قانون الأعمال

بقلم ذ طارق لكدالي
باحث جامعي في قانون الأعمال
تحت عدد: 101

 

                    صادق المجلس الحكومي على مشروع قانون رقم 12-109 بمثابة مدونة التعاضد الذي صادق عليه المجلس الحكومي، وكان موضوع مناقشة ورأي من قبل اللجنة الدائمة المكلفة بالشؤون الاجتماعية والتضامن  بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، بعدما تلقى طلبا بذلك من قبل رئيس مجلس المستشارين بتاريخ 18 شتنبر 2013 ، 

إذ استمعت اللجنة خلال إعدادها لتقريرها إلى 34 من القطاعات الحكومية والمؤسسات والهيآت (4 وزارات و19 تعاضدية 

و5 نقابات و3 هيآت تدبير التأمين الإجباري الأساسي عن المرض وثلاث جمعيات). (1/4(


تبنى الجمع العام للمجلس بالإجماع ما خلصت إليه هذه اللجنة خلال دورته العادية الثالثة والثلاثين والمنعقدة بتاريخ 28 نونبر 2013، إذ أجمع التقرير على ضرورة تمكين التعاضديات من الإسهام في السياسة الصحية للدولة، وضرورة إعادة النظر في مقــتضيات القــانون رقــم 12- 84 المتعلق بالآليات الطبية والقانون رقم 09-34 المتعلق بالمنظومة الصحية وتقديم العلاجات، وذلك لتمكين التعاضديات بنظامها القانوني الخاص من ممارسة الأنشطة ذات الطابع الصحي، كما دعا المجلس إلى إقامة تعاقد بين الدولة وقطاع التعاضد على غرار التعاقدات المبرمة مع قطاعات أخرى ) قطاع التأمينات مثلا( ومساعدة قطاع التعاضد على إنشاء هيأة قادرة على تمثيله والدفاع عن مصالحه ، كما أوصى المجلس بتعيين هيأة عليا للتقنين تضم ممثلين عن السلطات العمومية والمشغلين والنقابات والتعاضديات ، تتكلف بالسهر على الانسجام بين مكونات القطاع والنهوض به ومراجعة المعايير التقنية والاحترازية المطبقة تحت تسمية )المجلس الأعلى للتعاضد(.

وعلى غرار نتائج هذا التقرير كان لزاما الخوض في دراسة قانونية لمقتضيات مشروع القانون رقم 12109- لتبيان خصائص هذا المشروع ومكوناته وانعكاساته الواقعية والقانونية، لكن قبل ذلك ارتأيت التطرق إلى الاعتبارات الداخلية والخارجية التي ساعدت وساهمت في إعداد هذا المشروع.

الاعتبـــارات الداخلـيـــة 

 يندرج هذا المشروع ضمن حركة إصلاحية يعرفها نظام التأمين الصحي المغربي والذي يقوم على سياسة التنمية الاجتماعية وتحسين المستوى الصحي الذي يعتبر أحد المكونات الأساسية لهذه السياسة التي تهدف إلى ضمان مشاركة المواطنين والقطاعات الخاصة في التنمية، وهذه الأولوية تشكل موضوع توافق وطني يتماشى مع المتغيرات الدولية، وذلك باعتبارها أداة فعالة من أدوات تحقيق العدالة الاجتماعية، لذا جاء مشروع مدونة التعاضد الذي يركز على دور التعاضديات شريكا رئيسيا للدولة في تسيير أنشطتها الصحية ومسايرا للقانون رقم 65-00 بمثابة مدونة التغطية الصحية الأساسية، حيث تعمل الدولة على اتخاذ التدابير اللازمة لتحمل علاج الأشخاص.

الاعتبــارات الخـارجيــة 

 التزم المغرب بإصلاح نظام التعاضد الخاص به عندما واجه الاتحاد الأوربي الأزمة الاقتصادية وأيضا عند مراجعة بعض عناصر الأنظمة الاجتماعية لحماية الدول الأعضاء فيها، وهذا ينعكس على بناء نموذج اجتماعي جديد، ودور التعاضديات في هذا النموذج،وفي هذا الإطار قدم البرلمان الأوربي في يوليوز 2011، تقريرا عن «دور التعاضديات في القرن الحادي والعشرين»،  حيث قدمت اللجنة الأوربية بناء على طلب من البرلمان الأوربي جدول الأعمال للعمل على النظام الأساسي للتعاضد الأوربي.

