القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ رشيد المسعودي
طالب باحث بسلك الدكتوراه بكلية الحقوق بوجدة ومنتدب قضائي من الدرجة الأولى لدى المحكمة الإدارية بوجدة
تحت عدد: 560
لئن كان المشرع المغربي وحرصا منه على تحقيق أعلى معدلات المردودية الجبائية ، قد متع إدارة التحصيل بالوسائل والآليات القانونية التي تمكنها في حالة تخلف المدين عن أداء ما بذمته من ديون

ضريبية من مباشرة إجراءات جبرية تمس أمواله ، مما يجعل طرح سؤال الحماية القانونية التي يحظى بها المدين خلال مرحلة التحصيل أمرا مشروعا وفي اطار الحديث عن الضمانات الممنوحة للمدين نتطرق في هدا المطلب إلى مدى توسيع الضمانات المخولة للخزينة وذلك بالتطرق إلى امتيازات الخزينة في فقرة أولى وكذا السلطات المخولة للمحاسب المكلف بالتحصيل في فقرة ثانية

الفقرة الأولى: امتيازات الخزينة في تحصيل الديون الضريبية
فضلا عن الصلاحيات التي خولها المشرع للخزينة العامة من اجل تحصيل الديون الضريبية فقد أبى إلى أن يمتعها بحق الأولوية في استيفاء ديونها على جميع الدائنين نظرا للفائدة إلي يجنيها الجميع من تغذية خزينة الدولة لضمان سير الأعمال العادية ، هذا الحق هو ما يعرف بحق الامتياز
وفضلا عن هذا الحق فقد نصت المدونة على ضمانة جديدة مخولة للخزينة ممثلة في الرهن الرسمي للخزينة .وتعزيزا لهذه الضمانات فقد نص المشرع على عدم إمكانية إيقاف إجراءات التحصيل الجبري للديون الضريبية دونما تقديم للضمانات المنصوص عليها في المادة 118 من المدونة. وعلى هذا الأساس يمكن تقسيم هذه الفقرة إلى ثلاث نقط : رئيسية
نتناول في النقطة الأولى حق الامتياز المخول لديون الخزينة ، على أن نتطرق في النقطة الثانية للرهن الرسمي للخزينة ، لنخصص النقطة الثالثة لعدم إمكانية إيقاف إجراءات التحصيل في غياب توفر الضمانات
أولا: الامتياز المخول لديون الخزينة
سنتناول موضوع الامتياز المخول لديون الخزينة باقتضاب شديد ، مع التركيز بالأساس على قراءة في المواد المحددة لترتيب هذا الامتياز ، ومدى الضمانات الحقيقية التي يشكلها هذا الحق في ظل الترتيب الممنوح له مقارنة مع حقوق أخرى
فنظرا لأهمية ديون الخزينة ودورها الاستراتيجي في تمويل ميزانية الدولة ، فقد حرص المشرع على تمتيع ديون الخزينة بحق الامتياز بالفصلين 56 و57 من ظهير 21 غشت 1935 ، كما أن مدونة تحصيل الديون العمومية قد نصت من جديد على الامتياز العام للخزينة ( المادة 106 منها ) والامتياز الخاص ( المادة 107 منها ). وحق الامتياز والأولوية يكون على كافة الديون الأخرى ولو كانت مضمونة برهن رسمي
وبناءا على ما سبق ، فان الامتياز يتمتع بثلاث خصائص
القانون هو مصدر الامتياز
أن القانون يقرره مراعاة منه لصفة الدين
الامتياز يخول للدائن الأولوية على غيره من الدائنين
