القانون المدني- المسطرة المدنية

بقلم ذ ياسين الكعيوش
باحث بسلك الدكتوراه كلية الحقوق-فاس
تحت عدد: 499
تعد السلطة القضائية مقوما من المقومات الأساسية لدولة الحق والقانون، ذلك أن ضمان سيادة القانون رهين بوجود مؤسسة قضائية قوية وفعالة، قادرة على التطبيق السليم والعادل للنصوص القانونية في إطار الشفافية والمساواة.

ولما كان عنصر الثقة في وجود نظام قضائي مستقل ونزيه وفعال محفز على الاستثمار والتنمية، بات من الضروري انخراط المغرب في مخطط واضح لإصلاح العدالة، تكون قادرة على ضمان سيادة القانون وحماية الحقوق وكفالة الحريات.

ويستمد القضاء استقلاليته من مبدأ الفصل بين السلطات، الذي يقضي بضرورة استقلال كل سلطة من السلط الثلاث في الدولة باختصاصاتها، فالسلطة التشريعية يجب أن تستقل بأمور التشريع، فيما يجب أن تستقل السلطة التنفيذية بأمر التنفيذ، والسلطة القضائية بأمور القضاء، غير أن هذا الفصل العضوي والشكلي بين السلط، لا ينفي إمكانية التعاون مستقبلا في جميع الحالات حفاظا عل وحدة الدولة ومبدأ العدالة.

إن استقلالية السلطة القضائية، تحتل الصدارة في خضم الإصلاحات الكبرى التي يعرفها المغرب، وهي من الأمور التي ما فتئت كل الفعاليات الحقوقية والسياسية تنادي بها، باعتبارها الضمانة الفعلية والحقوقية لتدعيم أسس دولة الحق والقانون، وترسيخ مبادئ حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا، وتحقيق الأمن القضائي.

ولعل تعزيز فعالية السلطة القضائية باعتبارها أهم المؤسسات الدستورية العليا، يقتضي فتح المجال أمام المؤسسة الجديدة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، لتدبير الشأن القضائي بكل حاجياته، قصد توفير الظروف الملائمة لعمل المحاكم وضمان حيادها من تأثير قوى خارجية.

وفي هذا الإطار أسند الدستور الجديد لمؤسسة دستورية مشكلة بتركيبة جديدة -المجلس الأعلى للسلطة القضائية- بكونها مؤسسة الدستورية تسهر على استقلال القضاء وتطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة، صلاحية إدارة شؤونها الداخلية بنفسها، وتسيير أمور القضاة الوظيفية من تعيين وترقية ونقل وتأديب وإنهاء خدمة، كما استبعد نص الدستور وزير العدل من تركيبة هذا المجلس وخصه باستقلال إداري ومالي، هذا ما نص عليه صراحة الفصل 113 من دستور 2011,
ولاشك أن إنشاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية بالمغرب قد جاء في سياق متغيرات عديدة سواء عل المستوى الدولي أو الوطني، واستجابة كذلك لتوصيات هيأة الإنصاف والمصالحة، وهو ما يعكس الرغبة في القطع مع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي شهدها البلاد خلال فترات، والتي تفرض إيجاد سلطة قضائية عادلة ومنصفة ترسي حكم القانون بواسطة أجهزة تتمتع بمعايير دولية من حيث النزاهة والاستقلالية والكفاءة، وتمارس صلاحياتها بعيدا عن أي تأثيرات خارجية.

لقد خصص الدستور لمؤسسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية الفصول 113 إلى 116 ، التي جاءت مقتضياتها بتحول هام في بنية تأليفها وطبيعة اختصاصاتها (المبحث الأول) ومهامه الجديدة (المبحث الثاني) ، مسايرة في ذلك أهم الدول الديمقراطية، بشكل يكاد يكون جذريا بالمقارنة مع وضعها التقليدي ومحدوديتها في إطار الدساتير الخمسة السابقة على تعاقبها، وهو تحول جديد سار في الاتجاهات الأساسية.
لهذا يمكن التساؤل : إلى أي حد تعتبر التركيبة الجديدة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية مقوما من مقومات استقلال السلطة القضائية في ظل الاختصاصات المسندة إليه ؟

هذا ما سنحاول الإجابة عنه، في ضوء المستجدات الدستورية والقوانين التنظيمية المنبثقة عنها، وتوصيات ميثاق إصلاح العدالة، من خلال النقطتين التاليتين:

المحور الأول: تشكيلة المجلس الأعلى للسلطة القضائية
المحور الثاني: اختصاصات ومهام المجلس الأعلى للسلطة القضائية


المبحث الأول : تشكيلة المجلس الأعلى للسلطة القضائية
عرفت التركيبة التي تشمل عليها مؤسسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية في الدستور الجديد، تحولا بارزا وهادفا سواء على مستوى الشق المعين بمقتضى الدستور، حيث ادخل عليه بناء مختلطا يضم إلى الجانب القضائي، شخصيات من خارج السلك القضائي، أو على مستوى الشق المنتخب المتعلق بتمثيل قضاة المحاكم عن طريق الانتخاب، بالرفع العددي من المقاعد وتخصيص النساء القاضيات، بقوة القانون، بمقاعد تتناسب نسبة تواجدهن في القضاء.

