قانون الأسرة

بقلم ذ أحمد بلغربي
موثق وباحث
تحت عدد: 89

لم تخرج مدونة الأسرة عن المبدأ العام المتعلق بفصل الأموال بين الزوجين الذي أخذت به مدونة الأحوال الشخصية القديمة، ولكن المستجد في ظل المدونة الجديدة هو ما جاء  في مادتها 49 التي تنص على أن « لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن ذمة الآخر غير أنه يجوز لهما في إطار تدبير الأموال التي ستكتسب أثناء قيام الزوجية، الاتفاق على استثمارها و توزيعها.  يضمن هذا الاتفاق في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج .  يقوم العدلان بإشعار الطرفين عند زواجهما بالأحكام سالفة الذكر. إذا لم يكن هناك اتفاق يرجع   إلى القواعد العامة للإثبات، مع مراعاة عمل كل واحد من الزوجين و ما قدمه من مجهودات وما تحمله من أعباء لتنمية أموال الأسرة


لا أحد يناقش بأن مدونة الأسرة على غرار المدونة القديمة، حسمت بشكل صريح في مسألة استقلال الذمة المالية للزوجين، إذ يحتفظ كل منهما بذمته المالية المستقلة عن ذمة الآخر، ويكون لكل من الزوجين الحرية التامة في التصرف في أموالهما، سواء كان هذا التصرف بعوض أو بدون عوض، إلا أنه استنادا لمبادئ العدل والإنصاف التي تؤطر الحياة الزوجية أجاز المشرع المغربي للزوجين أن يتفقا على كيفية تدبير واستثمار أموالهما المكتسبة أثناء قيام الحياة الزوجية، و لعل أهمية هذا النص تتجلى في ما يلي:

- وضع حد للنقاش الذي كان يستهدف انفراد الزوج بمجموع ما تم اكتسابه أثناء الحياة الزوجية بسبب الطلاق أو التطليق أو الوفاة.

- تضييق سلطات القاضي التقديرية في تحديد نسبة كل من الزوجين في تنمية الأموال المكتسبة أثناء الحياة الزوجية في حالة انعدام وجود هذا العقد.

-حرص المشرع على تنظيم العلاقة المالية بين الزوجين في سبيل إنشاء أسرة مستقرة تحت الرعاية المشتركة للزوجين وتحديد التقسيم العادل للثروة الأسرية.

-الحد من الحيف الذي يلحق المرأة بعد انحلال الزواج بسبب الطلاق أو الوفاة و ضمان حصولها على جزء من الأموال المكتسبة خلال الزواج.

 ورغم ايجابيات هذه الإمكانية التي يسمح بها المشرع المغربي للزوجين للاتفاق على التدبير المشترك لممتلكاتهما المكتسبة أثناء الزواج، بتحريره في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج، فإن التنظيم التشريعي لهذا الموضوع جاء مشوبا بكثير النقائص التي تحد من فعالية هذا الاتفاق الاختياري ويفرغ نص المادة 49 من محتواها، ومن أهم هذه النقائص عدم التنصيص على عدم إشهار هذا العقد.

فهل يعتبر تحديد عقد تدبير الأموال المكتسبة خلال الزواج كافيا لضمان الحقوق المالية للطرف الضعيف في العلاقة الزوجية؟ وهل يستجيب توثيق هذا العقد لإرادة المشرع و للفلسفة التي توخاها من أحكام المادة 49 من المدونة؟

هذا ما سنتناوله من خلال محورين، نتطرق في الأول لمسألة توثيق عقد تدبير الأموال المكتسبة أثناء الزواج، وفي المحور الثاني نتحدث عن بعض الجوانب السلبية المترتبة عن عدم نص المشرع المغربي على مسألة إشهار هذا العقد.

 أولا: توثيق عقد تدبير الأموال المكتسبة أثناء الزواج 

الأصل أن لكل من الزوجين ذمة مالية مستقلة، لكل منهما الحق في التصرف فيها وتسييرها وتدبيرها بدون قيد ولا شرط، ولا يمكن الحد من هذه الاستقلالية إلا بموجب عقد إرادي يتفق الزوجان على مضمونه ومحله وشروطه طبقا لأحكام المادة 49 من المدونة . فهذا العقد ذو طبيعة خاصة لا يمكن إبرامه إلا من طرف زوجين، وأنه عقد مستقل عن عقد الزواج  يخضع من حيث شروط انعقاده وأركانه وآثاره وانقضائه للقواعد العامة المنصوص عليها في قانون الالتزامات و العقود.

