القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ نجيب بحاجة
طالب باحث
تحت عدد: 507
عرف المشرع المغربي الجريمة من خلال الفصل 110

 من ق.ج. حيث جاء فيه  " الجريمة هي عمل أو امتناع  مخالف للقانون ومعاقب عليه بمقتضاه " وللوهلة الأولى يبدو أن هذا التعريف جاء ناقصا ، غير شامل لكل أركان الجريمة، حيث اقتصر على الركنين القانوني والذي يتمثل في التنصيص على الجريمة والمعاقبة عليها من خلا الفصل اعلاه والركن المادي الذي يتجلى في الفعل والامتناع، لكن بالرجوع إلى الفقه نجد أنه قد تدارك هذه الهفوة وعرف الجريمة بأنها " كل فعل أو امتناع صادر عن شخص قاد على التمييز يحدث اضطراباً اجتماعياً ويعاقب عليه التشريع الجنائي " 
لا يخفى على أحد الدور الكبير لمادة علم الإجرام في تزويد وإغناء الطالب بالمعلومات النظرية والعملية التي تفيده عند دراسة مادة القانون الجنائي بفروعها سواء منه العام أو الخاص ولهذا سيكون حديثنا في هذا المنحى 
فما هي إذن الجريمة من خلال علم الإجرام ؟  
تعرف الجريمة من الناحية العلمية بأنها "كل عمل وامتناع ضار بالمجتمع، نص عليه المشرع أو لم ينص"، يستشف من هذا التعريف أنه جاء فضفاض،فالتعريف العلمي للجريمة يركز فقط على فكرة الدفاع عن المجتع ويعتر جريمة كل ما من شأنه أن يلحق ضررا بالمجتمع، سواء نص عليه المشرع أو لم ينص، وهنا يتبين بشكل واضح النطاق الواسع لهذا التعريف الذي لا يكترث للركن القانوني في الجريمة 
بعد أن تعرضنا لتعريف الجريمة  القانوني والعلمي سنحاول الآن المرور على أهم المدارس التي أبدعت في أبحاث علم الإجرام، وهي المدرسة التقليدية والمدرسة التقليدية الجديدة والمدرسة الوضعية 
1/ المدرسة التقليدية 
تأسست هذه المدرسة كتوجه فكري في مادة علم الإجرام على يد ثلة من الفقهاه لعل أبرزهم الفقيه الايطالي بكاريا
(Beccaria) (1794م)، والفقبه الإنجليزي بنتام ( Betham) (1748م) والموقف الأساسيي لهذه المدرسة ينبني على الاستبداد والجبروت وكذلك وحشية العقاب، كما أن الحريمة عند رواد هذه المدرسة هي ظاهرة لسلوك فردي يندفع إليه الجاني عن طواعية،تحركه في ذوك أنانيته وتعلقه بمصلحته الشخصية، ضاربا بذلك بنوذ العقد الاجتماعي الذي ينظم الحقوق والواجبات عرض الحائط وفق فلسفة جان جاك روسو المعروفة في العقد الاجتماعي،وأهم المبادئ التي ارتكزت عليها الندرسة التقليدية هي 
_ الفرد مسؤول أخلاقياً عما يرتكبه من جرائم، بموجب أهلية الادراك والتمييز، وفي المقابل متى كان الشخص عديم التمييز والإدراك كالصغير والمجنون والمكره تسقط عنه المسؤولية لانعدام تقدرته علالتمييز بين الصالح والطالح 
_المساواة في تقرير العقاب من طرف المشرع لكل جريمة على حدة 
_لا وجود للحد الأدنى والأقصى للعقوبة، والغاية التي توخاها أصحاب هذه المدرسة هي تكبيل حرية القاضي في تحديد العقاب لكل متهم،وفي ذلك مخاربة للتعسف والشطط في استعمال السلطة التي كان يمارسها القاضي 
_ يستمد المجتمع حقه في توقيع العقاب على الجاني من كونه كيان لا ينبغي المساس به ويحدد ذلك العقد الاجتماعي 
_ الارتكاز على مبدأ "لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص " وذلك مغزاه معرفة النواطن ما له وما عليه، ليكون على بينة من التصرفات المباحة ليأتيها، والتصرفات المحظورة ليجتنبها، وفي ذلك ضمانة أساسية لإغلاق باب التعسف والشطط. 
ثم إن العقوب عند رواد هذه الندرسة تتميز بمجموعة من الخصائص من بينها :
أ_التناسب بين الضرر والعقاب أي أنه لا يجب أن تكون قوة العقاب تفوق الجرم فبقدري بساطة الضرر يوقع العقاب 
ب_ المساواة في تفريد العقاب 
ج_ نهج سياسة المنع الخص والمنع العام أي أنه الهدف العقوبة يجب أن يحقق أمرين، محاربة الجريمة  من خلال عدم العودة إليها من ظرف المذنب جهة وتحقيق الردع من جهة أخرى للحفاظ على كيان المجتمع