وتمهيدا لقراءة تحليلية في هذه التحولات الجديدة التي عرفتها بنية تأليف هذه المؤسسة الدستورية، نرى من المفيد الإشارة إلى أن موضوع هذه المؤسسة استمر نقاش عميق حوله داخل أوساط القضاء والعدل. وبصفة لافتة في أوساط الجمعيات الحقوقية الوازنة. ليأخذ موقعا بارزا ضمن توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة.

كان المجلس الأعلى للقضاء في ظل الدستور السابق مشكلا من أعضاء كلهم قضاة – باستثناء وزير العدل-أصبح المجلس الأعلى للسلطة القضائية يتشكل بمقتضى الفصل 115 من الدستور الجديد وفق الشكل التالي:

أولا : الرئيس
يرأس الملك المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ويتألف هذا المجلس من الرئيس الأول المحكمة النقض، رئيسا منتدبا، وبهذا يكون الدستور قد وضع حدا للنقاش الدائر كون وزير العدل يعتبر نائبا للرئيس في الدساتير السابقة حيث كان محل نفذ خصوصا أن وزير العدل هو من كان يترأس بشكل فعلي دورات المجلس الأعلى للقضاء، إذ يمزج بين عضويته في الحكومة ورأسته للمجلس الأعلى للقضاء.

وهكذا فان الفصل 56 و 115 اعتبر الملك هو رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية دون أن يحدد نائبا له، الأمر الذي يجعل الملك الرئيس الفعلي، إلى جانب الرئيس الأول لمحكمة النقض كرئيسا منتدبا.

ثانيا: قضاة منتخبون وغير منتخبون
إذا كان المجلس يترأسه الملك الممثل الأسمى للأمة، فان الرئيس الأول لمحكمة النقض يعتبر رئيسا منتدبا، حيث يتولى أمر الرئاسة نيابة عن الملك، بالإضافة إلى:

الوكيل العام للملك بمحكمة النقض.
رئيس الغرفة الأولى بمحكمة النقض.

مع تمثيلية القضاة المتكونة من أربعة ممثلين لقضاة محاكم الاستئناف، ينتخبهم هؤلاء القضاة من بينهم، وستة ممثلين لقضاة محاكة أول درجة، ينتخبهم هؤلاء القضاة، ويجب ضمان تمثيلية النساء القاضيات من بين الأعضاء العشرة المنتخبين، بما يتناسب مع حضورهن داخل السلك القضائي.

إن ترشح القضاة بالمحاكم وفق روح الدستور لا تخضع لمعايير محددة أقدمية أو غيرها، بل ارتأى المشرع الاتجاه الديمقراطي، حيث يتم انتخاب هؤلاء من طرف القضاة. لكن القانون التنظيمي نصت المادة 27 منه، أن يكون المرشح للعضوية في المجلس كل قاض تتوفر فيه الشروط التالية :

أن يكون ناخبا في الهيئة التي يترشح عنها ؛
ألا تقل مدة أقدميته في السلك القضائي عن سبع سنوات تحتسب من تاريخ ترسيمه.
أن يكون مزاولا لمهامه فعليا بإحدى محاكم الاستئناف أو محاكم أول درجة؛
ألا تكون قد صدرت في حقه عقوبة تأديبية ما لم يرد اعتباره ؛
ألا يوجد في رخصة مرض متوسطة أو طويلة الأمد.

وعلى اعتبار أن قضاة محاكم أول درجة تمثل نسبة كبيرة فقد خصها الدستور بتمثيلية أكبر، بست ممثلين، أما محاكم الاستئناف فقد خصها بأربعة ممثلين، هذا مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار تمثيلية النساء القاضيان بما يتناسب مع حضورهن داخل السلك القضائي.

ثالثا: الوسيط
الوسيط يعين بظهير شريف لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة كوسيط توكل له المهام بقانون، ويختار من بين الشخصيات الشهود لها بالنزاهة والكفاءة والتجرد والتشبث بسيادة القانون وبمبادئ العدل والإنصاف، وعهد إليه بممارسة الاختصاصات المسندة لمؤسسة الوسيط، كما أنه عضوا بقوة القانون بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان. وبالتالي فحضوره ضمن جسم المجلس الأعلى للسلطة القضائية إضافة نوعية في سبيل استقلال السلطة القضائية.

