القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ عزيز الكرسنة
طالب باحث في سلك الماستر كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية جامعة سدي محمد بن عبد الله _ فاس .
تحت عدد: 591
إن السياسات العمومية والقرار العام مفاهيم حديثة جدا على مستوى التداول الأكاديمي العلمي المعاصر، بل يمكن القول أنها مازالت تبحث لها عن موطئ قدم داخل الحقول العلمية الحديثة خاصة تلك المهتمة

بدراسة الدولة
فالسياسات العمومية باعتبارها علم الدولة النشيطة Etat en action أصبح اليوم الأكثر أهمية في علم السياسة ، والسياسات العمومية كلمة من أصل أنجليزي Public policyتأسست على مفهوم الحكومة ، للإجابة على السؤال ، هل يمكن تطبيق سياسات جيدة وفعالة تتفق مع الأهداف المحددة وتقتصد في المال العمومي ؟ أما في أوروبا فقد انطلقت السياسات العمومية ، من مفهوم الدولة باعتبارها المؤسسة التي تهيمن على الجميع

ومن الفرضيات الأساسية التي أصبحت تؤطر البحوث العلمية حول السياسات العمومية في السنوات الأخيرة كون النشاط العام للدولة الحديثة يقوم وينبغي أن يقوم على أسس تقنية وإجرائية محضة من خلال خطوات معروفة سلفا. تبتدئ بإعداد مجموعة من القرارات – أجندة قرارية – وتنتهي بمدى فعالية ونجاعة هذه القرارات المتخدة – تقييمها – وعلى الرغم من صعوبة تحديد تعريف دقيق وموحد للسياسات العمومية يمكن الوقوف على البعض منها
السياسات العمومية هي مجموعة من الخطط والبرامج التي تنهجها الدولة أو إحدى إدارتها من أجل حل مشاكلها والاستجابة للمطالب المتنوعة وما يميزها هو شمولية نتائجها لشرائح واسعة من المجتمع إن لم نقل المجتمع كله، مما يحتم الإهتمام بصياغتها ورسمها بشكل يؤدي إلى زيادة فرص نجاحها، وتقليل احتمالات فشلها

ويعرفها أستاذ العلوم السياسية الكندي فانسان لوميو بأنها مجموعة من القرارات المترابطة التي يقرها فاعل سياسي أو مجموعة فاعلين سياسيين، مع تحديد الأهداف والوسائل والإمكانات قصد بلوغ نتائج معينة. و عــادة مــا يتــم الخلــط بــن السياســة العامــة Politique générale والـتـي تعبـر عـن التوجـه السـياسي العـام للدولـة والتـي تهـم تدبيـر الشـأن العـام الوطـني والمجــالي والـتـرابي، والسياســات العموميــة Politiques publiques الــي تعتـبـر مجــالات لتنزيــل محــاور السياســة العامــة بهــدف حــل الاشــكالات الاقتصاديــة والاجتماعيــة والتنمويــة
وللحديث عن السياسات العمومية في المغرب يمكن القول أن لحظة التعميم الواسع للتقرير الشهير الصادر عن البنك الدولي سنة 1995، بتوجيه مباشر من الراحل الحسن الثاني، شكلت محطة تأسيسية لحضور تقييم السياسات العمومية في النقاش العمومي ، إلا أن لحظة دستور 2011 ظلت حاسمة في مسار التقييم في المغرب عبر دسترة وظيفة التقييم كصلاحية برلمانية أصلية، وكذا عبر تعزيز المسؤولية الحكومية في وضع وصناعة السياسات العمومية وإقرار دور هيئات الحكامة في إنجاح حوار عمومي واسع حولها ، وكذا فتح المجال للمشاركة المدنية والمواطنة
من هنا تتجلى أهمية دراسة موضوع السياسات العمومية ، من الناحية العلمية معرفة اطارها و سياقاتها النظرية ،باعتبارها حقلا علميا يحظى باهتمام الباحثين و الفاعلين السياسيين و من الناحية العملية معرفة كيفية بلورتها و تقييمها وفق التجربة المغربية ، باعتبار تأثير مخرجاتها على شريحة واسعة من المجتمع إن لم نقل المجتمع بأسره
: انطلاقا مما سبق يمكن طرح الإشكالية التالية
انطلاقا من المحددات النظرية للسياسات العمومية كيف يتم إعدادها وتنفيذها ثم تقييمها في المغرب ؟ : هذه الإشكالية تتفرغ عنها عدة تساؤلات من قبيل
من هم الفاعلون في السياسات العمومية؟ وما دوافعهم لاتخاذ القرار؟ كيف تتحدد أولوياتهم السياسية ؟ وكيف يمكن تقييم نتائجها؟
كيف تتم بلورة السياسات العمومية في المغرب ؟ و كيف يمكن تقييمها ؟
:لمحاولة الإجابة عن هذه التساؤلات يمكن اعتماد المنهج الوصفي و التحليلي و ذلك من خلال التصميم التالي
المبحث الأول:المحددات النظرية للسياسات العمومية
المبحث الثاني : اسقاطات السياسات العمومية في المغرب
المبحث الأول:المحددات النظرية للسياسات العمومية

