//

 
القضاء الاداري

قرار محكمة النقض عدد 129 الصادر بتاريخ 01 مارس 2012 في الملف الإداري عدد 870/4/1/2010

القاعدة


مسؤولية الدولة – اعتداء على موظف أودى بحياته – تعويض الورثة
المسؤولية الإدارية للدولة لا تقوم على الخطأ فقط بل يمكن أن تترتب بدون خطأ كذلك، عندما يتعلق الآمر بما تقتضيه ظروف وملابسات تستوجب مساهم الدولة في تحمل الأعباء العامة، ويندرج بذلك مجال مسؤوليتها في نطاق تسيير إدارتها وحماية موظفيها مما قد يتعرضون له من أضرار لم تكن لتحدث لولا ارتباطها المباشر بنشاطهم المهني وبمناسبة عملهم. تعرض موظف لاعتداء أودى بحياته أثناء مغادرته لمقر عمله تتحمل الدولة المسؤولية عنه في إطار تضامنها مع المتضررين لحماية موظفيها مما قد يتعرضون له من أضرار أثناء أو بمناسبة قيامهم بعملهم. ويستحق ورثته معاش الزمانة والتعويض عن الأضرار الناتجة عن تسيير الإدارة أو عن الأخطاء المصلحية. رفض الطلب




باسم جلالة الملك و طبقا للقانون

 

حيث يستفاد من أوراق الملف، والقرار المطعون فيه الصادر عن محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش بتاريخ 03/02/2010 في الملف عدد 200/6/08 انه بتاريخ 26/5/2006 تقدم ورثة محمد الشريف العثماني وهم زوجته خديجة قرواش وأبناؤه منها سهام وعز العرب ووالدته عائشة بوعزيز بواسطة محاميهم بمقال يعرضون فيه انم وروثهم كان يشتغل رئيسا لكتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية بمدينة السمارة، بتاريخ 2/2/2005 أصيب بطعنات سكين أودت بحياته وفق الثابت من محضر الضابطة القضائية عدد 238/20 وتاريخ 3/2/2005، الشيء الذي ألحق بهم عدة أضرار ويؤكد أن المحكمة الابتدائية بالسمارة غير مزودة بالجهاز الأمني الضروري لحماية العاملين بها وان وزارة العدل تتحمل كامل المسؤولية في مقتل موروثهم وبما أنهم قد أصيبوا بضرر مادي ومعنوي فانه يناسب الحكم على الدولة المغربية بأدائها لفائدتهم تعويضا مؤقت قدره 2.000,00 درهم مع حفظ حقهم في الإدلاء بمقال إضافي. وبعد إجراء بحث أصدرت المحكمة حكما على الدولة المغربية في شخص الوزير الأول (وزارة العدل) بان تؤدي للمدعين تعويضا معنويا للزوجة 30.000,00 درهم وللام 30.000,00 درهم وللبنت سهام مبلغ 40.000,00 درهم وللابن عز العرب مبلغ 40.000,00 درهم وتحميل الدولة الصائر بالنسبة وبعدم قبول باقي الطلبات، استأنف استئنافا أصليا من طرف الوكيل القضائي وفرعيا من طرف الورثة المدعين فأيدته محكمة الاستئناف بمقتضى قرارها المطعون فيه.

 

في الوسيلة الأولى : حيث يعيب الطاعن القرار المطعون فيه بخرق الفصل 345 من قانون المسطرة المدنية، ذلك انه بالرجوع إلى القرار المطعون فيه يتبين انه جاء خارقا لمقتضيات هذا الفصل لعدم إشارته إلى محل أو إقامة المطلوبين في النقض وعدم تضمينه اسم الجهة المحكوم ضدها (وزارة العدل) في صدر القرار المطعون فيه بالرغم من كونها هي الطرف الرئيسي مما يعد خرقا  لمقتضى قانوني ملزم ويعرضه للنقض.

