القانون الدستوري

بقلم ذ جابر لبوع
باحث في القانون الدستوري
تحت عدد: 781
لا شك أن المحكمة الدستورية تشكل هيئة دستورية تختص بشكل أساسي بالنظر في دستورية القوانين إلى جانب الاختصاصات الأخرى التي تحوزها بموجب نص الدستور والمتمثلة أساسا بالبت في

صحة انتخابات أعضاء البرلمان وصحة نتائج الاستفتاء كما الفصل في النزاع بين الحكومة والبرلمان حول طبيعة النصوص قيد المناقشة، علاوة على اختصاصها المتعلق بتحديد طبيعة النصوص التشريعية وفقا لمنطوق الفصل الثالث والسبعين من دستور المملكة لسنة 2011، وهذا الاختصاص الأخير هو الذي سيكون موضوع قراءتنا هذه.

وتأتي هذه القراءة تزامنا مع إصدار المحكمة الدستورية لقرارها رقم 19.90 بعد اطلاعها الرسالة التي يطلب بمقتضاها السيد رئيس الحكومة، على وجه الاستعجال، التصريح بكون مقتضيات المرسوم الملكي رقم 455.67 الصادر في 2 يونيو 1967 بشأن الساعة القانونية، لا تكتسي طابعا تشريعيا بالرغم من ورودها في نص تشريعي بل يشملها اختصاص السلطة التنظيمية. وما كان على المحكمة الدستورية في إطار اختصاصها بمقتضى الفصل 73 من الدستور إلا أن تقبل هذا الطلب وتبت فيه شكلا وجوهرا، ولتبدي مجموعة من التفسيرات والحيثيات حول المرسوم الملكي، ولتقرر في منطوقها بأن مقتضياته، كما تم تعديلها تندرج في مجال السلطة التنظيمية.

والجدير بالإشارة إليه أن المرسوم الملكي، الذي صدر إبان حالة الاستثناء التي يقوم بموجبها الملك باتخاذ جميع الإجراءات والتدابير اللازمة لعودة المؤسسات إلى سيرها العادي، قد أعقبته مجموعة من المراسيم الأخرى والمتعلقة بتطبيق مقتضيات الفقرة الثانية من فصله الأول التي تتيح للوزير الأول سابقا ولرئيس الحكومة حاليا، بتغيير مقتضيات الفصل الثاني من المرسوم الملكي الذي أضاف إلى الساعة القانونية ستون دقيقة.
ورغم أنه منذ 1974 دأبت الحكومة على اتخاذ مراسيم تنظيمية تتعلق بالساعة القانونية، إلا أن هذا الأمر لم يثر حفيظة الباحثين والمهتمين وحتى الحكومة نفسها فيما يخص من تعود له صلاحية القيام بتحديد الساعة القانونية، بمثل ما طرحته هذه المسألة بعدما قام رئيس الحكومة بإصدار مرسوم تحت رقم 2.18.855 يتعلق بالساعة القانونية، وبعدما تجرأ بعض النواب كذلك بالتقدم بمقترح قانون يتعلق بالساعة القانونية، وهو الأمر الذي أدى برئيس الحكومة كذلك إلى إحالة الأمر إلى المحكمة الدستورية لتقرر ما أسلفنا ذكره أعلاه. وهو الأمر الذي سيقودنا إلى التصريح بنتيجة وحكم أولي سابق لكي نقرر بأن الإحالة غير مبنية على أساس دستوري وأن المحكمة الدستورية جانبت الصواب في حيثياتها ومنطوقها، ولنقرر علاوة على ذلك بكون المرسوم الملكي الصادر بشأن الساعة القانونية هو ذي صبغة تنظيمية من الأساس ولا يحتاج إلى تحديد طبيعته التنظيمية طالما يندرج في مجال التنظيم.

