القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ عبد الواحد شعير
دكتور الدولة في الحقوق أستاذ بكلية الحقوق المحمدية رئيس المنتدى المغربي للدراسات والأبحاث القانونية والقضائية
تحت عدد: 181
بعض المحاكم الجنائية تكتفي بعقوبة الجاني ولا تحكم بطرده النظرية المادية تقوم على الفعل الذي يساهم فيه الجاني، فإذا دخل في الركن المادي للجريمة كان صاحبه فاعلا، والذي يقوم بأي فعل آخر يكون شريكا، أما النظرية الشخصية فهي تميز بين الفاعل والشريك على أساس نية كل منهما، فالفاعل هو الذي تكون له إرادة اعتبارا أن الجريمة فعله الخاص (بمعنى نية التصرف فاعلا)، والشريك هو الذي ينظر إلى الجريمة على أنها فعل غيره ويكون دوره منحصرا في مساندة الفاعل.

 
-
أو كان الجاني أو أحد الجناة يحمل سلاحا ظاهرا أو مخبأ:

إذا رجعنا إلى القانون الجنائي في فصله 303 نجده يعرف السلاح كالتالي: «يعد سلاحا في تطبيق هذا القانون جميع الأسلحة النارية والمتفجرات وجميع الأجهزة والأدوات أو الأشياء الواخزة أو الراضة أو القاطعة أو الخانقة."
ونشير إلى أنه ليس من الضروري بيان نوع السلاح الذي يحمله المتهمون، ولا أنه حصل تهديد باستعماله، لأن حمل السلاح ولو من أحدهم وقت ارتكاب الجريمة يكفي وحده، يذهب الأستاذ أبو مسلم، إلى الابتعاد عن القياس في هذا المجال، نحن نتساءل هل الحجارة تعد سلاحا؟

بالرجوع إلى تعريف محكمة النقض الفرنسية يكون الجواب بنعم.

المطلب الثالث: أن يكون موضوع الانتزاع عقارا:

المقصود بالعقار في الفصل 570 من القانون الجنائي هو العقار الأصلي دون العقار بالتخصيص الذي عرفه المشرع على أنه «الأشياء التي جعلها المالك بأرضه لمصلحة هذه الأرض واستغلالها وكذا الشأن في جميع الأشياء المنقولة الملحقة بالملك بصفة دائمة.

ونتساءل مع الأستاذ أحمد بنعجيبة، أن بعض المحاكم الجنائية تكتفي بعقوبة الجاني ولا تحكم بطرده، رغم أن منتزع العقار يعتبر بمثابة السارق الذي ليس من العدل والإنصاف والمنطق أن يبقى المسروق بحوزته، إلى أن يصبح الحكم الجنحي، نهائيا ويحصل المجني عليه على حكم بالطرد من لدن القضاء المدني.

المطلب الرابع: أن يكون العقار في حيازة الغير

أن يكون الحائز للعقار المعتدى عليه، حائزا حيازة شرعية هادئة علنية. وهنا نجد أن المشرع الجنائي على خلاف ما كان منصوصا عليه في الفصلين 333و 334 من القانون الجنائي الملغى لم يشترط عنصر «نية التملك".
 III  - 
القصد الجنائي:

يقصد بالقصد الجنائي اتجاه إرادة الجاني إلى ارتكاب الجريمة مع العلم بأركانها ونتيجتها، ويعد بمثابة الركن المعنوي للجريمة وهو يتمثل في عنصري العلم والإرادة فبالنسبة إلى العلم يجب أن يكون الجاني في جنحة انتزاع حيازة عقار عالما علما يقينا غير مقترن بأي جهالة بأن فعله سوف يحدث عملا إجراميا يعاقب عليه القانون.أما بالنسبة إلى الإرادة فيجب أن تتمتع إرادة الجاني بالحرية التامة.

IV-إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه

المحكمة تحكم به تلقائيا ودون طلب، وتبت فيه في إطار الدعوى العمومية وليس في إطار الدعوى المدنية التابعة وهذا ما ذهب إليه قرار المجلس الأعلى في إحدى حيثياته.


وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه مرتبط بالجريمة المدان بها الطاعن، وليست لها أي علاقة بالدعوى المدنية، إذ الأمر يتعلق بإرجاع الوضع إلى ما كان عليه قبل ارتكاب الجريمة وهذا يدخل في التدابير الاحتياطية التي نص عليها الفصل 387 من قانون المسطرة الجنائية.    