وما ينبغي التأكيد عليه في معرض الحديث عن امتياز الخزينة ، أن هذه الأخيرة تتمتع بامتياز عام يتعلق بجميع ما يملكه المدين من الأمتعة وغيرها من المنقولات المادية وغير المادية أينما وجدت ، وكذلك على المعدات والسلع الموجودة في المؤسسة المفروضة عليها الضريبة والمخصصة لاستغلالها ، كما أن المادة 109 من م.ت.د.م قد نصت على أن الخزينة تتمتع بامتياز عام على الأثاث والمنقولات الأخرى غير تلك التي نصت عليها المادة 105 والتي تكون بملك المدينين أينما وجدت.. والملاحظ بخصوص هذا الامتياز ، أن م.ت.د.م - وعلى غرار نظيرتها الفرنسية- قد جاءت خالية من الإشارة إلى أجل السنتين لتتمتع الخزينة بامتياز ديونها ، حيث أن المادة 105 منها ذكرت تاريخ بدء الامتياز ، وهو تاريخ الشروع في تحصيل الجداول أو قوائم الإيرادات ولم تذكر تاريخ انتهائه ، مما يفهم منه أن هذا الامتياز يبقى اجله مفتوحا وغير محصور بمدة معينة ، على خلاف ما كان عليه الحال في ظل ظهير 1935 الذي كان ينص في الفصل 63 منه على " أن الخزينة تتمتع طيلة أجل سنتين تبتدئ من تاريخ الشروع في استيفاء قائمة الضرائب وهو مستجد مهم سوف يساعد الخزينة في مهمة تحصيل الديون العمومية . وفضلا عن هذا ، تتمتع الخزينة بامتياز خاص يمارس على المحاصيل والثمار والأكرية وعائدات العقارات المفروضة عليها الضريبة أيا كان مالكها ، وهي مقتضيات جديدة أدخلتها مدونة التحصيل لأول مرة بالنسبة لتحصيل الضرائب والرسوم المفروضة على العقارات في المادة 106 منها
"والملاحظ أن المشرع في هذه المادة قد أضاف عبارة " أيا كان مالكها
وبالتالي فان هذا الامتياز مرتبط بالدين الضريبي بغض النظر عن بقاء العقارات في ملكية المدين أو انتقالها لشخص آخر فهو امتياز يمنح للخزينة حق التتبع لثمار ومحاصيل وأكرية وعائدات العقارات ، أيا كانت اليد التي تعود إليها ملكية العقار وهو ما من شأنه أن يسد الطريق أمام أي محاولات تدليسية بالبيع أو بغيره من وسائل التفويت الأخرى التي تهدف إلى التهرب من أداء الدين العمومي. وتمارس الادارة الضريبية الامتيازات المنصوص عليها في المادتين 105 و106 من مدونة التحصيل قبل جميع الامتيازات العامة والخاصة الأخرى باستثناء خمسة أنواع المنصوص عليها في المادة 107 من نفس المدونة. وفضلا عن هذه الامتيازات فقد خول المشرع للخزينة بمقتضى المادة 108 من المدونة امتيازا عاما على الآلات والمنقولات حتى ولو كانت في ملكية كفلاء المدينين أنفسهم ، ويأتي هذا الامتياز في المرتبة الموالية للامتياز المخول للضرائب والرسوم ، ويعتبر هذا الامتياز ضمانة إضافية لحقوق الخزينة يعطيها الحق في تتبع الآلات والمنقولات أينما وجدت دون تقييد وذلك من أجل تحصيل الحقوق والرسوم الجمركية

وتجدر الإشارة إلى أن امتيازات الخزينة التي تنص عليها مدونة التحصيل تقتصر على المنقولات دون العقارات ، وحتى الامتياز الخاص الذي تتمتع به لتحصيل الضرائب والرسوم المفروضة على العقارات الذي ينصب على محاصيل وثمار أكرية تلك العقارات لا يعتبر امتيازا على العقار ، وهذا ما أكده الاجتهاد القضائي في تفسيره للمادة 56 من ظهير 21 غشت 1935 الملغى والتي لا تختلف كثيرا عن المادة 105 و 106 من المدونة ، حيث قررت محكمة الاستئناف بالرباط " أن الفصل 210 من القانون الفرنسي المتضمن أن الامتيازات