رابعا: رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان

مؤسسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، مؤسسة دستورية نص عليها الفصل 116 من الدستور الذي عرفها كالتالي:

" المجلس الوطني لحقوق الإنسان مؤسسة وطنية تعددية ومستقلة، تتولى النظر في القضايا المتعلقة بالدفاع عن حقوق الإنسان والحريات وحمايتها، وبضمان ممارستها الكاملة، والنهوض بها وبصيانة كرامة حقوق وحريات المواطنات والمواطنين، أفرادا أو جماعات، وذلك في نطاق الحرص التام على احترام المرجعيات الوطنية والكونية في هذا المجال "

واختيار رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، نظرا للطابع الحمائي الذي يناط بهذه المؤسسة، من حيث الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات، علما أن رئيسها يختار من بين الشخصيات المشهود لها بالنزاهة والكفاءة.

خامسا: خمس شخصيات يعينها الملك
يعين الملك شخصيا خمس أعضاء في المجلس الأعلى للقضاء، مشهود لهم بالكفاءة والتجرد والنزاهة، والعطاء المتميز في سبيل استقلال القضاء وسيادة القانون، من بينهم عضو يقترحه الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى.

ويلاحظ من مقتضيات الفصل 115 أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية عرف تزايدا من حيث عدد أعضائه من ثلاثة عشر عضوا في السابق إلىعشرون عضوا في الدستور الجديد، كما انه عرف انفتاح على محيطه الخارجي.

ومن أهم مستجدات المجلس الأعلى للسلطة القضائية، إبعاد وزير العدل من تشكيلته مع إدراج بعض الأعضاء الخارجين عن السلك القضائي سلك القضاء (7 أعضاء) ضمن مكونات المجلس الجديد، الأمر الذي أثار حقيبة الودادية الحسنية للقضاة، والتي وجهت انتقادا حادا مع قيامها بحملات بهذا الخصوص إبان إعداد المشروع المنظم للمجس، وذلك محاولة منها لتعبئة القضاة من اجل المطالبة باستبعاد أي جهة خارجة عن سلك القضاء، باعتبار العضوية بهذه المؤسسة شأنا داخليا، ولا يجوز التدخل فيه احتراما لمبدأ فصل السلطات.

ومن الواضح أن اعتماد التنويع في تشكيلة المجلس الجديد وعدم الاقتصار على القضاة، يأتي من منطلق أساسي هو أن تدبير الشأن القضائي في الوقت الراهن أضحى شأنا مجتمعي، يضفى طابع الشفافية والوضوح على أشغاله، والمساهمة في خلق تصور جماعي مشترك حول ما يجب أن يكون عليه واقع العدالة بالمغرب.

وعلى ضوء ذلك، أن الشروط والمواصفات التي حددها الفصل116 في الشخصيات من خارج السلك القضائي، المؤهلة لهذه العضوية، كانت من الدقة والحرص بمكان، لتلافي أي تهديد لاستقلال القضاء، فالموقع المؤسساتي للوسيط، والمبادئ والقيم التي تقوم عليها مهمته الأصيلة، ورئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، تكفل بالافتراض الجازم، توفره على قيم التجرد والنزاهة واستقلال القضاء، وهي نفس الشروط والقيم المفترض، بالتأكيد، توفرها في عضو المجلس العلمي الأعلى وبقية الأعضاء الأربعة من أصل سبعة.

إذا كان الدستور قد اعتمد آلية الانتخاب والتعيين، فان النظم المقارنة السائدة في ديمقراطيات دول الاتحاد الأوروبي، مثلا فرنسا المجلس الأعلى للقضاء يضم هو بدوره في عضويته شخصيات من خارج الجهاز القضائي في المادة 64 بموجب المراجعة الدستورية لسنة 2008، في ست شخصيات، غير أن البرلمان هو الذي يعين أربعة منهم، اثنان يعينهما رئيس الجمعية الوطنية، واثنان يعينهما رئيس مجلس الشيوخ، فضلا عن اثنان يعينهما رئيس الجمهورية الفرنسية. لكن تعيين أعضاء من داخل البرلمان عن طريق الانتخاب، غالبا ما يؤول لصالح أعضاء ينتمون للأغلبية البرلمانية التابعة للحكومة، يحملون معهم ثقافة الصراعات المعتادة بين الأغلبية، والمعارضة بإسقاطاتها السياسية التي قد تؤثر في توجيه مداولات المجلس وقراراته.