لماذا هذا الاهتمام المتجدد بالنموذج التعاضدي؟

هناك عدة عوامل أبرزها تقرير البرلمان الأوروبي الذي يقر بأن التعاضديات استطاعت عموما تجاوز الأزمة المالية مقارنة مع القطاعات الأخرى المنافسة لها والتي تقوم على الربح ( اقل طلب في السوق المالي، سياسة مالية جد حذرة وطويلة الأمد، وهذا ما بينه تقرير الوكالة مودي Agence Moody سنة 2009). « فوجود التعاضديات يؤسس عاملا تنافسيا منفعيا بالنسبة للمؤمنين»، فالتعاضديات موجهة لفئات اجتماعية خاصة يمكن أن تعزز قدرتهم على العمل الاجتماعي والاقتصادي، ليؤكد تقرير يوليوز 2011 للبرلمان الأوربي ما يلي :

« لا يزال للتعاضدية سبب لوجودها، فهي تمثل قيمة مضافة للاقتصاد الأوربي والمجتمع ككل، هناك حجج اقتصادية قوية لتشجيع التعاضد، وهذا مجال هام من مجالات التنمية ، بالإضافة إلى أن عددا كبيرا من المواطنين الأوربيين اختاروا الدخول إلى خدمات الرعاية الصحية، الخدمات الاجتماعية ذات جودة عالية، وأيضا هناك حاجة متزايدة للفاعلين الاقتصاديين بوجود مسؤولية اجتماعية متجذرة في مؤسساتهم».

لكن السؤال المطروح الآن ، هو هل استطاع مشروع قانون بمثابة مدونة التعاضد أن يساير التوجهات العامة الدولية لنموذج التعاضد الأوربي؟

للجواب على هذا السؤال، لابد بدوري وعلى غرار العديد من الدارسين والباحثين والعاملين بقطاع التعاضد التساؤل حول مدى الحاجة في التخلي عن ظهير 1963 وتعويضه بنص قانوني جديد ؟ إذ أن الأخير لم يعرف منذ صدوره سوى تعديلين اثنين الأول سنة 1979 والثاني سنة 2010 تعديلات لم تمس الجوانب المتعلقة بتدبير وتسيير هذه التعاضديات، ناهيك عن غياب المجلس الأعلى للتعاضد عن المشهد لسنوات طويلة حيث لم يجتمع سوى ثلاث مرات فقط 1967 و 2007 و2010، وبالتالي لا يمكن تحميل القطاع التعاضدي تبعات عدم التأهيل التشريعي للقطاع، كما أن ظهير 1963 لا يزال مادة خام قابلة للتطوير والتعديل والاستمرار.   

 فمن خلال القراءة المتأنية لمشروع مدونة التعاضد، يصطدم رجل القانون بين الأهداف المتوخاة لجعل التعاضديات كشريك في النشاط الصحي للدولة مع ملاءمتها مع السياسة الوطنية للصحة ( المادة 2) وتحدي الفاعلين في القطاع التعاضدي بالوسائل المتاحة لهم لتحقيق هذه الأهداف تحت خطر ليس فقط  في عدم إمكانية تحقيقها بل تؤدي إلى شلل النظام التعاضدي ككل.

مشــروع قانـــون طموح تضمن مقتضيات عامة تتعلق بحياة التعاضدية إلى انتهائها من حيث التعريف والتأسيس وتحديد أجهزة القرار والمهام المنوطة بها ونطاق أنشطتها والمقتضيات المتعلقة بالتسيير الإداري سواء تعلق الأمر بعلاقاتها الخارجية أو بعلاقاتها مع الإدارة، فهذه الرؤية الشمولية للمشروع والذي ميزه عن النظام الحالي أسس مبدئيا نظاما متناسقا، كما حاول المشروع تحديد مسؤوليات التعاضديات في إطار قانوني يوجهها في ممارسة مهامها اليومية ومسؤولياتها.