دراسة السياسات العمومية لا يمكن أن تقتصر فقط على السيرورة المباشرة للقرارات العامة ، بل تستدعي تفكيك سيرورة هذه القرارات بدءا من المشاكل المطروحة و كذا طبيعة الفاعلين (المطلب الأول) ثم هندسة الأجندة التي ترسم الأولويات و أخيرا دخول القرار حيز التنفيذ ، دون اغفال مسألة تقييم الآثار الآنية أو المتوقعة على النسق العام المعني (المطلب الثاني)
المطلب الأول : الفاعلون في السياسات العمومية و دوافع اتخاذ القرارات . يتدخل الفاعلون في السياسات العمومية (الفقرة الأولى) لاتخاذ القرارات العامة لمواجهة تحديات و مشاكل قد يطرحها (النسق السياسي العام (الفقرة الثانية
الفقرة الأولى: الفاعلون في السياسات العمومية
الفاعلون في السياسات العمومية هم المتدخلين – أفرادا ومؤسسات – أو ما يطلق عليهم بصناع القرار فالحديث عن أية سياسة عمومية يتطلب وجود فاعلين، يعطون تصورا معينا للمشكل ويتفاعلون حول إيجاد الحلول المناسبة له، فالفاعلون يحتلون موقعا استراتيجيا داخل النسق السياسي عموما والوسط القراري على وجه التحديد فهذا الأخير يعتبر بمثابة المجال الخاص بالمفاوضات والصراعات والتحالفات بين مجموعة الفاعلين التي تنتهي باتخاذ القرارات وتطبيقها ، وعليه فوظيفة الفاعلين داخل النسق القراري تبقى مزدوجة الأبعاد ، من جهة تنصب على بناء رؤية للعالم ، ومن جهة أخرى على انتقاء زعيم الرأي المقبول ، ولبناء نمودج للفاعلين داخل المسلسلات القرارية للدولة الحديثة فإن هناك تفاوتات واضحة خصوصا على مستوى تراتبية هؤلاء الفاعلين فنجد: المهنيون: أي ممثلو مختلف المهن القطاعية الحرة وهي عينة من الفاعلين تنحصر مواردهم السياسية في قدرتهم على تحديد الشروط الضرورية للولوج إلى هذه المهنة، لذلك يحرصون دائما ومن منطلق دفاعي على الاعتماد على عنصر الجودة المهنية وأهمية الرقي بها هذا التوجه هو ما يعطي مكانة خاصة للنخب المهنية داخل قطاع معين ويفسح المجال أمام" زعيم الرأي القطاعي"
التكنوقراط: أو المسيرون فبالرغم من كون هذه الفئة تبقى قديمة قدم النشاط السياسي نفسه، فإن عصرها الذهبي ارتبط في العقود الأخيرة بالتعقيدات التقنية التي أصبحت تميز صناعة القرارات العامة وبالضبط منذ أن صاغ M.Weber نظريته أو نموذجه المثالي حول البيروقراطية كشرط جوهري للعقلانية السياسية.لذلك فإن مواردهم داخل الأنساق القرارية تنبع أساسا من معرفتهم التقنية العالية بمعنى اهتماماتهم لا تنصب على قطاع معين بل تتعلق بالنسق العام وتحديدا في شقه الإداري، فهم غالبا يسعون إلى الحد من الصراعات والانشقاقات البين-قطاعية والتي يذكيها المهنيون وعليه فمن المنطقي أ يحظى التيكنوقراط بسلطة هامة في مجال السياسات العمومية، لأنهم لا يعتمدون في فرض مرجعيتهم على زعيم قطاعي، بل على عمل اللجان التقنية المختصة
الرأي العام: إن لرغبات الافراد (المواطنين) موقفا مؤثرا في رسم السياسات العمومية حتى في الدول التقليدية ذات الأنظمة المستبدة ، حيث تحرص على سماع أصوات رعاياها و تلبية مطالبهم لتقليل النقمة بين صفوفهم و التخفيف من عدم الارتياح عندهم ، و كذلك الخوف الذي يسيطر على بعض راسمي السياسات العمومية و منفذيها من اتخاذ قرارات أو مواقف يتوقع ان لا تحضى بتأييد أو مساندة الأغلبية . و على العموم يمكن القول بأن المواطنين (الرأي العام) لا يصنعون السياسات العمومية من جهة وليسوا بعيدين عنها تماما من جهة أخرى

الفاعلون السياسيون : داخل هذه الفئة يمكن التمييز من جهة بين الفاعلون الموجودون داخل الجهاز الحكومي بمعناه الواسع ، كالمسؤولين حيث نجد المنتخبين و محيطهم الحزبي (رئيس الدولة ، الوزراء أعضاء البرلمان ، رؤساء الدواوين ...) و الموظفين السامين و مدراء المؤسسات العمومية (...) و الإداريين اعتبارا لماضيهم المهني كون هؤلاء يحتفظون بمناصبهم لمدد طويلة (كتاب الدولة ، القادة العسكريون و الأمنيون ، رؤساء المحاكم ...) و من جهة أخرى الفاعلون الذين يكونون خارج الجهاز الحكومي ، و الذين يصعب رسم الحدود الفاصلة بينهم و بين الفئات المذكورة سابقا ، و ذلك راجع الى إمكانية تواجد نفس الفاعل داخل فئات متعددة

