القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ خالد شهيم
إطار باحث
تحت عدد: 535
يقصد بأعمال الضبط القضائي في كل التشريعات تلك الإجراءات و

الأبحاث التي تهدف إلى التثبت من وقوع الجرائم و جمع الأدلة عنها و البحث عن مرتكبيها. و إذا كان الأمر لا يطرح إشكالا بخصوص الوظائف الموكول لأصحابها صفة الشرطة القضائية بصريح النص القانوني، فإن الغموض أو اللبس قد يلف بعضا من هذه الوظائف حول مدى انتسابها إلى الشرطة القضائية، و نخص بالذكر هنا إدارة الجمارك. لهذا ارتأينا أن نسرد للموضوع تباعا من خلال النموذج الفرنسي، و بعض الدول العربية قبل التطرق إلى النموذج المغربي.

الصفة الضبطية للجمارك في فرنسا

تم إنشاء دائرة الجمارك القضائية الوطنية بموجب مرسوم مؤرخ في 5 ديسمبر 2002، و رغم أنها مصلحة تابعة مباشرة للمدير العام للجمارك و الضرائب غير المباشرة، إلا أن الإشراف على إدارتها يرجع إلى قاض من السلطة القضائية وليس إلى ضابط  الجمارك، الشيء الذي يميزها عن الشرطة القضائية، و يزيد من قوتها. هذا و يعمل بدائرة الجمارك القضائية عدة مئات من موظفي الجمارك القضائيين الذين يؤذن لهم بإجراء التحقيقات في جميع أنحاء فرنسا.

وتتمتع الجمارك القضائية بنفس السلطات المخولة للشرطة القضائية من رجال الأمن و رجال الدرك و ذلك بموجب قانون المسطرة الجنائية في بعض المجالات التي ينص عليها القانون. حيث نص الفصل1 -28 على ما يلي:

 " أولاأعوان الجمارك للفئتين ألف و باء، المعينين خصيصا بقرار من الوزيرين المكلفين بالعدالة و الميزانية، المتخذ بعد موافقة لجنة يكون تشكيل و أداء عملها بقرار من مجلس الدولة، يجوز أن تكون لهم أهلية إجراء تحقيقات قضائية بناء على طلب المدعي العام أو على تفويض قاضي التحقيق.

ومن أجل القيام بالمهام المنصوص عليها في هذه المادة، يمارس هؤلاء الأعوان اختصاصهم في جميع أنحاء الإقليم الوطني.

وهم مختصون بالبحث و التأكد مما يلي:

1 ) الجرائم المنصوص عليها في قانون الجمارك؛

2 ) الجرائم المتعلقة بالضرائب غير المباشرة، و الاحتيال على ضريبة القيمة المضافة و سرقة الممتلكات الثقافية؛

3 )  الجرائم المتعلقة بحماية المصالح المالية للاتحاد الأوروبي؛

4 ) الجرائم المنصوص عليها في المواد من L.2339-1 إلى L.2339-11 ، L.2344-7 ، و L.2353-13 من قانون الدفاع الفرنسي؛

5 ) الجرائم المنصوص عليها في المواد 324-1 إلى 324-9 من القانون الجنائي؛

5 مكرر)  الجرائم المتعلقة بتجمع المجرمين المنصوص عليها في المادة 450-1 من القانون الجنائي، عندما يكون الهدف منها إعداد إحدى الجرائم المذكورة في الفقرات من 1 إلى 5 ومن6  إلى 8 من هذه الفقرة؛

6 )  الجرائم المنصوص عليها في قانون الملكية الفكرية؛

7 ) الجرائم المنصوص عليها في المادتين 56 و 57من القانون رقم 2010-476 المؤرخ في12  مايو 2010 بشأن الانفتاح على المنافسة و تنظيم قطاع المقامرة عبر الإنترنت؛

8 ) الجرائم المرتبطة بالجرائم المشار إليها أعلاه".

