القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ جواد الخرازي
طالب باحث
تحت عدد: 435
إن المملكة المغربية، وفاء لاختيارها الذي لا رجعة فيه

 في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون ـ وفقا لتصدير الدستور ـ، تواصل بعزم تقوية دور المواطنات والمواطنين في المشاركة في إعداد القرارات العمومية، وتتبعها وتقييمها، والمساهمة في تدبير الشأن العام  الوطني والمحلي، وذلك عبر مجموعة من الآليات والأجهزة والقوانين والقوانين التنظيمية، وهو تعبير صريح عن التنزيل السليم للوثيقة الدستورية على أرض الواقع.

     فتطبيقا لأحكام الفصل 14 من الظهير الشريف رقم 1.1191 الصادر بتنفيذ نص الدستور بتاريخ 29 يوليوز 2011، الذي نص على أنه:" للمواطنات والمواطنين، ضمن شروط ضمن شروط وكيفيات يحددها قانون تنظيمي، الحق في تقديم ملتمسات في مجال التشريع"، وبناء على الإحالة المشار إليها في الفصل 14 من الدستور، تم بواسطة الظهير الشريف رقم 1.16.108 تنفيذ القانون التنظيمي رقم 64.14 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديم الملتمسات في مجال التشريع من طرف المواطنات والمواطنين، بتاريخ 28 يوليوز 2016.

    ويراد في مدلول القانون التنظيمي رقم 14ـ64 بالملتمس في مجال التشريع، كل مبادرة يتقدم بها مواطنات ومواطنون وفق أحكام هذا القانون التنظيمي بهدف المساهمة في المبادرة التشريعية، ويشار إليها باسم "الملتمس".

    ولقد حدد القانون أصحاب الملتمس في المواطنات والمواطنون المقيمون بالمغرب أو خارجه الذين اتخذوا المبادرة لإعداد الملتمس ووقعوا عليه، شريطة أن يكونوا متمتعين بحقوقهم المدنية والسياسية ومقيدين في اللوائح الانتخابية العامة.

    أما فيما يخص مدعمو الملتمس، فيتعلق الأمر أيضا، بالمواطنات والمواطنون الذين يعبرون عن دعمهم للملتمس بواسطة توقيعاتهم المضمنة في لائحة تسمى "لائحة دعم الملتمس" والذين تتوافر فيهم الشروط السالفة الذكر.

   ويقصد بلائحة دعم الملتمس اللائحة التي تتضمن توقيعات مدعمي الملتمس، وأسمائهم الشخصية والعائلية، وأرقام بطائقهم الوطنية للتعريف، وعناوين إقامتهم.

   أما لجنة تقديم الملتمس فهي لجنة مكونة من تسعة أعضاء على الأقل يختارهم أصحاب المبادرة في تقديم الملتمس من بينهم، شريطة أن ينتسبوا إلى ثلث عدد جهات المملكة على الأقل.

   من خلال ما سبق يمكن طرح التساؤل حول ما هي شروط والكيفيات التي يمكن عبرها للمواطنات والمواطنون تقديم الملتمسات إلى البرلمان في مجال التشريع على ضوء القانون التنظيمي رقم 14.64 ؟ .

    للإجابة عن التساؤل المطروح ارتأينا تقسيم موضوعنا هذا إلى مبحثين، نتناول في المبحث الأول بالدراسة شروط تقديم الملتمسات في مجال، أما في المبحث الثاني سنحاول معالجة كيفيات تقديم الملتمسات في مجال التشريع من طرف المواطنات والمواطنون.

المبحث الأول: شروط تقديم الملتمسات على ضوء القانون التنظيمي رقم 14.64

    مع مراعاة أحكام المادة الرابعة من القانون التنظيمي رقم 14.64، يجب أن يكون الملتمس مندرجا ضمن الميادين التي يختص القانون بالتشريع فيها طبقا لأحكام الدستور، وبالرجوع للدستور ولاسيما الفصل 71 منه نجده ينص على أنه يختص القانون، بالإضافة إلى المواد المسندة إليه صراحة بفصول أخرى من الدستور، بالتشريع في العديد من الميادين من بينها نظام الأسرة والحالة المدنية، مبادئ وقواعد المنظومة الصحية، الجنسية ووضعية الأجانب، تحديد الجرائم والعقوبات الجارية عليها، التنظيم القضائي وإحداث أصناف جديدة من المحاكم ونظام السجون إلى غير ذلك من الصلاحيات .

   ولقد قررت المادة الرابعة أن الملتمس يعتبر غير مقبول إذا كان يتضمن اقتراحات أو توصيات:

ـ تمس بالثوابت الجامعة للأمة، والمتعلقة بالدين الإسلامي أو بالوحدة الوطنية أو بالنظام الملكي للدولة أو بالاختبار الديمقراطي أو بالمكتسبات التي تم تحقيقها في مجال الحريات والحقوق الأساسية كما هو منصوص عليها في الدستور.

ـ تتعلق بمراجعة الدستور أو القوانين التنظيمية أو قانون العفو العام أو النصوص المتعلقة بالمجال العسكري أو تخص الأمن الداخلي أو الدفاع الوطني أو الأمن الخارجي للدولة.

ـ تتعارض مع المواثيق والمعاهدات والاتفاقيات التي صادقت عليها المملكة أو انضمت إليها.