مجموعات المصالح : أو اللوبيات ، مبدئيا يمكن اعتبار مجموعة الضغط باعتبارها كل تجمع من الأشخاص الماديين و الاعتباريين ، يسعى الى الدفاع عن مصالح مشتركة بفعل قربهم من الأشخاص و المؤسسات المكلفة باتخاذ القرارات أو على الأقل اعداد الملفات الأولية لاتخاذ القرار . و على العموم مجموعات الضغط و دورها حول و داخل دوائر القرار العام ليست مسألة إيجابية أو سلبية في حد ذاتها ، بل العبرة بما تمارسه من تأثير في اتخاذ قرار معين أو عدم اتخاذه ، خصوصا و أنه ليس هناك قطاع اجتماعي و اقتصادي بقية بمعزل عن تأثيرات هذه الجماعات . بالاظافة الى ذلك فان النظرة العامة لجماعات الضغط تختلف حسب النسق السياسي للدولة و الثقافة السياسية السائدة ، فهناك من يعتبرها تعبير عن الديمقراطية ، حيث لم تعد الدولة وحدها المتدخل و المحدد للنفع العام و عليه مشروعية هذه الجماعات تنبع من تفاعل المجتمع السياسي مع المجتمع المدني . و هناك من يعتبر جماعات الضغط تهديدا للديمقراطية حيث ينظر لهذه العينة من الفاعلين على أنها تعبير عن مصالح خاصة تهدد بشكل مباشر و خطير المصلحة العامة
ان دائرة المؤثرين في رسم السياسات العمومية قد لا تنحصر في الأطراف المذكورة أعلاه بل قد تتسع لتشمل أطرافا خارجية سواء أكانت منظمات دولية كالأمم المتحدة و مجلس الامن الدولي و الاتحادات الدولية و صندوق النقد الدولي (...) و من أمثلة هذه التاثيرات سياسة التقويم الهيكلي المتبعة في مغرب ثمانينات القرن الماضي ، الاصلاحات التي تبنتها تركيا بتأثير من الاتحاد الأوربي
و السؤال الذي يمكن طروحه عند الحديث عن الفاعلين في السياسات العمومية ، ما دوافع هؤلاء للتدخل أو توجيه القرار العام ؟
الفقرة الثانية : المشكل أو دوافع القرار
من الصعوبة بمكان تحديد ماهي المشكل من جهة و اللحظة الزمنية التي يقع فيها ، لسبب بسيط مفاده أن ليس هناك مشكل سياسي بالطبيعة ، فقد يتحول مشكل اجتماعي عادي الى مشكل سياسي خطير يهدد وحدة و استقرار النسق السياسي ، كأن تتحول زيادة طفيفة في الأسعار الى اضطرابات سياسية عارمة . وعليه يمكن تحديد المشكل وفق عدة : مستويات
فبالنسبة للمعنيين بالسياسات العمومية أي الجمهور المستهلك أو المستفيد منها ، يعرف المشكل الذي يكون وراء الحاجة الى صياغة سياسة عمومية ، بأنه حالة من الشعور بعدم الرضى لدى فئة اجتماعية معينة ، مما يتطلب تدخلا حكوميا لإزالة هذا الشعور أو على الأقل الحد منه ، مثلا انتشار الجريمة و البطالة و ارتفاع الأسعار (...) كلها مشاكل تحتاج الى تدخل صانع القرار أما من وجهة نظر الفاعلين أي مجموع المتدخلين في صناعة و توجيه و تطبيق القرارات العامة فإن المشكل هنا ينحصر في كل فراغ يمكن أن يهدد مواقعهم و يؤثر على مواردهم المادية و الرمزية سلبا أو يفيد خصومهم إيجابا
أما بالنسبة للمهتمين بدراسة و تحليل و تقييم السياسات العمومية يعتبر المشكل حاجة غير مشبعة من قبل التدخل الحكومي أو كل ما من شأنه أن يهدد توازن و استقرار النسق السياسي القائم
و عليه فإن كثرة و تنوع المشاكل من حيث الحجم و درجة التأثير ، و التي تكون وراء ضرورة تبني سياسة عمومية معينة ، غالبا ما تكون حولها وجهات نظر متباينة خصوصا لدى فئات الفاعلين ، و مرد ذلك بشكل أساسي إلى طبيعة المرجعيات و الأهداف و التحالفات التي تحكم هذه الفئة . لذلك يمكن ابراز بعض محددات المشكل : و الذي يمكن أن يكون عاما يهم عدد كبير من الافراد أو خاصا ، كما يمكن أن يتعلق المشكل بمجالات معينة كالمشكلات المتعلق بسير المؤسسات و الإدارات العمومية أو المشكلات المرتبطة بالحيات اليومية للمواطنين ، كما يمكن أن يشمل المشكل نطاق ترابي محدد أو يتعداه إلى المشاكل بين دولية
في الأخير يمكن الإشارة إلى أن وجود المشكل لا يحتم بالضرورة تدخل صانع القرار العام ، بحيث لا يتعلق الامر دائما بعجزه أو ضعفه السياسي ، فقد يختار عدم التدخل أو اتخاذ قرار بعدم فعل أي شيء و ذلك مرده إلى موقع المشكل داخل الأجندة الحكومية أي ترتيب المشكل في سلم الأولويات
المطلب الثاني : الأولويات و التقييم في السياسات العمومية
لا يمكن للقرار العام أن يتدخل في جميع القضايا و يستجيب لجميع المطالب ، فغالبا ما تكون إمكانات النسق المعني (محدودة مما يفرض تحديد الأولويات (الفقرة الأولى) و بعد تنفيذ القرارات العامة يمكن تقييم آثارها (الفقرة الثانية
الفقرة الثالثة : الأجندة الحكومية أو الأولويات
ماهي المحددات العامة التي تجعل مشكل ما يحتل درجة أو مكانة معينة داخل أجندة الأولويات الحكومية دون غيره؟ مبدئيا ، يمكن القول إن إدراج المشاكل داخل جدول الأولويات يرتبط بمدى خطورتها أو بالأحرى تأثيراتها المباشرة أو غير المباشرة ، الآنية أو المستقبلية على استقرار وسير النسق العام ، و الفرضية الأساسية التي انطلقنا منها مفادها أن الوسط القراري هو إطار للصراعات والتحالفات واختبار القوى بين الفاعلين، لذلك كان من الطبيعي أن نلاحظ تفاوتا مستمرا بين أولويات السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والأحزاب السياسية والمنظمات المهنية على المستوى المركزي من جهة ، أو السلطات المحلية من جهة أخرى
من هنا يمكن رصد بعض أهم العوامل والمحددات التي تلعب أدوارا حاسمة في إيصال بعض القضايا أو المشاكل إلى : أجندة الأولويات دون غيرها من القضايا الأخرى ووفق تراتبية معينة
دينامكية النخب يمكن القول أنه كلما شعرت النخب المحلية أو الوطنية باحتمال تعرض مصالحها للتهديد فإنها لا تتردد في التحرك والمناورة ، لدفع الأجهزة الحكومية إلى تبني سياسات عمومية . قوة الأحزاب السياسية بحيث يسعى قادة المنظمات السياسية الحزبية والنقابات العمالية إلى إبلاغ المشاكل والقضايا إلى دوائر صياغة القرارات والسياسات العمومية ، ولكن بالرغم من تراجع دور الأحزاب السياسية والتنظيمات النقابية في إعداد وتنفيذ السياسات العمومية ، فإن ارتباطها بالجماهير ووسائل الإعلام يجعل الحكومات ورجال السياسة عموما ، مضطرين إلى أخذ قوتها ومصالحها بعين الاعتبار عند إعداد أجندات الأولويات
القدرة التنظيمية للمجموعات المهنية حيث مازالت تشكل الإضرابات القطاعية تهديدا جديا لسير النسق العام واستقراره ، لذلك تكون الحكومات في العديد من الحالات مضطرة إلى جعل مشاكل بعض القطاعات على أجندة أولوياتها ، وذلك حسب قدرة وقوة المنظمات المهنية