العامة المنقولة يمتد عند الاقتضاء إلى الأموال العقارية بالامتياز ، يجب أن يفسر تفسيرا ضيقا ، فلا يمكن اعتبار الامتياز العام المقرر للخزينة على المنقولات ممتدا إلى الثمن الناتج عن بيع عقار احد المكلفين ". ، مما يبقى مصير الديون الضريبية المرتقبة على عقار مملوك للمدين رهينا بوضعية العقار والتحملات المترتبة عليه ، وطبيعة الدائنين الآخرين ومدى تمتعهم بامتيازات من عدمها ، الشيء الذي يتطلب تدخلا من المشرع لتمديد امتياز ديون الخزينة ليطال العقار أيا ضمانا لتحصيل أوفر للديون العمومية بما فيه من صالح للجميع
ثانيا:الرهن الرسمي للخزينة
الرهن الرسمي كما يعرفه " مأمون الكزبري " حق عيني يترتب على عقار يبقى في حوزة صاحبه ويخصص لضمان الوفاء بالتزام، وبمقتضاه يمنح الدائن في حالة عدم أداء المدين التزامه حق نزع ملكية العقار محل الرهن أيا كان حائزه ، واستيفاء دينه من الثمن بالأفضلية على سائر الدائنين
وحسب مقتضيات المادة 157 من ظهير 2/6/1915 المحدد للتشريع المطبق عل العقارات المحفظة ، فالرهن الرسمي " حق عيني عقاري على العقارات المخصصة لأداء الالتزام وهو بطبيعته لا يتجزأ ويبقى بأكمله على العقارات " المخصصة له ، وعلى كل جزء منها، ويتبعها في أي يد انتقلت إليها
وقد نصت المادة 113 من مدونة التحصيل على أن الخزينة تتمتع من اجل تحصيل الضرائب والرسوم وباقي ديون المحاسبين العموميين الناتجة عن قرارات العجز برهن رسمي على جميع الأملاك العقارية للمدينين . فالرهن الرسمي للخزينة لا يهم كافة الديون العمومية بل فقط الضرائب والرسوم وصوائر التحصيل والذعائر والغرامات
ولا يطبق الرهن الرسمي للخزينة على عقارات المدين ، إلا إذا توفرت الشروط التالية : أن يكون مبلغ الدين يعادل آو يفوق عشرين ألف درهم ( 20.000.00) ، ولا يصبح هذا الرهن قابلا للتقييد إلا ابتداء من التاريخ الذي يتعرض فيه المدين للزيادة الناتجة عن عدم الأداء ، باستثناء حالات الاستحقاق الفوري المنصوص عليها في المواد 18 و19 من مدونة التحصيل ، التي تخول إمكانية تقييد الرهن الرسمي للخزينة دون تأخير
وبخصوص الأشخاص الذين يمكن أن تكون عقاراتهم محل رهن رسمي للخزينة فهم المدينون المسجلون بالجداول وكذا ذوو حقوقهم
ويتم تقييد الرهن الرسمي بناء على طلب من المحاسب المكلف بالتحصيل يقدم إلى المحافظ العقاري الذي يوجد بدائرته العقار موضوع الرهن الرسمي ، ويجب أن يؤشر على هذا الطلب من طرف الخازن الجهوي أو الإقليمي التابع له المحاسب المكلف بالتحصيل ، ويتم هذا التقييد فيما يخص تحصيل الضرائب والرسوم العمومية الأخرى بالمجان ويترتب عن هذا الرهن الرسمي للخزينة عدة آثار يمكن حصرها فيما يلي
حق الأولوية في استيفاء الدين باعتبار درجة العقار
قطع التقادم