ولكي نقوم بتوضيح مكمن الغبش في الرؤية التحليلية لدى الحكومة والمحكمة الدستورية، سنتناول أولا الاختصاص الدستوري للمحكمة الدستورية في مجال ما يصطلح عليه في الفقه الدستوري ب "التجريد التشريعي" أو "إعادة التصنيف المعياري"، ثم ثانيا سنتطرق إلى النصوص التنظيمية المتعلقة بالساعة القانونية قبل أن ننتقل في مرحلة ثالثة إلى رصد نقدي لمثالب التفسير غير السليم للمحكمة الدستورية وخطأها البين في التقدير.
أولا: في اختصاص المحكمة الدستورية بموجب الفصل 73 من الدستور
بموجب أحكام الدستور تبقى المحكمة الدستورية هي صاحبة الاختصاص الأصيل في تحديد الطبيعة التنظيمية أو التشريعية للنصوص التي تعرض عليها، وذلك طبقا للفصل 73 من دستور 2011 الذي ينص على ما يلي: "يمكن تغيير النصوص التشريعية من حيث الشكل بمرسوم، بعد موافقة المحكمة الدستورية، إذا كان مضمونها يدخل في مجال من المجالات التي تمارس فيها السلطة التنظيمية اختصاصها".
ويمكن القول إن هذا الاختصاص يعد نتاجا لتبني البرلمانية المعقلنة القائمة على توزيع الاختصاص بين القانون والتنظيم، والتي استمد أصولها المشرع الدستوري المغربي من دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة. بحيث يعد تدخل المحكمة الدستورية كضمانة للحكومة للذود عن مجال واسترجاعه عن طريق تغيير النص التشريعي من حيث الشكل بمرسوم، إذا قررت أن النص المحال عليها أو بعض مقتضياته تكتسي طابعا تنظيميا.
ويتضح من خلال أحكام الفصل 73 المذكور، بأن المحكمة الدستورية تختص بالنظر فقط في النصوص التشريعية وليس النصوص التنظيمية، وذلك انسجاما ومبدأ توزيع الاختصاصات بين القانون والتنظيم. حيث إن المشرع الدستوري وضع لائحة حصرية للقانون يختص بالتشريع فيها طبقا للفصل 71 بالإضافة إلى المواد المسندة إليه صراحة بفصول أخرى من الدستور، وترك ما دون ذلك لاختصاص السلطة التنظيمية تتدخل فيه بموجب مراسيم طبقا للفصل 72 الذي ينص على ما يلي: "يختص المجال التنظيمي بالمواد التي لا يشملها اختصاص القانون".

غير أن ما يستدعي التحديد في إطار الفصل 73 يتعلق بمدلول النصوص التشريعية الواردة فيه، وهنا نجد أن الأستاذ عبد الاله فونتير قد قام بشرح مفصل في إطار أطروحته (العمل التشريعي، ج2، ص 303-304) وهو يقول بأنه يمكن التمييز في مفهوم النصوص التشريعية من حيث الشكل بين نوعين: النوع الأول ويخص جميع النصوص التي كانت تصدر في شكل ظهائر شريفة أو مراسيم ملكية أو بعض المراسيم الموقعة من قبل الملك، سواء تعلق الأمر بالظهائر الملكية التي تتضمن قواعد قانونية بطبيعتها إما في شكل ظهائر عادية أو ظهائر بمثابة قوانين والصادرة خلال فترة الحماية وجميع الفترات الانتقالية وفترة حالة الاستثناء وبالخصوص ما بين 1969-1970، وكذلك خلال فترة الفراغ التشريعي، أو تعلق الامر بالمراسيم الملكية التي تتضن قواعد قانونية بطبيعتها والصادرة خلال الفترة الانتقالية اللاحقة لصدور دستور 1962 أي خلال سنة 1963، وفترة حالة الاستثناء المعلنة سنة 1965 وقبل اللجوء إلى مسطرة الظهير (1965-1969) وبعض المراسيم التي كان يصدرها الملك خلال فترة حالة الاستثناء وخلال الفترة الانتقالية اللاحقة لدستور 1970.
والنوع الثاني يخص جميع النصوص التي صدرت في شكل قوانين خلال مختلف الولايات التشريعية والتي تتضمن بعض المقتضيات التنظيمية سواء كانت هذه القوانين عادية قوانين تنظيمية والتي يمكن أن تخضع لمسطرة التغيير من حيث الشكل.
