القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ محمد البكوري
دكتور في القانون باحث في الحكامة و المجتمع المدني
تحت عدد: 414
أضحى علم النفس، في الوقت الراهن، يغطي في تحليلاته

واهتماماته  كل  مجالات  الحياة  الإنسانية، من اقتصاد ورياضة وتشيغل  وإعلام واشهار وتعليم  وتربية  وإستهلاك وتسويق وإدارة ...هذه  الأخيرة،  حرصت -ومن  أجل  وضع  مسارات "اصلاحها" في سكتها  الحقيقية-على   التوسل  بآليات  هذا العلم  المتطور بإستمرار، خاصة على  صعيد  مستويات حيوية  داخل الإدارة  من قبيل : التوظيف  والتكوين  والتقييم  والتأديب  والتخطيط  واتخاذ القرارات وتحمل  المسؤوليات وتتبع  الأنشطة  وتنفيذ  الأعمال...                  في هذا السياق، يبرز علم النفس  الإداري، والذي يتميز عن باقي  الفروع الأخرى  لعلم النفس،  بتركيزه   المحوري على "الإدارة" كتركيب سيكولوجي، عبر الحرص على الإحاطة الشاملة  والدقيقة  بمختلف تمظهرات الفعل الإداري ،  وكذا  جوانب  السلوك الإداري  المرتبط  بالدرجة الأولى  بإحدى  العناصر  الرئيسية  المكونة  لبنيانه التنظيمي،  ألا وهو   العنصر البشري، حيث  يسهر  على تحليل ومعالجة  القضايا  ذات  الصلة  به، من منطلقات  سيكولوجية  بحتة تمتح معظم مناهجها وأدواتها من علم النفس.              ويتوخى  علم النفس  الإداري،  من بين مايتوخاه،  دراسة أنماط   التأثير  المستمر  على المشتغلين  في الإدارة  وتقديم  أوجه  الدعم  النفسي لهم،  من خلال العمل  على الرفع من روحهم المعنوية  وتحفيزهم الدائم  على تنفيذ نشاط  معين،  من شأنه  الرقي  بالفعل الإداري،  مع توفير  الظروف  المواتية  لهم ، بما فيها  من جهة،  تجنيبهم  الحثيث  كل مظاهر الإرهاق والتوتر والقلق والملل والتعب  كسلوكات  انفعالية سلبية  تعتمل  في دواخل   الإنسان  بشكل عام ومتواتر، والمؤثرة  بشكل أو بآخر  على مردوديتهم  داخل التنظيم  الإداري. ومن جهة  ثانية، تمكينهم المتواصل  من بواعث  المشاركة  الإيجابية  والتفاعل  المتطور  مع القرارات  المتخذة،  بغية الزيادة في نجاعة وكفاية المؤسسة  الإدارية،  مع  ضرورة خلق  علاقة  ترابطية / متماهية  توطد  درجات  الولاء الطوعي  لهذه المؤسسة  من قبل المشتغلين  فيها،  وفق روح  العمل الجمعي /الجماعي.                              هكذا، يعتبر  علم النفس  الإداري،   منطلقا جديدا  لدراسة  أنماط ونماذج  وطرق  التفكير  والشعور والتصرف والفعل  في مجال مهم من مجالات  الحياة الإنسانية،  وهو الإدارة، والتي  ينظر إليها من جهة  كتنظيم،  أي وحدة  أو بنية مؤسساتية  تتوفر على مجموعة  من الهياكل والعناصر التي تجتمع  وفق قواعد قانونية  صارمة وضوابط اجرائية  دقيقة    من أجل  ممارسة   الأنشطة التي تدخل  في صميم غائياتها  التأسيسية.  ومن جهة أخرى،   تجسد الإدارة  كائنا "نفسيا"،  مشبعا بالمشاعر  والأحاسيس الإنسانية،  أي مركب "سيكولوجي"،  عميق الأبعاد، متشعب التجليات،  كثيرا  ماتتداخل عناصره  وتتضافر مكوناته، من أجل إثراء هذا الكائن / المركب، والتي منها  أساسا :                                                                              *المادي المحسوس، باعتبار الإدارة مجمع  من الأدوات والوسائل  الكفيلة  بتيسير تقديمها للخدمات  لصالح  مرتفيقها، من قبيل المكاتب، آلات الطباعة  والنسخ،  الهاتف، الفاكس،  السيارات...                                                                           *الإعتباري المعنوي، من منظور أن الإدارة تكتسب قانونا  الشخصية  المعنوية،  والتي  تعد ضرورية  لمزاولة أنشطتها المتعددة، مع تمكينها من أهم  الإواليات  القانونية  للرفع  من نجاعة  تدخلاتها .                                                                       * القانوني التنظيمي،على أساس أن التنظيم الاداري هو تنظيم للأنشطة الادارية، وفق حزمة  من التشريعات والقرارات والمراسيم  والمناشير، التي تعمل  على  ضبط وتبسيط  مختلف  هذه الأنشطة، وجعلها بالتالي تحقق الأهداف المرجوة منها، وبكل  فعالية ومردودية.                                                                                * الإجرائي المسطري، حيث تحتل الشواهد والمطبوعات والوثائق  والمستندات والعمل الدائم على أرشفتها الحيز المهم  في سياق العمل الإداري.                                       * البشري الإنساني، من  منطلق  أن العنصر/ المورد  البشري يعد  العماد الرئيسي  لبنيان الإدارة. وعبره، تتجسد  لا محالة، مجمل  الاخلاق والسلوكات  الإدارية  القمينة  بالرفع  من المراتب  الإيجابية  لسيكولوجية  الإدارة.  ومن ثم، القدرة  الفائقة  على   تلبية  حاجات  ورغبات  المرتفق وجعل "خدمته"  جوهر  تواجد الإدارة في حد ذاتها.                         هكذا، بيرز وبوضوح، مدى  أهمية   تمكين  الإدارة – وفي إطار  مبدأ  التضمينية-  من سائر  هذه  العناصر المكونات.  وذلك كله، وأساسا، من أجل  توفير السبل  المواتية والطرق الكفيلة  بالأداء الجيد للخدمات الضرورية  والإشباع  الكافي  للإحتياجات  الملحة  والإستجابة الفورية  للمصالح  المتجددة  لفائدة  المستفيدين  من الإدارة/ الزبناء/ المرتفقين/  المواطنين.                                                                                 إن تطور  علم النفس الإداري، وعبر العديد  من المسارات  العلمية،   سيحتم   على الدارسين التفكير  العميق في  انشاء تخصص آخر،   بغية  المزيد  من  التمحيص   والتدقيق في  مناشط سيكولوجية الإدارة، مع  الحرص  الأكيد  على تطوير  مناهج عملها   وطرائق اشتغالها وأدوات ادراكها. وهو  الأمر  الذي  سيتأتى  لهم،  من خلال  ايجاد تخصص معرفي سيركز في  دراساته  على   السلوكيات السائدة   داخل المؤسسات الإدارية المختلفة.  هذا  التخصص، الذي  سيعرف  بعلم السلوك  الإداري، سيحاول الالمام  بسائر زوايا وجوانب  سيكولوجية  الإدارة، مع البحث  عن تدافعاتها الممكنة ،  من حيث   تعميق  الفهم  وتدقيق  النظر في شتى  المواءامات  القائمة  أو التي  ينبغي أن تقوم  بين  محددات  الفعل الإداري ومحددات السلوك الإداري،  خاصة  إذا اعتبرنا، كما يرى ذلك  "ميشيل  حنا متياس"، أن السلوك  هو نمط معين  من الفعل. وهو النمط  الذي سيحدد في نهاية  المطاف، مجمل  تمظهرات هذا  الفعل  على صعيد مختلف  المؤسسات، بمافيها بطبيعة  الحال، المؤسسة  الإدارية.                                                                                  لقد أصبح  الإهتمام  بفهم السلوك  في التنظيمات  اجمالا، مسالة  تتنامى يوما بعد يوم  وذلك بالنظر  للدور الريادي  الذي يلعبه  في  الرفع  من الإنتاجية  وتجويد  عمل هذه التنظيمات . في هذا  الصدد،  يرى  العديد  من علماء الإدارة   أهمية   الأخذ بأدوات النظرية  السلوكية على مستوى   اتخاذ  القرارات  الإدارية. وهي النظرية، التي يتمحور  أساسها التكويني حول الفرد.  