حق التتبع الذي يتم وفق الشكل التالي : تبليغ الإنذار للمدين ، وتوجيه إشعار للحائز من أجل أداء الدين موضوع الرهن أو الحجز وبيع العقار.. وفضلا عن تقييد الرهن الرسمي للخزينة المنصوص عليه في المادتين 113 و114 من مدونة التحصيل ، فقد خول المشرع للمحاسبين المكلفين بالتحصيل بمقتضى المادة 115 من المدونة إمكانية طلب تقييد احتياطي وفق الشروط المحددة في المادة 85 من ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري بناءا على الإعلام بالتصحيح المشار إليه في المادة 29 من مدونة التحصيل، حيث يرى الباحث عبد الرحيم حريكز أن المشرع كان عليه عدم الاكتفاء بالإحالة على المادة 85 من ظهير التحفيظ العقاري ، بل الإحالة أيضا على المادة 86 من نفس الظهير ، والمادة 6 من ظهير الإجراءات الانتقالية لتطبيق ظهير التحفيظ العقاري المؤرخ في فاتح يونيو1915 ، لكون هذه المواد في مجموعها هي المنظمة لمؤسسة التقييد الاحتياطي

ويستفاد من المادة 115 من المدونة أن الأمر يتعلق بتقييد احتياطي بناء على سند ، وان السند في هذه الحالة هو الإعلام بالتصحيح ، وبالتالي فمدة هذا التقييد الاحتياطي لا يتجاوز 10أيام ، ويمكن للمحاسب داخل هذا التقييد الاحتياطي الأخير مفعوله من تاريخ التقييد الاحتياطي بناء على الإعلام بالتصحيح المقيد قبله .، ويتم التقييد الاحتياطي بناء على الإعلام بالتصحيح ، عملا بمقتضيات المادة 116 من مدونة التحصيل ولا يهم سوى العقارات المحفظة فقط
ثالثا : عدم إمكانية إيقاف إجراءات التحصيل دون تقديم ضمانات
يعتبر استخلاص الدين العمومي من أولى الأولويات ، ودون قابلية لتأجيل الأداء فحسب مقتضيات المادتين 117 و118 من مدونة التحصيل يلزم المدين بأداء ديونه بغظ النظر عن أية منازعة أو مطالبة تهم الديون المستحقة عليهم، وليس أمامهم من مناص لتفادي هذا الفرض غير القابل لأي نوع من المماطلة سوى رفع مطالبتهم داخل الآجال القانونية وتكوين ضمانات من شأنها تأمين تحصيل الدين المتنازع حوله، وفي حال عدم تكوين الضمانات ، أو في حال اعتبار المحاسب المكلف بالتحصيل أن الضمانات المعروضة غير كافية ، فإنه تتم متابعة إجراءات التحصيل إلى حين استيفاء الدين العمومي المستحق على المدين
وبالرجوع إلى أشكال الضمانات الواجب توفيرها بمقتضى المادة 118 من مدونة التحصيل يمكن أن نسجل العديد من الملاحظات حولها ، فبمقارنتها بالضمانات المنصوص عليها بالفصل 16 من ظهير 21/08/1935 نجد أن المشرع في مدونة التحصيل قد وسع من دائرة هذه الضمانات المقبولة ، كما جعلها على سبيل المثال لا الحصر ، ومن شأن هذه التوسعة أن تحقق هدفين : التخفيف على الملزم المدين عناء الخضوع لنوع محصور من الضمانات لا يستطيع تأمينها أو توفيرها في بعض الظروف
خلق نوع من المرونة لدى القابض بمنحه سلطة تقديرية واسعة في تقدير هذه الضمانات المقدمة بحسب ظروف الزمان والمكان ، ولا يحد من سلطته في هذا المجال أي قيد أو عائق كيف ما كان ، بشرط أن تؤمن الضمانات المقدمة تغطية الدين المطلوب تحصيله لفائدة الخزينة