وإذا كانت جميع هذه النصوص التي حصرها الأستاذ فونتير هي التي يمكن للمحكمة الدستورية أن تبت في طبيعتها، فإننا نرى أن القوانين التنظيمية التي صدرت خلال مختلف الولايات التشريعية تخرج من نطاق مدلول النصوص التي يمكن البت في طبيعتها نظرا لكون القوانين التنظيمية تخضع لرقابة إلزامية وفحص شمولي من طرف القاضي الدستوري، والقول بذلك يحيل ضمنيا إلى إعادة النظر في قرارات القضاء الدستوري، وهو ما أكد عليه المجلس الدستوري في قراره رقم 2000/408.
وعلى أي، فإن جميع هذه النصوص باستثناء القوانين التنظيمية، هي التي يمكن للحكومة في شخص رئيسها أن يطلب من المحكمة الدستورية أن توافق على تغييرها من حيث الشكل بمرسوم إن كان مضمونها لا يدخل ضمن المجالات التي يختص القانون بالتشريع فيها، ووفقا للإجراءات التي ينص عليها القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية خصوصا في المادة 29 منه التي تنص على ما يلي: "في الحالة المنصوص عليها في الفصل 73 من الدستور يحيل رئيس الحكومة القضية إلى المحكمة الدستورية لتبت فيها خلال شهر، وتخفض هذه المدة إلى ثمانية أيام إذا صرحت الحكومة بأن الأمر يدعو إلى التعجيل. تقرر المحكمة الدستورية في ما إذا كانت النصوص المعروضة عليها لها صبغة تشريعية أو تنظيمية".
وعلى هذا الأساس، يتضح بأن إحالة رئيس الحكومة للمرسوم الملكي رقم 455.67 الصادر في 2 يونيو 1967 بشأن الساعة القانونية إلى المحكمة الدستورية، جاء منسجما وأحكام الفصل 73 من الدستور ومتفقا مع مقتضيات المادة 29 من القانون التنظيمي رقم 066.13، وليس في هذا ما يدعو إلى الشك في طبيعة الإحالة. والمحكمة الدستورية أثناء نظرها في هذه النصوص، فهي إما تقرر بأن النص ذي طبيعة تنظيمية، وبالتالي يمكن لرئيس الحكومة أن يغيره من حيث الشكل بمرسوم، أو أن تقرر بأن النص ذي طبيعة تشريعية وبالتالي يبقى النص المحال من حيز مجال القانون ولا يحق لها أن تغيره من حيث الشكل.
بيد أنه وبالرغم من كون إحالة الحكومة جاءت مبنية على أساس دستوري وقانوني، وأن المحكمة الدستورية تختص بالنظر في هذه المسألة، إلا أنه يبدو أن الحكومة سقطت في فخ اعتبار المرسوم الملكي ذي طبيعة تشريعية وسقطت المحكمة الدستورية في فخ الحكومة بالبت في النص على أساس كونه من حيث الأصل ذي طبيعة تشريعية، كما سقط في هذا الفخ بعض المعلقين على طبيعة المرسوم الملكي. علاوة على كون المحكمة أدلت بتفسيرات تجانب التحليل الدستوري السليم لمدلول المرسوم المستفتي بشأنه.

الأمر الذي قد يقودنا أولا إلى توضيح الغموض المتعلق بطبيعة المرسوم الملكي بشأن الساعة القانونية وذلك من خلال عرض السياق الذي جاء فيه هذا المرسوم كما المراسيم التي جاءت لاحقة له. قبل أ ننتقل ثانيا إلى قراءة حيثيات ومنطوق قرار المحكمة الدستورية.