نفوذ وسائل الإعلام تنوع وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية تؤدي إلى جعل مشاكل معينة جزءا من النقاش السياسي وهو ما يؤدي لفت انتباه صانعي السياسات العمومية وعموما فإن المقاربة النسقية للسياسات العمومية والمسلسل القراري، لاتكتفي فقط بتفكيك العناصر الرئيسية للقرار العام ، بل تساعد كذلك على الاقتراب أكثر من الوسط القراري المركزي للدولة الحديثة وبالفعل فإن الحديث عن دوائر القرار كجزء من "العلبة السوداء" حسب تعبير D. Eason يرتبط بالبحث داخل الوسط الذي يتم داخله إنتاج السياسات العمومية ، لذلك فإن أولى الصعوبات التي تواجه الباحث في هذا المستوى هو نذرة المعلومات المتوفرة على الآلة القرارية الرئيسية في مجال بلورة وتوجيه القرارات العامة

ومع ذلك فإن السؤال البديهي والأولي الذي يتبادر إلى الذهن، حين الحديث عن الدوائر العليا للقرار العام، هو كيفية اشتغال هذا الوسط القراري؟ وكيف يتفاعل مع محيطه الداخلي والخارجي باعتباره إحدى أهم شبكات الفاعلين؟ مبدئيا يعتبر الوسط القراري المركزي، ذو طبيعة أو مرجعية إدارية، لذلك فهو يتكون من مختلف الوزارات والمصالح والمكاتب العليا للدولة، ومع ذلك فإن المرجعية أو بالأحرى المرجعيات السياسية والإيديولوجية للفاعلين تبقى حاضرة ومؤثرة، بمعنى أن الهيئات العليا للدولة تبقى ذات بنية إدارية تقنية في جانبها الظاهري. وفي نفس الوقت مجالا خصبا لصراع الفاعلين وتمثيل مصالحهم القطاعية أو المهنية

