القانون التجاري

بقلم ذ إسماعيل سالمي
طالب باحث
تحت عدد: 307
:خطة البحث: مقدمة


المبحث الأول: الإطار العام لعقد تسليم المفتاح في اليد

المطلب الأول: ماهية عقد تسليم المفتاح في اليد

الفقرة الأولى: تعريف عقد تسليم المفتاح في اليد 

الفقرة الثانية: تمييز عقد المفتاح في اليد عن العقود المشابهة، و طبيعته القانونية

المطلب الثاني: أشخاص عقد المفتاح في اليد و أنواعه

الفقرة الأولى: أشخاص عقد تسليم المفتاح في اليد

الفقرة الثانية: أنواع عقد تسليم المفتاح في اليد

المبحث الثاني: آثار عقد تسليم المفتاح في اليد و إشكالاته العملية

المطلب الأول: التزامات أطراف العقد

الفقرة الأولى: التزامات المورد (المقاول)

الفقرة الثانية: التزامات العميل

المطلب الثاني: الإشكالات العملية لعقد تسليم المفتاح في اليد

الفقرة الأولى: الإشكالات المتعلقة بالسرعة و التكاليف و الملائمة في تنفيذ المشروع

الفقرة الثانية: الإشكالات الأخرى المتعلقة بالتزامات المنشئ (المورد)

خاتمة.

لائحة المراجع. 

مقدمة:

   من المعلوم، أن الدول تنقسم حسب تقدمها العلمي و الصناعي و رخائها الاقتصادي، إلى دول متقدمة و أخرى أقل شئنا، وهي الدول النامية. و رغبة من هذه الأخيرة في الرقي و السير حذو الدول المتقدمة اقتصاديا، فإنها لابد من أجل ذلك أن تستعين بخبرات من سبقها، و ذلك عن طريق إبرام عقود نقل التكنولوجيا من الدول المتقدمة إلى الدول النامية.

   و يمكن تعريف عقد نقل التكنولوجيا، على أنه ،اتفاق يغطي عمليات معينة و يتضمن أداءات محددة، تهدف إلى أخذ أحد الأطراف من الآخر نظام للإنتاج أو الإدارة أو خليط منهما، بموجب تنازل معين و خلال مدة معينة.

   و من بين أهم صور نقل التكنولوجيا، نجد ما يسمى بعقد تسليم المفتاح في اليد Contrat clé en main، و قد ظهر هذا العقد في شكله الحديث بالولايات المتحدة الأمريكية، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، و ذلك حين انتشرت رغبة معظم الدول في تحقيق التنمية  و الرخاء.

   و قد برز في البداية عقد تسليم مفتاح، في إطار العلاقات القائمة ما بين الشرق و الغرب، ثم بعد ذلك في العلاقات بين الشمال و الجنوب حيث عرفت نجاحا كبيرا. و ذلك بسبب إقحام العقد في ميدان السياسة الدولية، إذ تجسدت في نتائج الحوار الدائر بين القطبين، و ما يعمله هذا الحوار أو ذاك من حساسية إيديولوجية. و ضغوط اقتصادية و مصالح سياسية متصارعة.[1]

   و لكي تبلغ الدول النامية أهدافها، فهي تعهد بتنفيذ مشروعاتها الاقتصادية إلى مؤسسات وطنية و أجنبية أو مشتركة وفقا لقدراتها المالية و الفنية، و الراجح هو أنه في حالة ما إذا ولت الدولة النامية مشروعا ما إلى مؤسسة وطنية، لا تستطيع هذه الأخيرة القيام به  دون الاستعانة بواحد أو أكثر من المؤسسات الأجنبية من الدول الأجنبية، خاصة إذا تطلب المشروع استثمارا تكنولوجيا يحتاج إلى خبرات فنية و قانونية لا تتوفر لدى المؤسسة الوطنية[2] .

   و لكي تتضح معرفتنا أكثر بعقد تسليم المفتاح في اليد، سنحاول من خلال هذا العرض تحديد الإطار العام لهذا العقد في المبحث الأول، بينما سنتحدث في إطار المبحث الثاني عن أثاره و عن الإشكالات العملية المرتبطة به.