وباستقراء تجارب مختلف الدول الديمقراطية نجد أن الاتجاه الغالب في الوقت الراهن يميل إلى الأخذ بفكرة التنوع، ويظهر أن النماذج الأكثر تقدما هي تلك التي يتم فيها المزج بين مكونات الجسم القضائي والمجتمع المدني، والتي تتمتع بصلاحيات واسعة، كافية لتعزيز استقلال القضاء ومساءلته ومواجهة الفساد القضائي، كما هو الأمر بالنسبة للعديد من الدول الأوربية.

وعلى ما يبدو أن المشرع الدستوري أحسن صنعا حينما أدرج ضمن تشكيلة المجلس الأعلى للسلطة القضائية شخصيات بارزة في المجتمع، التي من شأنها خلق توازن في موقف المجلس مستقبلا، لأن الاختصار في التشكيلة على أعضاء الجسم القضائي كما كان ينادي به البعض، سيؤدي إلى احترام قرار القاضي الأعلى درجة، وهو ضرب في استقلال السلطة القضائية في محيطها الداخلي.

كما نلاحظ أن الدستور لم يعطي لرئيس الحكومة إمكانية اقتراح أي شخصية، والشيء نفسه بالنسبة للبرلمان بمجلسيه، لأن الأمر يتعلق بالسلطة القضائية المفروض فيها الحياد والاستقلال وعدم الانتماء، لأن أي اقتراح سياسي من رئيس الحكومة والبرلمان، من شأنه أن يثير اللبس والتشكيك في حياد المجلس.

ولقد حدد القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية مدة ولاية المجلس في خمس سنوات٬ تبتدئ من شهر يناير الموالي لإجراء الانتخابات، كما حدد مدة عضوية القضاة المنتخبين في خمس سنوات غير قابلة للتجديد، أما مدة عضوية الشخصيات التي يعينها الملك حددت في أربع سنوات، قابلة للتجديد مرة واحدة.

المحور الثاني: اختصاصات ومهام المجلس الأعلى للسلطة القضائية
الفقرة الأولى: اختصاصات المجلس الأعلى للسلطة القضائية
أولا : تعيين القضاة
إن الاختصاص في تعيين القضاة يختلف من بلد إلى أخر، ولقد أضحى المجلس الأعلى للسلطة القضائية يحتكر هذا الاختصاص بموجب الفصل 57 من الدستور الجديد، والمستجد الهام ضمنه يتمثل في سحب السلطة التقديرية في قرار التعيين من الملك، وإناطتها بأعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وحصر تدخل الملك، رئيس نفس المؤسسة الدستورية الصادر عنها قرار التعيين، في حدود موافقة ملزمة تتوج بتزكية قرار التعيين بظهير.

ولقد نص الفصل 113 من الدستور على "" يسهر المجلس الأعلى للسلطة القضائية على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة ولا سيما فيما يخص استقلالهم وتعيينهم... "" بينما الفصل 87 من دستور 1996 لا يعطي للمجلس الأعلى للقضاء سلطة التعيين، وإنما حصر اختصاصه في الترقية والتأديب. هذا يوضح مدى المسافة التي أقرها دستور 2011 بين سلطات الملك، وبين اختصاصات المجلس الأعلى للسلطة القضائية.

غير أن الانتقال من "" تعيين الملك " المنصوص عليها في الفصل84 الدستور 1996 إلى صيغة " يوافق الملك على تعيين... "" المنصوص عليها في الفصل57 من دستور2011 ليس خطأ في الكتابة ولا إعادة صياغة لنفس المقتضى، وإنما هي إعلان واضح عن تحول جد مهم في العلاقة بين سلطات الملك، واختصاصات المجلس الأعلى للسلطة القضائية.

والرأي فيما أعتقد أن ليس هناك مستجد بخصوص سلطة التعيين، لأن الملك باعتباره رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ويعين كل الشخصيات ذات وزن داخل المجلس، فان تعيين هذا الأخير للقضاة ليس تعيينا حقيقيا، وإنما من باب اختيار من سيعينهم الملك، مادامت الموافقة الأخيرة تأول إلى الملك، ورفضه يجعل قرار المجلس في التعيين، كأنه لم يكون.

ثانيا: تدريب القضاة
يتولى المعهد العالي للقضاء، تحت سلطة وتوجهات المجلس الأعلى للسلطة القضائية، مهمة تأهيل الملحقين القضائيين لتولي المناصب القضائية، ورفع كفاءة القضاة وموظفي المحاكم لإبقائهم في صورة أخر التطورات القانونية والفنية والإجرائية، المتعلقة بطبيعة عملهم وفق أفضل الممارسات الدولية المتبعة، ومن أجل ذلك ينفذ المعهد العالي للقضاء العديد من البرامج التدريبية العامة والمتخصصة للقضاة، بهدف تطوير معارفهم ومواكبة التطورات العلمية في المجال القانوني، مثل برامج التدريب المستمر ويتضمن دورات التدريب المستمر والندوات وورش العمل للقضاة وأعوان القضاء، ومواكبة التعديلات التشريعية الحديثة، وما ينبثق عنها من إجراءات وتطبيقات وغيرها.