يعتبر مبدئيا الوسط القراري المركزي للدولة الحديثة بمثابة الممر الإجباري لجل القرارات العامة وعليه فإن التكوين المشترك المنبثق من كون هؤلاء الموظفون السامون غالبا ما يكونون خريجي المدارس العليا للإدارة أو معاهد الهندسة ، ولهم نفس الماضي المهني، يساهم بشكل عميق في ما عبر عنه P.Muller ب"معالجة المشاكل السياسية بطريقة تقنية والمشاكل التقنية بطريقة سياسية" لذلك فإن هذا الطابع التقني والمتعالي للأجهزة أو الهيئات العليا المتحكمة في دوائر القرار المركزية، لا ينفي عنها لعب دور الوساطة السياسية، الذي يميز باقي الفاعلين في السياسات العامة، بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي مما يفسح المجال مجددا للطابع الطائفي للقرارات العامة التي يتم اتخاذها على مستوى الدوائر العليا للدولة الحديثة حيث يصبح رجل السياسة موظفا ساميا والعكس صحيح les polytechnocrates يبحث عن الزعامة لخدمة فئة اجتماعية او اقتصادية معينة وفق منطق يكون أقرب إلى العشائرية. الفقرة الثانية : تقييم السياسات العمومية . يمكن اعتبار تقييم السياسات العمومية يسعى إلى تقدير آثارها الفعلية بطريقة سليمة انطلاقا من مستويات متعددة أهمها ، حجم الموارد الموظفة و النتائج المحققة ثم الآثار المتوقعة و الغير المتوقعة

و مع ذلك فإن تقييم السياسات العمومية يتضمن العديد من التقنيات الخاصة بتخصصات علمية مختلفة مثلا من وجهة نظر علماء المالية العامة ، يرتبط التقييم بمختلف تقنيات التدقيق المحاسبي ، أما بالنسبة للمهتمين بنظرية المنظمات ، فإن التقييم يرتبط بالحاجة إلى إضفاء عقلانية علمية على القرارات العامة و تحديد آثار التغيرات الواقعة بمحيط المنظمة ، في حين علماء الإدارة المعاصرون يعتبرون التقييم ممر رئيسي نحو تحديث الإدارة

من هنا تعددت مقاربات تقييم السياسات العمومية بين المقاربة ما قبل النسقية التي تبحث في النتائج المحصلة من وراء تطبيق السياسات العمومية أو تبحث في الوسائل و مدى استغلالها و استثمارها بطريقة جيدة ، بينما المقاربة النسقية تعتمد على مسارات متعددة يجمعها تصور مستقبلي و كلي للقرارات العامة ، هذه المقاربة كان لها دور أساسي في تطوير البحث العلمي حول السياسات العمومية خاصة في مرحلة تقييم نتائج القرارات العامة ، حيث يتم الأخذ بعين الاعتبار عدة محددات أساسية أهمها ، وجهات نظر المقررين و المستفيدين من السياسات العمومية (الجمهور) و كذا نسق القيم السائد. حيث تصبح عملية تقييم السياسات العمومية ، مكونا أساسية للسيرورة القرارية برمتها ، باعتبارها عملية للتصحيح و تبادل المعارف و المعلومات بين مختلف الفاعلين
من هذه الزاوية يمكن ربط الأهمية المتزايدة لتقنيات تقييم السياسات العمومية بتزايد دور التكنوقراط داخل دوائر القرار ، و كذا انفتاح الإدارة نفسها على مكاتب الخبرة و المؤسسات المستقلة لتقييم مدى فعالية قراراتها ، حيث أصبح كل قرار و كل برنامج مطالبا أكثر من أي وقت مضى بالبرهنة على نفعيته و بالتالي تفادي التبذير المالي الذي ظل يهدد القطاع العام ، ثم الاستفاذة من تقنيات الفعالية و المردودية القرارية و التي أبانت عن فعاليتها داخل المقاولات الخاصة
وهكذا أصبح التوجه نحو مأسسة تقييم السياسات العمومية عبر احداث مؤسسات متخصصة سواء على المستوى القطاعي (...) أو المركزي أو الجهوي . مثلا في فرنسا نجد المجلس الوطني للتقييم ، و المفوضية العامة للتخطيط المبحث الثاني : اسقاطات السياسات العمومية في المغرب
إن لحظـة دسـتور 2011 تظـل حاسمـة في مسـار تقييـم السياسات العمومية في المغـرب ، عبـر إقرارهـا لفكـرة مهيكلـة لـكل البنيـة المؤسسـاتية هـي ربـط المسـؤولية بالمحاسـبة، وعبـر دستـرة وظيفـة التقييـم كصلاحيـة برلمانيـة أصيلـة (المطلب الثاني) وكـذا عبـر تعزيـز المسـؤولية الحكوميـة في وضع وصناعـة السياسـات، وإقـرار دور هيئـات الحكامـة .(في إنضـاج حـوار عمومـي واسـع حولهـا (المطلب الأول