 

لكن، من جهة حيث إن الطاعن لم يبين وجه الضرر الذي لحقه ومنوبيه من عدم تضمين القرار المطعون فيه لمحل إقامة المطلوبين في النقض، ومعلوم انه لا بطلان بدون ضرر، ومن جهة أخرى فان الفصل 515 من قانون المسطرة المدنية ينص على انه ترفع الدعوى ضد : الدولة في شخص الوزير الأول وله أن يكلف بتمثيله الوزير المختص عند الاقتضاء، ولما كانت الدعوى مقامة في إطار مقتضيات الفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود والتي تنص على أن : الدولة ... مسؤولية ... يحكم على هذه الأخيرة في شخص الوزير الأول، فان عدم الإشارة إلى وزارة العدل في القرار المطعون فيه لا أثر له على سلامته ولا يشكل خرقا للفصل 345 من قانون المسطرة المدنية المحتج به، والوسيلة لذلك بدون أساس.

 

في الوسيلة الثانية (الفرع الأول) : حيث يعيب الطاعن القرار المطعون فيه بفساد التعليل بالنسبة لثبوت مسؤولية الدولة عن الحادث في إطار الفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود، ذلك انه سبق للطاعن أن آثار أمام محكمة الدرجة الثانية كون الأساس الذي اعتمدته محكمة الدرجة الأولى غير سليم، لكونها حملت المسؤولية للدولة في إطار الفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود لكونها أخلت بمقتضيات الفصل 19 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية الذي يلزم الدولة بحماية موظفيها من التهديدات التي قد يتعرضون لها أثناء أداء عملهم. وإن محكمة الدرجة الثانية اعتبرت خلاف ذلك وسايرت محكمة الدرجة الأولى فيما ذهبت إليه. وانه إذا كان يمكن أن تترتب المسؤولية عن فعل ايجابي كما يمكن أن تترتب على فعل سلبي، فان ما تجدر الإشارة إليه هنا هو انه في كلا الحالتين يجب أن يكون الفعل المنسوب للإدارة والمؤسسة عليه المسؤولية منطويا على إخلال واضح بأحد التزاماتها. وانه بالرجوع إلى نازلة الحال يتبين أن الحادثة أساس المنازعة تتمثل فيما تعرض له موروث المطلوبين في النقض من اعتداء جسدي خارج المحكمة وفي القوت الذي غادر فيه مقر عمله، وان الخطأ المنسوب للإدارة حسب القرار المطعون فيه هو عدم حمايتها للضحية باعتباره موظفا من الاعتداء الذي لحقه وهو ما اعتبرته المحكمة فعلا سلبيا صادرا عن الإدارة متضمن للإخلال بواجبها وموجب لمسؤوليتها، وأن تحديد مدى مسؤولية سلامة موقف المحكمة في هذا الشأن يتوقف على تحديد ما إذا كانت الإدارة ملزمة فعلا بحماية موظفيها من التهديدات التي يتعرضون لها خارج مقرات عملهم حتى يتسنى القول بأن تعرض احدهم لمكروه يعتبر إخلالا من الإدارة بهذا الواجب. وان المشرع يلزم الإدارة سواء بحماية موظفيها أثناء مزاولة مهامهم داخل مقرات عملهم، أو عندما ينهون عملهم ويغادرون مقر الإدارة فإنهم يسري عليهم ما يسري على جميع المواطنين ولا يستوجب من إدارتهم الأصلية حماية خاصة. وان الإدارة التي ينتمي إليها المعني بالأمر وهي وزارة العدل لم ترتكب أي خطأ أو تقصير فيما يتعلق بواجب حمايتها لموظفيها، بحيث وكما لا ينازع المطلوبون في النقض فان هذه الإدارة قد وفرت حراسة أمنية داخل المحكمة كما هو الشأن في جميع المحاكم، وأن الضحية لم يتعرض للهجوم الذي أودى بحياته داخل مقر العمل وأثناء مزاولته لعمله وإنما في الشارع العام وبعد إنهائه لعمله، وأن الخطأ الذي حاول القرار المطعون فيه نسبته إلى وزارة العدل لا أساس له مما يعرض القرار المطعون فيه للنقض.