فالمشرع منح للنيابة العامة ولقاضي التحقيق، كل حسب اختصاصه، حق التدخل لحماية الحيازة وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، وهذا ما نصت عليه المادة 40 في الفقرة 8 بشأن وكيل الملك، الذي يجب أن يتخذ ما يراه مناسبا لإرجاع الحالة إلى ما كانت عليها بواسطة أمر يعرضه على كل من هيأة الحكم أو قاضي التحقيق بإبداء رأيهم في الموضوع. وكذا ما نصت عليه المادة 49 في الفقرة 11 بالنسبة للوكيل العام للملك.

ويتساءل  بنعجيبة: حول الطبيعة القانونية لإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، هل يعد جزءا من العقوبة المحكوم بها؟ أم يعد تعويضا مدنيا؟

V  - الفصل 570 من القانون الجنائي المغربي والعمل القضائي:


خلص قرار عدد 711. 25/5/2011، ملف عدد 4917/6/6/2010، إلى أن «انتزاع عقار من حيازة الغير، أراضي الجموع، الاختصاص القضائي إن انتزاع الحيازة من المستفيد من أرض جماعية من طرف شخص آخر ينتمي لنفس الجماعة السلالية تنطبق عليه مقتضيات الفصل 570 من القانون الجنائي، اعتبارا للحيازة المادية والفعلية والتصرفية والوقتية التي يتمتع بها من أعطيت له الأرض الجماعية لاستغلالها، ومن ثم فإن الاختصاص ينعقد للقضاء الزجري لا لجماعة النوابمجلس الوصاية والتي يقتصر اختصاصها على توزيع أراضي الجموع».


وفي قرار محكمة النقض عدد 116 الصادر بتاريخ 2013/1/16 في الملف الجنحي عدد 2012/6/6/12302.
انتزاع عقار من حيازة الغير المنع من التصرف.


انتزاع حيازة عقار حسب مقتضيات الفصل 570 من القانون الجنائي لا يستوجب الدخول إلى العقار ووضع اليد عليه، بل يتحقق بمجرد منع الحائز من الانتفاع الكامل من حيازته الفعلية وحرمانه من التصرف في عقاره بكافة أنواع التصرفات المادية في الأوجه المخصصة له، بما في ذلك تسويره سواء بالزرب أو البناء أو بأي شكل من الأشكال والذي يشكل في نفس الوقت، فعلا ماديا وصورة من صور العنف التي تندرج ضمن الوسائل المنصوص عليها في الفصل الذكور.
وجاء في قرار المجلس الأعلى المؤرخ 28/3/83 تحت عدد 1806، أن "رجوع المتهم إلى الأرض بعد صدور الحكم عليه بشأنها وبعد تنفيذ هذا الحكم في حقه يعد تعديا على ملك الغير في مفهوم الفصل 570 من القانون الجنائي".
وفي قرار مؤرخ ب 16/5/1974 تحت عدد 1200، «المحكمة أن تقرر إرجاع العقار إلى حائزه الأول ولو لم يطلبه المعني بالأمر يعتبر ردا لما يجب رده الذي يحق للمحكمة أن تحكم به تلقائيا طبقا للفصل 106 من القانون الجنائي".
وفي القرار المؤرخ ب 23/5/2000 تحت رقم 1031/6 ملف جنحي عدد 17641/98 أن «تدبير إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه يصدره القضاء الزجري تلقائيا دون حاجة إلى طلبه بسبب ارتباطه بالجريمة المدان بها المحكوم عليه."
وفي قرار آخر صادر ب 26/7/1983 تحت عدد 4971 : «المحكمة لا يمكنها الحكم بإرجاع الحيازة إلى صاحبها إلا بطلب منه، وذلك طبقا لأحكام الدعوى المدنية التابعة".

 

الركن المادي يتحقق في جريمة انتزاع عقار من حيازة الغير من الاستيلاء الفعلي على عقار(الحلقة الأخيرة)

وجاء في قرار عدد 10329 المؤرخ 27/1/84 (غير منشور) ذكره أبو مسلم الحطاب.