المطلب الأول : بلورة السياسات العمومية بالمغرب
يقصــد عــادة بالسياســات العموميــة مجمــوع الاجــراءات والتدابــر الاسـتـراتيجية ذات البعــد التدبــري والتنمــوي فالبرامــج الاســراتيجية الــي تقــوم القطاعــات الحكوميــة بإعدادهــا وتنفيذهــا تكــون نظريــا في إطــار سياســة أو سياســات عموميــة ، فعمليــة صنــع السياســة العامــة تتطلــب التحديــد المســبق للأهــداف ، وفي ذات الوقـت تحديـد الوسـائل الكفيلـة لتحقيـق هـذه الاهـداف وضبـط مؤشـرات الانجــاز و الســلط أو المؤسســات المســؤولة عــن وضــع آليــات التنفيــذ. ويتجلــى البعــد الاسـتـراتيجي بشــكل واضــح ضمــن أحــكام دســتور المغــرب لسـنة 2011 ،وخاصـة في الفصـل 49 الـذي يتضمـن المواضيـع الـي يتـداول فيهـا المجلــس الــوزاري الــذي ينعقــد برئاســة جلالــة الملــك ويتعلــق الامــر مــن جهــة بالتوجهـات الاسـراتيجية لسياسـة الدولـة ، وهـي تعبـر عـن السياسـة العامـة للدولــة ، ومــن جهــة ثانيــة بالتــداول في مشــاريع قوانـيـن الاطــار، إضافــة إلى التوجهــات العامــة لمشــروع قانــون الماليــة . فالتوجهــات الاســراتيجية لسياســة الدولــة يتــم الاشــراف عليهــا مــن قبــل أعلــى ســلطة في البــلاد ممثلــة في جلالــة الملــك بصفتــه رئيســا للدولــة ، ويتــم التــداول بشــأنها في المجلــس الــوزاري وهــي ملزمــة لجميــع الســلط والمؤسســات الدســتورية الاخــرى ، وعلــى أساســها تتــم صياغــة البرنامــج الحكــومي ، وكــذا السياســات العموميــة والسياســات القطاعيــة الـتـي يتــداول بشــأنهما المجلــس الحكــومي الــذي يترأســه رئيــس الحكومــة (الفصــل 92 مــن الدســتور) و يتــم تنزيــل هــذه السياســة العامة إمــا عـبـر سياســات عموميــة وسياســات قطاعيــة تتــم صياغتهــا وتنفيذهــا مــن قبــل الحكومــة والمؤسســات العموميــة التابعــة لهــا ، أو مــن خــال صياغــة مشــاريع قوانــين إطــار، أو ضمــن قوانــين الماليــة الســنوية الـتـي يتعــن أن تتضمــن المحــاور الكبــرى للإنفــاق العمــومي المرتبــط بهــذه التوجهــات الاســراتيجية

فقوانيـن الاطـار تضـع إطـارا للأهـداف الاساسـية لنشـاط الدولـة في المياديـن الاقتصاديــة والاجتماعيــة والبيئيــة والثقافيــة وفــق أحــكام الفصــل 71 مــن الدسـتور ، و يتعيـن أن تعـرض بدورهـا علـى المجلـس الـوزاري ضمانـا لانسـجامها مــع اســراتيجية الدولــة المحــددة مــن قبــل هــذه المؤسســة الدســتورية. كمــا تعــرض عليه التوجهــات العامــة لمشــروع قانــون الماليــة الســنوي قبــل إعـداده بشـكل رسـمي وسـلوكه المسـطرة التشـريعية كمـا هـو محـدد في الدسـتور وفي القانــون التنظيــمي لقانــون الماليــة وفي النظــام الداخلــي لمجلــس النــواب