بيد أن التوجه الجديد الذي أتى به ميثاق اصلاح منظومة العدالة، عرف منهجية جديدة داخل المعهد، تتمثل في اعتماد مواد جديدة مع الانفتاح على تخصصات أخرى، هذا بالإضافة إلى رفع مدة التدريب بالمعهد إلى ثلاث سنوات موزعة بين المعهد العالي للقضاء والمحاكم والإدارات العمومية والخصوصية، والتي من شأنها الرفع من مستوى تكوين القاضي، الذي سينعكس ايجابيا على مستوى نجاعة العدالة.

ثالثا: ترقية القضاة
إن الضمانات المخولة للقضاة لن تتحقق إلا إذا أحيطت بكل من وسيلة الترقية، والمعيار الذي تقوم عليه معا، فالاتفاق معقود على مبدأ عدم قابلية القضاء للعزل لن يتحقق بفاعلية كاملة كمحور لاستقلال القضاء، إلا بإيجاد نظام عادل ونزيه للترقية لا يتخذ كوسيلة للنيل من القضاة.

ولقد خول الفصل 7 من مرسوم 25 دجنبر 1975 المتعلق بتحديد شروط وكيفية تنقيط القضاة وترقيتهم، لوزير العدل حق تهيئ وحصر لائحة الأهلية للترقية السنوية، بعد استشارة المجلس الأعلى للقضاء، استنادا إلى معايير حددها الفصل الثاني من المرسوم، أي الشهادات العلمية والمؤهلات الشخصية والضمير المهني والسلوك، غير أن وزير العدل كان قد فاجئ الجميع على هامش الإعلان عن نتائج دورة 2000 بمفهوم "" الانضباط "" كمعيار من معايير الترقية إلى جانب معياري الأقدمية والكفاءة، وهو مفهوم غريب عن الأسرة القضائية، لأنه في الأصل معيار عسكري يفيد الامتثال للأوامر وتنفيذها دون مناقشة.

أما القانون المقارن، فالمشرع الفرنسي أناط نظام الترقية بجهة محايدة تماما، تشكل من داخل السلطة القضائية نفسها تسمى لجنة الترقية la commission d’avancement وكانت تشكل هذه اللجنة في ظل قانون 1959 من كبار رجال القضاء في الدولة برئاسة رئيس محكمة النقض.

ونلاحظ أن ميثاق إصلاح منظومة العدالة أسند هذه المهمة إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وفق معايير محددة تضم إلى جانب الكفاءة والأقدمية وحسن السلوك، المؤهلات العلمية والإنتاج الفكري للقاضي، وكل ما يرتبط بتأليف الكتب ونشر المقالات والتعاليق على الأحكام والمساهمة في الندوات والمناظرات....

رابع: تأديب القضاة ونقلهم
إذا كانت غاية مسطرة التأديب هي حماية المتقاضين من أي تعسف يصدر من القاضي أو المساس بشرف المهنة والنيل من قداسة رسالة القضاء، فانه في المقابل قد يكون وسيلة للتخلص من القاضي الغير مرغوب فيه، أو الذي لا يخضع لمنطق الاملاءات.

وتستلزم حماية القاضي من التأثيرات التي قد تمارسها عليه بعض الأطراف والتي قد تعصف بمبدأ استقلال القضاء، توفير مجموعة من الضمانات من قبيل (عدم قابلية القضاة للعزل أو النقل ...) وتأمين درجة كبيرة من الحماية من التأديب.

لهذا، وبغية الحفاظ على الاستقلال القضائي، نصت المادة 111 من المبادئ الأساسية بشأن السلطة القضائية، على أنه يجب أن تتم إجراءات التأديب عبر مجلس للقضاء مستقل يحاسب على أخطاء منصوص عليها في القانون، وتعزيزا لهذه الضمانة يوصي الميثاق الأوربي الخاص بالنظام الأساسي للقضاة، بأن ينفذ الإجراء التأديبي من قبل محكمة أو هيئة تضم تمثيلا قضائيا ملحوظا.

في المغرب بعد أن كان المجلس الأعلى للقضاء مشكلا من قضاة (باستثناء وزير العدل والذي كان ينوب عن الملك في رئاسة المجلس)، ويختص بهذا الإجراء في مواجهة القضاء الجالس، في حين كان قضاة النيابة العامة يخضعون لسلطة وزير العدل مع دور استشاري فقط للمجلس، كان يخول الفصل 61 من النظام الأساسي لرجال القضاء، منح المسطرة التأديب لوزير العدل لإحالة القاضي المذنب على المجلس الأعلى للقضاء، وحق مقرر له بعد استشارة الأعضاء المعينين بقوة فقط، بالإضافة إلى الفصل 62 حق توقيف القاضي فورا عن مزاولة مهامه في انتظار إحالته على المجلس الأعلى للقضاء، إذا كان متابعا جنائيا أو اعتبر أن الخطأ المرتكب خطيرا.