كما أن المشروع أعطى للتعاضديات نطاقا واسعا لممارسة أنشطتها مادام شمولية تأمين الشخص على عموم المخاطر المرتبطة بالصحة ، الولادة والشيخوخة والوفاة وأيضا في مجموع الخدمات، أعمال الوقاية، العمل الاجتماعي، الوحدات الصحية والاجتماعية، فالتعاضديات يمكنها أيضا أن تكون مجموعة من الاتحادات لممارسة أنشطتها، وهذا يعني أن المشروع حاول تحديث القطاع التعاضدي ليلعب الدور المنوط به في تناسق وتناسب مع القطاع الأساسي الذي يتطلب وضع القواعد الأساسية للتسيير ويحسن جودة الخدمات لفائدة المنخرطين.

 وبالتالي فالمشروع يقر بالدور الفعال للتعاضديات كآليات فعالة في القطاع الاقتصادي ويندرج في حراك إصلاحي، والتحديث وذلك بوضع قواعد محاسباتية مثلها مثل الشركات التجارية، وهذا يميزها عن الجمعيات، والمشرع المغربي مثل نظيره الأوربي وضع مقتضيات خاصة بالاحترافية  والمهنية بالنسبة إلى مسيري التعاضديات، وإن كان هذا يقتصر فقط على أعضاء الإدارة الجماعية كما يحمل المشروع هاجس التسيير الحكيم أو الإدارة الحكيمة.

رغم الجهود المبذولة في هذا المشروع، إلا أن هناك مجموعة من  الإشكالات القانونية التي تهدد المشروع الإصلاحي بكامله يمكن إيجازها في النقط التالية :

الانسجام بين المشروع وبين التشريعات الأخرى القريبة منه

قبل تبني مشروع مدونة التعاضد بصفة نهائية، يجب على المشروع التأكد من وجود تناسب وانسجام مع مختلف التشريعات التي يمكن أن تتعارض معه، بالخصوص عندما نريد أن نشرك التعاضديات في الخدمات الصحية للدولة: مثل القانون المتعلق بالصحة العمومية، والعمل الصحي، وقانون ممارسة الطب.. وأيضا عندما نعترف للتعاضديات بدورها الفعال في  المجال الاقتصادي، فعلى المشروع أن يسهر على انسجام مقتضيات المشروع مع التشريعات التي تنظم الميدان الاقتصادي : القانون الضريبي، قانون المنافسة، قانون الاستهلاك.

الانسجام بين مقتضيات المشروع في حد ذاته

التأكد من انسجـام المقتضيات القانونية داخـل المشـروع نفسه، إذ أن مشروعا بهذا الحجم الشمولي يتطلب انسجاما بين مقتضياته القانونية، ولكن للأسف هناك مقتضيات لا تنسجم مع بعضها البعض من قبيل:

المقتضيات المتعلقة بموارد التعاضديات، المادة الأولى»  تنص فقط على اشتراكات منخرطيها « والمادة 3 « اشتـراك وهبات الأعضـاء الشرفيين». المادة 83 تفسح بشكل واسع إمكانية « الهبات ووصايا  منقولة أوغير منقولة». المادة 81   «سائر المداخيل الاعتيادية».

في هذا الصدد يجب على المشروع أن يحدد بصورة صريحة الموارد والمداخيل سواء المادية أو العينية للتعاضديات أو يذكرها على سبيل الحصر مع جعل إمكانية وجود رقابة في تسييرها حتى لا نكون أمام مقتضيات قانونية قد تعرض نشاط التعاضدية إلى الضعف أو الشلل.

المقتضيات المتعلقة بعدد المنخرطين حدا أدنى 5000 منخرط « المادة 6 ولا يطبق هذا المقتضى إذا ألتزمت التعاضدية بالانخراط في اتحاد التعاضديات». في حين أن المادة 153 و 162 تنصان على» أن الاتحاد يجب أن يثبت توفره على عدد أدنى من المنخرطين في التعاضديات المكونة له والذي لايمكن أن يقل عن 5000 منخرط».