غير أن ما يلاحظ من مقتضيات المادة 49 من المدونة أن المشرع جعل من هذا العقد عقدا شكليا تجب صياغته في شكل ورقة رسمية (موثقة أو عدلية)، أو في شكل عقد عرفي يوقع من قبل الزوجين، بعد أن يتم التوافق على مضامينه.

والواقع أن فتح المجال أمام إبرام هذا العقد في الشكل العرفي، إنما يدل على التذبذب والتردد في الأخذ بالرسمية في مجال العقود، سيما أن تحقيق التوازن التعاقدي يتعذر تحقيقه إن لم تفوض سلطات التحرير والكتابة لمهني قانوني مسؤول يضمن الجودة في الخدمات والاستشارة الصحيحة والحياد والعمل على تحقيق النتائج المرجوة.

فإذا كان المشرع قد سعى من خلال تنظيمه للاتفاق الاختياري على التدبير المشترك للممتلكات المكتسبة في فترة الزواج، تحقيق نوعا من الاستقرار الزوجي والأسري، فإن هذه الغاية تبقى بعيدة المنال إن لم تراعى بعض العناصر نذكر من ضمنها ما يلي:

ـ تحديد بعض الشروط الأساسية في العقد تفاديا لكل لبس أو غموض أو سوء فهم لبعض المقتضيات القانونية الواردة في المدونة .

ـ ضرورة الإشارة في عقد الزواج من قبل العدلين اللذين تلقيا الإشهاد أن الزوجين على علم  بمقتضيات المادة 49  بشكل واضح ويجب الإشارة  إلى ذلك بواسطة عبارات واضحة ودقيقة لتجنب أي غموض أو لبس.

 ثانيا: غياب إشهار عقد تدبير الأموال المكتسبة بين الزوجين أثناء الحياة الزوجية.

المقصود بالإشهار في مجال تدبير النظام المالي للزوجين، اطلاع الأغيار بمحتواه حتى يكونوا على بينة من وضعيتهما المالية، و الملاحظ من مقتضيات نص المادة 49 من مدونة الأسرة ، أن المشرع المغربي لم يشر إلا لشكلية  الكتابة ولم ينص على الإشهار. فما هي إذن القيمة  القانونية  لهذا العقد إن لم يتم  إشهاره؟ خاصة أن عقد التدبير المالي للزوجين، يشمل بالإضافة إلى العقارات كل أنواع المنقولات، وما مدى انسجام مدونة الأسرة مع مقتضيات النصوص التشريعية الأخرى ذات الصلة؟. 

بالرجوع إلى النصوص القانونية المنظمة للعقار، نجدها تأخذ بمبدأ الإشهار العيني لكل التصرفات التي تنصب على العقارات المحفظة أو العقارات في طور التحفيظ، إذ لا تنتج أثرها العيني إلا من تاريخ تسجيلها في السجل العقاري، وكل تصرف يقع على هذه الحقوق يجب تقييده لدى مصالح المحافظة العقارية ولا يمكن الاحتجاج بها  لدى الأغيار إلا من هذا التاريخ.

واستنادا إلى هذا المبدأ، إذا كان محل عقد تدبير أموال الزوجين عقارا محفظا أو في طور التحفيظ، فإنه لا تكون له أي حجية لدى الأغيار إلا إذا تم إدراج  مضمونه بالسجلات العقارية المخصصة لهذا الغرض، إذ في غياب هذا التقييد، لا تتحقق الحماية المرجوة من إبرامه، طالما أن الزوج المالك للعقار يتمتع بسلطات التصرف فيه بالبيع أو الرهن أو الكراء أو المبادلة أو القسمة وغيرها من التصرفات القانونية. دون أن يكون ذلك متوقفا على موافقة الطرف الآخر، لأن القانون المطبق على العقارات المحفظة لا يعتد إلا بما سجل في سجلاته.

  و من خلال ما سبق يتضح عدم الانسجام بين أحكام المادة 49 من مدونة الأسرة ومقتضيات التشريع العقاري القائم على أساس مبدأ المنشئ للتقييدات اللاحقة بالرسوم العقارية.

