القانون العام

بقلم ذ يونس مليح
كاتب وباحث بسلك الدكتوراه
تحت عدد: 773
لقد شكل السؤال المرتبط بحماية المستهلك أحد حقوق المواطنة، الذي صادق عليه الجمع العام للأمم المتحدة ويحمل رقم 24839، الصادر يوم 9 أبريل 1985، الذي اعتمد مجموعة من المبادئ لحماية

المستهلك من الخروقات. كما أصدرت الأمم المتحدة تقريرا حول المبادئ التوجيهية لحماية المستهلك تضمن مجموعة قيّمة من المبادئ تبيّن الخصائص الرئيسية لتشريعاتٍ فعالة لحماية المستهلك ولمؤسسات الإنفاذ ونُظم الجبر.
هذا ولم يتم التنصيص على حماية المستهلك في المغرب إلا مع صدور قانون 31- 08، وذلك بتاريخ 18 فبراير 2011 حيث مر هذا القانون بالكثير من المراحل وعلى مر عدة سنوات، إذ نجده أتى في نسخته الأولى سنة 1996، إلا أن عدة معيقات حالت دون خروجه للساحة القانونية إلى أن جاء الخطاب الملكي في 20 غشت 2008 بمناسبة ثورة الملك والشعب، والذي دعا من خلاله كلا من المجلس التنفيذي والتشريعي للإسراع باعتماد مدونة حماية المستهلك، فإعداد مشروع قانون رقم 08-31، جاء بمبادرة من الحكومة وخاصة وزارة الصناعة والتجارة والتكنولوحية الحديثة، متضمنا بداية 100 مادة إلى أن وصل عددها إلى 206 مادة في 13 يناير 2009.

ولقد نوقش بداية من طرف الوزير المشرف على هذه الوزارة وتم الانتهاء من دراسة المشروع من قبل لجنة القطاعات الإنتاجية بمجلس النواب، وتمت الموافقة عليه من قبل مجلس النواب في 5 يناير 2011، وظل حبيس الأمانة العامة إلى أن أفرج عنه في السابع من أبريل 2011، ويتوخى هذا القانون وضع الأسس القانونية التي تتيح للمستهلك الاستفادة من حقوقه والاعتراف بدوره كفاعل اقتصادي، من خلال وضع آليات تروم إعلامه بطريقة جيدة وحمايته من بعض الممارسات التجارية التعسفية، وكذا تحديد الضمانات القانونية والتعاقدية لعيوب الشيء المعيب، والخدمة بعد البيع، وتحديد الشروط والإجراءات المتعلقة بالتعويض عن الضرر الذي يلحق بالمستهلك. كما يعد إطارا مكملا للمنظومة القانونية في مجال حماية المستهلك وتعزيز حقوقه الأساسية، لاسيما الحق في الإعلام، والحق في الاختيار والتراجع، والحق في التمثيلية. فما هي أبرز إيجابيات هذا القانون؟ وما هي نواقصه؟

أولا: مكانة المستهلك في القانون
إن قانون حماية المستهلك من المواضيع التي لا تخلو من التشعب والتنوع لتأثر تشريعات هذا القانون، إذ نجد ما يناهز 300 مادة قانونية موزعة على عدة قوانين، ويعتبر هذا السبب من بين أهم الأسباب الداعية لسن قانون يحمي مصلحة المستهلك. وتجدر الإشارة إلى أن المغرب يعد من ضمن الدول التي تأخرت في سد الفراغ التشريعي في مجال حماية المستهلك، لكن القانون الجديد قد وضع أسس قانونية تتيح للمستهلك الاستفادة من حقوقه وحمايته من جشع بعض التجار المتلاعبين بأسعار السلع والمحتكرين لبعض البضائع بغية تحقيق الربح الفاحش، وبالرغم من أهمية المستجدات التي أتى بها قانون 31- 08، فإنها لا ترقى إلى مستوى تطلعات المستهلك، ذلك أن الكثير من القوانين المتعلقة بحماية المستهلك ذات فلسفة وأهداف رقابية قريبة إلى الوصول إلى الوصاية والسلطوية أكثر منها ذات فلسفة تعاونية وتشاركية ترمي إلى علاقات تكاملية بين الطرفين لصالح التنمية الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وهذا ما نستشفه من خلال تسجيل مجموعة من الملاحظات المتعلقة بالمستهلك عند استقراء نصوصه وهي كالتالي:

- غياب ثقافة التبليغ عن حالات فساد المنتجات والخدمات التي تقدم للمستهلك المغربي، وقلة الوعي الاستهلاكي الذي يؤدي إلى تجسيد عدد من الممارسات السلبية من قبيل التخلص من السلعة عند اكتشافه بتلفها أو عيبها، بدل إبلاغ السلطات المختصة أو التقدم إلى إحدى الجمعيات المعنية بحماية المستهلك فضلا عن دفعه أكثر من قيمة السلعة أو الخدمة ولعل مرد ذلك قلة وعي وأيضا قيم التسامح السائدة في مجتمعنا نهيك عن عامل الأمية المتفشية في بلادنا الذي يحول دون تواصل عدد كبير من المستهلكين مع الجمعيات.
وفي هذا الصدد نلاحظ بأن بوابة المستهلك الوزارية وشبابيك جامعات وجمعيات حماية المستهلك تستقبل عدد ضئيل جدا من شكايات، فمثلا الجامعة المغربية لحماية المستهلك استقبلت في 6 سنوات حوالي 11 ألفا و350 شكاية عبر شبابيك حماية المستهلك التابعة لها منذ سنة 2007 إلى نهاية 2013، فيما عالجت بوابة المستهلك أزيد من 50 ملتمسا للمستهلكين على مدار 5 أشهر من انطلاقها من قبل وزارة الصناعة والتجارة والتكنولوجيات.
ثانيا: مكانة جمعيات حماية المستهلك في القانون
ينص القانون 08-31 على ضرورة توفر شروط إدارية في جمعيات المستهلك من أجل تمثيلية القضاء والمتمثلة أساسا في الاعتراف بصفة المنفعة العامة كامتياز تمنحه الحكومة للجمعيات، ومعلوم أن مسطرة الحصول على الصفة المذكورة حسب مرسوم 10 يناير 2005 تتسم بالتعقيد والطول تبتدئ بإجراء مسطرة الإيداع من طرف رئيس الجمعية أو الشخص المؤهل لهذا الغرض، وإجراء مسطرة البحث من طرف العامل حول أهداف الجمعية المعنية ووسائل عملها ويتم منح الاعتراف بصفة المنفعة العامة بمرسوم يحدد قيمة الأصول وممتلكات الجمعية وينشر بالجريدة الرسمية ويظل هذا الشرط مقيدا بشروط أخرى تمت الإشارة إليها في مواد أخرى من نفس القانون كالمادتين 154 و155.
وبالتالي فإن اشتراط التوفر على هذه الصفة للتمكن من الولوج إلى القضاء يعد من العراقيل التي تمنع الجمعيات من القيام بدورها في تمثيل المستهلك والدفاع عن مصالحه، كما أنه يعد وسيلة أخرى للحد من صلاحياتها وأدوارها وهو ما يشكل خرقا للضمانات الحمائية للمستهلك، والى جانب هذه العراقيل القانونية هناك عراقيل أخرى ذاتية تتجلى في انعدام الدعم بصفة منتظمة مما يحول دون تحقيق الحماية المنشودة التي يتوخاها المشرع المغربي، وغياب الثقافة الجمعوية، وعدم التنسيق والتكامل بين الجمعيات المختلفة ذات الاهتمام المشترك.
إضافة إلى ضعف الدعم اللوجيستيكي والإمكانيات المالية وضعف الكفاءات التنظيمية لدى هذه الجمعيات، وطول وتعقد المساطر القضائية وما ينتج عنه من مصاريف مكلفة وهذا ما يتعارض مع مبدأ مجانية القضاء، حيث يلاحظ في هذا الصدد أن الدعم المقدم لجامعات وجمعيات حماية حقوق المستهلك لا يرقى إلى مستوى التطلعات، إذا لم يتجاوز 6 ملايين درهم منحتها وزارة الصناعة والتجارة لثلاثة جامعات بناء على ترشيح لتمويل المشاريع، واستفادت منها الجامعات الكبرى وهي الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، وفيدرالية جمعيات حماية المستهلك، وهذه العملية التمويلية تتطلب إعمال مبدأ المراقبة والمحاسبة.