هذه الإجراءات كانت تجعل من نظام التأديبي للقضاة، شبيه بالنظام التأديب في الوظيفة العمومية، مما يؤكد النظرية الوظيفية للقضاء في الدستور السابق وظهير1974 كمرفق من مرافق الدولة ويستبعد كل استقلال عنه.

وتجدر الإشارة أن وزير العدل والحريات، كان قد حرك مسطرة المتابعة في حق القضاة، والتي كان الوزير السابق (الناصري) قد جمدها إلى حين صدور القوانين الجديدة، التي تكفل الضمانات للقاضي المتابع. حيث شملت مسطرة التأديب ما مجموعه 14 قاضيا ، انتهت بعزل قاضيين، وإحالة قاض واحد على التقاعد التلقائي، والإقصاء المؤقت لخمسة قضاة، والتوبيخ لقاضيين اثنين، والإنذار لواحد، والبراءة لواحد، وإجراء البحث التكميلي لاثنين.

لكن بعد المراجعة الدستورية لسنة 2011 وارتقاء المشرع بالقضاء إلى سلطة، تجسد ذلك من خلال القوانين الجديدة، والتي أسندت مسطرة التأديب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ضمن المواد من85 إلى 100 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، إذ تم إضفاء عليها الطابع القضائي، أخذا بتوصيات ميثاق إصلاح منظومة العدالة، والذي يوفر ضمانات مهمة للقاضي المتابع، سواء من حيث السهر الكلي للمجلس الأعلى للقضاء على مسطرة التأديب، أو من خلال التدقيق والتحري قبل عرض القضية على لجنة التأديب، أو من حيث الطعن في قرار التأديب بعد صدوره.

وهناك من الدول من تعتمد تركيبة مختلطة في تأديب القضاء الجالس، بينما بعض الدول أخرى توزع الاختصاص في التأديب على أساس طبيعة الخطأ و درجاته، ""قضاة وأعضاء آخرين بالنسبة للخطأ الجسيم، قضاة فقط بالنسبة للخطأ العادي"".

ولعل مبدأ عدم قابلية القضاة للعزل والنقل، لا يعني بأي حال تحصينهم ضد المساءلة عن أخطائهم بالطريقة التأديبية، إذا ما تحققت موجباتها، وإنما يعني هذا المبدأ هو عدم قابلية القضاة للعزل والنقل، بغير الطريقة التأديبية، حتى يكون القاضي أمنا على وضعه، ومستقرا في نفسه، لا يخشى في إقراره الحق لومة لائم، ولا يكون هذا الفصل سلاحا مسلطا عليه في كل وقت.

خامسا : التفتيش القضائي
بالرغم من أن الدستور أسند للمجلس الأعلى للسلطة القضائية مهمة تسيير الشأن القضائي، لم يشر صراحة إلى الوسيلة التي سينفذ بها التفتيش أو الجهة التي سيتبع لها هذا الجهاز، حيث ترك ذلك للقانون التنظيمي. هذا ما طرح اختلاف في النقاش بين اتجاهين:

الاتجاه الأول: يؤكد أنه ما قيل عن وجود غموض في الفصل 16 من الدستور، فان الخطاب الملكي يوم 17 يونيو 2011 الذي جاء بصيغة عامة تفيد إلحاق المفتشية العامة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية... كما تم توسيع اختصاصات المجلس، لتشمل علاوة على تدبير الحياة المهنية للقضاة، مهام التفتيش وإبداء الرأي في النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالقضاء وتقييم منظومته... "". بالإضافة إلى إبعاد وزير العدل ( السلطة التنفيذية ) عن المجلس الأعلى للقضاء في الدستور الجديد، فكيف نتصور عودته إلى سلطة قضائية مستقلة من نافذة المفتشية العام.

الاتجاه الثاني : يرى أن الدستور لم ينص على ذلك، وبالتالي يجب إبقاء نظام التفتيش بيد وزارة العدل للاعتبارات التالية:

الوزارة لا يمكنها أن تفقد الكثير من وزنها وصلاحياتها فتصبح وزارة بدون حقيبة.
راكمت الوزارة تجربة لمد تزيد عن 30 سنة في مجال التفتيش
كل الوزارات لها مفتشية عامة.
ملف الإصلاح القضائي يقتضي أن تظل المتفشية العامة بيد وزارة منتخبة.
فتحقيق استقلالية السلطة القضائية في واحترام مبدأ فصل السلط، يجب تخويل اختصاص تفتيش المحاكم إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، حيث تقوم المفتشية العامة، تحت السلطة المباشرة للرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، بالتفتيش المستمر للمحاكم. أما تفتيش المصالح التابعة لوزارة العدل فنقترح أن يبقى من اختصاص وزارة العدل.