كما أنه بتأملنا للضمانات المنصوص عليها في المادة 118 ، يحق لنا التساؤل عن أي شريحة من الملزمين تخاطبها هذه المادة ؟ ، الأكيد أنها تخاطب شريحة الملزمين الكبار فهل صغار الملزمين لا حق لهم في إبعاد إجراءات التنفيذ الجبري عنهم في انتظار البت في منازعتهم في مبالغ الديون المطالبين بها. وأخيرا وبتأملنا لمقتضيات المادتين 117 و118 من المدونة نرى أن المشرع قد متع إدارة التحصيل بدرع واق من تدخل القضاء من أجل إيقاف إجراءات التحصيل المباشرة في مواجهة الملزمين المنازعين في مبالغ الديون المطالبين بها حيث دأب القضاء على إيقاف تنفيذ إجراءات التحصيل الجبري دون التقيد بأية شروط معينة نذكر على سبيل المثال الحكم الإستعجالي رقم 64/98 الصادر عن المحكمة الإدارية بأكادير في الملف رقم 50/98 بشأن وقف وتأجيل الاستخلاص الجبري المتعلق بمراجعة الضريبة العامة على الدخل حيث عللت حكمها بالقول " حيث استقر قضاء هذه المحكمة على إعفاء طالب التأجيل من تقديم الضمانة لتأمين الدين الضريبي عند الضرورة ، إذا ثبت من تفحص ظاهر الوثائق في الموضوع أن منازعته في "... صفته كملزم جدية
فجاءت المادتان 117 و118 صريحتان لا تقبلان أي تأويل ولا تخول للقضاء في تقدير الضمانات ، أو في إمكانية الحكم بإيقاف تنفيذ إجراءات التحصيل في غياب الضمانات ، وكأننا بهاتين المادتين نسجل نقاطا لفائدة الخزينة العامة في لعبة شد الحبل بينها وبين القضاء الإداري المغربي الذي يسعى جاهدا لتوفير الحماية للمدين باعتباره الطرف الأضعف في العلاقة الجبائية كلما كانت هناك إمكانية لذلك. كما أن قانون المالية لسنة 2009 قد حمل اشتراطا بعدم منح إيقاف تنفيذ إجراءات تحصيل الضريبة بالرغم من جميع الأحكام المخالفة إلا إذا تم وضع الضمانات التي تؤمن تحصيل الضرائب على إثر مراقبة جبائية
وخلاصة القول أن الضمانات المتحدث عنها خلال هذه الفقرة ، بالإضافة إلى السلطات المخولة للخزينة العامة من شأنها تأمين تحصيل الموارد الضريبية في أحسن الظروف ، في حال تعزيزها بتوفير الإطار البشري المؤهل والمحفز للقيام بمهمته على أكمل وجه، وحول أبرز السلطات المخولة لإدارة التحصيل تتمحور الفقرة الموالية
الفقرة الثانية :السلطات المخولة لإدارة التحصيل
نظرا للطبيعة الخاصة للدين الضريبي والتي تجعل من مداخيله شريان الحياة لخزينة الدولة ، فقد قدم المشرع في سبيل استخلاصها لإدارة التحصيل صلاحيات وسلطات واسعة ، حيث متعها بسلطة التنفيذ المباشر أو التنفيذ الجبري ، فهي ليست بحاجة – على خلاف باقي الدائنين – إلى الالتجاء للقضاء لإصدار سند تنفيذي ، فالمشرع يخول لها حق استصدار سند استخلاص ديونها بنفسها ، كما أنها في غنى تام عن التماس موافقته لمباشرة معظم إجراءات التحصيل الجبري
وفضلا عن سلطة التنفيذ المباشر على أموال المدين من حجز وبيع وغيره فان المشرع قد خول لإدارة التحصيل (سلطتين هامتين آخرتين هما : سلطة الاطلاع (أولا )وسلطة توقيع العقوبات(ثانيا
أولا : حق الاطلاع : لقد عمل المشرع بمقتضى المواد 128 و129 و130 من مدونة التحصيل على تقوية دور الإدارة الضريبية حيث خولها لأول مرة حق الاطلاع باعتباره أهم مظهر من مظاهر رقابة الدولة وذلك على غرار مصالح الوعاء الضريبي التي كان مخولا لها هذا الحق ، حيث أصبح من حق المحاسبين المكلفين بالتحصيل الاطلاع على كل الوثائق المتعلقة بالوضعية المالية للملزمين المتملصين من الأداء والمفيدة لتحصيل الديون العمومية بصفة عامة، والضرائب والرسوم بصفة خاصة . و يمتد حق الاطلاع ويطال الفئات التالية