ويمتد عمل الجمارك بمقتضى المواد السابقة المقررة في قانون الدفاع، كما ورد في النقطة 4 من الفصل 28 أعلاه،ليشمل التصدي لكل من يتعاطى بصفة غير قانونية صناعة الأسلحة أو المتاجرة فيها أو يتوسط في ذلك. كما أن المقصود بالجرائم الوارد ذكرها في فصول القانون الجنائي ضمن النقطة 5 من الفصل المذكور، تتعلق أساسا بجرائم تبييض الأموال و هي جرائم يختص بمحاربتها و التحقيق فيها أعوان الجمارك،  بينما تمنح المادتين 56 و 57 المشار إليهما بالنقطة 7 أعلاه الحق لإدارة الجمارك في ملاحقة كل من عرض أو اقترح على الجمهور عرضا للرهان أو المقامرة عبر الإنترنت دون أن تكون له حصريا الصلاحية أو الحق في ذلك.

الصفة الضبطية للجمارك ببعض الدول العربية

و في النموذج المصري، نجد أن المشرع قد نص صراحة على صفة الضبط القضائي لرجال الجمارك، بحيث أشارت المادة 25 من قانون الجمارك المصري رقم 66 لسنة 1963 على ما يلي :  "يعتبر موظفوا الجمارك، الذين يصدر بتحديد وظيفتهم قرار من وزير الخزانة، من مأموري الضبط القضائي وذلك في حدود اختصاصاتهم."                                                                                  و تمنح هذه الاختصاصات لموظفي الجمارك في مصر،الحق في تفتيش الأماكن والأشخاص والبضائع ووسائل النقل داخل الدائرة الجمركية وفي الأماكن والمستودعات الخاضعة لإشراف الجمارك ـ وللجمارك أن تتخذ كافة التدابير التي تراها كفيلة بمنع التهريب داخل الدائرة الجمركية.                                                                                                                                                     و بموجب المادة 29 من قانون الجمارك المصري، فإن "لموظفي الجمارك ومن يعاونهم من رجال السلطات الأخرى حق مطاردة البضائع المهربة ولهم أن يتابعوا ذلك عند خروجها من نطاق الرقابة الجمركية...".

و هو نفس الاتجاه الذي ذهب إليه تشريع دول الخليج، حيث أكدت المادة 126 من قانون الجمارك الموحد لدول مجلس التعاون الخليجي على أنه : " يجوز إجراء التحري عن التهريب وحجز البضائع وتحقيق المخالفات الجمركية بشأن جميع البضائع على امتداد أراضي الدولة في الحالات التالية :
1 . في النطاقين الجمركيين البري والبحري،
2
. في الدوائر الجمركية وفي الموانئ والمطارات وفي جميع الأماكن الخاضعة للرقابة الجمركية،
3
. خارج النطاقين الجمركيين البري والبحري عند متابعة البضائع المهربة ومطاردتها مطاردة متواصلة من قبل المسؤولين عن ذلك، بعد أن شوهدت ضمن النطاق في وضع يستدل منه على قصد تهريبها".

وتم تأكيد الصفة الضبطية لموظفي الجمارك بدول الخليج، بالإضافة إلى هذه الإجراءات،من خلال المادة 122 من القانون الجمركي خاصة في النقطة ج بقولها:  "يحق لموظفي الإدارة في حالة وجود دلائل كافية على وجود مواد مهربة، وبعد الحصول على إذن من الجهة المختصة، تفتيش أي بيت أو مخزن أو أي محل وفقاً للأنظمة أي القوانين النافذة."                                      بينما أوضحت المادة 137 من القانون نفسه بأنه : "لا يجوز القبض إلا في الحالات التالية:
1
. جرائم التهريب المتلبس بها.
2
. مقاومة رجال الجمارك أو رجال الأمن التي تعوق ضبط المخالفات الجمركية أو جرائم التهريب أو تحقيقها أو ضبط المتهمين فيها.

ويصدر قرار القبض من موظفي الجمارك المخولين صفة مأموري الضبط القضائي أو من السلطات الأمنية. ويقدم المقبوض عليه إلى المحكمة المختصة خلال 24 ساعة من وقت القبض عليه."