 

المبحث الأول: الإطار العام لعقد تسليم المفتاح في اليد

   قبل التفصيل في دراسة عقد تسليم المفتاح في اليد، حري بنا أولا أن نزيح الغموض حول ماهية هذا العقد (المطلب الأول)، و كذا التعرف على أطرافه و أنواعه (المطلب الثاني).

المطلب الأول: ماهية عقد تسليم المفتاح في اليد

   سنقسم هذا المطلب إلى فقرتين، بحيث سنخصص الأولى لإعطاء تعريف لعقد تسليم المفتاح في اليد، بينما نخصص الثانية لتمييزه عن بعض العقود المشابهة بالإضافة إلى تحديد طبيعته القانونية.

الفقرة الأولى: تعريف عقد تسليم المفتاح في اليد  

   عقد تسليم مفتاح في اليد، لم يحظ بتنظيم سواء على المستوى الوطني أو الدولي، لذلك سنعمد في تعريفه إلى ما جاء به الفقهاء في تعريفاتهم التي و إن اختلفت فإن ثمة قواسم مشتركة تجمع فيما بينها.

   فعقد تسليم المفتاح كما جاء به الفقيه Fouchard ، عقد يلتزم المورد Fournisseur بمقتضاه و بمقابل مادي، بتأسيس و تحقيق ثم تسليم مصنع في حالة صالحة للاشتغال، حسب المؤهلات التي يظهرها أثناء تشغيله.

   كما اعتبره الفقيه محسن شفيق، عقدا مركبا يحتوي على جملة عمليات قانونية، يدخل بعضها في عقد البيع، و بعضها في عقد المقاولة، و بعضها في عقد الاستصناع، و يتعامل مع أموال مادية و أخرى معنوية، و تنصهر كل هذه العناصر لتشكل عقدا واحدا من طبيعة خاصة تختلف عن طبيعة كل عنصر مما يدخل في تركيبه إذا أخذ على حدة[3].

   في حين عرفه آخرون بأنه، العقد الذي يلتزم فيه المورد بتسليم مجمع صناعي في حالة تسمح بتشغيله، مع تحمله المسؤولية عن التشييد و ضمان التشغيل بالمعدات المتفق عليها و بمعرفة العمال التابعين له.

   و ترى الدكتورة وفاء مزيد فلحوط، انه بالرغم من صحة ما ورد في التعريفات الفقهية لهذا العقد، إلا أنها ترجع عدم دقتها، من جهة أن عقد تسليم المفتاح لا يأتي ضمن قالب واحد، إنما عبر صور مختلفة - كما سنرى لاحقا -، و من هنا يجب حين تعريفه إما أن نورد تعريفا عاما ثم نلحقه بتلك الإضافة، أو نكتفي بتعريف كل صورة من صوره على حده.[4]

   إن تنوع التعريفات المقترحة لهذا العقد، و عدم دقتها، يجعلنا نطرح التساؤل حول الطبيعة القانونية لهذا العقد. و هذا ما سنحاول معرفته من خلال الفقرة الموالية، و ذلك بعد تمييزه عن بعض العقود التي تشابهه.

الفقرة الثانية: تمييز عقد المفتاح في اليد عن العقود المشابهة، و طبيعته القانونية

-       يشتبه عقد المفتاح في اليد، في بعض جوانبه بعقد البيع، غير أن هذا العقد يختلف عن عقد البيع في نواح كثيرة منها: أن صاحب العمل قد يستورد بنفسه تجهيزات المصنع و آلاته، و أن المتعهد يقوم بأعمال كثيرة لا تدخل في نطاق نقل الملكية، بل تتميز بطابعها العلمي و الفني و التكنولوجي، كنقل التكنولوجيا و تدريب العمال، و تركيب التجهيزات و تشييد البناء، و شق الطرقات و غيرها.

و هذه كلها لا تدخل في مفهوم نقل الملكية، التي لابد منها لوصف العقد بكونه عقد بيع.[5]

-        كما يشتبه عقد تسليم المفتاح في اليد، بعقد إجارة الصنعة و إجارة الخدمة المنصوص عليه في الفصل 723 من ق.ل.ع المغربي[6] ، غير أن عقد المفتاح في اليد يختلف عن عقد إجارة الصنعة و إجارة الخدمة في مسائل متعددة منها: أن المتعهد لا يقوم دائما بجميع الأعمال اللازمة لإتمام المصنع، بل قد يشارك صاحب العمل في بعضها، كتشييد البناء و تمهيد الأرض، كما أن عقد المفتاح في اليد لا يقوم على مهارة المتعهد بصورة شخصية، بل يقوم على أعمال متنوعة، كالخبرة و الفن والمهارة من قبل التابعين للمتعهد و ليس المتعهد نفسه. مما يجعلها مرتبطة بالعقود الدولية كالبيع الدولي و تعدد الجنسيات و سواها. و هذا لا يتناسب مع مفهوم إجارة الصنعة و إجارة الخدمة.