إذا كانت المادة 85 تمنع على كل تعاضدية منح سلف أو إعطاء كفالات أو ضمانات لفائدة إي كان»، فالمادة  74 «  ترخص للإدارة الجماعية بمنح كفالات أو ضمانات احتياطية أو ضمانات دون تحديد لمبلغها ، للإدارات الجبائية أو الجمركية».

 التأكـــد من ملاءمــة المعاييــر المعتمــدة

إن ملاءمة المعايير في النص القانوني يجب أن تقدرفي ذاتها – الارتباط بين الهدف المتوخى والمعيار المعتمد- في ما يتعلق بطبيعة النص، خصوصا مكانته على مستوى الضوابط القانونية، فالمدونة القانونية هي نص ذو طابع جدي خاص معمول أساسا ليطبق على فترة زمنية طويلة، هذه المقتضيات تتسم بالاستمرارية على خلاف النصوص التنظيمية بالخصوص النصوص الإدارية، إذا على هذا المستوى، فإن المدونة لا تخلو من انتقاد، لوجود مجموعة من المقتضيات الخاصة التي لا تتلاءم مع الأهداف العامة، بل تثير اهتمامات آنية منصوص عليها في مدونة قانونية تتسم بالاستمرارية ونذكر على سبيل المثال:

تحديد الحد الأدنى للمنخرطين ( المادة 6)، والمادة نفسها تنص على» أن لا يقل العدد عن 5000 «. وهذا ما سيحدده نص تنظيمي؟  ماذا يعني توفر حد أدنى للمنخرطين حتى نكون أمام  تعاضدية، خصوصا حسب مفهوم المشروع، أن الشخص المعنوي الموقع على الاتفاق الجماعي لكن لا يمكن احتسابه في السقف مادام لا يتوفر على صفة منخرط كعضو شرفي أليس من الملائم وضع سقف مالي كحد أدنى ؟ مثلا تستند على سلطة تنظيمية بعد استشارة المجلس الأعلى للتعاضدية؟.

هل يمكن للمدونة أن تحدد أجل أداء الخدمات؟ (المادة 8) .

بلا شك أن نصا بهذا الحجم يجب أن يضع المبادئ الأساسية التي تضمن حقوق الأشخاص وتعمل على حمايتها وأيضا حماية ذوي الحقوق.

إن الاهتمام بأدق التفاصيل يشوه المقتضيات الخاصة بالإدارة الجماعية سواء تعلق الأمر بتأليفها  ثلاثة أعضاء (المادة 65) وعلى مستوى تكوين أعضائها تطلب المشروع الحصول على دبلوم جامعي وعلى تجربة مهنية في ميادين التعاضد والتقاعد أو التأمين ( المادة 66) ويكون أعضاء الإدارة الجماعية من الأشخاص الذاتيين( تحت طائلة بطلان التعيين)، إن الشرط المتعلق بالشهادة المحصل عليها والتي نص عليها المشروع لا يمكن تصوره إلا من خلال فرضية انتداب التعاضدية الإدارة الجماعية إلى شخص معنوي التي تعين بدورها وكلاء إلى هذا الانتداب، وكيفما كان الحال هناك حيرة يجب إثارتها سواء تعلق الأمر لمدة انتداب أعضاء الإدارة الجماعية ( المادة 69 ). فإن عدم ملاءمة القواعد نفسها ضمن المادة نفسها بالنسبة لكل التعاضديات، كيفما كانت أهميتها واختلاف أنشطتها، فتحديد المعايير المعتمدة تكشف عقمها كما أنها لا توجد أي قاعدة بالمفهوم المخالف تتعلق بتدبير الاتحادات كما هو الشأن بالنسبة إلى التعاضديات حتى ولو حاولنا أن نستشفها من المادة 55، وهذا يؤدي إلى فرضية أن اتحاد تعاضديتين من 5000 منخرط لها 9 رؤساء بالنسبة إلى 10.000 منخرط.

الانتقاد نفسه يوجه إلى مقتضيات القسم السادس «المتعلق بالعقوبات «، فإذا كانت المدونة هي التي تحدد طبيعة المخالفات والعقوبات الملائمة لها، فإن هذه الأخيرة يجب أن تؤخذ من النصوص التطبيقية.

