القانون الدولي

بقلم ذ عزيز لعويســـي
ثانوي تاهيلي مهتم بالقانون
تحت عدد: 562
القرار المستفز للرئيس الأمريكي "رونالد ترامب" القاضي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده إليهــا ، لايمكن النظر إليه من منظور" القرار الفجائي" الذي من شأنه الإجهـاز على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني

المحتل وإجهاض مسلل السلام الراكد منذ سنوات ، أو "المنزلق السياسي" الذي يعكس انقلابا كبيرا في السياسة الأمريكية ذات الصلة بالشرق الأوسط عموما والقضية الفلسطينية خصوصا ،بل هو حلقة مستفــزة من حلقـات مسلسل طويل لا أحد يتوقع منتهاه ، من عناوينه البارزة دعم أمريكي متواصل لسياسة الاحتلال الإسرائيلي وتزكية لما تقترفه اسرائيل من خرق متواصل للقانون الدولي والشرعية الدولية في فلسطين المحتلة ، ويمكن وضع هذا القرار في سياقاته (أولا) ثم محاولة قــراءة ما أعقبه من تداعيات (ثانيا)

أولا : السياقات
لابد من الإشارة أولا أن القرار يأتي بالتزامن مع الذكرى المئوية لصدور "وعد بلفور" المشؤوم (02 نونبر 1917) القاضي بتأييد الحكومة البريطانية فكرة إنشــاء "وطن قومي" لليهود على أرض فلسطين (إبان حقبة الاستعمار البريطاني) وهو الموقف الذي ضمن بالرسالة التي بعث بها وزير الخارجية البريطاني آنذاك "أرتر جيمس بلفور" إلى اللورد "دي روتشيلد " أحد زعماء الحركة الصهيونية العالمية ، كما أن القرار يأتي في سياق تزايد نفوذ اللوبي الصهيوني واليميني المتطرف في الغرب ، مقابل واقع عربي ممزق من سماته البارزة الاقتتال والعنف (سوريا، العراق، اليمن، ليبيا ) والنزاع (العلاقات القطرية بدول الخليج) وتنامي نفوذ إيران وأذرعها العسكرية (حزب الله ، الحوثيون) في المنطقة ، يضاف إلى ذلك تمزق الموقف الفلسطيني الفلسطيني ، لتتعمق الأوضاع في ظل تحول المعترك السوري والمشهد العراقي إلى ما يشبه ب"الحرب الباردة" التي تتحكم في أزرارها قوى كبرى (أمريكا وروسيا) وأخرى إقليمية (إيران، تركيا) ، وهذا الواقع المؤسف لم يفرز موقفا عربيا ضعيفا فحسب ، بل كرس "إسرائيل" كقــوة بارزة في مجال عربي "جيوستراتيجي" هش و متأزم ، وعلى المستوى الداخلي الأمريكي ، فالقرار جاء في سياق فثرة حرجة يمر منها الرئيس الأمريكي" ترامب" في إطار تحقيق قضائي حول اشتباه تورطه في صلاته بروسيا إبان الحملة الانتخابيــة ، مما قد يعني أن قراره – الذي لم يتجرأ عليه الرؤساء السابقين- كان محاولة منه لتصريف هذه الأزمـة وتوجيه الرأي العام الأمريكي والعالمي من خلال خلق أزمة جديدة خطيرة ، وهو في نفـــــس الآن محاولة لاستمالة اللوبي الصهيوني الذي يتحكم في مفاتيح السياسة الأمريكية ، كما أن هذا القرار المستفــز لا يخرج عن نطاق القرارات التي اتخدها "ترامب" سواء أثناء حملته الانتخابية أو بعد وصوله إلى البيت الأبيــض ، ويمكن أن نذكر على سبيل المثال لا الحصــر ، قراره القاضي ببناء جدار فاصل على الحدود الأمريكية المكسيكية تحت ذريعة إيقاف تدفقات المهاجرين السريين على التراب الأمريكي ، مرورا بإعطائه لأمر تنسحب بموجبه الولايات المتحدة الأمريكية من "اتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادي" ، ثم قـرار الانسحاب من ميثاق الأمم المتحدة العالمي للهجرة الذي أقرته المنظمة الدولية السنة الماضية (2016) تحت اسم "إعلان نيويورك" بهدف تحسين ظروف اللاجئين والمهاجرين وضمان حصولهم على التعلم والوظائف ، ثم قرار الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ التي تم التوقيع عليها في عهد الرئيس السابق باراك أوباما ، وكذا قرار الانسحاب من المنظمة الدولية للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) تحت ذريعة التمييز ضد إسرائيل ، يضاف إلى ذلك سياسات الولايات المتحدة الأمريكية وتدخلاتها العسكرية في الشرق الأوسط منذ إسقاط نظام الرئيس العراقي "صدام حسين " والتي لم تجلب إلا الدمار وعدم الاستقرار والفوضى"الخلاقة" ، مقابل دعم شامل لسياسة إسرائيل في المنطقة وما يتخللها من تعنت وتسلط وعدوان