-       كما يشتبه عقد المفتاح في اليد، بعقد الوكالة. و هذا الأخير نظمه المشرع المغربي في الفصول 879[7] و ما بعدها من ق.ل.ع. إلا أن العقدين يختلفان من نواح متعددة، فأعمال الوكالة تختلف في كثير من الأحيان على أعمال الإدارة، بينما يتناول عقد المفتاح في اليد أعمالا إدارية كالحصول على الرخص و كذلك أعمالا فنية و علمية كأعمال الهندسة و الاستشارات الاقتصادية و المالية، و يقوم على الخبرة والتقدم العلمي و الصناعي. كما أنه يتوجب على الوكيل أن ينفذ تعليمات الموكل و يتقيد بها، و لا مجال لذلك في عقد المفتاح في اليد، طالما أن المتعهد هو الجهة التي تقدم الخبرة و التكنولوجيا، وهو الذي تكون قدراته في الغالب تفوق معلومات و قدرات صاحب العمل.

-       و ثمة أوجه شبه بين عقد المفتاح في اليد و عقد الليزنغ، غير أن الأول لا يتضمن التقنيات التي يتضمنها العقد الثاني، ففي عقد المفتاح في اليد ليس ثمة عقد إيجار و لا وعد بالبيع، و لا شراء بسعر منخفض، بل يقوم المتعهد بجميع الأعمال التي يستلزمها بناء المصنع أو الموضوع المتفق عليه و يسلم مفتاحه، بعدما يصبح جاهزا للعمل إلى صاحب العمل.

   و من خلال ما سبق، يمكننا تحديد الطبيعة القانونية لعقد تسليم المفتاح في اليد ، و يمكن القول على أنه عقد ذو طبيعة خاصة، فهو عقد مركب، يحتوي على جملة عمليات قانونية تجمع بين عدة عقود في آن واحد، و يتعامل مع أموال مادية وغير مادية و مع أدوات تمويل و ضمان، و تنصهر كل هذه العناصر فيه لتشكل عقدا واحدا من طبيعة خاصة تختلف عن طبيعة كل عنصر مما يدخل في تركيبه إذا أخذ على حدة.[8]

 

المطلب الثاني: أشخاص عقد المفتاح في اليد و أنواعه

   على غرار بقية العقود، فإن عقد تسليم المفتاح في اليد، ينعقد بوجود عدة أطراف (الفقرة الأولى)، كما أن هذا العقد، متعددة هي صوره و أنواعه (الفقرة الثانية). 

الفقرة الأولى: أشخاص عقد تسليم المفتاح في اليد

   رغم أن الطرفين الأساسيين في عقد تسليم المفتاح هما المقاول (المورد) و العميل، إلا أن ذلك لا يمنع من تدخل بعض الأطراف ممن لهم بعض الشأن في ذلك العقد، كالمقاول من الباطن و المهندس الاستشاري، والملاحظ و كفيل التنفيذ.

 

أولا : الأطراف الرئيسية في عقد تسليم المفتاح في اليد

1- المقاول (المورد): و هو الشخص الطبيعي أو الاعتباري الذي يتعهد بتنفيذ المشروع، و يتمثل في شركة واحد تتكلف بالمشروع حتى نهايته، لكن في كثير من الأحيان لا يتمكن مقاول عام بمفرده من مواجهة أعباء المشروع فيما لو كان حيويا أو حساسا، مما يستوجب تضافر جهود عدة شركات للنهوض بتلك الأعباء.[9]

2- العميل: و يقصد به صاحب المشروع الراغب في التعاقد، و قد يكون منشأة فردية أو شركة خاصة أو عامة.

