القانون العام

بقلم ذ مصطفى يخلف
محام بهيئة أكادير
تحت عدد: 144
يشكل مناقشة مشروع قانون المالية في عموم المؤسسات التشريعية لجميع الدول المتقدمة و النامية محطة لرسم خارطة الطريق مستقبلية للدولة و مؤسساتها المالية و شركائها الاقتصاديين و الاجتماعيين بشكل يحفظ المكتسبات القانونية و الحقوقية و يلبي الحاجيات حسب الأولويات و رصيد الدولة المالي و توازنها الوطني و الدولي، إلا أن مشروع قانون المالية لسنة 2015 المحال للمناقشة التشريعية شكل بمادته الثامنة انقلابا غير مبرر و غير مفهوم يرمي إلى جعل الدولة و مؤسساتها العمومية و إداراتها فوق المبادئ القانونية و المكتسبات الدستورية و بعيدة على المواثيق الدولية و المطالبات الحقوقية بدولة مدنية تتساوى فيها الحقوق و يجبر فيها المتضرر و تحفظ فيها الكرامة و ينتشر فيها الاطمئنان للمؤسسات بمختلف مشاربها.

لدى بغاية تعميم الفائدة وتقريب الصورة والمشاركة في النقاش العام نذكر بمقتضيات المادة كاملة كمفتاح للتفكير التشاركي.

المادة 8: «يتعين على الدائنين الحاملين لسندات أو أحكام تنفيذية ضد الدولة ألا يطالبوا بالأداء إلا أمام مصالح الآمر بالصرف للإدارة المعنية.

في حالة ما إذا صدر قرار قضائي اكتسب قوة الشيء المقضي به، يدين الدولة بأداء مبلغ معين، يتعين الأمر بصرفه داخل أجل شهرين ابتداء من تاريخ تبليغ القرار القضائي السالف ذكره؛ ولا يمكن في أي حال من الأحوال أن تخضع أموال وممتلكات الدولة للحجز لهذه الغاية.

إذا أدرجت النفقة في اعتمادات تبين أنها غير كافية، يتم عندئذ الأمر بصرفها في حدود الاعتمادات المتوفرة، على أن يقوم الآمر بالصرف باتخاذ كل التدابير الضرورية لتوفير الاعتمادات اللازمة لأداء المبلغ المتبقي. وفي هذه الحالة، يجب أن يكون الأمر بالصرف التكميلي داخل أجل لا يتجاوز ثلاثة أشهر ابتداء من تاريخ التبليغ المشار إليه أعلاه. «

تذكير بمقتضيات دستورية حامية وضامنة للحقوق:

يعتبر دستور المملكة المغربية سنة 2011 متميزا عن سابقيه من الدساتير في كونه حارب كل أشكال التمييز ورسخ ترسانة من الحقوق والحريات لدرجة جعلته يرتقي إلى مستوى المجتمعات الديمقراطية المتقدة وخصوصا فيما يتعلق بالمحاكمة العادلة وخرق حقوق الانسان باعتبارهما من الآليات المعيارية الدولية لتصنيف وترتيب تطور الدول.

و لعل في مقارنة سطحية لدستور 2011 مع مشروع قانون المالية رقم 100.14 للسنة المالية 2015 خصوصا في مادته الثامنة فسنقف على أن الإدارة أصبحت تبتكر و تجتهد في تشريع نص قانوني أقل درجة من الدستور و لو كان نصا خاصا مرتبطا بقانون المالية بغاية شرعنة الهروب و الامتناع من تنفيذ الأحكام القضائية و تحصين ماليتها و تكريس تحقيرها المباشر للمقررات القضائية و بسند و نص قانوني متجدد و يتقوى في كل سنة مالية حسب حاجياتها قصد التصدي للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و المالية لخصومها من الأفراد و المؤسسات كطرف ضعيف و محاصر بكل مؤسسات الدولة و أجهزتها، و هو ما يعد تفسيرا غير سليم لمفهوم حقوق الدولة (إدارة الضرائب) و تأويل خاطئ لتدخلها التشريعي للإفلات من تنفيذ المقررات القضائية التي لا تتوانى في الاستخفاف بها.

