساندة له داخل منظمة الاتحاد الإفريقي وبناء علاقات براغماتية مع خصومه من خلال توظيف الوسائل الاقتصادية والأمنية والدينية، واعتماد المقاربة الإنسانية اتجاه الشعوب الإفريقية من خلال نشر تجربته في التعامل مع المهاجرين الأفارقة، ومن ثم إقناعه لها بضرورة العمل على تطوير هياكل المنظمة ومراجعة القانون التأسيسي لها، ويقتضي هذا الأمر حسب المادة 32 المتعلقة بالتعديل والمراجعة موافقة ثلتي الأعضاء أي ما يعادل أصوات 36 دولة لتعديل مقتضياته، هنا فقد استطاع المغرب ضمان تأييد 28 دولة بعد تقديمها سابقا لملتمس بخصوص تعليق مشاركة الجمهورية الصحراوية الوهمية في أنشطة أجهزة الاتحاد الإفريقي، ومن ثم يتعين على المغرب استمالة تأييد 8 دول أخرى من أجل استكمال النصاب القانوني لتعديل القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي، ويمكن تحقيق ذلك باستقطاب الدول المحايدة من قبيل مدغشقر وتشاد وكينيا ومالي وجامايكا والنيجر والكاميرون وجزر موريشيوس وغيرها، وبخصوص الدول المعترفة بالجمهورية الصحراوية الوهمية، فيجب على الدبلوماسية المغربية العمل وفق استراتيجية جادة وذات أهداف محددة من أجل إيجاد طرق للتواصل والنقاش وتوظيف العامل الاقتصادي لدفع هذه الدول إلى تليين موقفها المعادي للوحدة الوطنية ولما لا كسب تأييدها مستقبلا، وبالتالي يجب على الدبلوماسية المغربية إعداد ملف دقيق حول الجمهورية الصحراوية الوهمية يثبت عدم أهليتها بالعضوية في منظمة الاتحاد الإفريقي، إضافة إلى التأكيد على المقترح المغربي المتعلق بمنح الأقاليم الجنوبية الحكم الذاتي الموسع الذي يضمن للصحراويين فرصة العيش المشترك تحت السيادة المغربية.                             


بقلم ذ محمد البخاري
طالب باحث في ماستر الدراسات الدولية والدبلوماسية
 


أعلى الصفحة