ثانيا : التداعيــات
إذن في ظل هذه السياقات المتعددة المستويات ، جاء قرار الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي ، ونقل السفارة الأمريكية إليها ، وهو قرار يعكس ارتجالية رئيس دولة عظمى يفترض فيه التحلي بما يكفي من الحكمة و الرزانة وعمق الرؤية ودقة التقدير حفاظا على صورة الولايات المتحدة الأمريكية في العالم الاسلامي على وجه الخصوص ، فالقرار صادر عن دولة راعية لمسلسل السلام ، كان يفترض فيها أن تضع نفس المسافة بينها وبين طرفي النزاع "فلسطين" و"إسرائيل" ،لكنها خرجت عن القواعد وانحازت كلية إلى الكيان الإسرائيلي ضد حقوق الشعب الفلسطيني ، لذلك فالقرار يعد نسفــا لعملية السلام الراكد منذ سنوات ، وضربا للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ومــسا صارخا بالقدس كعاصمة لدولة فلسطين وكمدينة لها وضع اعتباري في قلوب المسلمين لاحتضانها المسجد الأقصى الذي يعد أولى القبلتين وثالث الحرمين ، لذلك فهذا القرار غير المسؤول لم يمس بدولة فلسطين المحتلة ولا بدول الجوار العربي فقط ، ولكن مس بمشاعر ما يزيد عن المليار مسلم عبر العالم ، مما يقوي الاحساس بمؤامرة مفبركة أمريكية إسرائيلية ليس فقط ضد الشعب الفلسطيني المحتل ولكن ضد كل العرب والمسلمين ، لذلك فقد أفرز القرار وسيفــرز العديد من ردود الأفعال المعارضة على المستويات الرسمية والشعبية على حد سواء خاصة في الدول العربية والإسلامية ، بما في ذلك موجة الغضب والاحتجاجات التي اندلعت في الأراضي الفلسطينية المحتلة والتي تواجه كالعادة بقمع سلطات الاحتلال ، مما سيعمق موجة العداء للسياسة الأمريكية عبر العالم وسيدخل القضية الفلسطينية في نفق مسدود لن يؤدي إلا للمزيد من الاحتقان والصراع والمواجهة ، بل وسيجعل منطقة الشرق الأوسط ككل تعيش في نوع من عدم الاستقرار والفوضى ، أخدا بعين الاعتبار ما يجري في المسرح السوري والمجال العراقي والمعترك اليمني

تأسيسا على ما سبق ، فقرارات "ترامب" بما فيها القرار الأخير القاضي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ، تعكس سوءا في التقدير وضعفا في الرؤية ، وانحيازا مطلقا للكيان الإسرائيلي على حساب مصالح الشعب الفلسطيني المحتل ، ممـا سيضرب مكانة الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى وسيضر بصورتها ومصداقيتها عبر العالم خاصة فيما يتعلق بعلاقاتها مع العالم الإسلامي ، وهذا من شأنــه أن يدخل النظام العالمي في منزلقات لن تجدب إلا المزيد من العداء لأمريكا ، والدول العربية والإسلامية مطالبة بالتوحد والتعبئة والرد على هذا القرار المستفـز بكل الوسائل المتاحـة ، وهي مجبرة على اتخاد مواقف "رجولية" و"جريئــة" سواء على مستوى "الجامعة العربية" أو على صعيد "منظمة التعاون الإسلامي" التي تسعى إلى حماية المصالح الحيوية للمسلمين ، على جميع المستويات الاقتصادية (مقاطعة السلع الإسرائيلية..) والسياسية (قطع العلاقات الديبلوماسية مع أمريكا وحليفتها إسرائيل) والقانونية (حشد الدعم الدولي للاعتراف بفلسطين كدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة بدل الاكتفاء بصفة "الدولة المراقب غير العضو" ، والاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة لها وتدعيم حضور فلسطين في المنظمات والاتفاقيات الدولية ، التقدم بدعاوى ضد إسرائيل أمام محكمة الجنايات الدولية في ملفات كالأسرى والعدوان على قطاع غزة ، الدفع بعدم قانونية قرار "ترامب" المعاكس للقانون الدولي والمخالف للشرعية الدولية ، وذلك أمام المحاكم الدولية المختصة ... إلخ ) ، وهذه الإجراءات لن تتأتى إلا بتوحيد الصف العربي والإسلامي والابتعاد عن الحسابات السياسية الضيقة ، من أجل "موقــف عربي إسلامي" قوي وفاعل يضــع حدا لاستفزازات "ترامب" و وتعنــت "نتانياهو" ، وذلك صونا للكرامة أو ما تبقى منهــا ،دفاعا عن حرمة "مسجد أقصى" من عبث كيان محتل دخيل ، وحفاظا عن مدينة اقترن اسمها عبر التاريخ بقيــم المحبة والتعايش والتسامح والسلام

بقلم ذ عزيز لعويســـي
ثانوي تاهيلي مهتم بالقانون
 


أعلى الصفحة