لذا وجب إعادة بسط بعض مقتضيات دستور 2011 الحامية للحقوق و الممتلكات الخاصة بالأفراد و الجماعات:

الفصل 6

القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة. والجميع، أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له.

تعمل السلطات العمومية على توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين، والمساواة بينهم، ومن مشاركتهم في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

تعتبر دستورية القواعد القانونية، وتراتبيتها، ووجوب نشرها، مبادئ ملزمة.

ليس للقانون أثر رجعي.

الفصل 13

تعمل السلطات العمومية على إحداث هيئات للتشاور، قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين، في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها.

الفصل 15

للمواطنات والمواطنين الحق في تقديم عرائض إلى السلطات العمومية.

ويحدد قانون تنظيمي شروط وكيفيات ممارسة هذا الحق.

الفصل 19

يتمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، الواردة في هذا الباب من الدستور، وفي مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية، كما صادق عليها المغرب، وكل ذلك في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها.

تسعى الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء.

وتُحدث لهذه الغاية، هيئة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز.

الفصل 21

لكل فرد الحق في سلامة شخصه وأقربائه، وحماية ممتلكاته.

تضمن السلطات العمومية سلامة السكان، وسلامة التراب الوطني، في إطار احترام الحريات والحقوق الأساسية المكفولة للجميع.

الفصل 22

لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة.

لا يجوز لأحد أن يعامل الغير، تحت أي ذريعة، معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية.

ممارسة التعذيب بكافة أشكاله، ومن قبل أي أحد، جريمة يعاقب عليها القانون.

الفصل 27

للمواطنات والمواطنين حق الحصول على المعلومات، الموجودة في حوزة الإدارة العمومية، والمؤسسات المنتخبة، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام.

لا يمكن تقييد الحق في المعلومة إلا بمقتضى القانون، بهدف حماية كل ما يتعلق بالدفاع الوطني، وحماية أمن الدولة الداخلي والخارجي، والحياة الخاصة للأفراد، وكذا الوقاية من المس بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور، وحماية مصادر المعلومات والمجالات التي يحددها القانون بدقة.

الفصل 35

يضمن القانون حق الملكية.

ويمكن الحد من نطاقها وممارستها بموجب القانون، إذا اقتضت ذلك متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد. ولا يمكن نزع الملكية إلا في الحالات ووفق الإجراءات التي ينص عليها القانون.

تضمن الدولة حرية المبادرة والمقاولة، والتنافس الحر. كما تعمل على تحقيق تنمية بشرية مستدامة، من شأنها تعزيز العدالة الاجتماعية، والحفاظ على الثروات الطبيعية الوطنية، وعلى حقوق الأجيال القادمة.

تسهر الدولة على ضمان تكافؤ الفرص للجميع، والرعاية الخاصة للفئات الاجتماعية الأقل حظا.

الفصل 36

يعاقب القانون على المخالفات المتعلقة بحالات تنازع المصالح، وعلى استغلال التسريبات المخلة بالتنافس النزيه، وكل مخالفة ذات طابع مالي.

على السلطات العمومية الوقاية، طبقا للقانون، من كل أشكال الانحراف المرتبطة بنشاط الإدارات والهيئات العمومية، وباستعمال الأموال الموجودة تحت تصرفها، وبإبرام الصفقات العمومية وتدبيرها، والزجر عن هذه الانحرافات.

يعاقب القانون على الشطط في استغلال مواقع النفوذ والامتياز، ووضعيات الاحتكار والهيمنة، وباقي الممارسات المخالفة لمبادئ المنافسة الحرة والمشروعة في العلاقات الاقتصادية.