انطلاقا من هذه الانتقادات يجب إعادة الصياغة النصية لمشروع إصلاح مدونة التعاضد والابتعاد عن الانزلاقات والهفوات التي عرفتها بعض مقتضيات هذا المشروع، بالإضافة إلى كل هذا، فإذا أراد مشروع الإصلاح أن يظل متشبثا بأهدافه الاجتماعية والإنمائية، عليه أن يعيد النظر بشكل جوهري وعميق في بعض أقسام وتبويبات المشروع الإصلاحي.

مشــروع إصلاحــي يجب أن يعــــدل

إن أي مشروع إصلاحي رغم المزايا التي يتمتع بها من أنه طموح ويسعى إلى إصلاح شمولي، فإنه يحتوي بين طياته ثغرات وهفوات لا يمكن أن تظهر إلا بعد تطبيقه لفترة زمنية معينة، ولكن للأسف من سمات هذا المشروع الإصلاحي لمدونة التعاضد، أن عيوبه وأخطاءه الفادحة يتم كشفها في المرحلة الآنية من قبل أي رجل قانون له معرفة بسيطة بميدان التعاضد والمقاولات، وبالتالي يكون من الواجب عليه أن ينبه إلى خطر الفشل والشلل الذي يهدد بعض أحكام ومقتضيات هذا المشروع الإصلاحي الضخم وهذا يتعلق بالخصوص بالمقتضيات التالية:

أولا:  نطــاق نشــاط التعاضديات وشروط ممارستها:

 كما سبقت الإشارة إلى أن مشروع إصلاح مدونة التعاضد أعطى نطاقا واسعا لنشاط التعاضديات، نطاق يتوافق مع مهامها ) تأمين الشخص، حمايته من مخاطر المرض، الحوادث، الولادة، الشيخوخة، والوفاة وأيضا القيام بعمليات الإسعاف المرتبطة بهذه الخدمات، معونات، مساعدات، الأعمال الوقائية، إحداث وتدبير وحدات صحية واجتماعية(، ومثل كل الفعاليات الاقتصادية، فالتعاضديات في حاجة إلى الوسائل اللازمة لممارسة هذه الأنشطة، ومن بينها الوسائل القانونية المتوفرة التي يجب أن تلتزم بالمرونة الكافية لتمكين التعاضديات من مواجهة الحالات الأكثر تعقيدا وتنوعا ولتطوير الشراكات وفقا للقيم- غير الهادفة للربح- وهذا لا يعني عدم وجود نتائج إيجابية أو تحقيق مالي معين، بل الهدف الأسمى هو التضامن في المجتمع لتحقيق الحماية الاجتماعية والصحية للمنخرطين ولذوي حقوقهم، وهذا يعني حذف بعض العقبات المنصوص عليها في النص الحالي لمشروع مدونة التعاضد، وإضافة بعض المقتضيات والأحكام التكميلية التي تسعى إلى الهدف نفسه.

 

أما في ما يتعلق بنشاط التأمين للتعاضديات ينبغي

- تحديد واضح للمادة 3 من مشروع المدونة للتعاضديات لتأمين عقود جماعية وهذا لا يمنعه المشروع الحالي بالاعتراف للأشخاص المعنويين الموقعة عليها أي العقود “صفة عضو شرفي” ومنخرط في الوقت نفسه. فالتعاضديات تأخذ بعين الاعتبار فئتين من المنخرطين، الأعضاء المساهمين والأعضاء الشرفيين، سواء كانوا أشخاصا معنويين أو طبيعيين يؤدون هبات أو وصايا أوأشخاصا معنويين موقعين على العقد الجماعي. وسنرى لاحقا أن هذا التحديد في هذه المقتضيات سيعمل على تحسين إدراة التعاضديات.

- إعطاء الصلاحية للتعاضديات المادة 2 والاتحادات المادة 154 بممارسة نشاط إعادة التأمين، مع العلم أن هذا النشاط مسموح به للاتحادات بمقتضى مدونة التعاضد الحالية.