«
تهديد الأظناء للمشتكي بالعصي كلما حاول إجراء عملية الحرث في ملكه يكون جريمة الاعتداء على حيازة الغير طبقا للفصل 570 من القانون الجنائي لتوافر عناصرها المادية والمعنوية».


قرار عدد 6919 المؤرخ 15/10/87 (غير منشور) ذكره أبو مسلم الحطاب.


»
الفصل 570 من القانون الجنائي المعاقب بمقتضاه الطالب يشترط لتبرير العقاب بجنحة انتزاع عقار من حيازة الغير، أن يقع انتزاعه فعلا، وأن المنع من الحرث بصفة عرضية لا يشكل انتزاعا للحيازة. «

قرار المجلس الأعلى عدد 7911 بتاريخ 11/10/84 (غير منشور) ذكره أبو مسلم

» قرار عدد 7943 المؤرخ 26/11/87 «حيازة المكتري تستوجب الحماية

مدة الحيازة يصرف النظر عنها، مادامت العبرة بالحيازة الفعلية»


قررا محكمة النقض عدد 1369 الصادر بتاريخ 19/10/2011 الملف ألجنحي عدد 2010/6/6/9631.
انتزاع عقار من حيازة الغير الركن المادي الرعي تعمد المشتكي به رعي ماشيته باستمرار في ارض الغير من شأنه حرمانه من استغلال المتصور به، وبالتالي يعد انتزاعا للحيازة المادية المشمولة بحماية الفصل 570 من القانون الجنائي
القرار عدد 3989/6 الصادر بتاريخ 20/6/2012 في الملف رقم 3989/2012.


المحكمة التي أيدت الحكم المستأنف وأدانت الطاعن من أجل جنحة انتزاع عقار من حيازة الغير استنادا إلى شهادة الشهود الذين اثبتوا حيازة المشتكي لأرض النزاع وانتزاع الطاعن لهذه الحيازة بالحرث دون أن تبرز الوسيلة المستعملة في هذا الانتزاع من خلسة أو تدليس أو غيرها تكون قد عللت قرارها التعليل الناقص وعرضته للنقص والإبطال.

.
قرار المجلس الأعلى عدد 272 بتاريخ 3/5/81


«
أكد أنه يكفي لقيام جريمة انتزاع عقار من ملك الغير أن تتوافر للمشتكي الحيازة التي تفيد وضع اليد ولا تشترط الحيازة بالمفهوم الذي يثبت به الملكية»


قرار المجلس الأعلى عدد 1806 بتاريخ 28/3/83 القرار عدد 253 المؤرخ 26/2/1976، ذهبا فيه « أن إدانة من يرجع لأرض بعد إفراغه منها تنفيذا لحكم قضائي يعتبر تطبيقا سليما للفصل 570»


قرار المجلس الأعلى عدد 198 المؤرخ سنه 1979


«
إذا طلب المطالب بالحق المدني الحكم له بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه وأغفلت المحكمة الحكم بها يعود الاختصاص إلى القضاء الاستعجالي».


قرار المجلس الأعلى عدد 20.526/94 بتاريخ 28/12/94


وقرار المجلس الأعلى عدد 4266 المؤرخ 14/6/88 «يجب إثبات الحيازة كما يجب إثبات انتزاعها  بوسيلة من الوسائل المنصوص عليها في الفصل 570»


قرار المجلس الأعلى عدد 7943 المؤرخ ب 26/11/87


«
الخلسة تتحقق بالاستيلاء على العقار بسرعة في غفلة عن حائزه».


قرار المجلس الأعلى عدد 2552 المؤرخ 26/11/81


«
التدليس يتمثل في الإدلاء بسندات مزورة»


«
عنصر التدليس في جنحة الترامي يتوفر إذا قام الجاني بما من شأنه أن يوهم الغير بأن ما يقوم به من فعل الانتزاع فهو في محله مما يدعو الغير إلى عدم إبداء أي مقاومة»


قرار رقم 2477 المؤرخ ب 12/3/91


»
الفصل 570 من القانون الجنائي يعاقب من انتزاع عقار من حيازة الغير خلسة أو باستعمال التدليس، لا يكفي ذكر توافر العناصر التكوينية للجريمة دون بيان الفعل الذي قام به المتهم الذي يشكل الخلسة أو التدليس كقيامه بالاعتداء على العقار في غيبة المشتكي الحائز له وذلك بالنسبة لعنصر الخلسة أو باستعمال وسائل احتيالية اتجاه المشتكي للاستيلاء على عقاره وذلك بالنسبة لعنصر التدليس. «


قرار المجلس الأعلى عدد/ س المؤرخ 17/7/64


«
الفصل 570 من القانون الجنائي يرمي إلى حماية من يكون بيده التصرف في عقار من أن تنتزع منه الحيازة قهرا تلافيا لما عسى أن يحدثه ذلك من اضطراب اجتماعي وليس من غاية النص تمكين صاحب الحق في عقار من ممارسة حقه الذي خول له القانون التوصل إليه بوسائل أخرى».