ثالثا: ثغرات على مستوى تطبيق القانون
يمكن إجمال هذه الثغرات في كل من بطئ الجهات الرقابية في التحقق من الشكاوي التي تقدمها لها الجمعيات وبث النتائج التي تتوصل إليها وهذا يؤدي إلى اهتزاز ثقة المستهلك في عمل الجمعيات وقدرتها على حمايته. زيادة على إغفال القانون لبعض العقود المرتبطة بالصحة ذلك أن اقتناء الأدوية والخدمات الطبية لم يشملها قانون حماية المستهلك، بخلاف التشريع الفرنسي الذي تبنى ضرورة حفظ سلامة المستهلك، وذلك من خلال الفقرة الأولى من الفصل 221 من مدونة الاستهلاك.
بالإضافة إلى تشتت القوانين المنظمة لهذا المجال وحتى تناقضها، علاوة على وجود بعض النصوص المرتبطة بقانون حماية المستهلك تعرف تعذرا إلى درجة أن بعضها مازال في طور الانتظار إلى حد الساعة، و غياب المراسيم التنظيمية لبعض القوانين ذات الصلة بالمستهلك (منع التدخين في الأماكن العمومية) ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل هناك شكاوى حول وجود قوى اقتصادية تضغط في سبيل كبح انبثاق الحركة الاستهلاكية وجمعيات حماية المستهلك قوية.
زيادة على عدم استيعاب المواطن المغربي لحقوق المستهلك وقضايا الاستهلاك وذلك راجع لقلة البرامج التوعوية عبر وسائل الاتصال المختلفة. وإخلال الإعلام لالتزاماته بدفاتر التحملات التي ينص على حماية المستهلك من خلال الإعلان والإشهار الممول والذي يلعب دورا في هدم الفكر الاستهلاكي وذلك راجع إلى غياب الرقابة على الوصلات الإشهارية. كما أن نص القانون 08-31 في إطار حماية المستهلك جاء في مادته 206 على "إن كل عقد حرر بلغة أجنبية يصطحب وجوبا بترجمة إلى العربية" وقد كان من الأجدر التنصيص أيضا على أن تكون النشرات والجرائد الممكن اعتمادها في توعية المستهلك باللغة العربية مادام المستهلك المغربي هو المستهدف في الحالتين.
فبالرغم من وجود هذه الترسانة القانونية إلا أن مظاهر الفساد والغش والتدليس والاحتكار لازالت متفشية في وقتنا الحاضر حيث يحتل المغرب المرتبة 11 عالميا في مؤشرات التزييف، وقد كشفت اللجنة الوطنية للملكية الصناعية ومحاربة تزييف العلامات التجارية، أن الآثار السوسيو اقتصادية لظاهرة التزييف، تناهز 10 ملايير درهم، في مجالات النسيج والجلد والكهرباء وقطاع الغيار ومواد التجميل، كما يخلف التزييف خسائر جبائية سنوية تقدر بمليار درهم، ويساهم في خسائر تتراوح ما بين 0.7 في المائة و1.3 في المائة من الناتج الداخلي الخام. ومن المؤشرات الأخرى، هناك الإحصائيات الرسمية الصادرة عن المركز الوطني لمحاربة التسمم واليقظة الدوائية، التي أظهرت أن التسممات الغذائية تشكل 25 في المائة من مجموع التسممات بالمغرب، وتنتج في غالب الأحيان من تناول المأكولات السريعة، والأكل خارج المنازل وتفشي استعمال مبيدات الحشرات في عدة منتجات فلاحية واستعمال المياه الملوثة في عملية السقي، أو غسل المواد الغذائية والتخزين السيئ للمواد الغذائية عند البائع أو في المنزل، الشيء الذي يؤدي إلى انعكاسات سلبية على صحة وسلامة المستهلك.
إن تعاون قوى المجتمع الرسمية والمدنية، هو ما يمكن اعتباره المدخل الرئيسي لإحداث التغيير المطلوب قانونا وممارسة بالنسبة لهذا الموضوع الحساس والهام في الوقت نفسه، ذلك أن سلوك المستهلك اليومي من خلال مراقبة السلع وتأكده من نوعيتها وإصراره على تقديم الشكوى لدى الجمعيات وهيئات الرقابة، هو الذي سيحدد مصير تطوير الاقتصاد، لان المستهلك هو الذي يحدد التوازن لأنه هو في النهاية من يختار ويدفع السعر، أما سكوته ولا مبالاته وضعف اطلاعه سيؤدي إلى استمرار الفساد والغش وغلاء الأسعار.

بقلم ذ يونس مليح
كاتب وباحث بسلك الدكتوراه