ثانيا: في شأن طبيعة المراسيم المتعلقة بالساعة القانونية
لقد جاء هذا المرسوم الملكي رقم 67.455 بشأن الساعة القانونية (ج.ر عدد 2854) في سياق ممارسة الملك لصلاحياته بناء على المرسوم الملكي رقم 65.136 المتعلق بإعلان حالة الاستثناء. ويتضمن هذا المرسوم أربعة فصول؛ الفصل الأول منه ينص من خلاله على كون الساعة القانونية في تراب المملكة هي التوقيت الزمني المتوسط لخط كرينويتش، وكون هذه الساعة يمكن أن تضاف إليها ستون دقيقة ابتداء من تاريخ يحدد بموجب مرسوم ويرجع إلى التوقيت العادي طبق نفس الشروط، أي عن طريق مرسوم.
أما الفصل الثاني منه، فهو يضيف إلى التوقيت العادي ستون دقيقة ابتداء من 2 يونيو 1967 في الساعة الثانية عشرة زوالا. في حين أن الفصل الثالث يقوم بإلغاء الظهير الشريف الذي صدر في 26 أكتوبر 1913 بشأن الساعة القانونية (ج.ر عدد 55 بالفرنسية)، أما الفصل الرابع منه فهو يتعلق بنشر المرسوم الملكي في الجريدة الرسمية.
ويتضح إذن منذ أول وهلة أن هذا المرسوم الملكي لم تحدد طبيعته، على غرار باقي المراسيم الملكية الأخرى التي صدرت في نفس الجريدة الرسمية والتي تحمل إسم "مرسوم ملكي بمثابة قانون"، الأمر الذي قد يحيل مباشرة إلى كون هذا المرسوم من حيث الأصل يدخل في مجال التنظيم المستقل، وليس المجال التشريعي الذي يختص القانون باتخاذه.
غير أن هذا المرسوم الملكي لحقه فيما بعد إصدار خمسة عشر مراسيم تنظيمية (1974-1976-1978-1979-1984-1985-1986-1989-2008-2009-2010-2011-2012-2013-2018) تهم تغيير الساعة القانونية المنصوص عليها في الفصل الثاني من المرسوم الملكي الصادر سنة 1967، وبناء على فقرته الثانية من الفصل الأول منه التي تفوض للوزير الأول سابقا ولرئيس الحكومة حاليا أن يقوم بموجب مرسوم، إضافة ستون دقيقة إلى التوقيت العادي والرجوع إلى هذا التوقيت طبق نفس الشروط.
غير أن ما يدعو إلى الغرابة أن جميع هذه المراسيم التي صدرت قبل سنة 2013، أصبغت على المرسوم الملكي صفة "مرسوم بمثابة قانون" وهي تجعله بموجب ذلك ذي طبيعة تشريعية، رغم كون المرسوم الملكي الصادر في الجريدة الرسمية لم تمنح له هذه الصفة التشريعية، مما يعني أن مشرع المرسوم (الملك) كان واعيا بمجال الاختصاص التشريعي. ويبقى المرسوم الصادر سنة 2013 استثناء من هذه العادة، نظرا لكونه جاء مغيرا للمرسوم الصادر سنة 2012، وبالتالي فهو لا يعد استثناء -بمعنى الكلمة- نظرا لارتباطه بالمرسوم السابق عليه (2012)، الذي جاء هو كذلك بناء على المرسوم الملكي، والذي أصبغ عليه صفة "بمثابة قانون".
لذلك يمكن القول إن المرسوم رقم 2.18.855 (ج.ر عدد 6720 مكرر- 27 أكتوبر 2018)، كآخر مرسوم صدر بشأن الساعة القانونية، هو الاستثناء الوحيد، على اعتبار انه لم يعط صفة "بمثابة قانون" للمرسوم الملكي رقم 455.67 الذي جاء استنادا عليه في بنائه، لا سيما فصله الأول الذي يفوض لرئيس الحكومة إضافة ستون دقيقة للتوقيت الرسمي.