 

ثانيا : الأطراف الثانوية في عقد تسليم المفتاح في اليد

1- المقاول من الباطن: نظرا لتعقد المشروعات محل العقد و تشعب التكنولوجيا و انتشار التخصصات الدقيقة، كثيرا ما يجد المقاول نفسه مضطرا للاستعانة بجهود المقاولين من الباطن دون مساس بالطابع الشخصي لعقد تسليم المفتاح من جهة، و دون الخلط بينه و بين عقد المقاولة من جهة ثانية.[10]

2-  المهندس الاستشاري: يتعامل عقد تسليم المفتاح في اليد مع جملة المسائل الهندسية التي يصعب على العميل مواجهتها منفردا دون الاستعانة بخبرة المتخصصين. خاصة وأن منشأة المقاول تضم عددا من المهندسين و الفنيين، مما يحتم على العميل الارتباط مع مهندسين استشاريين.

و تكون هذه العلاقة إما تبعية يلتزم خلالها الاستشاري بمراقبة سير العمل و تقييم أداء المقاول ...، و إما أن تكون هذه العلاقة قاصرة على طلب أحد طرفي العقد الأساسي لمشورة.

3-  الملاحظ: قد يستعين أحد الأطراف بملاحظين للتواجد بصورة دائمة في موقع العمل، كحلقة اتصال بينه و بين الطرف الاخر، كما يحق لهم  إجراء بعض التصرفات القانونية، فيصبحون بذلك وكلاء عمن أنابهم.[11]

الفقرة الثانية: أنواع عقد تسليم المفتاح في اليد

يمكن أن نميز في معرض عقود تسليم المفتاح في اليد بين: عقد تسليم مفتاح كلاسيكي –خفيف أو ناقص- (أولا)، و عقد تسليم مفتاح ثقيل (ثانيا)، و ذلك بالنظر إلى حجم الالتزامات الملقاة على عاتق المتعاقدين.

 

أولا : عقد تسليم مفتاح كلاسيكي

   و هذا العقد أبسط حالات بيع المجمعات الصناعية، و ذلك لأن موضوعه ينحصر في بعض الالتزامات التي يتعهد المورد بالقيام بها، كإقامة الأبنية، و توريد الآلات و الأجهزة و تركيبها و تجربتها و إعداد المصنع للتشغيل.[12]

   أما تشغيل المصنع في حد ذاته و إدارته و تسويق إنتاجه، فهي عمليات تبقى من اختصاص العميل أو صاحب العمل le maitre de l’ouvrage، حيث تقوم الأطر الفنية و الإدارية و التجارية بإتمامها.

   و يرى الأستاذ kopel Mans أن هذه الصور من العقود تمثل الجزء الأكبر من عقود التجارة الدولية، لكن رغم ديوعه فهو يطرح مشكلا بالنسبة للبلدان النامية لكونها لا تملك مسبقا المهارة التكنولوجية الكافية من أجل السيطرة على وحدة صناعية معقدة، و يكون من البديهي لتأمين الحاجات المحلية أن يستفيد من تأهيل طاقمه.[13]

 

ثانيا : عقد تسليم المفتاح الثقيل

   و تكون الأداءات التي يلتزم بها المورد في هذا العقد، أكثر مما أشير إليه في الصورة الأولى، بحيث لا تنتهي مهمة المورد عند إعداد المصنع للتشغيل، و إنما تمتد إلى اكتمال تدريب العاملين المحليين و اكتسابهم للخبرة الفنية اللازمة لإنتاج السلعة بالمواصفات المطلوبة.[14]

   و كسائر العقود، فإن عقد تسليم المفتاح في اليد بعد إبرامه و نشأته، يرتب آثارا و التزامات عن طرفيه، مما قد ينتج عنه بعض المشاكل على المستوى العملي. و هذا ما سنحاول التطرق إليه في المبحث الثاني.

المبحث الثاني: آثار عقد تسليم المفتاح في اليد و إشكالاته العملية

 

   ككل العقود، يولد عقد تسليم المفتاح التزامات على عاتق أطرافه –المورد و العميل- (المطلب الأول)، غير أنه لا يخلو من مشاكل عملية تصاحب تنفيذ العقد ( المطلب الثاني). 

 

المطلب الأول: التزامات أطراف العقد

   هناك التزامات تقع على عاتق المورد، و هناك أخرى يتحملها العميل.