وحقيقة أن المادة 53 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية حسمت الأمر، بالتنصيص على "" إحداث لدى المجلس مفتشية عامة للشؤون القضائية، يحدد القانون تأليفها واختصاصاتها ومجالات تدخلها وحقوق وواجبات أعضائها. يشرف على المفتشية العامة للشؤون القضائية مفتش عام يعين بظهير باقتراح من الرئيس المنتدب للمجلس٬ بعد استشارة المجلس٬ من بين قضاة الدرجة الاستثنائية، على الأقل لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، غير أنه يمكن وضع حد لهذا التعيين قبل ذلك.

المحور الثاني : مهام المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
لقد أسند الدستور الجديد للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، مهمتين جديدتين تتعلق الأولى بتقديم استشارات، وذلك بطلب من الملك أو البرلمان أو الحكومة (الفقرة الأولى) مع احترام مبدأ الفصل بين السلط. والمهمة الثانية تتعلق بإعداد دراسات حول واقع العدالة بالمغرب من حيث مكامن القوة والضعف (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: تقديم الاستشارات بطلب من الملك أو البرلمان أو الحكومة
ارتقى الدستور بمؤسسة المجلس الأعلى للقضاء إلى سلطة عليا فاعلة في التوجيه الاستراتيجي، المستمر في الزمان، لسيادة العدل بخصوص الإصلاح الهيكلي للقضاة في بعده البشري والتنظيمي والقانوني.

ويعرض أراء مفصلة حول كل مسألة تتعلق بالعدالة ولكن ليس من تلقاء نفسه بل "" بطلب من الملك أو الحكومة أو البرلمان تحت شرط عدم المساس بمبدأ فصل السلط واستقلال القضاء"".

ومن بين الوسائل التي تؤدي إلى مشاركة المجلس الأعلى للسلطة القضائية في تعزيز دور القضاء واستقلاله، هو منحه نسبة معينة من المسؤولية عن التخطيط المؤسساتي وتحديد السياسة القضائية، ولهذه الغاية، مهمة الإشراف على تطبيق السياسات القضائية من خلال وضع خطط إستراتيجية تحدد معالم عمله للسنوات القادمة، وخطط تنفيذية تشمل الأنشطة والبرامج المسطرة في جداول زمنية وميزانية محددة ووضع آليات التنفيذ والمتابعة والتقييم. وهو ما سيمكن المجلس من تقديم الاقتراحات والتوصيات التي يراها ملائمة لكل ما من شأنه تطوير العمل القضائي.

أناط، كذلك بالمجلس إبداء الرأي وإصدار التقارير والتوصيات حول منظومة العدالة ككل، وأصبحت معه الحكومة والبرلمان كل في مجال اختصاصه، وفي علاقة المجلس بالملك في هذا الجانب، لتمكين جلالته من اتخاذ ما يلزم من التدابير لتفعيل ائتمانه على استقلال السلطة القضائية، ورئاسة المجلس على أسس محكمة، وهو توجه يوفر نجاعة وجرأة أكثر للدفع بمناهج الإصلاح الشمولي، للتأسيس لبناء قضاء مقتدر فعال مستقل الاستقلال المسؤول من الداخل، يفترض أن يمتد إلى المحيط الخارجي للقضاء.

وفي هذا الإطار سيتمكن المجلس الجديد من أداء مهامه القانونية وتحقيق الاستقلال الإداري، والذي هو ضرورة أيضا لبناء القدرة المؤسسية للاستقلال المالي. خاصة وأن المجلس الحالي للقضاء لا يتمتع بأية صلاحيات في الشؤون المالية بل هي جزء من موازنة وزارة العدل .

الفقرة الثانية: إعداد الدراسات حول واقع العدالة
إن إخراج وزير العدل من تشكيل المجلس الأعلى للسلطة القضائية، يعتبر إيذانا بنهاية مساره في المجال القضائي، مما يجعل هذا المجلس هو المكلف حصرا بتقييم أداء المحاكم رئاسة ونيابة عامة، ولا يمكن تبعا لذلك إحداث تمايز في الإشراف والتتبع والمراقبة لوحدة النظام القضائي، ويتأكد بقوة هذا الطرح أنه بقراءة متأنية لأحكام الدستور لا نجد أية إشارة للحكومة أو وزارة العدل، إلا في فصل وحيد 113 المتعلق بتقديم أراء حول كل مسألة لا تتعلق بسير القضاء، مع مراعاة مبدأ فصل السلط، لأن المجلس الأعلى للسلطة القضائية هو صاحب الاختصاص الأصيل بإصدار تقارير حول وضعية القضاء ومنظومة العدالة ويصدر التوصيات الملائمة بشأنها.