إن هذا المرسوم الذي صدر سنة 2018 بشأن الساعة القانونية يتضمن بدوره ثلاث مواد؛ الأولى تتعلق بإضافة ستين دقيقة إلى الساعة القانونية، والمادة الثانية تحيل إلى أنه يمكن لرئيس الحكومة توقيف العمل بالتوقيت المشار إليه لفترة محددة عند الاقتضاء، والمادة الثالثة تنسخ المرسوم رقم 2.12.126 الصادر في 18 ابريل 2012 (ج.ر عدد 6040) كما تم تغييره بموجب المرسوم رقم 2.13.781 الصادر في 28 سبتمبر 2013 (ج.ر عدد 6190 مكرر).
وبناء على هذه المعطيات، نستنتج أن المرسوم الملكي رقم 455.67 يبقى هو الأصل، ويندرج في مجال التنظيم المستقل، وأن المراسيم اللاحقة عليه تعد مراسيم تطبيقية للمرسوم الملكي، وليس مراسيم مستقلة، نظرا لكونها صدرت استنادا عليه وعلى مقتضياته. وبالتالي فنحن أمام نوعين من المراسيم، النوع الأول وهو المرسوم الملكي الصادر سنة 1967 – الساري المفعول- والذي يندرج في مجال التنظيم المستقل، والمراسيم التطبيقية الخمسة عشر التي صدرت لاحقة له ومستندة عليه وليست معدلة له أو ناسخة له بشكل كلي، وكان آخرها المرسوم الصادر سنة 2018.
والجدير بالإشارة إليه، أنه إذا كانت المحكمة الدستورية تختص بتحديد طبيعة النصوص بناء على طلب من رئيس الحكومة، وبالتبعية يبقى فحصها للمرسوم الملكي بشأن الساعة القانونية سليما من الناحية الدستورية، فإن ما قد يستوقفنا فيها هذا المضمار، يتعلق بكون طلب رئيس الحكومة جاء معيبا، وكون تفسيرات المحكمة الدستورية ذاتها جاءت غامضة وملتبسة. وهذا ما ستتم مقاربته في المحور التالي.
ثالثا: في غموض رسالة الإحالة وتفسير المحكمة الدستورية
لما كانت قرارات المحكمة الدستورية محصنة بموجب الدستور، وهو ما لا يدع مجالا للشك في ذلك، ولما كانت المحكمة الدستورية ملزمة بترتيب الأثر في منطوقها عبر تحديد طبيعة النص المحال عليها، فإن المحكمة ملزمة كذلك بأن تبني منطوقها على أساس تفسيري سليم وخالي من اللبس.
بيد أن الاطلاع على قرار المحكمة رقم 90.19 يقودنا لكي نستنتج كون المحكمة قد زاغت عن الصواب في حيثياتها، كما أن رئيس الحكومة انزاغ بدوره في رسالة الإحالة، ويمكن توضيح ذلك على الشكل التالي:
التباس رسالة الإحالة
يمكن هذا اللبس في كون رئيس الحكومة وفقا لما جاء في القرار يطلب من المحكمة أن تصرح بكون مقتضيات المرسوم املكي رقم 455.67 بشأن الساعة القانونية لا تكتسي طابعا تشريعيا بالرغم من ورودها في نص تشريعي بل يشملها اختصاص السلطة التنظيمية. طبعا يحق لرئيس الحكومة أن يحيل النصوص إلى المحكمة، لكن اللبس يكمن في كون رئيس الحكومة أحال المرسوم الملكي على أساس كونه نصا تشريعيا وليس نصا تنظيميا.
والحال أنه كان على رئيس الحكومة -في حالة شكه في طبيعة المرسوم- أن يطلب فقط تحديد طبيعة هذا النص فيما إذا كان يدخل في مجال التشريع أم التنظيم، وليس الجزم منذ البداية في كونه يدخل في مجال التشريع. لا سيما وأن المرسوم الملكي لم يصدر على أساس كونه يعد "بمثابة قانون"، وهو ما ينفي عليه صفة النص التشريعي التي استعملها رئيس الحكومة في رسالة الإحالة.
