القانون المدني- المسطرة المدنية

بقلم ذ خالد شهيم
إطار باحث
تحت عدد: 511
تعليق على أمر استعجالي بالإفراغ لفائدة إدارة الجمارك صادر عن ابتدائية الدار البيضاء تحت رقم 4515 بتاريخ 14-09-2016 في الملف رقم 3627-1101-16


تتلخص وقائع القضية في قيام إدارة الجمارك بناء على مقال استعجالي تعرض فيه أن المدعى عليه كان يعمل ضمن أسلاك الوظيفة العمومية بإدارة الجمارك، وأنه استفاد بصفته هاته من سكن وظيفي ، وعلى إثر إحالته على التقاعد لم يقم بإخلاء السكن الوظيفي الذي منح له بحكم وظيفته و بقي يحتله بدون حق و لا سند، و حيث إن مؤدى الطلب هو الأمر بإفراغ   المدعى عليه هو و من يقوم مقامه……..،

 

وحيث إنه إذا كان الحق في السكنى قد منح للشخص بحكم وظيفته ، فإن الانقطاع عن العمل لأي سبب من الأسباب يفقده كل حق في السكن و يكون لقاضي المستعجلات أن يأمر بإفراغه انطلاقا من فكرة أن حاجة الإدارة الملحة إلى إسكان موظفين

اخرين بالمحل يضفي على الطلب طابع الاستعجال

 

وعملا بالفصل 149 من قانون المسطرة المدنية، لهذه الأسباب نأمر بإفراغ المدعى عليه هو ومن يقوم مقامه من المحل الوظيفي تحت غرامة تهديدية قدرها 100 درهم عن كل يوم تأخير عن التنفيذ. انتهى منطوق الأمر.

 

يثير الأمر المذكور إشكالا حول مدى توافر طابع الاستعجال في قضية افراغ سكن اداي قضت فيه رئاسة المحكمة المدنية بقبول الطلب. الشيء الذي استدعى منا مناقشة ما تم النطق به على النحو الاتي:

 

أولا: في مفهوم الاستعجال

 

تشمل حالة الاستعجال في فرنسا - مهد القضاء الاستعجالي- طائفتين من الإجراءات ينعقد الاختصاص بموجبها لقاضي المستعجلات الإداري وهي إجراءات التحقيق التي يمكن حصرها إجمالا في التحقيقات الإدارية، الاطلاع المستعجل على الملفات والسندات، الشهادة، و الخبرة. بينما الطائفة الأخرى تتعلق بالإجراءات التحفظية والتي تكمن في الطرد من الأملاك

العامة، الإجراءات اللازمة لتنفيذ العقود الإدارية، والنفقة المؤقتة(1)

 

وفي مصر لم يضع المشرع المصري تنظيما تشريعيا بشأن الطلبات المستعجلة أمام القاضي الإداري إلا بالنسبة لطلبات وقف التنفيذ وصرف المرتب بصفة مؤقتة إضافة إلى دعاوى إثبات الحالة في حدود استثنائية، وهي دعاوى من قبيل تهيئة الدليل للمنازعة قد تطرأ عندما تحدث واقعة يخشى من زوال معالمها أو من تغيير هذه المعالم بمرور الوقت(2)

أما في التشريع المغربي فقد جاء في منشور لوزارة العدل صادر عام 1959 بان القضاء الاستعجالي: " كلمة تطلق عادة على مسطرة مختصرة تمكن الأطراف في حالة الاستعجال من الحصول على قرار قضائي في الحين معجل التنفيذ في نوع من القضايا لا يسمح بتأخير البث فيها من دون أن تسبب ضررا محققا "

 