2/المدرسة الوضعية 
تسمى أيضا المدرسة الواقعية وهي مدرسة ايطالية تأسست على يدي الاستاذ المخضرم في علم الإجرام والطبيب بالجيش الايطالي "شيزاري لومبروزو" "
Lombroso"  (1836م-1909م) و "فيري" "ferri" (1856م-1926م)، هذه المدرسة انتقدت المدرسة السالفة لأنها اهتمت بدراسة الجريمة وأغفلت دراسة المجرم 
كما أن هذه المدرسة تناقضت مع المدرسة التقليدية في مبدأ اسباب ارتكاب الجريمة حيث ربطت الأولى ذلك بحتمية وقوع الجريمة وأن المجرم يكون مجبر على ارتكاب فعله الجرمي، في حين أرجعت التقليدية السبب إلى أنانية الانسان والسعي لتحقيق مصلحته الشخصية دون الاكتراث لغيره 
وبالرجوع إلى نظرية لومبورزو في علم الإجرام نجد أنها تنبني على فكرة اساسية مفادها أن المجرم ينفرد عن غيره ب خلقة خاصة وسمات مفسية تجعله يختلف عن خلقة الصالحين والشرفاء والأسوياء بصفة عامة، فالمجرم حسب رأيه يرتكب الجريمة بسبب تكوينه النفسي والبدني، وبذلك ينحو منحى مغايرا وغريب نوعاً ما، لأنه يرجع سبب الجريمة إلى التركيبة الفزيولوجية والنفسية لمركبيها، وقد توصل الطبيب لومبورزو إلى هذه الخلاصات بعد أن قام بمجموعة من الابحاث، إضافة إلى المهام التي كان يقوم بها هذا العالم والتي مكنته من دراسة جسم الإنسان، وتشربح أعضاء أجسام المحرمين وغير المجرمين وكذا من خلال خبراته وملاحظاته في هذا الصدد 
أما بخصوص العالم فيري فقد انتقد لومبورزو من حيث ربطه هذا الأخير الجريمة بالتكوين البدني للمجرم، ون الاعتماد على جوانب اخرى أهم من ذلك كالجانب المادي والإجتماعي، فهذا العالم يعتبر الجريمة نتاج تداخل مجموعة من الاسباب كالمناخ والتضاريس الطبيعية وجغرافية الجريمة بالاضافة الى العوامل العضوية والنفسية والمادية 
وبناء على هذه المعطيات فإن المجرم يمكن تقسيمه إلى الأصناف الآتية. :
1 _ المجرم الفطري أو بالميلاد :
وهووالمجرم الذي ورث الاجرام من اصله، حيث اجتمعت فيه العوامل النفسية 
2 _المجرم المجنون: 
والمجنون هو الذي يعاني من خلل ذهني يحول دون قدرته على التمييز والادراك وحسب فيري فإن هذا العجز على التمييز هو السبب في ارتكابه الحريمة 
3 _ المجرم العاطفي: 
هذا النوع من المجرمين يكون سليماً من حيث تركيبه العضوي والنفسي كما أنه لا يختلف عن الاسوياء في شيئ، كل ما في الأمر أنه يرتكب الحريمة بدافع الأعصاب المتقلبة ومزاجه الحاد الذي يفقده السيطرة على نفسه وأفعاله ويقدم هذا التوع على ارتكاب فعله دون سابق تخطيط أو تصميم والملاحظ ان هذا النوع من المجرمين قليل بالمقارمع باقي الأصناف الأخرى 
4 _ المجرم بالصدفة :
إذا كان الإنسان ابن بيئته فإن المجرم بالفطرة ايضاً ابن بيئته، فهو سليم عضويا ونفسياً ولا عيب فيه من ناحية العوامل الداخلية، إلا أن محيطه ووسطه الاجتماعي يدفعه الى ارتكاب الجريمة وهو كالمجرم بالعاطفة من حيث الندم لأنه هو ايضا يندم عندما يصحو ضميره 
5 _ المجرم المعتاد: 
المجرم المعتاد هو الذي كرر الفعل الحرمي، ويكون ذلك نتيجة أسباب خارجية طبيعية وقد تكون اجتماعية أو هما معا، واصبح عن طريق التكرار يمارس سلوكا ضار. بالمجتمع يصعب الإقلاع عنه أو مقاومته 
إذا ما أردنا أن نقارن بين أصناف المجرمين الخمسة فسيتبين أن صنفاً منه تدفعه عوامل شخصية، وهما المحرم المجنون وبالفطرة والعاطفة أما المجرم المعتاد وبالصدفة فإن الاسباب الإجتماعية هي التي تجعلهم ينساقون وراء ارتكاب الجريمة 
3/ مدرسة الدفاع الإجتماعي :
تتمثل الفلسفة التي تقوم عليها هذه المدرسة في البحث في دوافع الجريمة وأسبابها عن طريق علم الإجرام بطريقة تخالف المدارس السابقة 
وهكذا فإن الجريمة في نظر مدرسة الدفاع الاجتماعي، ليست إلا تجليا من تجليات الحالة النفسيز التي يشعر بها المنخرف ضد المجتمع الذي يعاني خلل واضطرابا في نظمه وقيمه وهذا يعني ان المجتمع هو المخدد الأول والأخير في الإجرام، لأن المجتمع الصالح ينتج أفرادا صالحين والمجتمع الفاسد ينتج أفرادا طالحين وأمام هذا التفسير للسلوك الإجرامي لا يبقى هناك مجال للحديث عن مسؤولية الجاني، والمسؤولية الجنائية بصفة عامة، لأن مرتكب الجريمة يكون ضحية  البناء الاجتماعي الغير العادل.

- المراجع. :
- كتاب الحريمة من خلال هلم الإجرام  _الدكتور أحمد أبو العلاء_ 
- بعض المكتسبات الدراسية

 

بقلم ذ نجيب بحاجة
طالب باحث
 


أعلى الصفحة