ومن ثم،  تبرز علاقتها  الوطيدة  بنظرية الإدارة، التي تظل  في  جوهرها  نظرية  سلوكية.  فكيف يتبلور  ذلك؟                                                         إن سيكولوجية  المنظمات، تجعل من الإدارة بنية  شاملة، تضم في طياتها  مجموعة أخرى من البنيات المتفرعة:                                                                   *البنية الهرمية، وهي  التي  يمكن أن تتجلى في  السلطة التسلسلية الرئاسية،  كعلاقة فوقية    تترسخ  وفق  منطق "أعلى / أسفل" ،  أو تتجسد على شكل علاقة سيطرة /اذعان.  وسميناها  بالبنية الهرمية، من  منظور أن قاعدة  الهرم  الإداري، تتسع  لأولئك  الذين "يخضعون"  نظاميا،  وفي المقابل،  فهي تضيق لصالح أولئك  الذي "يسيطرون"  رئاسيا.  وهكذا  دواليك،  حيث يتم  كل ذلك وفق  اعتبارات  تسلسلية ملزمة، وأحيانا"مجحفة".                                                                         *البنية  الأفقية،  حيث  تبرز  معالم السلطة المتكافئة، يتوطد عبرها  السلوك  الإداري  القويم تجاه  المواطن، من حيث الحرص على  اسداء الخدمات له  وتلبية  متطلباته، من منطلق علاقة احترام  متبادل بين   الموظف والمرتفق.  إنه  منطق الإدارة "الخدومة" "المواطنة".                                                                                 *البنية   العمودية، هنا تتموقع الدولة  ككيان "فوقي"/  عالي  والإدارة كواحدة من مؤسساتها  لتصريف قضايا الشأن العام،  غالبا  ما توجد في  يد إحدى  سلطها، وهي السلطة التنفيذية،  وبالتالي تحولها إلى كيان  "تحتي" /تابع .                                   انطلاقا  من مختلف  هذه  البنيات، التي تنصهر في نهاية الأمر، ضمن  بنية   واحدة  هي  الإدارة   كبنية  شاملة،  يتضح  أن العنصر  البشري، هو محور سيكولوجية الإدارة    وفق  علاقات  متعددة :   الدولة  / الإدارة ،  الرئيس/ المرؤوس،  الموظف / المرتفق.    إن السلوك  البشري  عموما،  هو  المعول  عليه  للإرتقاء الفعال  بكل  مظاهر الحضارة الإنسانية.   فالأتمتة  أو المنطق الآلي،  لايحققان  النجاعة المطلوبة ، بدون  اللجوء إلى القدرات البشرية، بما تحمله من انفعالات  سلوكية، أي بدون  الاعتماد  على الإنسان  كإنسان،  قادر على تطويع الآلة وجعلها في خدمته وخدمة طموحاته، وعلى رأسها تيسير ظروف  أنماط عيشه وتبسيط أشكال عمله. هكذا، وعلى مستوى السلوك  الإداري، فإن الأداء الأفضل  للموظف،  ينبغي  أن يرتكز،   أولا وأخيرا،  على  دعامات  غرس السلوك  الإيجابي  في دواخله وجعله يقتنع بأن مردوديته الإدارية، هي مردودية لصالح نهضة المجتمع   بأسره ومساهمة لبلوغه مصاف الدول  المتطورة.  وبالتالي  اكساب شخصيته كل عوامل  القوة والصلابة  وقيم التوازن والرزانة.  ولن يتأتى  كل ذلك، إلا بتقديم  التغذية النفسية  الضرورية،  عبر  تبني التحفيز الإداري، كمعطى من الأهمية  بمكان،  من خلال الحرص  المتواصل  والمستمر على  اخراج أفضل ماعند الموظف. فلو افترضنا  في وضعيات  معينة،  أن الموظف  الذي يلج مقر عمله،  وهو منشغل  بظغوط الحياة  اليومية ،فإننا  سنجد أنفسنا  بلا شك، أمام  حالة  نفسية  عصيبة، ولما  لا "مرضية"،  "متذبذبة"و"مظطربة"، خاصة الموظف المكلف باتخاذ القرارات، فكيف يمكنه ذلك،  والمتحكم في دواخله الباطنة، حزمة متنوعة  من المشاكل الاجتماعية(مجتمع محبط غير محفز)   والأسرية (أسرة غير متفاهمة  لظروف الاشتغال ، علاوة  على اكراهات العيش) وأحيانا مشاكل نفسية لتذمر،  التأفف،  الإحباط، اليأس، السخط، الغضب...)  ؟ ومن ثم، من اللازم التمكن،  وبأدوات علمية،  من معرفة مستويات وحجم الظغوطات النفسية  التي  تجعل الموظف   "ينفر " من العمل الإداري ويغرق بالتالي الإدارة بكل أنماط السلبية،  كإنعكاس  جلي وواضح  لحالته المزرية اجتماعيا، أسريا ونفسيا، من  الصعب جدا الحديث معها  عن النجاعة  الإدارية  في المهام  الموكولة له القيام  بها، بالنظر إلى غياب  التوازن السيكولوجي  الذي يعد شرطا لا محيد عنه  للرفع  من مقومات  سلوكه الوظيفي .        إن دعائم ومرتكزات  التحفيز  تتجسد في إحساس  الموظف  الراسخ، بأنه جزء لا يتجزأ من  المنظومة الإدارية  واقتناعه الأكيد بجدوائية  أدواره  في المؤسسة،  مع  فسح المجال  أمامه وباستمرار، للإختيار بين البدائل المختلفة  وإتاحة الفرص الملائمة أمام مساهمته المعول عليها  للإرتقاء بالفعل الإداري، بما فيه من  بلورة للمخططات وصياغة  للقرارات  التي  تحمل  من الإيجابي الشيء الكثير، والتي من شأنها – إن ثمنت - أن ترفع  بكل تأكيد من القدرات التمكينية  للتنظيم الإداري  القائم،  وهي  كلها عوامل  بإمكانها السمو بشخصية الموظف، عبر  بث مشاعر  الطمأنينة  والإرتياح في نفسه،  وجعل شخصيته  في منأى عن كل تمظهرات الإنحراف  والإضطراب –بمافيها سلوكات الفساد الإداري-.              إن  مسارات التطور  المرتبطة  بسيكولوجية الإدارة،  ستجعل  علم النفس  الإداري  يركز في أبحاثه  على  مخرجات  علم السلوك  الإداري، وذلك بشكل   محايث وملازم،  مع  فرع  آخر من فروعه،  هو علم  النفس في إدارة  الأعمال،  والذي   انصب  اهتمامه بالأساس  على  الإنسان،  من حيث اعتباره محورا  للدراسة،  متوسلا في اشتغاله  بآليات  تمكن الإدارة – عامة  كانت  أو خاصة- من الحصول  على أكبر  قدر  من المعطيات  التي  يعمل جاهدا  على تحليلها ، بغية تحقيق هدف  إستراتيجي  عميق،  يتمثل في  تحسين  شروط  العمل داخل  المنظمة، والذي بدوره  يشكل  دافعا موضوعيا  نحو  الرفع  من  الإنتاجية  التدبيرية.                                                                                عموما، إن دراسة الشعور  الإنساني للموظف،  كفيلة  بمعرفتنا  الحقيقية لمدى "الجرح الغائر" الذي  يتخندق في نفسيته،   والذي قد يتسع مداه، لدرجة معها  قد يصبح  مستقبلا "جرحا مندملا"  ومن المستحيل علاجه إلا بالبتر  وهو ماسيعقد بلا شك،  من إمكانية    الظفر ب"تصرفات" إدارية ناجعة. فالشعور   يتبلور –من منظور  علماء النفس-  كحدس نفسي  يعكس  خارجيا مجمل حالاتنا  النفسية،  لنتفق  بذلك مع هاملتون،  في اعتباره الشعور هو  ادراك  النفس لإنفعالاتها  وأفعالها. ومن ثم  على الإدارة  الحديثة، أن تولي الإهتمام  الشديد والعناية  البالغة  بمشاعر "موظفيها"،  مع الرفع،  وباستمرار، من  منسوب   ثقتهم بأنفسهم وتقديرهم لذواتهم. فذلك هو الملاذ الآمن،  نحو ضمان  التوازنات الضرورية  لسيكولوجية الموظف،  وعبرها  لسيكولوجية  الإدارة  ككل. وبالتالي، تحقيق رهان  الإنتقال من إدارة "مهزوزة" البنيان إلى إدارة " متراصة " الأركان.   

بقلم ذ محمد البكوري
دكتور في القانون باحث في الحكامة و المجتمع المدني
 


أعلى الصفحة