 

الفقرة الأولى: التزامات المورد (المقاول)

 

1- الالتزام بنقل التكنولوجيا:   عرفت اللجنة التنفيذية لغرفة التجارة الدولية، التكنولوجيا الصناعية بأنها تشمل المعارف المطبقة و الطرق و المعطيات الضرورية اللازمة للاستعمال الحي و الفعال للتقنية الصناعية ووضعها موضع التنفيذ.

و نستنتج من خلال التعريف، أن لفظ تكنولوجيا تعني مجموع المعلومات المتعلقة بطرق مبتكرة لتطبيق أنظمة علمية و اختراع معين . و تعتبر المعلومات التي تتألف منها التكنولوجيا بالمفهوم القانوني، مالا معنويا يطلق عليه اصطلاحا تسمية "حق المعرفة know-how ".[15]

و يلتزم المورد في عقد تسليم المفتاح، بنقل معرفته غلى العميل، و منحه الترخيص و الصناعة. و يتم نقل التكنولوجيا، بأن يوضع تحت تصرف صاحب العمل مستندات المصنع و تصاميمه و خرائطه و تجهيزاته و أسرار الإنتاج، و كيفية إجراء أعمال الصيانة و سواها من المستندات المتعلقة بالطرق التي يتوجب إتباعها لتشغيل المصنع.[16]

2- الالتزام بإنشاء المصنع و تجهيزه:   و يتضمن هذا الالتزام، إعداد الدراسات الأولية و عمل الرسومات و تحضير البنايات الضرورية للتجهيزات، و نوع قطع الغيار، و المواد الأولية، بالإضافة إلى إقامة الأبنية و تجهيز المصنع بالمعدات اللازمة لتشغيله، و ترتيب الأجهزة و الآلات، و توريد قطع الغيار.

و يتعهد المورد بتنفيذ كل هذه العمليات، لحساب العميل، إذا عهد هذا الأخير بها كلها إليه، أما إذا احتفظ العميل ببعضها ليتولاه بنفسه أو أن يكلف آخر به فلا يكون أمام المورد سوى القيام بالجزء الموكل إليه.[17]

3- الالتزام بتقديم المساعدة الفنية:   غالبا ما يقترن الالتزام بنقل التكنولوجيا، بالتزام آخر هو تقديم المساعدة الفنية، و ذلك لتمكين كوادر صاحب العمل الفنية و الإدارية، من استيعاب التكنولوجيا وتشغيلها، غير أن التلاؤم بين الالتزامين ليس أمرا محكما، فقد يحتاج صاحب العمل إلى المساعدة الفنية، فلا يطلبها بل يكتفي بنقل التكنولوجيا إليه، و قد تعوزه المساعدة الفنية و لكنه لا يطلبها من المتعهد بل من الغير، فيبرم معه عقدا مستقلا بذلك. و التزام المتعهد بتقديم المساعدة الفنية قد يندرج في العقد أو يكون موضوعا لعقد قائم بذاته، هو عقد المساعدة الفنية، الذي يعتبر بدوره من عقود التنمية المهمة.[18]

و يشمل موضوع المساعدة الفنية، إما تدريب العمال أو تأهيلهم، و يشمل التدريب النظري و العملي، و إما تقديم العمالة الفنية.

4- الالتزام بالتسليم:   يعني التزام المورد بتسليم المصنع كوحدة متكاملة و جاهزة للتشغيل، على أن يتم ذلك التسليم وفقا للالية التالية:

إجراء التجارب نجاح الاختبارات التسليم المؤقت فترة ضمان التسليم النهائي.

و يترتب على التسليم المؤقت الآثار التالية:

-         نقل ملكية المصنع و المخاطر و تبعية الهلاك.

-         بدأ سريان فترة الضمان الاتفاقي.[19]

5- الالتزام بالضمان:   و يعني هذا الالتزام بالإضافة إلى الضمان الناتج عن التسليم، أن ذمة المورد تبقى مشغولة لفترة ما بعد التسليم، و ذلك لضمان العيوب التي يمكن أن يكتشفها العميل، خلال إشرافه على تنفيذ عمليات إقامة أبنية المصنع و إعداد آلاته و أجهزته، و العيوب التي تظهر خلال التجارب المقامة على الآلات و الأجهزة بوصفها وحدات مستقلة، و على المصنع بوصفه وحدة كاملة.[20]

و يقوم المتعهد –المورد- بضمان هذه العيوب، وفقا للقواعد العامة المتعلقة بضمان العيوب في عقد البيع، مع مراعاة القواعد الخاصة المتعلقة بعقد المفتاح في اليد.