وبغض النظر عن كون الفصل 73 من الدستور يستعمل عبارة "النصوص التشريعية" وليس التنظيمية، فإن المادة 29 من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية استعملت عبارة "النصوص" في فقرتها الثانية، وهو ما يعني أنه بإمكان إحالة أي نص إليها لتحديد طبيعته القانونية، وهو ما سارت فيه المحكمة الدستورية في إحدى حيثياتها عندما صرحت بما يلي:
"وحيث إن الإمكانية التي ينص عليها الفصل 73 من الدستور، لئن كانت تخول للحكومة إحالة النصوص التشريعية إلى المحكمة الدستورية، لتبت في طبيعتها التنظيمية، قبل تغييرها من حيث الشكل بمرسوم، فإن هذه الإمكانية تتيح لها أيضا، انطلاقا من الفقرة الأخيرة من المادة 29 المذكورة، أن تحيل إلى المحكمة الدستورية كل نص يترآى لها شك في طبيعته القانونية".
وهذا يعني أن المحكمة الدستورية لم تساير ما جاء في رسالة الإحالة من كون المرسوم الملكي يعد نصا تشريعيا، وهو ما جعلها تستعمل عبارة "الشك" في حيثيتها هذه رغم كون الفقرة الأخيرة من المادة 29 تشير إلى عبارة "النصوص المعروضة عليها" وليس النصوص المشكوك فيها التي اسندتها المحكمة إلى المادة المذكورة.
وإلى هذا الحد تبقى المحكمة الدستورية بمنأى عن الانحراف التفسيري للنص القانوني طالما أن الإحالة قد تهم نصا تشريعيا صريحا من حيث الشكل وقد تهم، بمفهوم المخالفة، أي نص غير محددة طبيعته القانونية من حيث الشكل، كما هو شأن المرسوم الملكي موضوع الإحالة.
بيد أن ما تلا ذلك من حيثيات أخرى يبدو أنها تشكل أكثر من كونها انحراف تفسيري قانوني، بل تشكل في نظرنا خطئا قانونيا جسيما وبيّنا في التقدير.
التباس تفسير المحكمة الدستورية
إذا كان يحق للمحكمة الدستورية وهي تمارس اختصاصها بالبت في طبيعة النصوص أن تقدم تفسيرها الدستوري والقانوني، فإنها ليست دائما منزهة عن الخطإ واللغو والعبث على غرار المشرع، خصوصا وأنها أثناء تفسيرها هذا فهي تنتج قاعدة دستورية وقانونية مكملة، وهذا هو الخطير في الأمر، لأنها بممارستها لعملية التفسير فهي تقوم بإلزام السلطات العمومية وسلطات الإحالة بالتقيد بذلك مستقبلا وهذا ما أكدته في حيثيتها عندما صرحت بما يلي:
"وحيث إنه، مع استحضار التفسير السليم لأحكام الفصل 73 والفقرة الأخيرة من المادة 29، كما تم بيانه، وضرورة التقيد به مستقبلا، فإن المحكمة الدستورية ملزمة، طبقا للأحكام المشار إليها، أن تبت في طبيعة النصوص المعروضة عليها ومدى اندراجها في مجال التشريع أو التنظيم".
والحال أن المحكمة ارتكبت هفوة خطيرة، وذلك عندما صرحت في إحدى حيثياتها بما يلي: "وحيث إن المرسوم المشار إليه، تم تعديل مضمون فصله الأول بمقتضى المادتين الأولى والثانية من المرسوم رقم 2.18.855 الصادر في 16 من صفر 1440 (26 أكتوبر 2018)". إن هذا التصريح يحيل إلى كون المحكمة الدستورية لم تطلع على التطور الكرونولوجي لمضامين المراسيم اللاحقة المتعلقة بتغيير الساعة القانونية التي صدرت بعد مرسوم 1967، ولم تقرأ بتأن مضامين المرسوم الملكي بالضبط. فهل حقا المرسوم الأخير (2018) عدل مضمون الفصل الأول من المرسوم الملكي؟ وهل المحكمة نظرت في المرسوم الملكي أم في المرسوم الذي أصدره رئيس الحكومة؟ وإذا كان الحال كذلك فلا يحق للمحكمة الدستورية من حيث الأصل البت في الطلب طالما أنه في اعتقادها أن المرسوم الملكي تم تعديله بمرسوم صادر عن رئيس الحكومة، ولأن المحكمة الدستورية تبت في النصوص التشريعية وباقي النصوص الأخرى كما حددنا مدلولها في المحور الأول، وليس المراسيم التي يصدرها رئيس الحكومة باعتبارها تدخل مباشرة في مجال التنظيم.
