القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ مكرم العزيزي
قاض تونسي
تحت عدد: 675
أحدثت منذ سنوات لجنة صلب وزارة العدل أوكلت إليها مهمة تنقيح المجلة الجزائية وتطويرها بإعتبار أن الأسس الدستورية والتراكمات الحقوقية والتحولات السوسيو إقتصادية بالبلاد هي

من النضج لإنتاج مجلة جزائية متطورة وقابلة للتطبيق تقاوم الجريمة وتحمي المجتمع وتضمن إحترام الحقوق والحريات .
غير أن ما نشر إلى حد الآن وهو ما رشح من أعمال اللجنة ويتعلق بمشروع تنقيح الكتاب الأول من المجلة كان دون سقف التطلعات المشروعة لرجال القانون والمشتغلين به .
وتسمح القراءة الأولية له بتقديم أمثلة دالة على معالم هذا التقييم من حيث الشكل والأصل :
-1-من ناحية الشكل :
_يبدو أن الأمر يتعلق بمشروع مجلة جديدة لا الاقتصار فقط على تنقيح بعض فصول المجلة الصادرة سنة 1913 وهو أمر مستغرب لجودة أحكام هذه الأخيرة وتميزها كما ما يمثل قطعا مع موروث قانوني هو محل فخر للدولة التونسية وقد كان من الأجدى تنقيح ما يجب تنقيحه وإضافة ما يجب إضافته بما يتلاءم مع أحكام الدستور وتطورات منظومة العدالة الجزائية والنظم الجزائية المقارنة .

_تميزت الفصول الجديدة المقترحة بسوء الصياغة ورداءة الاخراج ،فمن المعلوم أن صياغة النص القانوني تحكمها قواعد متعارف عليها بين رجال القانون أرست ما يسمى ب"فن صياغة القوانين "تجعله يخضع لشرائط عديدة أهمها أن يكون عاما ،مجردا ،متناسقا ،دقيقا ،مرنا ،خلوا من التزيد والتكرار حتى يكون قابلا للتطور والتطوير غير أن الفصول المقترحة صيغت بشكل مخالف القواعد المذكورة وبأسلوب سطحي مثير للدهشة .

