القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ يونس النهاري
حاصل على دبلوم الماستر في القانون الجمركي بطنجة
تحت عدد: 326
إذا كان الأصل هو ما أقرته المادة 286 من قانون

 المسطرة الجنائية بقولها: "يمكن إثبات الجرائم بأية وسيلة من وسائل الإثبات، ما عدا في الأحوال التي يقضي القانون فيها بخلاف ذلك، ويحكم القاضي حسب اقتناعه الصميم ويجب أن يتضمن المقرر ما يبرر اقتناعه وفقا للبند 8 من المادة 365 الآتية بعده.

إذا ارتأت المحكمة أن الإثبات غير قائم صرحت بعدم إدانة المتهم وحكمت ببراءته"، بمعنى أن القاضي يعتمده في إصدار أحكامه على القناعة الوجدانية التي يخلص إليها على ضوء العناصر المعروضة أمامه. إلا أنه لا يجوز له باسم هذه القناعة استبعاد بعض وسائل الإثبات بدون أن يعلل موقفه، ولا يعرف مبدأ القناعة أي استثناء إلا فيما يختص حجية بعض المحاضر التي يعتمد عليها إلى أن يثبت ما يخالفها أو إلى أن يدعي ضدها بالزور، وهو ما يصدق على المحاضر الجمركية (الفصل 242 من مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة)، حيث أن هذه الحجية القاطعة لهذه المحاضر تقييد حرية القاضي الزجري في الاقتناع، و بذلك فالمشرع الجمركي خرج عن القاعدة العامة المتعلقة بالاقتناع الصميم للقاضي الجنائي مجردا إياه من سلطته التقديرية فيما يخص تقديره لوسائل إثبات الجريمة الجمركية.

إن صلاحية القاضي في تقدير الأدلة تتسع وتضيق بحسب ما إذا تعلق الأمر بالمحاضر الجمركية ذات الحجية إلى غاية الطعن فيها بالتزوير (أولا)، أم تعلق الأمر بالمحاضر الجمركية ذات الحجية إلى غاية إثبات ما يخالفها (ثانيا).

       ألا: قيمة القاضي الجنائي أمام المحاضرة ذات الحجية المطلقة

إن المحاضر المحررة من طرف عونين لإدارة الجمارك والمتضمنة لإثباتات مادية فإنها تحوز القوة الثبوتية التي لا يطعن فيها إلا بالزور، وبالتالي لا يبقى معه مجال متسع لتكوين الاقتناع الصميم للقاضي، فهذا الأخير ملزم بأخذ كل ما جاء في المحضر، إذا كان صحيحا في الشكل بالرغم من عدم اقتناعه به ما لم يطعن فيه بالزور، وهو ما اعتبره البعض، فيه تقليص كبير لدور القضاء في توخي العدالة التي ينشدها المواطن ويقلص من أهم سلطة القضاء وهي سلطة تمحيص الحجج وتقدير الأدلة لاستخلاص ما يمكن استخلاص  ما يمكن استخلاص منها لتمكين اقتناعه.

إن القاضي الزجري أمام المحاضرات ذات الحجية القطعية لا يمكن استبعاد ما ورد فيها مهما كانت الأسباب، حتى ولو بدت له مصداقيتها محل شك، فلا يمكنه أن يطلب أي تحقيق بشأنها، وذلك بدون شك يشكل تقييد لسلطته التقديرية نظرا لقرينة الصحة التي منحها المشرع الجمركي للمحاضر، فهي أقوى المحاضر حجة في الإثبات الجنائي على الإطلاق. وهذا ما أكده الاجتهاد القضائي الفرنسي، حيث قضت محكمة النقض الفرنسية في إحدى قراراتها[1]، على أنه: " عندما يكون دليل التصريحات الكاذبة مستخرجا من محاضر حجز مبنية على معاينة مادية للأعوان ولم تكن موضوع طعن بالزور، فإن هذه المعاينات تلزم قضاة الموضوع".

كما أن الاجتهاد القضائي المغربي أكد على نفس القاعدة، حيث خلصت محكمة النقض في أحد قراراتها:[2] "أن المحاضر التي تحرر من طرف شخصين على الأقل من رجال الجمارك في المسائل المالية يوثق بها إلى أن يطعن فيها بالزور، لهذا يتعرض للنقض الحكم الذي يعتبر محضرا من هذا النوع باطلا استنادا إلى إثبات ما يخالفه عن طريق شهادة الشهود وعن طريق القرائن".

وبالتالي فإن المحاضر التي تنقل معاينات مادية والمحاضر المحررة من طرف الدرك الملكي في إطار الفصل 71 من قانون الدرك، وغيرها من تحمل صفة الحجية المطلقة، تجرد القاضي من سلطته التقديرية ومن ثم وجب الأخذ بها حتى يتم الطعن فيها بالزور.

 رغم انتقاد المشرع المغربي لهذه الأنواع من المحاضر ومطالبته بإلغائها، فإن هناك من الفقهاء[3] من ساير توجه المشرع إذ يعتبرون أن إيجابيات هذه المحاضر تفوق السلبيات التي تتمثل في اعتبار المحاضر الجمركية أكبر وسيلة لضمان المعاقبة على الجرائم الجمركية وبالتالي حماية مصالح المجتمع، والتي في مقدمتها مصالح الخزينة العامة للدولة وحماية الاقتصاد الوطني.