و جاءت المادة 149 من قانون المسطرة المدنية كما هو معلوم والنصوص التي تنهل منها (3) من غير تقنين للحالات التي تتسم بالاستعجال، واكتفت بعقد الاختصاص لرئيس المحكمة بصفته قادرا على استشفاف عنصر الاستعجال من عدمه شريطة عدم خوضه في الموضوع، بينما أشارت المادة 10 من القانون رقم 12-67 بتنظيم العلاقات التعاقدية بين المكري و المكتري للمحلات المعدة للسكنى أو للاستعمال المهني إلى إمكانية استصدار المكتري أمرا من رئيس المحكمة الابتدائية بتحديد قيمة الإصلاحات المطلوبة التي لم يقم المكري بإنجازها خلال شهر من تاريخ تبليغه إياها. و خول القانون نفسه لقاضي المستعجلات صلاحية البث في طلبات استرجاع المحلات المهجورة، أو لغياب المكتري نتيجة اختفائه أو وفاته.

 

 إلا أن الفقه قد أجمع على توافر شروط معينة في النازلة حتى يقضى فيها بالاستعجال كأن يكون الضرر المتحصل جراء النزاع مما لا يمكن درؤه لو تم رفع الدعوى أمام القضاء العادي، وتطبيقات ذلك عديدة خاصة في المادة الإدارية، كقرارات إيقاف التنفيذ لتفادي نتائج يتعذر تداركها مثل القرار الصادر بهدم مبنى بالإضافة إلى شرط الجدية الذي ابتدعه القضاء الإداري للقول بالاستعجال، و مؤداه أن يقوم ادعاء الطالب بحسب الظاهر من الأوراق و من واقع الحال و دون المساس بأصل الموضوع، على أسباب قانونية جدية تحمل ترجيح إلغاء القرار الإداري لعدم مشروعيته (4)

 

ثانيا: في الاستعجال الذي أثارته المحكمة

 

استندت المحكمة في أمرها بالإفراغ على اعتبار فكرة حاجة الإدارة الملحة إلى إسكان موظفين اخرين بالمحل يضفي على الطلب طابع الاستعجال ، وعلى فرض وجود حالة ملحة للإدارة بهدف إسكان موظفين آخرين، فإن هذا الطرح يدحضه عدم إسراع جهة الإدارة نحو تسجيل مقال الدعوى لدى قاضي المستعجلات فور إحالة المدعى عليه على التقاعد، وهو ما لم يتم إثارته في حينه من طرف رئاسة المحكمة بالنيابة بصفتها قاضيا للمستعجلات أثناء تفحصها للنسخة طبق الأصل من قرار الإحالة على التقاعد المرفقة بالمقال الاستعجالي والتي تفيد كون المدعى عليه أحيل على المعاش بتاريخ 2012 أي قبل رفع دعوى الاستعجال بخمس سنوات خلت.

 

ثم إن الحالة الملحة لا يمكن تصورها في واقعة الحال ما دام الأمر لا يتعلق بإسناد سكن على أساس منصب أو مسؤولية قد   تبرر رغبة الإدارة في منحه لمن قلدته مهاما ذات مسؤولية خلفا للمسؤول المنتهية ولايته، وإنما هو سكن متاح لكل موظف جمركي بحكم عضويته التلقائية بالجمعية الجمركية شرط تقديم طلبه في حدود المساكن الشاغرة وحسب مدى استحقاقه للسكن وفق معايير جاري بها العمل في هذا الإطار

 

ومن تم إذا تأخر المدعي- كما يقول الأستاذ عبد العزيز توفيق في شرحه -(5)، في رفع دعواه أمام القضاء العادي وكان من شأن هذا التأخير أن يلحق به ضررا كبيرا ثم بادر إلى رفع دعواه لدى قضاء الاستعجال، فإن قاضي المستعجلات وجب عليه أن يصدر حكما بعدم اختصاصه لانتفاء حالة الاستعجال، لكون المدعي والحالة هذه إنما أراد استصدار حكم سريع   بدل عرض نزاعه أمام قضاء الموضوع المتسم ببطء مسطرته بما يقتضيه حسن سير العدالة من التروي والتثبت في بحث مزاعم الخصوم وادعاءاتهم،

 ونحسب أن الإدارة بسلوكها المتأخر قضاء الإستعجال إنما قامت بتضليل العدالة، علمت ذلك أو لم تعلم.