ولا يقتصر نظام الإشهار على العقار فحسب، وإنما يهم أيضا الأصول التجارية التي أصبحت قيمتها الاقتصادية حاليا تفوق بكثير الممتلكات العقارية. إذن فما الجدوى من إبرام عقد تدبير الممتلكات المكتسبة أثناء الحياة الزوجية إن لم يحطها المشرع  بالضمانات الكافية لتحقيق التوازن القانوني والفعلي للأطراف المتعاقدة ؟

أمام القصور التشريعي وغياب الانسجام مع باقي النصوص القانونية المنظمة للعقار والقيم المنقولة نتساءل عن الحلول المعتمدة في بعض التشريعات المقارنة التي سبقتنا في هذا المجال، خاصة منها التشريعات العربية كما هو الشأن بالنسبة إلى التشريع التونسي؟

إن القانون التونسي الخاص بالأحوال الشخصية وإن كان يختلف في بعض أحكامه مع مقتضيات مدونة الأسرة، إلا أنه يشترك مع هذه الأخيرة في المرجعية المعتمدة في كلا القانونين وهي المرجعية الإسلامية، فقد أخذ القانون التونسي بمبدأ الإشهار لحماية الرابطة التعاقدية التي تجمع الزوجين في تسيير أمورهم المالية، بحيث يلزم المأمور العمومي الذي يتولى تلقي اتفاقات الزوجين بتوجيه ملخصه داخل 10 أيام إلى ضابط الحالة المدنية بمكان ولادة الزوجين، قصد تسجيله بسجلات الحالة المدنية تحت طائلة المسؤولية والغرامة، فضلا عن تقييد هذا الملخص بسجلات المحافظة العقارية على أساس أن كل اكتساب لحق عيني على عقار لابد من الإدلاء بما يفيد حالته المدنية.

ويتمتع المحافظ على الأملاك العقارية بسلطة التأكد مما إذا كان المعني بالأمر قد اختار النظام المالي المشترك، وكل شهادة تسلم من طرف مصالح المحافظة العقارية يجب أن تتضمن الإشارة إلى مسألة وجود نظام مشترك للأموال من عدمه. ومن هنا يتبين أن المشرع التونسي بخلاف نظيره المغربي، قد أسس نظاما يحمي حقوق الزوجين وذلك لما يتطلبه من سلوك إجراءات شكلية تتمثل أساسا في إعلام كل المصالح الإدارية المعنية بنظام الاشتراك المالي للزوجين .

فالمشرع المغربي وإن سمح بإبرام عقد تدبير الأموال المكتسبة أثناء الحياة الزوجية، إلا أن فعاليته تظل جد محدودة ولا تحقق الحماية الكافية للحقوق المالية للزوجين.

   وحتى تتحقق الغاية من إبرام هذا العقد ولضمان حماية الطرف الضعيف في العلاقة الزوجية وحقوقه المالية في هذا الصدد، نرى أنه من الملائم أن يعتمد المشرع المغربي إن قرر تعديل أحكام المادة 49 من مدونة الأسرة مستقبلا على ما يلي:

- الرسمية في إبرام عقد تدبير الأموال المكتسبة للزوجين أثناء الزواج.

ـ إلزام الموثق أو العدل بالإشراف على إجراءات الإشهار لضمان فعالية هذا العقد.

ـ تقييد مضمون هذا العقد بكناش الحالة المدنية بمكان ميلاد الزوجين .

ـ ضرورة تقييد مضامين عقد تدبير الأموال المكتسبة للزوجين بسجلات الملكية العقارية والعمل على الإشارة في شهادات المحافظة العقارية إلى النظام المالي للزوجين.

ـ العمل على إدراج مضامين هذا العقد بالسجلات التجارية  لدى المحاكم المختصة بالنسبة إلى الأصول التجارية  المتعلقة بالزوجين .

ـ إنشاء مركز وطني لإشهار عقود تدبير الأموال المشتركة بين الزوجين .

إن السير في هذا الاتجاه من شأنه أن يحد من سلطة الزوج في التصرف في الممتلكات التي تكون محل عقد الاتفاق الاختياري سواء بالبيع أو الرهن أو الكراء الذي يتجاوز 3 سنوات أو القسمة أو المعاوضة أو التبرع إلى غيرها من العقود التي تنقل الملكية أو تنشئ حقوقا عينية. فاعتماد إشهار عقد تدبير الأموال المشتركة يجعل هذه التصرفات باطلة إن لم تحظ بالموافقة الصريحة للزوجين، لأن الهدف من تبني عقد تدبير الأموال المشتركة للزوجين هي الحماية المشتركة للزوجين من تعسف الطرف القوي في العلاقة، خاصة أن القضاء تعترضه صعوبات قانونية وعملية بالاعتماد على القواعد العامة  للإثبات في تقدير نسبة مساهمة الزوجين في تنمية المال الأسري.

بقلم ذ أحمد بلغربي
موثق وباحث
 


أعلى الصفحة