ففيما يخص ضمان الآلات مثلان فقد جرت العادة على تحديده بمدة قصيرة لا تتجاوز ستة أشهر من تاريخ تشغيل الآلة فيما لو كان التشغيل مستمرا، و مدة سنة فيما لو لم يكن كذلك.

و بالطبع، كمقابل لهذه الالتزامات التي يتحملها المورد في عقد تسليم مفتاح، هناك التزامات تخص العميل.

 

الفقرة الثانية: التزامات العميل

   و تتجلى التزامات العميل في أداء الثمن، إضافة إلى التزامات أخرى.

 

أولا : الالتزام بدفع الثمن

   يعتبر الالتزام بدفع الثمن من أهم الالتزامات التي تقع على عاتق العميل. و يعني الثمن حسب الفقيه محسن شفيق "ذلك المقابل النقدي الذي يؤديه العميل نظير الالتزامات التي يفرضها العقد على المورد، و يجب أن يقدر الثمن في العقد، أو أن يشتمل العقد على بيان الأسس التي يتم بموجبها تقديره.

   و يمثل تقدير الثمن في العقد، أهمية كبيرة للطرفين: فبالنسبة للمورد يستطيع من خلاله ضبط نفقات و تكاليف كل العمليات التي يقوم بها، بحيث كلما تجاوزت إحدى العمليات النفقات المقدرة لها، بذل الجهد للتعويض المعروف الزائد مما هو مقدر لعملية أخرى، ليظل الربح المأمول في حدود الرقم المفترض.

   أما بالنسبة للعميل، فتقدير الثمن يعطيه فكرة مسبقة عما سيكلفه المشروع من نفقات فيعمل على تدبير تمويلها إما بوسائله الذاتية، أو بعقد القروض من البنوك.[21]

 

ثانيا: التزامات أخرى

   إلى جانب الالتزام السابق، يتحمل العميل التزامات أخرى، منها ما هو دائم بعقد تسليم مفتاح، أهمها:

1-   كتمهيد أرض البناء، بإزالة ما قد يوجد بها من مخالفات أو أبنية قديمة أو أشجار...

2-   الحصول على التراخيص التي يتطلبها القانون المحلي.

3- التعامل مع السلطات المحلية، بشأن ما يتطلبه القانون المحلي من شروط تتعلق بالاستثمار أو العمل أو الضرائب أو تلوث البيئة، و منها ما هو خاص يضاف إلى العقد عندما يريد العميل الاحتفاظ لنفسه بدور إيجابي في تنفيذ العمليات الإنشائية، كشراء التكنولوجيا. و قد يتولى العميل هذا الشراء بنفسه أو قد يعهد به إلى مقاول من الباطن.[22]

المطلب الثاني: الإشكالات العملية لعقد تسليم المفتاح في اليد

   إن عقود تسليم المفتاح في اليد، لها مزايا متعددة، توفرها للمتلقي في الدول النامية، فمن وجهة نظر اقتصادية تمكن هذه العقود االدولية من القيام بإنتاج صناعي بسرعة أكبر و بكلفة أقل.

   و من وجهة نظر قانونية، تتسم هذه العقود بالبساطة و الوضوح و توفر ضمانات أكبر.

لكن رغم ذلك فإن تلك المميزات قد وجهت لها جملة من الانتقادات، بسبب بعض الإشكالات التي يثيرها هذا العقد، منها ما يتعلق بالسرعة و التكاليف و الملائمة في تنفيذ المشروع (الفقرة الأولى)، و منها ما يتعلق بالتزامات المنشئ (الفقرة الثانية).

 

 

الفقرة الأولى: الإشكالات المتعلقة بالسرعة و التكاليف و الملائمة في تنفيذ المشروع

أولا : من حيث سرعة تنفيذ المشروع

   فقد أثبت الواقع، أنه غالبا لا يتم الالتزام بالوقت اللازم لإنجاز وتنفيذ المشروع، مما يؤدي إلى وجود الكثير من حالات التأخر في مختلف مراحل العقد.

