القانون التجاري

بقلم ذ هشام عزى
محام متمرن وباحث في سلك الدكتوراه (العلوم القانونية والسياسية) بجامعة القاضي عياض-مراكش-
تحت عدد: 514
أدت إكراهات تمويل مشاريع الجهة في القانون

 القديم إلى البحث عن مصدر مالي جديد تدعم به الجهة مواردها، و اللجوء إلى آليات جديدة للتدخل في اقتصادها بموجب مقتضيات قانونية عزز بها المشرع التعاون والشراكة بين الجهة وباقي الفاعلين الاقتصاديين الوطنيين وحتى الدوليين، وذلك بغية توسيع سياسة الجهة التنموية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي وتطوير ميزانيتها خاصة الايرادات، وذلك بتخويلها إمكانية تأسيس شركات عملاقة أو المساهمة في رأسمالها و تسمى شركات التنمية الجهوية.

ونظم المشرع شركة المساهمة للتنمية الجهوية بموجب القانون التنظيمي للجهات رقم 111.14 وخصص لها المواد من 145 إلى 147 منه، كما تطبق عليها أحكام قانون شركات المساهمة رقم 17.95، وذلك في إطار السياسة الجهوية للمشرع الرامية إلى البحث عن موارد مالية مهمة تمكن الجهة من القيام بمهامها في أحسن الظروف.

ويمكن تعريف شركة التنمية الجهوية بأنها "شركة مساهمة تؤسس بين الجهة ومجموعتهاأو مجموعة الجماعات الترابيةوبين شخص اعتباري عام أو خاص يكون أغلبية رأسمالها ملك شخص من أشخاص القانون العام وغرضها القيام بنشاط اقتصادي يدخل في اختصاص الجهة".

فماهي خصوصيات شركة المساهمة للتنمية الجهوية؟ وكيف يتم تأسيسها وتسييرها ؟ للإجابة على هذه الاسئلة سنعالج موضوعنا من خلال فقرتين نتطرق في الاولى لتأسيس شركة التنمية الجهوية على أن نخصص الثاني لتسييرها ذلك وفق الاتي:

 الفقرة الاولى: تأسيس شركة المساهمة للتنمية الجهوية

الفقرة الثانية: تسيير شركة المساهمة للتنمية الجهوية

الفقرة الاولى: تأسيس شركة المساهمة للتنمية الجهوية 

يتطلب تأسيس شركة المساهمة للتنمية الجهوية توفر العدد الكافي من الشركاء، وعلى خلاف شركات المساهمة العادية التي لم يشترط المشرع أن يكون الشركاء فيها أشخاص طبيعيين أو معنويين، فإن شركات المساهمة للتنمية الجهوية لا يمكن أن تؤسس إلا بين الجهة أو مجموعاتها  أو مجموعة الجماعات الترابية من جهة وشخص أو أشخاص اعتبارية خاضعة  للقانون العام أو الخاص من جهة أخرى[1].  وبقراءة متأنية للمادة 145 من قانون الجهات يتبين أن المشرع لم يشترط أن  لا يقل عدد الشركاء فيها عن خمسة على غرار المادة 1 من قانون 17.95 بل يمكن أن تؤسس بين الجهة وشخص معنوي آخر أي بين شخصين فقط وهو ما يستشف من عبارة "يمكن للجهة .... إحداث شركات مساهمة تسمى شركات التنمية الجهوية باشتراك مع شخص أو عدة أشخاص اعتبارية..."، غير أنه يبقى مستحيل قانونا تأسيس شركة مساهمة للتنمية الجهوية بين شخصين فقط لأن ذلك لن يسعفها في تعيين المسيرين أو المراقبين في مجلس الادارة الجماعية مع مجلس الرقابة  الذين اشترط المشرع أن يزيد عددهم عن ثلاثة وأن يكونوا مالكين لعدد من الاسهم.

وبعد توفر العدد الكافي من المؤسسين واتفاقهم على وضع النظام الاساسي للشركة  والاكتتاب في رأسمالها والقيام بإجراءات الشهر والتقييد في السجل التجاري لتكتسب شخصيتها المعنوية  وفق المألوف في قانون 17.95،ينبغي صدور مقرر من المجلس الجهوي يؤشر عليه الوالي، كشكل من أشكال الوصاية التي تمارسها السلطة المركزية على الجهة والموروثة من القانون القديم للجهات، وهذا الاجراء يمتد لجميع العمليات التي تهم الشركة من مساهمة وزيادة في رأسمالها أو تخفيضه أو تفويته وتغيير غرضها وحلها وكل ذلك تحت طائلة البطلان[2].