-إيغال نصوص المشروع في التفصيل غير المبرر فنجدها متضمنة لجملة من الإجتهادات قضائية وفقهية متعارف عليها في المادة الجزائية ولا حاجة لتضمينها صلب نصوص قانونية ومثال ذالك ما إحتوته أحكام الدفاع الشرعي و تعداد شروطه أو التنصيص على عدم جواز القياس في المادة الجزائية والتأويل الضيق للنص الجزائي(الفصول 13و29و30و31 ).
-تضمن المشروع أحكام إجرائية تجد مكانها الطبيعي صلب مجلة الاجراءات الجزائية ومثال ذالك بعض الفصول المتعلقة بتنفيذ العقوبة وصلاحيات قاضي تنفيذ العقوبات .
-2-من ناحية الأصل :
سنتطرق إلى أهم مواطن التجديد تباعا :
في موانع المسؤولية
-ابتدع النص الجديد مانعا جديدا من موانع المسؤولية الجزائية لا نظير له في القوانين المقارنة (على حد علمنا) وهو الجهل بالقانون الجزائي والغلط فيه صلب الفصل 12 جديد لافي مخالفة لأحد أشهر قواعد القانون العمومية وهي العلم بالقانون المكرسة صلب مجلة الإلتزامات والعقود .
-كرّس المشروع موانعا جديدة للمسؤولية الجزائية وهي أن يكون الفاعل مصابا بإضطرابات نفسية أو عصبية أو متعاطيا لمواد وعقاقير مخدرة " تفقده التمييز " هكذا !!! إذ نص الفصل 27 جديد على أنه "لا يسأل جزائيا كل من عند إرتكابه للجريمة مصابا بإضطرابات عصبية نفسية أفقدته التمييز أو السيطرة على أفغاله قي علاقة بها .
ولا يسأل جزائيا أيضا كل من كان عند إرتكابه للجريمة فاقد التمييز أو السيطرة على أفعاله في علاقة بها بموجب عقاقير أو مواد مخدرة أو مسكرة أيا كان نوعها تناولها إضطراريا لغايات علاجية أو قسرا ."
وقد كان من الأجدى الإقتصار على إعتماد المفهوم الطبي للجنون تساوقا مع فقه القضاء السائد في هذا الإطار.
أسباب الإباحة
-تكريس حالة الضرورة كسبب من أسباب الإباحة إذ نص الفصل 33 من المشروع على أنه "لا جريمة لمن إرتكب فعلا ألجأته إليه ضرورة وقاية نفسه أو غيره أو ماله أو مال غيره من خطر جسيم وحال لم يتسبب فيه عمدا ولم يكن في قدرته منعه بوسيلة أخرى وبشرط أن يكون الفعل المكون للجريمة متناسبا والخطر المراد دفعه ."
وهي نظرية فقهية أخذ بها فقه القضاء التونسي كسبب من أسباب التفصي من المسؤولية المدنية منذ زمن كما كرستها عدة قوانين مقارنة قي المادة الجزائية وتؤدي إلى نزع الصبغة الإجرامية عن الفعل المجرم أصلا وعدم معاقبة فاعله.
في المحاولة :
-تشويه النظرية العامة للمحاولة وذلك بالتنصيص على إمكانية إعتبار العزم والفعل التحضيري من قبيل المحاولة المجرمة قانونا وتجريم" الجريمة المستحيلة والجريمة الخائبة" وذلك في تضارب مع أبسط قواعد القانون الجزائي ومبادئه الأصولية .
حيث نص الفصل 20 جديد على أنه ".....تعتبر محاولة أيضا إذا أتم الفاعل الأفعال اللازمة لإرتكاب جناية غير أنها لم تفض إلى نتيجة أو كانت مستحيلة التحقق بسبب ظروف لا علاقة لها بإرادته .
"ولا تعتبر محاولة في جناية مجرد العزم أو التحضير على إرتكابها ،ما لم ينص القانون على خلاف ذلك ."
تكريس نظرية الفاعل المعنوي للجريمة
-قد يكون من حسنات هذا المشروع القليلة هو تبنيه لنظرية الفاعل المعنوي l’auteur moral فعيتبر من خلالها العقل المدبر للجريمة الذي حرّض وأرشد لإرتكابها فاعلا أصليا /معنويا رغم عدم قيامه بالأفعال المادية المكونة لها إذ نص الفصل 16 جديد على أنه "يعتير فاعلا المحرض الذي حمل أو دفع أو وجه أو حاول أن يدفع أو يوجه شخصا بأي وسيلة كانت على إرتكاب جريمة .
ولا عقاب على التحريض في المخالفات ."
وهذا أسوة بعدة قوانين مقارنة كالقانون الإيطالي (الفصل 111 ) والألماني (الفصل 25 من القانون الجزائي) مما يمكن من تغطية قصور النظرية العامة للمشاركة المضمنة صلب المجلة الجزائية التي تعتبر المحرض على إرتكاب الجريمة مشاركا وتشترط لذلك أن لا يكون التحريض مجردا بل مدعما ومصحوبا بوسائل محددة وهي (العطايا ،الهدايا،الحيل ،الخزعبلات ،تجاوز السلطة والنفوذ.)

المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي
_كرّس مشروع المجلة الجديدة المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي عدا "الدولة ،الجماعات المحلية ،وما إستثناه القانون بنص خاص" لأول مرة في القانون الجزائي التونسي . وذلك صلب نص عام (الفصل 19 جديد ) مواكبة منه لتطورات النظم العقابية والقانون المقارن مع وضع شروط لذلك وهي إرتكاب الجريمة لمصلحة هذا الشخص أو لحسابه أو بإسمه بواسطة أجهزته أو ممثليه القانونيين أو مسيريه الفعليين أو أعوانه .
في العقوبة
-تضمن مشروع المجلة تعديلا لسلم العقوبات ولتقسيم الجرائم بحسب الخطورة والعقاب إذ نص الفصل 35 جديد أ-ب على أن:
العقوبات الأصلية في الجنايات هي :
-الإعدام
-السجن بقية العمر
-السجن لمدة معينة تتجاوز عشرة أعوام (10 ) إلى ثلاثين عاما (30 )عاما .
ب-العقوبات الأصلية في الجنح هي :
-السجن لمدة معينة من ستة أشهر إلى عشرة أعوام (10 ).
-الخطية ولا يمكن أن يقل مقدارها عن خمسمائة دينارا .
وهو ما يؤدي ضرورة إلى المساس من إختصاص المحاكم ومرجع النظرالحكمي وبالأحكام المتصلة بالتحقيق ويستدعي وجود تنسيق وتكامل بين عمل اللجنة المكلفة بتنقيح المجلة الجزائية ونظيرتها المكلفة بتنقيح مجلة الإجراءات الجزائية وهو ما لا نعتقد بوجوده .
-حمل المشروع الجديد توجهات جديدة تمنع الحكم بعقوبة السجن النافذ لمدة قصيرة فألغى عقوبة السجن النافذ في المخالفات (الفصل 35-ج نص على أن عقوبة المخالفات هي الخطية من ثمانين دينارا إلى خمسمائة دينار )،كما منع المحكمة من أن تقضي بالسجن النافذ لمدة تقل عن ستة أشهر وفي "هذه الصورة يتعين عليها أن تستبدل عقوبة السجن المحكوم بها بعقوبة العمل لفائدة المصلحة العامة أو بعقوبة الخطية اليومية أو بعقوبة التعويض الجزائي أو تمتيع المحكوم عليه بإحدى آليات تفريد العقاب المنصوص عليها بالفرع الخامس من الكتاب الأول من المجلة ."
_كما كرّس وسيلة طعن جديدة في الأحكام وهي طلب إعادة النظر بموجب الفصل 3جديد ( وتختلف عن مطلب إعادة النظر المنظم صلب الفصول 277 وما بعده من م اج ) وتشترط سبق صدور حكم بات بالإدانة وصدور نص قانوني جديد مخفف للعقوبة وتقديم مطلب في ذلك من قبل المحكوم عليه أو النيابة العمومية الى نفس المحكمة المصدرة للحكمة.
_تعديل سلم العقوبات شمل التمييز بين عقوبات أصلية خاصة بالشخص الطبيعي (إضافة عقوبة المتابعة الإجتماعية والقضائية،الإقصاء من الصفقات العمومية ،غلق المحل )وأخرى متعلقة بالشخص المعنوي (الحرمان من النشاط ،الإقصاء من الصفقات العمومية ،الوضع تحت الحراسة القضائية ،نشرمضامين بعض الأحكام ) مع حذف عقوبة الإقصاء من سلم العقوبات التكميلية .
_تكريس عقوبة بديلة جديدة خاصة بالشخص الطبيعي وهي الخطية اليومية jour –amende لأول مرة في المنظومة الجزائية التونسية هذا علاوة على حذف قائمة الجنح المستثناة من نطاق تطبيق عقوبتي العمل لفائدة المصلحة العامة والتعويض الجزائي .
-تعديل نظام تأجيل العقوبة وإحداث نظام للتأجيل مع الوضع تحت الإختبار وإلزام المحكوم عليه الإلتزام لجملة من التدابير والإلتزامات الخاصة المحمولة عليه (يراجع الفصول 59 جديد ومابعده ) هذا مع الإبقاء على التأجيل المجرد .
-إدراج نظام شبه الحرية أو ما يعرف بالسجون المفتوحة والوضع تحت نظام المراقبة الإلكترونية (السوار الإلكتروني ).
. بقي أن نشير ختاما إلى أن هذا المشروع ولئن حمل في طياته فلسفة جديدة تقوم على أنسنة العقوبات وتفعيل الدور الإصلاحي للعقوبة غير أنها تثير التساؤل حول قابلية أحكامها للتطبيق في الواقع

بقلم ذ مكرم العزيزي
قاض تونسي
 


أعلى الصفحة