   وهي شروط معقولة، تراعي خصوصيات المملكة المغربية وأمنها، وكذا اختيارها الديمقراطي والمكتسبات التي حققتها في مجال الحقوق والحريات الأساسية من جهة...ومن جهة ثانية تمكن المواطنات والمواطنين من تحقيق المصلحة العامة، عبر السعي إلى تطوير المجالات التي تدخل في نطاق التشريع وتدخل أيضا ضمن الميادين المعنية، لأن العفو العام وإن كان يعتبر من الميادين التي يشرع فيها البرلمان طبقا للفصل 71 من الدستور، إلا أن المشرع منع تقديم أي ملتمس في هذا الميدان، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن المغرب يهدف إلى تكريس مبادئ الحكامة الجيدة، ومن بينها المشاركة والأمن والإستقرار والفعالية والتوازن.

  ولقد أقرت المادة الخامس من نفس القانون ـ المذكور أعلاه ـ أنه لقبول الملتمس يشترط فيه أن:

ـ يكون الهدف منه تحقيق مصلحة عامة.

ـ يحرر بكيفية واضحة في شكل اقتراحات أو توصيات.

ـ يكون مرفقا بمذكرة مفصلة تبين الأسباب الداعية إلى تقديمه والأهداف المتوخاة منه، وملخصا للإختيارات التي يتضمنها.

ـ يكون مشفوعا بلائحة دعم الملتمس المشار إليها بعده.

    تجتمع لجنة الملتمس بدعوة من عضو واحد أو أكثر من أعضائها لاختيار وكيل عنها ونائب عنه.

   تعقد اللجنة المذكورة اجتماعاتها وفق الشروط المنصوص عليها في التشريع الجاري به العمل في شأن التجمعات العمومية.

   ويتولى الوكيل الإشراف على الإجراءات اللازمة لتقديم الملتمس تمهيدا لإيداعه لدى مكتب أحد مجلسي البرلمان.

   ويعتبر وكيل لجنة تقديم الملتمس ناطقا رسميا باسم اللجنة ومخاطبا لرئيسي مجلسي البرلمان.

   إذا تعذر على الوكيل القيام بمهامه لأي سبب من الأسباب، قام نائب مقامه .

   وتولى لجنة تقديم الملتمس وفقا للمادة السابعة بجمع التوقيعات اللازمة، كما يجب أن تكون لائحة دعم الملتمس موقعة على الأقل من قبل 25000 من مدعمي الملتمس، وأن تكون مرفقة بنسخ من بطائقهم الوطنية للتعريف.

    في نظرنا أن التنصيص على الشروط أعلاه، ليس بهدف تعقيد الإستفادة من هذا الحق الدستوري، وإنما تنظيم محكم من أجل شفافية ووضوح الهدف والغرض المقصود من وراء تقديم  الملتمس ومدى جديته .

المبحث الثاني: كيفيات تقديم الملتمسات في مجال التشريع

    لقد حدد القانون التنظيمي رقم 64.14 الكيفيات التي يمكن من خلالها تقديم الملتمسات في مجال التشريع من طرف المواطنات والمواطنين.

   هكذا، يمكن لوكيل لجنة تقديم الملتمس أن يودع الملتمس مقابل وصل يسلم له فورا أو أن يبعث به إلى مكتب مجلس النواب عن طريق البريد الإلكتروني.

   غير أن الملتمسات التي تتضمن، اقترحات أو توصيات تهم، على وجه الخصوص، الجماعات الترابية أو التنمية الجهوية أو القضايا الاجتماعية ينبغي إيداعها أو إرسالها من قبل وكيل لجنة تقديم الملتمس إلى مكتب مجلس المستشارين وفق الشكليات المنصوص عليها في الفقرة السابقة.

    ويقوم مكتب المجلس المعني حسب المادة التاسعة من هذا القانون ـ القانون التنظيمي رقم 14.64 ـ بالتحقق من كون الملتمس المودع لديه أو المتوصل به مستوف للشروط المنصوص عليها في هذا القانون التنظيمي.

    وحسب المادة العاشرة يبث مكتب المجلس المعني في الملتمس المودع لديه أو المتوصل به داخل أجل ستين (60) يوما ابتداء من تاريخ الإيداع أو التوصل.

   يبلغ رئيس المجلس المعني كتابة وكيل لجنة تقديم الملتمس بقرار قبول الملتمس أو رفضه داخل أجل أقصاه خمسة عشر (15) يوما من تاريخ البت فيه.

   يتعين أن يكون عدم قبول الملتمس معللا.

   لا يقبل قرار رفض الملتمس أي طعن.

    ويحق للجنة تقديم الملتمس أن تسحب ملتمسها في أي وقت، ما لم يتبنه عضو أو أكثر من أعضاء اللجنة البرلمانية المختصة عملا بأحكام المادة 12 بعده.

    توزع نسخة من الملتمس المقبول على جميع أعضاء المجلس المعني، ويحال إلى اللجنة البرلمانية المختصة حسب موضوع الملتمس، لدراسته ومناقشته .

    يمكن لكل عضو أو أكثر من أعضاء اللجنة البرلمانية المعنية تبني الملتمس المحال إليها، واعتماده أساسا لتقديم مقترح قانون، طبقا للمسطرة التشريعية المنصوص عليها المنصوص عليها في النظام الداخلي للمجلس المعني.

     وأخير، لا يجوز ـ حسب المادة  13ـ استعمال المعطيات ذات الطابع الشخصي المتعلقة بأصحاب الملتمس ومدعميه لأغراض غير تلك التي جمعت من أجلها، تحت طائلة تطبيق العقوبات المنصوص عليها في الباب السابع من القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي.

بقلم ذ جواد الخرازي
طالب باحث
 


أعلى الصفحة