ثانيا : من حيث التكاليف      

   فإن فرص المبالغة في تكاليف العمل تتزايد مع الاقتراب من تلك الصيغة العقدية أكثر من غيرها –أسعار المعدات أو المكافآت- ، و يعزى ذلك لصعوبة تحديد ثمن ملائم لكل عنصر يقدمه المنشئ من جملة العناصر المتغايرة بطبيعتها أصلا. إضافة إلى طول المدة التي يستغرقها العقد، و ما يحتمل أن يتخلل تنفيذه من متغيرات تؤثر على ذلك الثمن.[23]

ثالثا : من حيث الملائمة      

   بدا واضحا عدم ملائمة غالبية الوحدات الصناعية المنشأة بموجب عقد تسليم المفتاح، مع هيكل الإنتاج المحلي، مما فسر تزايد تبعية الدول المتلقية تكنولوجيا.[24]

الفقرة الثانية: الإشكالات الأخرى المتعلقة بالتزامات المنشئ (المورد)

   و بهذا الخصوص فقد ظهرت عدم فاعلية الالتزامات التالية:

1- إعداد الدراسات الأولية "التصاميم": لوحظ عمليا أن تلك التصاميم، غالبا ما يضعها المورد منفردا، و لا تظهر مساهمة الطرف الوطني إلا في حالات شبه نادرة، و هذا ما يخلق نزاعات لاحقة.

2- إعداد وتقديم الوثائق "عموما ": الأصل أن تنتقل ملكية تلك الوثائق إلى العميل بتسليمها له، إلا أن المقاول – المورد- كثيرا ما يشترط استردادها بعد انجاز الأشغال بذريعة ما تحتويه من أسرار فنية، مما يفرغ التزام المورد بتقديم من أي مضمون عملي، و يعاني بالمقابل المتلقي النامي – العميل- من نقص واضح في الخبرة أو القدرة على تحديد تلك الوثائق للإفادة الفعلية منها.[25]

3- تقديم المعدات: غالبا ما يلجئ المورد إلى تقديم معدات رخيصة، بينما يحرم العميل في أحيان كثيرة من اختيار تلك المعدات رغم قدرته على ذلك، أو رغم توفرها محليا لديه.

4- تشغيل المنشأة "التجارب و الاختيارات": عمليا فإن إجراء هذه التجارب يتم في مدة قصيرة جدا، حيث تكون الآلات مجهزة مقدما لإجرائها على نحو يضمن معه نتيجة التجربة.[26] ويقتصر دور العميل و مهندسوه على المشاهدة، بينما يقوم المقاول بالتجربة بواسطة مهندسيه و عماله، الذين قد تتوفر فيهم كفاءة و خبرة يفتقدها عمال و مهندسو العميل.

5- الالتزام بالضمان: يلتزم المورد بالضمان، تحديدا لأجل الفترة الواقعة ما بين القبول المؤقت و القبول النهائي، و يقتصر ضمانه على الضمان الميكانيكي للآلات و الأجهزة. أما في حالة ضمانه للمصنع كوحدة متكاملة فإنه يقيده بعدة قيود تحد من فعاليته، كاحتفاظه بحق الإشراف على تشغيله خلال فترة الضمان.[27]

و فيما يتعلق بضمانات التنفيذ، فإن تلك العقود لا تشتمل على ضمانات حقيقية لأجل الوصول للتنفيذ العيني، إنما العقاب هو اللجوء إلى التنفيذ بمقابل، و ذلك من خلال فرض جزاءات مالية، لكن أيا كان مبلغ التعويض فإنه لا يغطي الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي تلحق بالعميل و بدولته، نتيجة لعدم التنفيذ أو التأخر فيه.[28]

6- الالتزام بتقديم المساعدة الفنية: على الرغم من أن عقد تسليم مفتاح "الثقيل"، يتضمن التزام المورد بتقديم المساعدة الفنية و تدريب العمال المحليين، إلا أن فعاليته ضلت محل شك كبير، خاصة و أن هذين الأدائين – المساعدة و التدريب – بقيا مستقلين عن موضوع العقد الرئيسي، بدليل أن تحديد مقابلهما المادي يتم على نحو منفصل على قيمة العقد الإجمالية، كما أن مسؤولية المورد فيهما تتجه إلى التزام بوسيلة أكثر منه التزاما بتحقيق نتيجة محددة.[29]

كما أن عمليات التدريب، لا تشمل عادة القضايا التجارية أو الإدارية..، إنما تقتصر على النواحي الفنية، و تحديدا على عمليات التشغيل و الصيانة.