- توسيع نطاق الشراكة والمسموح به للتعاضديات والذي حدده المشروع فقط بعمليات الضم والإدماج وبترخيص عمليات نقل الحقائب والصلاحيات، وهذه المقتضيات الجديدة مكانها في الباب الخامس بالقسم الأول من المشروع.

- منح التعاضديات الأهلية بصفتها فاعلا اقتصاديا بإزالة منع الاقتراض المنصوص عليه في المادة 81 شرط تقنين استخدام هذا القرض ضمانا لحماية حقوق المنخرطين وإزالة وصاية الإدارة على العمليات العقارية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالحاجيات الضرورية لتسيير التعاضدية -المادة 81-.

- إعادة النظر في الدور المنوط بالاتحادات نحو اتجاه تكاملي أفضل بين تعاضديات المنخرطين والاتحاد، وليس كما عليه الأمر في مشروع المدونة، إذ اعتبر الاتحاد “فوق التعاضدية” بحيث يؤدي انخراط التعاضدية في الاتحاد إلى إلزامية تحويل هذه الأخيرة تغطية الأخطار٬ المرض٬ الولادة٬ الحوادث المادة 154.

فيما يتعلق بإحداث وحدات صحية واجتماعية ينبغي:

تحديد مرن للنشاطات التي ستقوم بها هذه المؤسسات (وحدات صحية واجتماعية المادة 2)، باستثناء إذا ما حرمنا هذه الأخيرة من سبب وجودها مثلا مؤسسة لدور الأشخاص المسنين أو المحتاجين أو ذوي الاحتياجات الخاصة، ولكن لا تتوفر على أي خدمات في مجال العلاج أو توريد الأدوية والمعدات . في هذا الصدد لابد من توسيع دائرة نشاط المؤسسات حتى تتماشى مع الرؤى المستقبلية للقطاع الصحي والاجتماعي في المغرب

الشيء نفسه بالنسبة للمادة 144 التي تنص على أنه “يمكن للتعاضديات التوقيع على اتفاقيات لصالح هذه المؤسسات مع هيآت مهنية أخرى كما يرخصها قانون التعاضد الحالي والصادر بتاريخ 1963. وتجدر الإشارة أن المشروع الحالي يشير في مادته 96 إلى الاتفاقيات دون الأخذ بعين الاعتبار أدنى نتيجة، وأن هذه الاتفاقيات والمؤسسات خاضعة في نشاطاتها لمراقبة وزارة الصحة.

ثانيــا: إدارة التعاضـــديـــات

   انطلاقا  من مدونة مشروع التعاضد، تدير التعاضدية ثلاثة أجهزة للقرار والإدارة: الجمع العام٬ المجلس الإداري، والإدارة الجماعية (المادة 21).

 وتحدد المادة 22 أن التعاضدية يديرها مجلس إداري وإدارة جماعية

وعليه نستنتج من خلال هاتين المادتين أن جهاز القرار الوحيد في التعاضدية هو الجمع العام وأن الإدارة موكولة للمجلس الإداري والإدارة الجماعية.

كيفما كان المنطق الذي يستند عليه المشروع، فإن الاستنتاج يتعارض مع مفهوم التوجه العام للمشروع في مادة الإدارة وأيضا بناء على الفصل 65 الذي ينص على أن التعاضدية تديرها إدارة جماعية وهذا يتوافق مع طريقة الإدارة المنصوص عليها في المشروع.

إن التحليل القانوني لهذه المقتضيات المختلفة بالنسبة لهذه الأجهزة الثلاثة يقتضي إبداء الملاحظات التالية

 بالنسبة إلى الجمــع العــام

أول صعوبة تواجهنا في هذا الصدد،  متعلقة بتكوين هذا الجهاز وهذا ناتج عن غموض المصطلحات المستعملة والتي تتردد في مختلف مواد الفرع الأول الباب الثاني والقسم الأول من المشروع وهو مصطلح الأعضاء والمنخرطين.

طبقا لمقتضيات المادة 3 من المشروع يجوز تأليف التعاضدية من أعضاء مساهمين يدعون “منخرطين” وأعضاء شرفيين وأشخاص طبيعيين أو معنويين يمكنها أن تؤدي اشتراكا.