 

و ينص قانون الجمارك للمملكة الأردنية في القسم الثاني المتعلق بالحبس الاحتياطي من خلال الفصل 192منه على ما يلي:

"  أ-  لا يجوز التوقيف الاحتياطي للأشخاص إلا في الحالات التالية:

1  -في حالات جرم التهريب المشهود؛

2  -عند القيام بأعمال الممانعة التي تعيق التحقيق في جريمة التهريب أو ما في حكمه؛

3  -عندما يخشى فرار الأشخاص أو تواريهم تخلصـا من العقوبات والجزاءات والتعويضات التي يمكن أن يحكم بها عليهم.

ب-  يصدر قرار التوقيف عن المدير أو من يفوضه بذلك وتبلغ النيابة العامة المختصة ويقدم الموقوف إلى المحكمة الجمركية المختصة خلال24  ساعة ويجوز للمدير تمديدها مهلة مماثلة ولمرة واحدة بعد موافقة النيابة العامة إذا اقتضت ضـرورة التحقيق ذلك شريطة أن يحال الموقوف إلى المحكمة الجمركية حال انتهاء التحقيق".

 و المحكمة الجمركية في الأردن تسمى محكمة بداية الجمارك، يوجد مقرها في عمان، و تختص بالنظر في قضايا التهريب الجمركي، و قضايا الضريبة العامة على المبيعات أي الضريبة على القيمة المضافة، إضافة إلى بعض الاختصاصات المحددة في المادة 222  من قانون الجمارك رقم 20 لسنة 1998.

و يمثل النيابة العامة الجمركية لديها مدعي عام جمركي، و تكون قراراتها قابلة للاستئناف أمام محكمة استئناف الجمارك المؤلفة من ثلاثة قضاة و التي يوجد مقرها أيضا في عمان

الصفة الضبطية للجمارك المغربية                                                                                                                   

أشارت المادة 19 من قانون المسطرة الجنائية إلى أن الشرطة القضائية تضم كذلك الموظفين و الأعوان الذين ينيط بهم القانون بعض مهام الشرطة القضائية. و يدخل موظفوا الجمارك ضمن هذه الفئة، حيث خول لهم القانون من خلال مدونة الجمارك القيام بنفس المهام المنصوص عليها في المادة 18 من قانون المسطرة الجنائية، و التي مفادها التثبت من وقوع الجرائم و جمع الأدلة عنها و البحث عن مرتكبيها.

و ذلك ما أكده الفصل 41  من المدونة الجمركية بقوله :

" 1 -     عندما تٌظهر دلائل جدية ارتكاب غش، أمكن لأعوان الإدارة المؤهلين لتحرير المحاضر، بعد إذن من مدير الإدارة أو ممثله، القيام بتفتيش ومعاينة المساكن والمحلات المعدة للاستعمال المهني :

أ)  للبحث بجميع أماكن التراب الجمركي عن البضائع الخاضعة لمقتضيات الفصل 181 من هذه المدونة.                                                                          

ب)  للبحث عن البضائع الخاضعة لأنظمة الدائرة في مجموع المنطقة البرية لدائرة الجمارك.

غير أن الإذن المذكور أعلاه، لا يعتبر مطلوبا في حالة المطاردة عن كثب.

2 ـ   يخضع تفتيش ومعاينة المساكن والمحلات المعدة للاستعمال المهني للقواعد العامة الآتية :   

أ)  تطلب موافقة الشخص الذي يشغل الأماكن قبل الشروع في أية عملية للتفتيش وتكون موافقته كتابة؛

ب)  يجب على أعوان الإدارة، إذا لم يقبل بكيفية صريحة الشخص الذي يشغل الأماكن إجراء التفتيش، أن يطلبوا مساعدة ضابط للشرطة القضائية.

ولا تطلب مساعدة ضابط للشرطة القضائية إلا لضمان الحرية الفردية للسكان ولتأمين حرمة مسكنهم.

ت)  في حالة رفض فتح الأبواب يجوز لأعوان الإدارة العمل على فتحها بحضور ضابط للشرطة القضائية ؛

ث) في جميع الحالات التي يطلب فيها حضور ضابط للشرطة القضائية طبقا لأحكام هذه المدونة يلزم هذا الموظف بأن يحضر إذا ما توصل بطلب مكتوب من طرف أعوان الإدارة دون تمييز في درجتهم أو استثناء لأيام العطل، وإذا ما رفض الموظف المطلوب تقديم مساعدته تجاوز الأعوان هذا الرفض ونص على الحادث في المحضر بعد إشعار وكيل الملك.