ولأجل تجاوز إكراهات تمويل مشاريع الجهة في القانون القديم والبحث عن مصدر مالي مهم يمكن الجهة من التدخل في الاقتصاد  الجهوي، فإن المشرع  مكن الجهة من المساهمة في  مقاولات الاقتصاد المختلط ذات الفائدة المشتركة بين الجماعات الترابية ومشاركة الرساميل الخاصة في إنشاء شركات ذات صبغة تنموية خاضعة للقانون الخاص وضمن حدود المواد من 146 إلى 148 من القانون التنظيمي للجهات، على أن تبقى الجهة  أو المرفق العمومي الشريك فيها هو المالك لحصة الاسد، حيث أن المادة 146 من قانون 111.14 نصت على أنه لا يمكن أن تقل مساهمة الجهة أو مجموعاتها أو مجموعة الجماعات الترابية في رأسمال شركة التنمية الجهوية عن نسبة%34، وفي جميع الاحوال يجب أن يكون أغلبية رأسمال الشركة في ملك أشخاص اعتبارية خاضعة للقانون العام، وفي ذلك خروج عن القواعد العامة التي تخول للمكتتب أو المساهم الحرية في المساهمة حسب إمكانياته المادية وقناعته بالقدر الذي يناسبه في رأسمال شركة المساهمة.

 هذا بخصوص الشركاء ورأسمال الشركة، أما عن غرضها فإن المادة 145 حددته في حدود الانشطة ذات الطبيعة الاقتصادية التي تدخل في اختصاص الجهة،  سواء الذاتية أو المشتركة أو المنقولة أو تدبير مرفق عمومي كتهيئة الطرق أو المسالك السياحية بالعالم القروي، وهو ما أكدته المادة 146 من نفس القانون والتي استثنت ما يتعلق بتدبير الملك الخاص للجهة والذي يمكن أن يكون هو الاخر غرضا للشركة ولو لم تكن له أي صلة باختصاصات الجهة.

والملاحظ أن المشرع حاول أن يحصر غرض شركة التنمية الجهوية عندما حدده في الانشطة ذات الطبيعة الصناعية والتجارية التي تدخل في اختصاص الجهة،  ما يعني أن  الانشطة  الثقافية والفلاحية التي تختص بها أيضا  بصريح المادة 82 من قانون 111.14 كاختصاصات ذاتية أو منقولة بناء على المادة 94 منه لا يمكن بأي حال أن تكون محلا لشركة التنمية الجهوية.

كما نسجل تعارض المادة 145 مع المادة 146 من قانون الجهات فالأولى أوكلت لشركة التنمية الجهوية ممارسة جميع الانشطة ذات الطبيعة الاقتصادية بشكل عام مما يعني أن الامر يهم الصناعية والخدماتية والتجارية وحتى الفلاحية، في حين أن المادة 146 قد نصت على أن غرض هذه الشركة ينحصر في الانشطة ذات الطبيعة الصناعية والتجارية فقط، فالمادة الاولى جاءت عامة والمادة الموالية لها قيدتها وخصصتها.

ليتبين بالتبع أن المشرع لما حدد غرض الشركة في هذه الانشطة وربطها بما يدخل في اختصاصات الجهة كانت غايته من ذلك أن يجعل من هذه الشركات وسيلة لترشيد النفقات وإحداث أوراش جهوية وتسييرها بتكلفة قليلة من خلال شركات تعود ملكيتها للجهة عوض التعاقد مع شركات لهذا الغرض بمقابل مالي كبير قد يثقل كاهلها، وتأهيلها لتملك الامكانيات المالية لتمويل اختصاصاتها ودعم استقلالها المالي، أكثر من بحثه عن  موارد مالية جديدة للجهة بدخولها عالم التجارة والمال والاقتصاد. 