تحدث هيئة وطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.

الفصل 37

على جميع المواطنات والمواطنين احترام الدستور والتقيد بالقانون. ويتعين عليهم ممارسة الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور بروح المسؤولية والمواطنة الملتزمة، التي تتلازم فيها ممارسة الحقوق بالنهوض بأداء الواجبات.

الفصل 42

الملك رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة.

الملك هو ضامن استقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة.

يمارس الملك هذه المهام، بمقتضى ظهائر، من خلال السلطات المخولة له صراحة بنص الدستور.

تُوقع الظهائر بالعطف من قبل رئيس الحكومة، ماعدا تلك المنصوص عليها في الفصول41 و44 (الفقرة الثانية) و47 (الفقرتان الأولى والسادسة) و51 و57 و59 و130 (الفقرتان الأولى والرابعة) و174.

الفصل 49

يتداول المجلس الوزاري في القضايا والنصوص التالية:

-         التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة؛

-         مشاريع مراجعة الدستور؛

-         مشاريع القوانين التنظيمية؛

-         التوجهات العامة لمشروع قانون المالية؛

-         مشاريع القوانين - الإطار المشار إليها في الفصل 71 (الفقرة الثانية) من هذا الدستور؛

-         مشروع قانون العفو العام؛

-         مشاريع النصوص المتعلقة بالمجال العسكري؛

-         إعلان حالة الحصار؛

-         إشهارالحرب؛

-         مشروع المرسوم المشار إليه في الفصل 104 من هذا الدستور؛

-         التعيين باقتراح من رئيس الحكومة، وبمبادرة من الوزير المعني، في الوظائف المدنية الثالية: والي بنك المغرب، والسفراء والولاة والعمال، والمسؤولين عن الإدارات المكلفة بالأمن الداخلي، والمسؤولين عن المؤسسات والمقاولات العمومية الاستراتيجية. وتحدد بقانون تنظيمي لائحة هذه المؤسسات والمقاولات الاستراتيجية.

الفصل 71

يختص القانون، بالإضافة إلى المواد المسندة إليه صراحة بفصول أخرى من الدستور، بالتشريع في الميادين التالية:

-         الحقوق والحريات الأساسية المنصوص عليها في التصدير، وفي فصول أخرى من هذا الدستور؛

-         نظام الأسرة والحالة المدنية؛

-         مبادئ وقواعد المنظومة الصحية؛

-         نظام الوسائط السمعية البصرية والصحافة بمختلف أشكالها؛

-         العفو العام؛

-         الجنسية ووضعية الأجانب؛

-         تحديد الجرائم والعقوبات الجارية عليها؛

-         التنظيم القضائي وإحداث أصناف جديدة من المحاكم؛

-         المسطرة المدنية والمسطرة الجنائية؛

-         نظام السجون؛

-         النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية؛

-         الضمانات الأساسية الممنوحة للموظفين المدنيين والعسكريين؛

-         نظام مصالح وقوات حفظ الأمن؛

-         نظام الجماعات الترابية ومبادئ تحديد دوائرها الترابية؛

-         النظام الانتخابي للجماعات الترابية ومبادئ تقطيع الدوائر الانتخابية؛

-         النظام الضريبي، ووعاء الضرائب، ومقدارها وطرق تحصيلها؛

-         النظام القانوني لإصدار العملة ونظام البنك المركزي؛

-         نظام الجمارك؛

-         نظام الالتزامات المدنية والتجارية، وقانون الشركات والتعاونيات؛

-         الحقوق العينية وأنظمة الملكية العقارية العمومية والخاصة والجماعية؛

-         نظام النقل؛

-         علاقات الشغل، والضمان الاجتماعي، وحوادث الشغل، والأمراض المهنية؛

-         نظام الأبناك وشركات التأمين والتعاضديات؛

-         نظام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات؛

-         التعمير وإعداد التراب؛

-         القواعد المتعلقة بتدبير البيئة وحماية الموارد الطبيعية والتنمية المستدامة؛

-         نظام المياه والغابات والصيد؛

-         تحديد التوجهات والتنظيم العام لميادين التعليم والبحث العلمي والتكوين المهني؛

-         إحداث المؤسسات العمومية وكل شخص اعتباري من أشخاص القانون العام؛

-         تأميم المنشآت ونظام الخوصصة.