وبالرجـوع للسـنوات الأخـيرة نجـد بـأن المجلـس الـوزاري كان قـد تـداول في عـدد مـن التوجهـات الإسـراتيجية لسياسـة : الدولـة ومشـاريع قوانيـن الإطـار ، و كمثال
-التوجهــات العامــة لتطويــر المنظومــة القانونيــة والمؤسســاتية المتعلقــة بالاســتثمار، وذلــك خــال المجلــس الــوزاري المنعقــد بتاريــخ 23 يونيــو 2016؛
-الرؤيـة الاسـراتيجية لاصـلاح منظومـة التربيـة و التكويـن 2015-2030 ، وذلـك خـال المجلـس الـوزاري المنعقـد بتاريـخ 6 فبرايـر 2016؛
-اسـراتيجية تنفيـذ النمـوذج التنمـوي الجديـد لتنميـة الاقاليـم الجنوبيـة، وذلـك خـال المجلـس الـوزاري المنعقـد بتاريـخ 6 فبرايـر 2016
ففكـرة الملكيـة التنفيذيـة لم تعـد مهيكلـة للهندسـة الدسـتورية كمـا في السـابق ، لكـن دورهـا مـا يـزال قائمـا علـى مسـتوى التوجيـه والتدبـر السياسـي والاقتصـادي والاجتماعـي ، ممـا يجعـل واقعيـا السـلطة التنفيذيـة مقسـمة بـن مؤسسـتي الملكيـة والحكومـة-دون أن يعنـي هـذا الانتفـاء البعـد التراتبـي في العلاقـة- وهـذا مـا يتجلـى مـع هندسـة وصياغـة وتنفيـذ السياسـات العموميـة
إن ممارسـة اختصـاص السـلطة التنفيذيـة (الحكومــة والإدارات العموميــة التابعــة لهــا والمنشــآت والمؤسســات العموميــة الواقعــة تحــت وصايتهــا والــتي تنفــذ السياســات الحكوميــة) المتعلـق بإعـداد وصياغـة وتنفيـذ السياسـات العموميـة تتـم في إطـار أحـكام الدسـتور الـتي تحـدد اختصـاص ومجال تدخــل كل ســلطة أو مؤسســة دســتورية ، كمــا تحــدد نفــس الأحــكام الدســتورية مجــال ممارســة الوظيفــة البرلمانيــة المرتبطــة بالسياســة العامــة وبالتوجهــات الاســراتيجية وبالسياســات العموميــة
وهذا يحيلنا علـى مجموعـة الهيئـات الدستورية سـواء في صيغـة مؤسسـات وطنيـة أو استشـارية (حالـة المجلـس الاقتصـادي والاجتماعـي ، مجلـس الجاليـة المغربيـة بالخـارج ، الهيـأة المكلفـة بالمناصفـة المجلـس الاستشـاري للأسـرة والطفولـة ، المجلـس الاستشـاري للشـباب والعمـل الجمعـوي ...) والـتي تهـدف إلى خلـق فضـاءات مؤسسـية مسـتقلة عـن السـلطة التنفيذيـة ، منفتحـة وتعدديـة مـن حيـث تكوينهـا ممـا يسـمح بإمكانيـات التـداول والحـوار بـن الفاعليـن المجتمعيـين والخبـراء وممثلـي الحكومـة ، لتقـديم الـرأي والمشـورة للسـلطة التنفيذيـة أو السـلطة التشـريعية ، وتشـمل اهتمامـات هـذه المؤسسـات السياسـات العموميـة المرتبطـة بقضايـا مختلفة ذات طابع اجتماعي و اقتصادي و (...) بيئي المطلب الثاني : تقييم السياسات العمومية في المغرب
أصبــح البرلمــان المغــربي، وفــق أحــكام دســتور 2011 ، يمتلــك ســلطة تقييــم السياســات العموميــة (الفصــل 70 مــن الدســتور) بمــا يفيــد بالأســاس دراســة أثرهــا الاقتصــادي والإجتماعــي والثقــافي والبيــئي كمــا أصبــح مختصــا بتحليــل التكلفــة الماليــة لهــذه السياســات وتقييــم مــدى تحقيقهــا لأهدافهــا ( مــا يســتفاد مــن منطــوق الفصــل 148 مــن الدســتور). لكــن بالإضافــة إلى ذلــك وبموجــب أحــكام الفصــل 101 مــن الدســتور، يمتلــك البرلمــان المغــربي أيضــا اختصــاص مناقشــة السياســات العموميــة
وإذا كانـت وظيفــة التقييــم واضحـة علــى مســتوى النــص الدسـتوري وعلــى مسـتوى الممارسـات البرلمانيـة في التجـارب المقارنـة ، فـإن مصطلـح المناقشـة الــذي ورد في الوثيقــة الدســتورية يوســع نســبيا مــن آليــات ووظائــف البرلمــان علـى هـذا المسـتوى. فالمناقشــة تختلــف عــن التقييــم ، علــى الرغــم مــن ارتباطهمــا موضوعيــا علــى هــذا المســتوى ، فالمشــرع الدســتوري المغــربي حــرص علــى اســتعمال عبــارة -مناقشــة السياســات العموميــة وتقييمهــا- في الفصــل 101 وعلــى الرغــم مــن اســتعماله فقــط مصطلــح التقييــم في الفصــل 70 الــذي يحــدد القواعــد العامــة لممارســة الســلطة التشــريعية ، إلا أنــه لــم يكتفــي بهــذه الوظيفــة الأساســية المتعلقـة بالتقييـم ، وأورد مفهـوم المناقشـة ضمـن بـاب العلاقة بين السـلطتين التشــريعية والتنفيذيــة بمــا يجعلهــا أقــرب للرقابــة علــى العمــل الحكــومي منهــا إلى منهجيــة التحليــل والتقييــم ، وعــادة مــا تكــون عبــارة المناقشــة أكـبـر عموميــة مــن التقييــم الــذي يعتــر سـيرورة سياسـية وتقنيـة تخضـع لمعاييـر ومواصفـات تتعلـق بممارسـتها كوظيفـة برلمانيــة ، و كمثال على هذه المناقشة ، مواكبة البرلمان لتنزيل السياسات العمومية عبر مناقشة القوانين الاطار و قوانين المالية و (...) البرامج المتعددة السنوات