 

خاتمة:

 

   إن عقد تسليم المفتاح في اليد، رغم كل سلبياته، فهو واقع مفروض و لا مفر منه، و خاصة في الدول النامية الغنية برؤوس الأموال، كدول الخليج العربي. و مع ذلك يبدو أن المشكلة تزداد تعقيدا مع اتجاه تلك العقود إلى المجالات الحيوية في الدول المتلقية.

   و من هنا نلفت النظر، إلى أن التكنولوجيا ليست معدات فحسب، إنما هي مزيج متفاعل من الموجودات المادية و الموارد البشرية و القدرة التنظيمية. و بما أننا لا نملك تلك الإمكانيات مجتمعة حاليا، فإنه ليس من الخطأ أن يقام أول مصنع في مجال معين بموجب عقد تسليم مفتاح، و لكن ذروة الخطأ أن يقام مصنع آخر مماثل له بذات المجال و بنفس الأسلوب، و كلما كان الطرف المحلي غير قادر على نزع القدر الأعظم من أعمال الهندسة و التشييد، كلما وجد نفسه أمام تلك الحقيقة.[30]

 



[1]   محسن شفيق، عقد تسليم مفتاح، محاضرات لطلبة دبلوم الدراسات العليا، جامعة القاهرة 1982، ص1.

[2]   لطيفة بنخير، عقد الترخيص التجاري، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، جامعة الحسن الثاني –عين الشق- 2001/2002، ص 90.

[3]   محسن شفيق، م.س، ص 5.

[4]   وفاء مزيد فلحوط، المشاكل القانونية في عقود نقل التكنولوجيا إلى الدول النامية، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأولى 2008، ص 334-335.

[5]   الياس ناصيف، عقد المفتاح في اليد، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأولى 2008، ص 29.

[6]   " إجارة الخدمة أو العمل عقد يلتزم بمقتضاه أحد طرفي بأن يقدم للاخر خدماتها الشخصية لأجل محدد،أو من أجل أداء عمل معين، في نظير أجر يلتزم هذا الأخير بدفعه له...

و إجارة الصنعة عقد بمقتضاه يلتزم أحد الطرفين بصنع شيء معين في مقابل أجر يلتزم الطرف الاخر بدفعه له. "

[7]   " الوكالة عقد بمقتضاه يكلف شخص شخصا اخر بإجراء عمل مشروع لحسابه، و يسوغ إعطاء الوكالة أيضا لمصلحة الموكل و الوكيل، او لمصلحة الموكل و الغير، بل و لمصلحة الغير وحده."

[8]   الياس ناصيف، م.س، ص 32-33.

[9]   وفاء مزيد فلحوط، م.س، ص 335.

[10]   وفاء مزيد فلحوط، م.س، ص 337.

[11]   المرجع نفسه، ص 339.

[12]   محسن شفيق، م.س، ص 4.

[13]   لطيفة بنخير، م.س، ص 62.

[14]   محسن شفيق، م.س، ص 4.

[15]   الياس ناصيف، م.س، ص 92.

[16]   المرجع نفسه، ص 95.

[17]   لطيفة بنخير، م.س، ص 94.

[18]   الياس ناصيف، م.س، ص 106-107.

[19]   وفاء مزيد فلحوط، م.س، ص 346-347.

[20]   محسن شفيق، م.س، ص 52

[21]   لطيفة بنخير، م.س، ص 96.

[22]   المرجع نفسه، ص 96.

[23]   محسن شفيق، نقل التكنولوجيا من الناحية القانونية ، مركز البحوث و الدراسات القانونية و التدريب المهني القانوني ، مطبعة جامعة القاهرة و الكتاب الجامعي 1974، ص 70-71.

[24]   وفاء مزيد فلحوط، م.س، ص 356.

[25]   وفاء مزيد فلحوط، م.س، ص 357.

[26]   محسن شفيق، م.س، ص 59.

[27]   المرجع نفسه، ص 67.

[28]   وفاء مزيد فلحوط، م.س، ص  359.

[29]   المرجع نفسه، ص 360.

[30]   وفاء مزيد فلحوط، م.س، ص 368.

بقلم ذ إسماعيل سالمي
طالب باحث
 


أعلى الصفحة