نافلة القول:


يتحقق الركن المادي في جريمة انتزاع عقار من حيازة الغير من الاستيلاء الفعلي على عقار، ولا تتدخل الحماية الجنائية إلا إذا تم الانتزاع بإحدى الوسائل المنصوص عليها على سبيل الحصر في الفصل 570 من القانون الجنائي فإن ما ينبغي الإشارة إليه أن الحيازة التي قصدها المشرع في الفصل المذكور ليست هي الحيازة بمفهومها المستقر في القانون المدني كسب من أسباب كسب الملكية، لذلك يعاقب من يتعرض للحائز الفعلي حتى ولو كان هذا الأخير غاصبا أو كانت الملكية شائعة أو متنازع عليها، فالركن المادي كما يعرفه فقهاء القانون الجنائي هو الفعل المادي المحسوس الذي يأتيه الفاعل، فالفصل 570 يشمل ضمن مقتضياته مفهوم الركن المادي وهذا واضح من خلال قراءة الفقرة الأولى من هذا الفصل «يعاقب... من انتزع عقارا من حيازة غيره خلسة أو باستعمال التدليس...

فالجنحة هنا قائمة لتحققها صدور فعل مادي ايجابي يتمثل في الاستياء على العقار وإخراجه من حيازة حائزه ووضع اليد عليه واحتلاله، وبمعنى آخر مراد المتهم أن يحل محل الحائز، فالعبارات في هذا الفصل جاءت واضحة ودقيقة ولا تحتاج إلى تأويل أو تفسير،  لذا نشاطر الأستاذ شكير الفتوح في القول بأنه لا ينبغي التوسع في تفسير مقتضيات الفصل 570 بالقول مثلا: «أن الحائز لا يتواجد باستمرار في مسكنه أو أنه يتوفر على مسكن آخر، الخ، وإلا فإن ذلك سيؤدي إلى خلق جريمة جديدة غير منصوص عليها قانونا، وفي هذا خرق واضح لمبدأ الشرعية المنصوص عليها ودستوريا والفصل 3 من القانون الجنائي، فمن المعلوم أن الانتزاع في اللغة يعني الاستيلاء والسيطرة على الشيء ووضع اليد عليه، والقول بغير ذلك يدخل في باب التفسير ليس إلا، والمبدأ المتعارف عليه في النصوص الجنائية هو عدم التوسع في التأويل أو التفسير مراعاة لمصلحة الحائز وتفاديا للتعسف وانحراف السلطة، فالقاضي يجب أن يكون مجرد ناطق بكلمات القانون، كما يقول مونتسكيو، كما لا يمكن للقاضي أن يفسر القانون في الميدان الجنائي لأنه ليس بمشرع، وليس هناك أخطر من القاعدة التي تقضي بالبحث عن المعنى المستفاد من روح النص . كما يقول الفقيه الإيطالي بيكاريا ويستشهد دكتور عبد الإله العسري بعرض واقعة مشهورة في الجمهورية المصرية تتلخص في أن ناظر الأوقاف الذي يقوم بكراء العقار في ملك الوزارة بعدما توجه إلى المحكمة طالبا بطلان العقد لسبب قانوني منصوص عليه ضمن بنود العقد، وقبل أن تصدر المحكمة حكمها قام بمساعدة رجاله ودخلوا الأرض موضوع العقد وتعرضوا للطرف الآخر ومنعوه من حيازتها بالقوة فتوبعوا من أجل التعرض على ملك الغير والقيام بمنع حيازته
بقلم ذ عبد الواحد شعير
دكتور الدولة في الحقوق أستاذ بكلية الحقوق المحمدية رئيس المنتدى المغربي للدراسات والأبحاث القانونية والقضائية
 


أعلى الصفحة