كما يقوم المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بانجاز تقارير حل وضعية القضاء ومنظومة العدالة بصفة تلقائية. ولا شك أن النهوض بهذه المهمة لا يخص القضاة وحدهم، بل يهم جميع الهيئات الفاعلة في مجال حسن سير العدالة، هذا إلى جانب تشخيص واقع العدالة، ورصد المعوقات التي تعاني منها ( كالبطء والتنفيذ والتخليق... ) والتي تحول دون قيامها بمهمتها الأساسية، ويصدر التوصيات الملائمة بشأنها، مما سيسهم في انفتاح المجلس على محيطه وتحسين إجراءات الشفافية المرتبطة بأعماله.

وقد اختار الدستور الجديد أن ينتقل من الطابع الاقتراحي إلى الطابع التقريري، باستثناء مقترحات التعيين، وهو تحول جذري بالغ الأهمية، استجابة للمنطق الداخلي لخيار الارتقاء بالقضاء إلى سلطة، والارتقاء بالنيابة عن الرئيس الى الرئاسة المنتدبة.

غير أن هذا الطابع التقريري أصبح مقيدا بضمانة القابلية للطعن أمام القضاء، إذ أقر الدستور لصاحب المصلحة المباشرة، إمكانية الطعن ضد القرارات المتعلقة بالوضعية الفردية للقاضي، أمام أعلى هيئة قضائية إدارية بالمملكة، بسبب الشطط في استعمال السلطة.

وفي سبيل تحقيق الشفافية، يمكن للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أن يقوم بدور ملحوظ في تسهيل حصول المواطنين على معلومات تتعلق بالقضاء، إما مباشرة بإعطاء معلومات عبر المنشورات أو نشرها لوسائل الإعلام أو بالاستجابة إلى مطالب المهتمين للحصول على معلومات.

وتنص المادة 110 من القانون التنظيمي، أن المجلس يتلقى تقارير حول وضعية القضاء ومنظومة العدالة ٬ ولا سيما تقارير كل من :
الرئيس الأول لمحكمة النقض والوكيل العام للملك لديها كل في مجال اختصاصاته.
الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة حول تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة؛
الوزير المكلفة بالعدل حول سير وأداء الإدارة القضائية وحصيلة منجزاتها وبرامج عملها٬ وكذا وضعيات المهن القضائية ؛
المفتشية العامة للشؤون القضائية ؛

مؤسسات وهيئات حماية الحقوق والحريات والحكامة الجيدة المنصوص عليها في الدستور.
الجمعيات المهنية للقضاة ؛
جمعيات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية المهتمة بقضايا العدالة والمؤسسة بكيفية قانونية منذ ثلاث سنوات على الأقل.

خاتمة:
إن تحقيق طموح استقلال السلطة القضائية بالمغرب، الذي يعرف تحولات هامة في المجال الديمقراطي والاقتصادي والاقتصادي، من شأنه أن يعزز الأوراش الكبرى للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي تسير فيها البلاد بخطى ثابتة، كلها في حاجة أكيدة للتحصين والتمنيع، بإرجاع الثقة في قضاء مستقل ونزيه مبني على أسس صلبة، على مقتضى التوجهات المرجعية الواردة في الخطاب الملكي المرجعي في ذكرى ثورة الملك والشعب، التي جاءت إحدى فقراته تنص على "" أما الأهداف المنشودة، فهي توطيد الثقة والمصداقية في القضاء فعال ومنصف، باعتباره حصنا منيعا لدولة الحق وعماد الأمن القضائي والحكامة الجيدة ومحفزا للتنمية ..."
ولعل أن انضمام المغرب إلى مصاف الدول المتقدمة والديمقراطية، على مستوى الدستور في مجال القواعد المنظمة للسلطة القضائية ، يدشن لمسار مستقبلي واعد لإصلاح شمولي جذري وعميق للقضاء، يعزز دولة الحق والقانون، إذا ما تم تقدير هذا التحول الجديد حق قدره، وهي مسؤولية حكومية على مستوى تحضير مشاريع القانونين المنسجمة مع التحول العميق، بما في ذلك قوانين المالية، ومسؤولية برلمانية على مستوى التشريع ومراقبة مدى وفاء الحكومة لنص وروح وأبعاد الاختيارات الدستورية الجديدة، ومسؤولية ذاتية للقضاة ميدانيا، في بعديها المهني والأخلاقي، من خلال التشبث بقيم استقلال القضاء.

بقلم ذ ياسين الكعيوش
باحث بسلك الدكتوراه كلية الحقوق-فاس
 


أعلى الصفحة