 لنستنتج بخلاف ما هو عليه النص، أن الأعضاء الشرفيين هم منخرطون أيضا في التعاضدية، وبالتالي لهم حق التصويت في الجمع العام، وحتى بالنسبة إلى الأشخاص الآخرين المعنيين الذين لم يؤدوا اشتراكاتهم، مادامت أن المادة 25 تشير “يجب أن يكون المنخرط أدى اشتراكاته حتى يمكن أن يشترك بالجمع العام”. الملاحظ هو أن هناك خلطا عاما واضحا في تأليف هذا الجهاز من خلال المصطلحات المستعملة ومن خلال الحقوق الموكولة له للمشاركة في الجمع العام، وبالتالي يجب توضيح هذه النقطة لتفادي الحالات الصعبة أو الحالات التي تصعب إدارتها من قبل التعاضديات.

أما فيما يتعلق بدعوة الجمع العام للانعقاد، فيجب النص على أن رئيس المجلس الإداري هو المختص لدعوة الجمع العام للانعقاد وليس المجلس الإداري، كما هو منصوص عليه في المادة 35 التي تنص “يجب على القائم بدعوة الجمع العام أن يعد ويقدم لكل جمع تقريرا عن المواضيع المدرجة في جدول الأعمال”. وبالنسبة إلى هذا الأخير سيكون من الحكم إعادة صياغة المادة 32 التي تنص “يحدد جدول أعمال الجموع العامة من طرف المجلس الإداري بعد أن يرسل مسبقا إلى أعضاء الجمع العام مرفقا بالدعوات..............؟”.

فيما يتعلق بالسلطات المخولة للجمع العام كما نصت عليها المادتان 25 و27 يجب توسيع هذه السلطات وتمديدها على مجموع العمليات المسموحة للتعاضديات القيام بها، خصوصا إذا ما وسعنا نطاق نشاط هذه الأخيرة كما تم اقتراحه سابقا، وبصفة أدق انتخاب المجلس الإداري الموكول إلى الجمع العام بمقتضى المادة 28 على أنه يجب إضافة صلاحية أخرى، وهي إلغاء المجلس الإداري، فهذا المقتضى غير منصوص عليه مطلقا في مدونة المشروع الحالي.

بالنسبـة إلى المجلـــس الإداري

تعترضنا الصعوبات المذكورة أعلاه نفسها ودائما المرتبطة بالغموض وبالمصطلحات المستعملة في المادة 3 من مشروع المدونة، ولنكون أكثر وضوحا بالنسبة للمجلس الإداري، نتساءل كيف يمكننا رفض صفة منخرط لعضو شرفي في حين يمكنه أن يكون عضوا في المجلس الإداري؟.

وعليه هناك مجموعة من التعديلات والتغييرات التي يجب أن تطول المشروع حتى يمكن للتعاضديات القيام بالمهام الموكلة إليها تماشيا مع التطورات المجتمعية الداخلية و الخارجية، ومن بين هذه التغييرات التعديلات التالية  : 

-  عدم وضع حد أدنى لأعضاء المجلس الإداري المادة 51 من المشروع أو النص على وجود تغييرات مؤقتة لهذا السقف ترتبط بظروف خاصة، مثال ،في حالة إدماج تعاضدية في أخرى.

- الترخيص للتعاضدية للتجديد الجزئي للمجلس الإداري ( 2/1  - 1/3 ) المادة 53 من المشرع فهذا التجديد الجزئي يعزز استمرارية العمل في التعاضدية.

- في غياب نص قانوني يحدد اختصاصات رئيس المجلس الإداري على المشرع أن ينص بصفة واضحة على دوره في تسيير المجلس الإداري.

-أما بخصوص وظائفه، فيجب منح السلطة والصلاحية للمجلس الإداري بخلق لجان دائمة أو مؤقتة مع إلزامية تشكيل لجنة للمراقبة و المراجعة ولمراقبة الأعمال وبذلك تؤسس وظيفتها الأساسية والمباشرة تحت مسؤولية الجهاز الإداري للتعاضدية.

بقلم ذ طارق لكدالي
باحث جامعي في قانون الأعمال
 


أعلى الصفحة