ج) لا يمكن بدء تفتيش ومعاينة المساكن والمحلات المعدة للاستعمال المهني قبل الساعة السادسة صباحا وبعد الساعة التاسعة ليلا.

 3 ـ غير أنه فيما يخص البحث عن البضائع الخاضعة لأنظمة الدائرة يمكن لأعوان الإدارة في حالة المطاردة عن كثب أن يقوموا بأبحاثهم في المنازل ومرافقها والمحلات المعدة للاستعمال المهني التي تقع فيما وراء الحد الداخلي لمنطقة الدائرة البرية حيث شاهد الأعوان دخول هذه البضائع إلى المنازل والمرافق المذكورة."

 

أريد أن أخلص مما سبق إلى القول بأن أعمال و مهام الجمارك تتميز بطابعها الخاص. فتواجدها على الحدود كواجهة أمامية، بما لها من خبرة و يقظة أعوانها يجعلها تتصدى لكثير من الأخطار من قبيل تهريب الأسلحة (نارية، كهربائية، أسلحة بيضاء...) أو من قبيل المؤثرات العقلية  كالأقراص المهلوسة...، و بالتالي فقد اعترف لها المشرع بهذه الخصوصية في مواطن معينة و أنكر عليها ذلك في مواطن أخرى.                                                                                       من ذلك الاعتراف، ما أكدته وزارة العدل بالمنشور رقم 201 بتاريخ 3 نونبر 1964، الموجه إلى السيد وكيل الدولة العام لدى محكمة الاستئناف بالرباط و فاس و طنجة، يحثه على دعوة ممثلي النيابة العامة العاملين في دائرة نفوذه إلى استشارة إدارة الجمارك حول صلاحية إقامة دعوى عمومية في حالة ما إذا كان الأمر يتعلق بمخالفات جمركية محضة، فكان ذلك بمثابة النواة الأولى التي جعلت الإدارة الجمركية تنتصب للترافع جنبا إلى جنب مع ممثلي النيابة العامة.

أما ما أنكره التشريع، فهو ما ورد ضمن الفصل 41 من مدونة الجمارك السابق ذكره، من ضرورة مساعدة ضابط للشرطة القضائية  إذا لم يقبل بكيفية صريحة الشخص الذي يشغل الأماكن إجراء التفتيش، و هو مقتضى لا شك يعيب الفصل المذكور، لأن مجال تدخل الإدارة الجمركية إنما ينحصر في الجريمة الجمركية التي تضطلع هذه الإدارة بخباياها أكثر من غيرها باعتراف منشور وزارة العدل السابق، و لأن صفة الضبط القضائي تطبيقا لمقتضيات قانون المسطرة الجنائية بالخصوص تجعل أعضاء الشرطة القضائية سواء كانوا دركيين أو شرطة أو جمركيين، يباشرون أعمالهم تحت أوامر وكيل الملك بالدائرة المختصة، و لأن رجال الجمارك أيضا هم من حملة السلاح و بمقدورهم تفتيش المساكن في حدود القانون دونما حاجة لحضور ضابط للشرطة القضائية، إذ كيف يعقل لرجل الجمارك ممن له صفة الضبط القضائي أن يبقى في مباشرة مهامه رهينا برجل أمنٍ له نفس الصفة الضبطية.     

هذا و تماشيا مع ما تقوم به الإدارة الجمركية من متابعات في إطار محاربة جرائم التهريب و جرائم البضائع المقلدة التي تستهدف الصحة العامة و أمن المملكة، فإن الواجب أن يتم تكريس هذا الدور من خلال الترسانة القانونية للمملكة، و من ذلك ما يتعلق بصفة الضبط القضائي لأعوان الجمارك إن على المستوى النظري، أو على مستوى التطبيق مثل تفعيل الحراسة النظرية كما في السابق.


بقلم ذ خالد شهيم
إطار باحث
 


أعلى الصفحة