 

    وقد سبق للمجلس الأعلى في إحدى قراراته أن فند وجود حالة الاستعجال بقوله : «  حيث تعيب الطاعنة القرار بعدم توفر حالة الاستعجال، ذلك أن ما استندت إليه المطلوبتان من حاجة لإسكان موظفيها يفقده واقع حال مركز تكوين المعلمين الذي أغلق منذ أكثر من سنتين و لا تقع السكنى التي تعتمرها بداخل المركز، وإنما بالقرب منه، و أدلت لمحكمة الموضوع برسالة السيد وزير التربية الوطنية و الشباب بالأمر بتعليق إجراءات إفراغ المسكنين و مقاضاتهم، و ذلك يدل على انتفاء حالة الاستعجال، و المحكمة لما استخلصت وجود حالة الاستعجال مع انتفاء أي مبرر له، عرضت قرارها للنقض » (6)  

 

نعتقد أن المحكمة كان عليها أن تتحرى طبيعة النزاع قبل أن تجزم بالإحتلال القائم عن غير أساس أو بدون سند، لأن هذا الزعم لا يمكن تصوره إلا في العلاقة التعاقدية التي تربط المكري صاحب الملك بالمكتري و التي حدد لها المشرع ضوابط لا تستقيم مع نازلة الحال، و حتى لو تم إسقاط القانون المنظم للعلاقة الكرائية على النازلة، فإن الاحتلال يجد له سندا انطلاقا من وصول أداء الوجيبة الكرائية التي تمسكها المدعى عليها و التي تشكل قرينة قانونية على استمرار العلاقة الكرائية بدليل نص المادة 58 من قانون 12-67 التي نصت على أنه: "لا يعتبر المحل مهجورا إذا استمر المكتري في الوفاء بالتزاماته إزاء المكري"

 

نقطة أخرى استرعت انتباهنا من شأنها أن تجعل الأمر الاستعجالي معيبا، وذلك حينما انصرف الحكم في إحدى حيثياته إلى القول: "وحيث إن مؤدى الطلب هو الأمر بإفراغ المدعى عليه هو ومن يقوم مقامه....." فعبارة "هو" تفيد بأن الطعن موجه إلى المدعى عليه الهالك، والصواب أن الخصومة أو المطالبة تنتهي بوفاة أحد الخصوم أثناء سير الدعوى (7) فكان حريا أن يتم توجيه الأمر إلى الورثة دون الهالك تحت طائلة الدفع بانقطاع سير الخصومة.

 

لهذه الأسباب نعتقد أن الأمر الاستعجالي موضوع النازلة قد جانب الصواب، و حق التعقيب عليه بمزيد من الدرس و التحليل عسى الله أن ينفعنا بما علمنا و هو القائل سبحانه: "و إذا قلتم فاعدلوا و لو كان ذا قربى"

 

                                                       خالد شهيم

                                                      إطـار باحــــث

-----------------

 (1) المستشار محمد ماهر ابو العينين نائب رئيس مجلس الدولة: الدفوع الإدارية والموضوعية أمام القضاء الإداري.     الدفوع المتعلقة بالدعوى والطعن أمام المحكمة الإدارية العليا المجلد الثاني ص 484 الطبعة الأولى 2013

(2) المرجع السابق ص 492 

 (3) ونخص بالذكر المادة 190 من القانون رقم 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية والمادة 21 من القانون رقم 53.95 المحدث للمحاكم التجارية 

(4) محمد فؤاد عبد الباسط : القرار الإداري ص 448

(5) عبد العزيز توفيق: موسوعة قانون المسطرة المدنية والتنظيم القضائي الجزء الثاني ص 465

(6) قرار المجلس الأعلى عدد 41 مؤرخ في 02 – 01 – 2008. ملف مدني عدد 1204 – 1 – 3 – 2006

(7) المستشار محمد ماهر أبو العينين: مرجع سابق المجلد الأول ص 78

 

بقلم ذ خالد شهيم
إطار باحث
 


أعلى الصفحة