فالحكومــة تقــوم بصياغــة وإعــداد وتنفيــذ السياســات العموميــة، وتعمــل أيضـا علـى تقييـم هــذه السياسـات، وتركـز في ممارسـتها لوظيفـة التقييـم علـى تحليـل النتـائج résultats وهـو مـا يختلـف عـن التقييـم البرلمـاني الـذي يركـز علـى دراســة وتحليــل الأثــرImpact الاقتصــادي والاجتماعــي والثقــافي والبيــئي لهــذه السياســات العموميــة نظــرا لخصوصيــة العمــل البرلمــاني وطابعــه التمثيلــي. وبالمقابـل يختص المجلـس الأعلـى للحسـابات بتحليـل النجاعـة الماليـة وفعاليـة التدبيـر المـالي والميزانيـاتي للسياسـات العموميـة، وهـو مـا يدخـل أيضـا في مجـال التقييــم الــذي يختــص بــه البرلمــان
فمن جهة تركـز عمليـة التقييـم علـى دراسـة الأثـر الفعلـي والواقعــي لهــذا السياســات ، وعلــى مــدى تحقيقهــا للأهــداف المحــددة لهــا بنــاء علـى مؤشـرات الإنجـاز، وعلـى مبـررات النسـب غـير المنجـزة، بمـا يسـمح بتكويـن صـورة واضحـة حـول قـدرة الحكومـة علـى صياغـة هـذه السياسـات العموميـة وعلـى تنفيذهـا وتحقيـق أهدافهـا التنمويـة علـى مسـتوى القطاعـات الاقتصاديـة أو المجــالات الاجتماعيــة
ومــن جهــة ثانيــة يرتبــط التقييــم المتعلــق بالماليــة العامــة أساســا بتحليــل التكلفـة الماليـة لهـذه السياسـات العموميـة، وعلـى دراسـة مـدى تحقيـق النتـائج المرجـوة باسـتعمال الاعتمـادات الماليـة المخصصـة لهـا، وبشـكل خـاص الكفـاءة الماليــة financière Performance للمســؤولين عــن صياغــة وإعــداد وتنفيــذ السياسـات العموميـة والنجاعـة والفعاليـة في التدبيـر المـالي للربامـج والمشـاريع المرتبطـة بهـا
و في هذا الاطار يقدم المجلس الاعلى للحسابات مساعدته للبرلمان في المجالات المتعلقة بمراقبة المالية العامة، و يجيب عن الاسئلة و الاستشارات المرتبطة بوظائف البرلمان في التشريع و المراقبة و التقييم المتعلق بالمالية العامة (الفصل (148 من الدستور
إن تقييم السياسات العمومية في المغرب ليست لها تلك الصورة اللامعة و الواضحة كما سبق و رسمنا لكن لها وجه آخر يعتريه نوع من الغموض و ذلك راجع لعدة صعوبات و مشاكل ستواجه البرلمان أثناء تحديده للسياسات العمومية ، : تجد مشروعيتها في
مشكل البيروقراطية بمفهومها السلبي الذي قد يعيق تحديد الظاهرة و التمكن من آليات رصدها كون محتوى و مضمون السياسات العمومية محط هروب من طرف الأكاديمي و الفاعل المقيٍّم نفسه ، لأنه جد معقد . مشكل القرار و بنيته و ماهيته ، اذ من الصعوبة الوصول الى هذه المحددات مثل من يتخذ القرار ؟ و ما الذي تقرر فعلا ؟
دون اغفال العجز المزدوج للبرلمان ، بنيويا و ممارساتيا ، على مستوى الحصول على المعلومات و كذا القدرة على التأثير في المشاريع و البرامج الحكومية
خاتمة
إن ما يمز السياسات العمومية هو شمولية نتائجها لشرائح المجتمع كله ، مما يحتم على البرلمان الاهتمام بمواكبتها و تقييمها المرحلي ، بشكل يؤدي إلى زيادة فرص نجاحها ، و تقليل احتمالات فشلها إلى أقل نسبة ممكنة ، و هو ما سيجنب المجتمع الكثير من الآثار التي تصاحب السياسات الفاشلة
إن تقييما موضوعيا للسياسات العمومية بالمغرب يسمح بتشخيص أفضل لأسباب عدم فعاليتها ، المتمثل على و جه التحديد في سؤال معالم استراتيجية السياسات العامة بالمغرب ، سؤال المركزية المفرطة و أيضا غياب التقويم و المتابعة ، بالاضافة الى سؤال البعد التشاركي
من جهة أخرى لا زال الدستور المغربي ، يكرس الدور الرئيسي للمؤسسة الملكية ، في تحديد السياسة العامة للدولة و اختياراته الاستراتيجية عبر المجلس الوزاري الذي يرأسه ، و كذا عبر خطابات افتتاح الدورات البرلمانية كمصدر أساس لتأطير العمل البرلماني
إن فرق البرلمان المغربي أغلبية و معارضة مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتجنيد مختلف الطاقات لاستقطاب الباحثين في العلوم الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و قانونية ، لتنظيم الاستشارة و الخبرة في مجال مواكبة و تقييم السياسات العمومية
لائحة المراجع
دستور المملكة المغربية لسنة 2011
عبد المالك احزرين، محاضرات في السياسات العامة، جامعة المولى إسماعيل، كلية الحقوق،السنة الجامعية2015/2016، مكناس
حسن طارق، السياسات العمومية مفاهيم و تطبيقات، منشورات الوسيط في الديمقراطية و حقوق الانسان، أبريل2014 مجلس النواب المغربي، الاطار المرجعي لتقييم السياسات العمومية
طه الحميداني، البرلمان المغربي و اجتراح تقييم السياسات العمومية، المجلة المغربية للتدقيق و التنمية، عدد33، بتاريخ2012
بقلم ذ عزيز الكرسنة
طالب باحث في سلك الماستر كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية جامعة سدي محمد بن عبد الله _ فاس .
 


أعلى الصفحة