وإذا نحن قرأنا المرسوم رقم 2.18.855 (26 أكتوبر 2018) سنجده كما أشرنا سابقا، لا يختلف عن المراسيم السابقة بشأن الساعة القانونية -نظرا لكون كل المراسيم جاءت تطبيقا للفصل الأول من المرسوم الملكي- إلا لكونه لم يعط صفة "بمثابة قانون" للمرسوم الملكي، كما أن مادته الأولى لم تعدل مضمون الفصل الأول من المرسوم الملكي كما ذهب إلى ذلك قضاة المحكمة الدستورية. فهذه المادة تنص على ما يلي: "تضاف ستون (60) دقيقة إلى الساعة القانونية المحددة في تراب المملكة بموجب الفصل الأول من المرسوم الملكي رقم 455.67..." والساعة القانونية وفقا للفقرة الأولى من الفصل الأول من المرسوم الملكي -كما أشرنا سابقا- هي التوقيت الزمني المتوسط لخط كرينويتش.
وعلى هذا الأساس فالمادة الأولى من مرسوم رئيس الحكومة لم تأت معدلة للفصل الأول، كما ادعت المحكمة الدستورية، وإنما جاءت تطبيقية لما نص عليه ذات الفصل في فقرته الثانية من مقتضيات لا زالت هي بدورها تتمتع بقيمتها القانونية التنظيمية، ولازالت سارية المفعول. أما ما عدلته المادة الأولى من مرسوم رئيس الحكومة ليس هو الفصل الأول، وإنما الفصل الثاني من المرسوم الملكي الذي يضيف ستون دقيقة الى التوقيت الرسمي، وكما تم تغيير مقتضياته بالمراسيم الأربعة عشر اللاحقة له- والتي أشرنا اليها في المحور الثاني-.
أما بالنسبة للمادة الثانية من مرسوم 2018، فهي في الأصل جاءت ناسخة لمقتضيات المرسوم رقم 2.12.126 الصادر في 18 ابريل 2012 بتغيير الساعة القانونية، والتي تتيح لرئيس الحكومة ولفترة محددة، أن يقرر توقيف العمل بالتوقيت الإضافي، لتضيف فقط عبارة "عند الاقتضاء". وطبعا يبقى من حق رئيس الحكومة وفق قاعدة توازي الأشكال أن يصدر مرسوما يوقف بموجبه العمل بالتوقيت الإضافي حتى ولو لم يتم النص على ذلك في المرسوم. وهو ما ينص عليه كذلك الفصل لأول من المرسوم الملكي في فقرته الثانية والذي جاء فيه ما يلي:"... ويرجع إلى التوقيت العادي طبق نفس الشروط"، وهو ما يعني ان المادة الثانية من مرسوم 2012 كما وقع نسخها بالمادة الثانية من مرسوم 2018، تنسخ فقط هذا المقتضى من الفصل الأول من المرسوم الملكي، وليس مضمون الفصل ككل كما صرحت بذلك المحكمة الدستورية في حيثيتها. أما ما نسخته المادة الأولى والثانية من مرسوم 2018 هو المرسوم الذي صدر سنة 2012 كما تم تغيير بموجب المرسوم الذي صدر سنة 2013، وليس المرسوم الملكي، وذلك وفقا للمادة الثالثة من مرسوم رئيس الحكومة الأخير.
وفقا لهذا التوضيح يبدو أن المحكمة الدستورية ارتكبت خطأ قانونيا جسيما، كما أن تفسيرها يكتنفه الغبش في الرؤية التبريرية والتحليلية، وهو الغبش الذي انتقل حتى إلى حيثيتها الأخيرة التي صرحت فيها بما يلي:
"وحيث إنه، يبين من المقتضيات المتضمنة في المرسوم المحال ، كما تم تعديلها أنها لا تتناول المواد التي يختص بها القانون بمقتضى الدستور، لا سيما الفصل 71 منه، الأمر الذي تكون معه مندرجة في مجال اختصاص السلطة التنظيمية طبقا للفصل 72 من الدستور".