 ومن جهتنا نرى أنه رغم وضع مصلحة المجتمع فوق كل اعتبار من خلال حماية الاقتصاد الوطني ورغم الاعتبارات المقدمة، لا يعني بكل حال إهدار بعض المبادئ التي تعتبر أساس المحاكمة العادلة ومنها اقتناع القاضي الصميم، بمعنى ترك القاضي هامش يسير من أجل الحكم بما يبدوا له في إطار سلطته التقديرية خصوصا إذا تبين له براءة المتهم.

       ثانيا: سلطة القاضي الجنائي أمام المحاضر ذات الحجية النسبية

 إن المحاضر ذات الحجية النسبية هي المحاضر التي يعتمد عليها إلى أن يثبت ما يخالفها، والمشرع الجمركي من خلالها حاول أن يعطي للقاضي الجنائي بعض من سلطته التقديرية، حيث جعل إدارة الجمارك على قدم المساواة مع المتهم عكس المحاضر ذات الحجية المطلقة التي تتمتع فيها إدارة الجمارك بسلطات استثنائية.

وفي ذلك، قضت محكمة النقض الفرنسية بتاريخ 6 يونيو 1977[4] "تطبيقا للفصل 336/2 من مدونة الجمارك –الفرنسية- لا يمكن للقضاة إزاحة اعترافات المتابع المضمنة في محضر الجمارك مادام الدليل العكسي لم يقدم بشأنها"، وفي قرار آخر قضت الغرفة الجنائية لمحكمة النقض الفرنسية  بأنه: "إذا كانت المادة 336 من مدونة الجمارك تنص على أن المحاضر الجمركية تتمتع بحجية إلى غاية قيام الدليل العكسي بالنسبة لصحة وصدق التحريات والاعترافات التي تنقلها، فإنه ينقص القرار الذي – بالرغم من البيانات المقدمة من طرف المتهم والمدونة في محضر جمركي- يقرر بأن هذا الأخير لم يثبت بأن له صفة مصرح لدى الجمارك"[5].

نفس الشيء ذهب إليه القضاء المغربي، حيث جاء في قرارات المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) المؤرخ في 2-03-1950 الصادر تبعا لطلب النقض المقدم من طرف إدارة الجمارك والضرائب الغير المباشرة ضد حكم المحكمة الإقليمية بوجدة المؤرخ في 28-02-1946، وقد صرحت محكمة النقض بمقتضاه "أن قضاة الموضوع يقدرون صحة الاعتراف وكذا التراجع عنه، غير أنهم لا يمكنهم استبعاد إقرار الظنين بسبب تراجعه عنه، خاصة إذا كان مثبتا بمحضر محرر في مادة الجمرك إن لم يثبت ما يخالفه"[6].

وبناء عليه، فإن المحاضر التي يعتمد عليها حتى إثبات ما يخالفها تبقى مقيدة للقاضي إلى غاية إثبات ذلك، ولا يمكن استبعاد مضمونها بناء على قناعاته الشخصية أو الموضوعية، أو بمجرد إنكار الظنين لها، فهي إذا صحيحة ويعتد بها حتى يقدم الدليل العكسي من طرف المتابع.

 



[1]- crime 21 juin 1973, Bull crime, n 292, p.248.

[2]- قرار عدد: 87 بتاريخ 11-10-1972 ، أشار إليه :

- عبد الوهاب عافلاني: عبد الوهاب عافلاني : "القانون الجنائي الجمركي" ، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة ، جامعة الحسن الثاني-عين الشق-،كلية العلوم القانونية والاقتصادية و الاجتماعية -الدار البيضاء-، السنة الجامعية 2000-2001، ، الصفحة: 180.

[3]- سعادنة العيد العايش: "الإثبات في المواد الجمركية"، بحث لنيل شهادة الدكتوراه في القانون، جامعة باتنة، كلية الحقوق والعلوم السياسية قسم الحقوق-الجزائر- ،السنة الجامعية 2006-2007، الصفحة: 78.

[4]- crime 6 juin Bull, n°. 202.

«  En Vertu de L’article 336-2 du cd les juges ne peuvent écarter les aveux d’un prévu, consignés dans un P.V des douaner contre les quels la preuve contraire n’a pas été rapportée »

- أورده: عبد الوهاب عافلاني: مرجع سابق، الصفحة:181.

[5]- cass crime arrêt n° 282187 du 5 février.

- أورده: سعادنة العيد العايش: مرجع سابق، الصفحة: 80.

[6]- قرار أورده دن ذكر مراجعه: عبد الرزاق بلقسح: "عرض حول المنازعات الجمركية الزجرية "، الجزء الثاني، مقال منشور بمجلة المحاكم المغربية، عدد: 88،  ماي/يونيو2001، الصفحة:53.

بقلم ذ يونس النهاري
حاصل على دبلوم الماستر في القانون الجمركي بطنجة
 


أعلى الصفحة