إدارات الدولة والجماعات المحلية وهيئاتها والمؤسسات العمومية وكل هيئة أخرى تخضع لمراقبة السلطة العمومية ، ويمارس حق الاطلاع اتجاه هذه الفئة بصفة مطلقة دون إمكانية إثارة السر المهني
الأشخاص الطبيعيين والمعنويين الذين تسمح لهم مهنتهم بالتدخل في المعاملات وتقديم الخدمات ذات الصبغة المالية ،أو القانونية ،أو المحاسبية ، أو أموال لحساب أغيار مدينين ولا يمارس حق الاطلاع اتجاه هذه الفئة بشكل مطلق ،فلا يشمل الإدلاء بكامل ملفات الزبناء المدينين المفتوحة لدى بعض هؤلاء ، كالطبيب ، والخبير والموثق مراعاة للأحكام القانونية التي توجب على هذه الفئة حفظ السر المهني وحماية لأصحاب هذه المهن من آثار اهتزاز ثقة الزبناء بهم على نشاطهم المهني . حيث ألزم المشرع الهيئات والأشخاص المشار إليها أعلاه بتقديم المعلومات المطلوبة كيفما كان سندها للمحاسب المكلف بالتحصيل داخل اجل 15 يوما من تاريخ الطلب الموجه إليهم من طرفه تحت طائلة غرامة تهديدية تقدر بخمسمائة درهم عن كل يوم تأخير عن في حدود 50الف درهم . ويترتب على رفض الإدلاء بالمعلومات المطلوبة أو الإدلاء ببيانات خاطئة عرقلة للتحصيل بمفهوم المادة 84 يترتب عنها غرامة من5.000 درهم إلى 100.000 درهم ومدة حبسية موقوفة التنفيذ من سنة إلى سنتين أو إحدى هاتين العقوبتين
والجدير بالذكر أن الجزاءات المذكورة أعلاه غير قابلة للتطبيق على الإدارات العمومية والجماعات المحلية وهيئاتها مما يجعل فعالية هذا الحق في غياب أي زجر قانوني رهينا بأمزجة المسؤولين على تلك الإدارات
كما أن حق الاطلاع المخول للمكلف بالتحصيل سيساهم لا محالة في محاربة تنظيم آو افتعال العسر وتفعيل مسطرة الإشعار للغير الحائز
ثانيا: سلطة توقيع الجزاءات والعقوبات
ينص القانون الضريبي في عدة مواد على حق الإدارة الضريبية سواء في مرحلة الوعاء أو التحصيل في توقيع الجزاءات والعقوبات الكفيلة بتطبيقه تطبيقا سليما وبردع العبثين به
وسنركز على الجزاءات والعقوبات المرتبطة بمرحلة التحصيل والتي يمكن التمييز فيها بين نوعين : جزاءات التأخير أو فوائد التأخير وغرامات جبائية كما تم التطرق إليها في النقطة المتعلقة بحق الاطلاع المنصوص عليها في المواد 85 و86 و130 من المدونة ، حيث يحتكم في تحديدها بالأساس إلى عنصر حسن النية أو سوئها لدى الملزم بأداء الضرائب
وبخصوص جزاءات التأخير ، فانه بعد حلول اجل الاستحقاق وعدم الأداء خلال اجل ثلاثين يوما يصبح المدين خاضعا لجزاءات التأخير عن الأداء في شكل زيادات عن التأخير حسب النسب المئوية والشروط المحددة في المواد من 21 إلى 28 من مدونة التحصيل ذلك أن الأداء خلال الفترة الحبية للتحصيل يختلف من حيث الجزاءات المترتبة عليه بحسب الفترة التي يتم فيها هذا الأداء ، حيث تنبني فلسفة ترتيب الفوائد عن التأخير عن الأداء داخل الأجل القانوني على تعويض الدولة عن الخسارة التي تتكبدها من جراء عدم تحصيل الديون الواجبة