الفقرة الثانيــة: تسيير شركــة المساهمــة للتنمـيــة الجهويـــة

لم يحدد المشرع طريقة تسيير شركة المساهمة للتنمية الجهوية في  القانون التنظيمي للجهات ليبقى لها الحق في اختيار أي نظام من أنظمة التسيير الممكنة لشركات المساهمة في قانون 17.95، وهما نظام مجلس الادارة أو مجلس الادارة الجماعية مع مجلس الرقابة ،  ويتكون الاول حسب المادة 39 من ثلاثة أعضاء على الاقل[3]ومن خمسة أعضاء على الاكثر في مجلس الادارة الجماعية[4]  تطبيقا لنص المادة 78 من قانون شركات المساهمة ومن ثلاثة أعضاء على الاقل في مجلس الرقابة[5] بالنسبة للنظام الثاني من أنظمة التسيير ، ويشترط في المتصرف والمراقب  أن يكون مالكا لعدد من الاسهم يحدده النظام الاساسي للشركة[6].

 ولضمان مشاركة الجهة في تسيير شركة التنمية الجهوية فإن المشرع نص على أنه لا يمكن أن تقل مساهمة الجهة في رأسمال الشركة عن  %34 وأن يكون أغلبية رأسمالها في جميع الاحوال ملك لشخص من أشخاص القانون العام، والغاية من ذلك هو أن تبقى الجهة متحكمة إلى حد كبير في توجهات الشركة وسياستها الاقتصادية والاجتماعية لتكون قادرة على التوفيق بين مصالح الشركة الهادفة للربح والمصالح الانمائية للجهة.

كما أن المشرع لم يحدد الشخص الذي ينبغي أن يمثل الجهة في المجلس المسير للشركة وما إذا كان يجب أن يكون من المنتخبين أو موظفا عموميا أو شخص تتعاقد معه الجهة لهذا الغرض أو رئيس الجهة ذاته، وكل ما تحدث عنه المشرع  بشأنه هو مجانية مهمته، إذ أنه لا يتقاضى أية أجرة تطبيقا لنص المادة 146 من القانون التنظيمي للجهات.

وللحفاظ على الحقوق المالية للجهة في الشركة بسبب الخلافات السياسية التي قد تقع داخل المجلس الجهوي أو بسبب انتهاء ولايته أو غيرها  من الاسباب التي قد تؤدي إلى  توقيفه أو حله فإن المشرع  خول لممثل الجهة داخل مجلس ادارة الشركة الاستمرار في عمله إلى أن يستأنف مجلس الجهة الجديد مهامه أو انتخاب من يخلفه[7]

وختاما نقول أن المشرع كان حكيما عندما البس شركة التنمية الجهوية لباس شركة المساهمة، لأنها هي الاقدر من غيرها على احتضان المشاريع التنموية العملاقة التي ينبغي أن تطلقها الجهة لتحقيق الرهانات التنموية المعقودة عليها للحد من البطالة والفقر، وإنعاش العمل الاجتماعي  وتشجيع الاستثمار وتسخير الصفقات العمومية لخدمة التنمية الجهوية.

 



[1]- المادة 145 من قانون 111.14 .

[2]-انظر المادة 146 من القانون التنظيمي للجهات.

[3])- ومن اثنى عشر عضوا على الأكثر، ويرفع هذا العدد إلى خمسة عشر عضوا إذا كانت أسهم الشركة مسعرة في بورص القيم، حيث ينص الفصل  35على أنه: " يدير شركة المساهمة مجلس إدارة يتكون من ثلاثة أعضاء على الأقل ومن إثني عشر عضوا على الأكثر. ويرفع هذا العدد الأخير إلى خمسة عشر عضوا إذا كانت أسهم الشركة مسعرة في بورصة القيم.

غير أنه في حالة الإدماج، يمكن زيادة عدد هؤلاء الأعضاء الاثني عشر والخمسة عشر إلى حدود مجموع عدد المتصرفين المزاولين وظائفهم منذ أكثر من ستة أشهر في الشركات المدمجة، على ألا يزيد هذا العدد عن أربعة وعشرين عضوا وعن سبعة وعشرين في حالة إدماج شركة مسعرة أسهمها في بورصة القيم مع شركة أخرى وعن ثلاثين عضوا في حالة إدماج شركتين مسعرة أسهمها في بورصة القيم".

[4])- ويرتفع هذا العدد إلى سبعة إذا كانت أسهم الشركة مسعرة في بورصة القيم

[5])- حسب المادة 83 فإن تكوين مجلس الرقابة مشابه لتركيبة مجلس الادارة.

[6]) - المادة  44 و 84 من قانون 17.95

[7]- المادة 147 من قانون 111.14 .

بقلم ذ هشام عزى
محام متمرن وباحث في سلك الدكتوراه (العلوم القانونية والسياسية) بجامعة القاضي عياض-مراكش-
 


أعلى الصفحة