للبرلمان، بالإضافة إلى الميادين المشار إليها في الفقرة السابقة، صلاحية التصويت على قوانين تضع إطارا للأهداف الأساسية لنشاط الدولة، في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية.

الفصل 89

تمارس الحكومة السلطة التنفيذية.

تعمل الحكومة، تحت سلطة رئيسها، على تنفيذ البرنامج الحكومي وعلى ضمان تنفيذ القوانين. والإدارة موضوعة تحت تصرفها، كما تمارس الإشراف والوصاية على المؤسسات والمقاولات العمومية.

الفصل 93

الوزراء مسؤولون عن تنفيذ السياسة الحكومية كل في القطاع المكلف به، وفي إطار التضامن الحكومي.

يقوم الوزراء بأداء المهام المسندة إليهم من قبل رئيس الحكومة، ويطلعون مجلس الحكومة على ذلك.

يمكن للوزراء أن يفوضوا جزءا من اختصاصاتهم إلى كتاب الدولة.

الفصل 110

لا يلزم قضاة الأحكام إلا بتطبيق القانون. ولا تصدر أحكام القضاء إلا على أساس التطبيق العادل للقانون.

يجب على قضاة النيابة العامة تطبيق القانون. كما يتعين عليهم الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها.

الفصل 117

يتولى القاضي حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، وتطبيق القانون.

الفصل 118

حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون.

كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يُمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة.

الفصل 126

الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع.

يجب على السلطات العمومية تقديم المساعدة اللازمة أثناء المحاكمة، إذا صدر الأمر إليها بذلك، ويجب عليها المساعدة على تنفيذ الأحكام.

الفصل 147

المجلس الأعلى للحسابات هو الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية بالمملكة، ويضمن الدستور استقلاله.

يمارس المجلس الأعلى للحسابات مهمة تدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة، بالنسبة للدولة والأجهزة العمومية.

يتولى المجلس الأعلى للحسابات ممارسة المراقبة العليا على تنفيذ قوانين المالية. ويتحقق من سلامة العمليات، المتعلقة بمداخيل ومصاريف الأجهزة الخاضعة لمراقبته بمقتضى القانون، ويقيم كيفية تدبيرها لشؤونها، ويتخذ، عند الاقتضاء، عقوبات عن كل إخلال بالقواعد السارية على العمليات المذكورة.

تُناط بالمجلس الأعلى للحسابات مهمة مراقبة وتتبع التصريح بالممتلكات، وتدقيق حسابات الأحزاب السياسية، وفحص النفقات المتعلقة بالعمليات الانتخابية.

الفصل 154

يتم تنظيم المرافق العمومية على أساس المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إليها، والإنصاف في تغطية التراب الوطني، والاستمرارية في أداء الخدمات.

تخضع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، وتخضع في تسييرها للمبادئ والقيم الديمقراطية التي أقرها الدستور.

الفصل 156

تتلقى المرافق العمومية ملاحظات مرتفقيها، واقتراحاتهم وتظلماتهم، وتؤمن تتبعها.

تقدم المرافق العمومية الحساب عن تدبيرها للأموال العمومية، طبقا للقوانين الجاري بها العمل، وتخضع في هذا الشأن للمراقبة والتقييم.