ووفقا لهذا التصريح فالمحكمة الدستورية، وانطلاقا من القاعدة العامة التي تقول بأن النص اللاحق يلغي النص السابق، قد نظرت في المرسوم الملكي كما تم تعديله وفق لمنطقها، بمعنى أنها بتت في الطبيعة التنظيمية لمرسوم هو من حيث الأصل ذي طبيعة تنظيمية، وهو ما لا يحق لها بموجب نص الدستور وحتى القانون التنظيمي، لأن هذه الآلية المكفولة للحكومة هي مخصصة فقط لحماية مجالها التنظيمي من تعديات المشرع البرلماني.
اما بالنسبة للبرلمان فالآلية التي هي متاحة له لاستعادة مجال اختصاصه، في حالة ما إذا قامت الحكومة بإصدار مراسيم تدخل مضامينها في المجال المحجوز للقانون بموجب الفصل 71 من الدستور وباقي الفصول الأخرى منه، تتمثل فقط في إمكان التقدم بمقترح قانون ينظم نفس المجال، وفي هذه الحالة يطبق النص الأعلى مرتبة.
وعلاوة على ما سبق فحيثية المحكمة الدستورية الأخيرة امتدت حتى إلى منطوقها، وصرحت بأن مقتضيات المرسوم الملكي بشأن الساعة القانونية كما تم تعديلها، تندرج في اختصاص السلطة التنظيمية، وهذا يدل بشكل مباشر، وعن طريق الاستنتاج بمفهوم الموافقة، أن المحكمة الدستورية بتت في المرسوم الصادر في 2018، وأن منطوقها بكون النص يدخل في مجال السلطة التنظيمية ينطوي بشكل خفي على اعتراف ضمني بكون المرسوم الملكي صدر في شكل نص تشريعي رغم تبريرها ذلك بالفقرة الثانية من المادة 29 من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، وهي بذلك تحيل إلى أن يقوم رئيس الحكومة بتغيير هذا المرسوم الملكي من حيث الشكل، وهي التي اعترفت بتعديله عن طريق مرسوم السيد رئيس الحكومة، وهي بهذا كذلك لم تميز أصلا بين المراسيم التنظيمية المستقلة والمراسيم التي يمكن أن تأتي تطبيقا لبعض مقتضياتها، وهي بهذا الصدد وضعت نفسها موضع النقد. وكان عليها أن تصرح منذ البداية بكون النص المحال من حيث الأصل هو نصا يدخل في مجال التنظيم من دون أن ترتب الأثر القانوني الناتج عن حيثياتها ومنطوقها.
كما أن رئيس الحكومة، وحتى مؤسسة الأمانة العامة للحكومة التابعة له، بدورهما سقطوا في مغبة عدم الفهم الصحيح للاختصاص التنظيمي لرئيس الحكومة، نظرا لكون هذا الأخير منذ البداية كان عليه أن يصدر المرسوم بشكل يجعله ينسخ المرسوم الملكي رقم 455.67، حتى تتضح طبيعته التنظيمية المستقلة من طبيعته التطبيقية، وهو الأمر الذي زاد الطين بِلَّة، فلا المرسوم الملكي تم نسخه، ولا المرسوم الذي أصدره رئيس الحكومة اتضحت طبيعته، نظرا لكونه يضم مقتضيات تندرج في مجالين؛ مجال السلطة التنظيمية المستقلة ومجال السلطة التنظيمية التطبيقية. وهذا ما يحتاج إلى فقه دستوري جديد ليوضح مدى إمكانية صدور مراسيم تتضمن مقتضيات تنظيمية مستقلة وتطبيقية في آن واحد!

بقلم ذ جابر لبوع
باحث في القانون الدستوري