في آجالها ، وكذلك الفائدة التي جناها الملتزم من احتفاظه بأموال ليست له ، بهذا المعنى تعتبر الزيادة عن التأخير عقابا للملزم المتأخر عن الأداء . وقد كانت هذه الفوائد تحتسب في ظل الظهير القديم 21 غشت 1935 على أساس ثلاثة في المائة عن الشهر الأول ثم واحد في المائة عن كل يوم تأخير إلى غاية أداء مبلغ الدين كله ،وهذا النظام التصاعدي كان يؤدي في غالب الأحيان إلى تراكم الزيادات عن التأخير وتضخمها إلى درجة يصبح مبلغها يفوق أصل الدين بكثير، مما سيثقل كاهل الملزمين بمبالغ مالية زائدة لا يقدرون على الوفاء بها
وقد تراجع المشرع في مدونة التحصيل العمومية عن هذا النظام بنظام نسبة موحدة محددة في ثمانية في المائة بمقتضى قانون المالية لسنة 2003 حيث صار نظام الزيادات عن التأخير هو خمسة في المائة عن الشهر الأول زائد 0.5 في المائة عن كل شهر تأخير بالنسبة للضرائب والرسوم المدرجة في الجداول أو قوائم الإيرادات باستثناء الضريبة الحضرية وضريبة النظافة عندما لا تتجاوز حصة كل ضريبة منهما 1.000.00 درهم ، علما أن هذه النسبة يتم احتسابها عن أصل الدين المستحق حيث يتم استثناء الغرامات والذعائر
مع العلم أن فوائد التأخير أصبحت تطبق ابتداء من تاريخ الاستحقاق ، مما يتبين معه التراجع من قبل المشرع على مكسب مهم لفائدة الملزم آو المدين بالضريبة ، حيث كانت المدونة تشير إلى أن هذه الفوائد لا تطبق إلا بعد مرور 30 يوما من تاريخ الاستحقاق
لذلك وحرصا على الضمانات التي حملتها المدونة للملزمين نام لان يتدارك المشرع هذا الأمر ويعمل على الترفع على المقاربة المالية الصرفة في التعامل مع الملزمين
وأما بالنسبة للضرائب والرسوم التي يتم إصدارها على سبيل التسوية بواسطة جداول أو قوائم الإيرادات ، فإنها أصبحت طبقا للمادة 22 المعدلة تخضع لزيادة عن التأخير بالنسبة للشهر الأول 0.5 في المائة عن كل شهر أو جزء شهر إضافي كذلك ، ابتداء من تاريخ استحقاقها وليس من تاريخ إصدارها كما كان من قبل .في حين أن الضرائب والرسوم التي تؤدي بكيفية تلقائية بناء على تصريح خارج الآجال القانونية طبقا للمادة 26 المعدلة ، فقد أصبحت تطبق عليها نفس الفوائد أعلاه ، وذلك ابتداء من تاريخ الاستحقاق بعدما كانت لا تطبق إلا بعد مضي 30 يوما من تاريخ هذا التاريخ
وبالنسبة لفوائد التأخير بالنسبة للديون العمومية الأخرى فقد أخضعتها المدونة لنسبة ستة- 6- في المائة سنويا . أما بالنسبة لفوائد التأخير المتعلقة بالرسوم الجمركية ورسوم التسجيل وكذا الرسوم والضرائب المحلية فتبقى خاضعة للفوائد والزيادات المقررة في النصوص المنظمة لها وإذا كانت غاية المشرع المصرح بها من إقرار جزاءات التأخير : تكمن في
تسريع وثيرة المداخيل العمومية خلال فترة التحصيل الرضائي
تقليص اللجوء إلى إجراءات التحصيل الجبري
تحسين علاقة الإدارة بالمواطنين الملزمين
تبسيط مسطرة تصفية الزيادات واحتسابها
بقلم ذ رشيد المسعودي
طالب باحث بسلك الدكتوراه بكلية الحقوق بوجدة ومنتدب قضائي من الدرجة الأولى لدى المحكمة الإدارية بوجدة
 


أعلى الصفحة