الفصل 161

المجلس الوطني لحقوق الإنسان مؤسسة وطنية تعددية ومستقلة، تتولى النظر في جميع القضايا المتعلقة بالدفاع عن حقوق الإنسان والحريات وحمايتها، وبضمان ممارستها الكاملة، والنهوض بها وبصيانة كرامة وحقوق وحريات المواطنات والمواطنين، أفرادا وجماعات، وذلك في نطاق الحرص التام على احترام المرجعيات الوطنية والكونية في هذا المجال.

 

تذكير بتوصيات ميثاق إصلاح منظومة العدالة

بالرجوع إلى ميثاق إصلاح منظومة العدالة فهو يقر بوجود صعوبات حقيقية بشأن إجراءات التبليغ و التنفيذ و التي انعكست سلبا على فعالية الضبط و الأداء.

و قد جاء من ضمنأهداف مشروع ميثاق إصلاح منظومة العدالة الخاص بالبت في القضايا و تنفيذ الأحكام توصيتين عدد 118 و 121 و التين قصدا بهما الزام أشخاص قانون عام على احترام سلطة الأحكام القضائية و ضمان تنفيذها في مواجهتها و تسريع إجراءاتها.

و إذا كانت غاية مشروع إصلاح منظومة العدالة هي الوصول إلى طمأنة المتقاضين و خاصة المتخاصمين مع الإدارة بخصوص تكافؤ إلزامية التنفيذ و عدالة مساطر الإجبار على الأداء عن طريق اقتراح توصيات بغاية إقرارها على مستوى القوانين وفق الجدول الزمني المحدد لها سواء كانت قوانين إجرائية أو تهم القوانين العامة أو الخاصة و هو ما يتناقض بالمطلق مع مقتضيات المادة 8 من مشروع قانون مالية 2015 و يطرح السؤال القديم الحديث من المسؤول عن شرذمة التشريع و عدم توحيد التصور العام و الخاص للقوانين و ضبط المبادئ الدستورية العامة التي تحكم الأفراد و المؤسسات و الإدارات بما فيها الدولة قبل الأفراد.

تذكير بتقرير وسيط المملكة لسنة 2012:

بالرجوع إلى تقرير وسيط المملكة وما تضمنه في محور القضايا المرتبطة بعدم تنفيذ الأحكام القضائية في مواجهة الإدارة فقد سجل التقرير ارتفاع عددها واتخاذ مؤسسة الوسيط موقفا صارما بخصوص هذا النوع من التظلم بغاية إلزام الإدارات للتشبث بالمشروعية والانصياع لمقتضيات الدستور الذي أقر في فصله 126 بأن الأحكام القضائية النهائية ملزمة للجميع.

كما نذكر بأن مؤسسة الوسيط لوحت وهددت الإدارات الممتنعة عن تنفيذ الأحكام القضائية بمجابهتها بالمقتضيات التأديبية والزجرية بالإضافة إلى إعلانها إقدامها على تطبيق مادتين 42 و43 من النظام المالي للجماعات الترابية.

وهنا نطرح سؤالا جديدا: ما قيمة تقارير المؤسسات المخول لها مهام دستورية مثل مؤسسة وسيط المملكة.

ازدواجية المساطر و عدم المساواة في الحق في الأداء

طبقا لمشروع قانون المالية رقم 100.14 للسنة المالية 2015  فالدولة المغربية كرست ازدواجية المساطر  وعدم التكافؤ في الوصول الى الحقوق المالية بينها وبين باقي المتقاضين و ذلك من خلال الاستنتاجات التالية :

استفراد الدولة  بحقها في الحجز من المنبع بخصوص الدخول و الأرباح الناتجة عن رؤوس الأموال المنقولة باعتبارها ضرائب مستحقة لها دون حاجتها إلى استصدار أحكام أو قرارات قضائية، فيحين قيدت حقوق الدائنين سواء الحاملين للسندات أو الأحكام التنفيذية الصادرة ضدها و القاضية عليها بالأداء و حرمانهم من إمكانية مباشرة التنفيذ في مواجهتها إلا بعد وجوب استصدارهم قرارات قضائية مكتسبة لقوة الشيء المقضي به تدين الدولة بأداء مبلغ معين، أي جعلت الامتثال للقرارات القضائية معلقا على شرط واقف هو صدور حكم نهائي غير قابل للطعن فيه بإحدى طرق الطعن العادية.

الدولة وهي الطرف القوي شرعت لشخصها المعنوي بشكل أحادي و استفرادي  حق الاستخلاص الفوري لأي دين ضريبي تعتقد انه مستحق لها اما عن طريق الاشعار  للغير الحائز أو الحجز من المنبع، في حين وضعت للطرف الضعيف سواء كان شخصا طبيعيا  او معنويا و هو المتضرر من تعسفاتها وتصرفاتها الاجرائية الغير ملائمة و سواء كان حاملا لسند رسمي يثبت دينه أو حكم ابتدائي تنفيذي صادر عن قضاء استعجالي أو قضاء الموضوع أو أمر قضائي ولائي يقضي بالأداء ضدها (الدولة) و من أي جهة قضائية كيفما كانت أن يتقيد بالأجل و الزمن الذي اختارته لها مقتضيات المادة 8 و المتمثل من جهة في اكتساب الحكم القضائي لقوة الشيء المقضي به و كذا امتثاله لأجل امكانية الوفاء الجزئي أو الكلي أو التكميلي دون إلزام الدولة بالإفصاح بشكل واضح عن نيتها في الأداء من عدمه و الجزاء المقابل لتماطلها أو تراخيها في التنفيذ و ما يقابله من تعويض جابر لضرر طالب التنفيذ ويحفظ هيبة القضاء  و المساواة بين المتقاضين خواصا (أشخاص أو شركات) أو إدارات عمومية.

الدولة (إدارة الضرائب) مستفيدة بنص القانون المالي الخاص من ضرورة إشعارها مسبقا من طرف طالب فتح مسطرة الصعوبة أمام المحكمة التجارية تحت طائلة عدم مواجهتها بالدفع بسقوط أجل التصريح بالدين المحدد في شهرين من تاريخ النشر في الجريدة الرسمية للحكم القضائي القاضي بفتح مسطرة التسوية القضائية  أو التصفية القضائية، في حين أن الدائن سواء كان شخصا طبيعيا أو معنويا فهو ملزم بتتبع إصدارات الجريدة الرسمية و كل الجرائد الوطنية بشكل يومي احتياطيا و ترقبا لفتح أي مسطرة جماعية تخص المتعاملين معه تجاريا و الذين قد يكون مدينا لهم بدين ثابت أو دين احتمالي، و هذا ما يعد معه تمييز انفرادي مخصص للدولة (إدارة الضرائب) دون غيرها و باستثناء و تعديل قانوني جاء كذلك من خلال التعديل في قانون المالية.

الدولة معفية من الأداء الكلي أو المستبقل لرسوم القضائية كيفما كانت طبيعتها والمحكمة موضوع المنازعة وبالتالي  فولوج العدالة بالنسبة إليها غير مكلف و ميسر في أي وقت و حتى بدون إلزام تنصيب محامي للدفاع عنها، في حين أن المتقاضي سواء أكان شخصا طبيعيا أو معنويا فهو ملزم بالأداء المسبق للصائر القضائي و تنصيب محامي قبل التفكير في مواجهة الدولة أو مطالبتها بحقوقه المالية أو الحد من شططها و تعسف سلطتها.

أن الدولة تستفيد من كل فجوات التنفيذ ومساطر المواجهة القضائية والإجرائية القليلة التي أصبح للمتقاضي العادي إمكانية سلوكها ضدها من أجل المطالبة بحقوقه وتسخر كل إمكانياتها الإدارية والتشريعية بغاية سد أي ثغرة وتعقيد أي مسطرة و منع أي إمكانية تجعل منها متساوية مع غيرها في المساطر و الاجراءات و مركز التقاضي و قبله القبول بتطبيق القانون في روحه و غايته و مقصد تشريعه.

أن تنفيذ الحكم الصادر لفائدة الدولة يكون بشكل أوسع و سريع و يشمل كل إمكانيات التنفيذ الذاتية و المالية و العينية على المنفذ عليه سواء كان شخصا طبيعيا أو معنويا في حين أن تنفيذ أي أمر قضائي أو حكم يخص القضاء الاستعجالي أو قضاء الموضوع يكون ابتدائيا أو انتهائيا صادر عن محكمة عادية أو متخصصة ضد الدولة فهي تتعامل معه بمنطق الاختيار في التنفيذ لا الالزام دون وجود وسائل فعالة و بسيطة و واضحة تحملها على التنفيذ الفوري و هي صاحبة مبدأ و مفهوم ملائة الذمة، رغم صدور مناشير ودوريات علنية عن مؤسسة الوزير الأول سابقا و رئيس الحكومة حاليا و وزراء العدل المتولين على الوزارة يحثون جميعهم  ادارات الدولة والمؤسسات العامة على ضرورة الاستجابة و الامتثال للأحكام و المقررات القضائية عن طريق التنفيذ.

 

المادة 8 من مشروع قانون المالية 2015 و المس بالأمن القضائي:

إذا كان المفهوم الواسع للأمن القضائي يستمد من الثقة و الاطمئنان في المؤسسة القضائية و ما ينتج عنها من أحكام و قرارات قضائيةبغاية تطبيق القانون و إنصاف الأشخاص الذاتيين و المعنويين و الإدارات من أي تجاوزات تصدر عن بعضهم البعض و كذا حماية الجميع من شطط الإدارة و مخالفتها تطبيق القانون.

و إذا كان مفهوم الأمن القضائي يستمد أساسه من التطبيق العادل للقانون باعتباره إحدى الغايات و الأهداف المطلوب و المكفول للقاضي تحقيقها انسجاما مع مقتضيات الفصل 117 من الدستور المغربي الجديد الذي جاءت واضحة في التنصيص على ضرورة حماية حقوق الأشخاص و الجماعات و حرياتهم و أمنهم القضائي و تطبيق القانون بغاية تعزيز ثقة المتقاضي في جهاز العدالة كسلطة مستقلة تهدف إلى حماية الضمانات الدستورية المرتبطة بحقوق المواطنين و حرياتهم و حقهم في المحاكمة العادلة المتساوية في حق الولوج للمحكمة و المساطر التواجهية و طرق الاستدعاء و التنفيذ و آليات التنفيذ.

و إذا كان مفهوم التنفيذ هو إخراج منطوق الحكم القضائي إلى الواقع و تطبيقه بحرفيته تحقيقا للعدل و رفعا للضرر أو الظلم و تمكين المحكوم له من حقوقه كيفما كانت، فإن مقتضيات المادة 8 من مشروع قانون المالية رقم 100.14 للسنة المالية 2015 جاءت لتبطل و تقضي على الأمل في المستجد الدستوري الذي جعل من الأمن القضائي أولوية و غاية فضلى تقاس بها ضمانات و جودة المؤسسات القضائية و القيمة المجتمعية لأحكامها بغاية إرضاء المرتفق القضائي بصفة خاصة و النظام القانوني للمملكة المغربية بصفة عامة و الكل بغاية زرع الثقة و الاطمئنان و الوثوق في المؤسسات و تثبيت المعاملات و ضمان استقرارها.

فإلى أي حد يمكن تفنيد محاباة النصوص القانونية وتمييزها بين المتقاضين لفائدة الدولة وعلى حساب باقي المرتفقين حتى ولو كانوا أصحاب حقوق ناتجة عن اخلال الدولة بالتزاماتها وشطط تعسف الإدارات في قراراتها؟

بقلم ذ مصطفى يخلف
محام بهيئة أكادير
 


أعلى الصفحة