 

لكن، حيث إن المسؤولية الإدارية لا تقوم  على الخطأ فقط بل يمكن أن تترتب بدون خطأ كذلك عندما يتعلق الأمر بما تقتضيه ظروف وملابسات تستوجب مساهمة الدولة في تحمل الأعباء العامة ويندرج بذلك مجال مسؤوليتها في نطاق تسيير إدارتها وحماية موظفيها مما قد يتعرضون له من أضرار لم تكن لتحدث لولا ارتباطها المباشر بنشاطهم المهني وبمناسبة عملهم. وبالترتيب على ذلك ولما كان من الثابت لقضاة الموضوع من وقائع النازلة وتصريحات مرتكب الفعل الضار لدى الضابطة القضائية، أن تعرض الضحية (موروث المطلوبين) للاعتداء الذي أودى بحياته كان بسبب ردة الفعل من الفاعل نتيجة عدم استجابة الضحية بصفته رئيس كتابة الضبط لدى المحكمة الابتدائية بالسمارة لطلبه الرامي إلى تقديم استئنافه ضد حكم ابتدائي صادر ضده إلا بعد استيفاء الرسوم القضائية عنه وهو موقف يعد من صميم اختصاصه، فان ما تعرض له هذا الأخير من اعتداء أثناء مغادرته لمقر عمله تتحمل الدولة المسؤولية عنه في إطار تضامنها مع المتضررين لحماية موظفيها مما قد يتعرضون له من أضرار أثناء أو بمناسبة قيامهم بعملهم. والمحكمة لما حملت الدولة المسؤولية عما لحق المطلوبين من أضرار نتيجة فقد موروثهم بسبب الاعتداء الذي تعرض له فإنها تكون قد بنت قضاءها على أساس قانوني بهذه العلة التي تعوض العلة المنتقدة.

 

في الفرع الثاني من الوسيلة الثانية: حيث يعيب الطاعن القرار المطعون فيه بفساد التعليل نتيجة عدم التمييز بين التعويض في إطار الفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود والمعاش، ذلك أن الطاعن سبق له أن تمسك أمام محكمة الدرجة الثانية بكون الحكم المستأنف أمامها عمد إلى الخلط بين الأحكام المنظمة لمعاش التقاعد وتلك التي تحكم معاش الزمانة، واعتبرتها شيئا واحدا وأنهما مستحقين للمطلوبين في النقض طالما أن مبلغهما ليس سوى مقابل ما تم اقتطاعه من أجرة الهالك طيلة مدة عمله وذلك من اجل تبرير الحكم بالتعويض بناء على المسؤولية التقصيرية وان محكمة الاستئناف الإدارية وقعت في نفس الخطأ. وان تعليل المحكمة بهذا الخصوص فاسد لكون المستحقات التي يقصدها الطاعن في دفوعه هي المستحقات الناتجة عن معاش الزمانة التي تمنحه الدولة من ميزانيتها بناء على قرار تصدره لجنة الإعفاء والذي نظمه المشرع في الفصول من 25 إلى 34 من القانون 011-71 المحدث بموجبه نظام المعاشات المدنية وليس معاش التقاعد الذي يمنحه الصندوق المغربي للتقاعد بناء على نفس القانون، وإذا كانت محكمة الدرجة الأولى قد لجأت لتغطية ولو جزء من التناقض الذي وقعت فيه لتطبيق مقتضيات الفصل 19 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، فان محكمة الدرجة الثانية وباعترافها بكون الحادثة وقعت خارج المرفق العام كان عليها أن تقضي بعدم مسؤولية الدولة عن الحادث، ولما لم تفعل يبقى تعليلها فاسدا يعرض قرارها للنقض.

 

لكن، حيث إن معاش الزمانة يتميز بكونه منحة من الدولة تؤديها لموظفيها في حال تعرضهم لحادث أثناء مزاولة عملهم أو بمناسبة قيامهم به وهو منظم بمقتضى القانون 011-71 المحدث بموجبه نظام المعاشات المدنية ولا علاقة له بالتعويض عن الأضرار الناتجة عن تسيير الإدارة أو عن الأخطاء المصلحية لموظفيها المنظمة بمقتضى الفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود، وأن المحكمة لما عللت قرارها بأنه : " وبالنسبة لما يدعيه الطرف المستأنف من كون المدعين المستأنف عليهم قد استفادوا من التعويضات المستحقة في إطار مقتضيات ظهير رقم 008-58-1 بتاريخ 24/2/1958 بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، فان حق هؤلاء في أخد المعاش المذكور لا يسقط الحق في المطالبة بالتعويض عن الضرر، والتالي ليس من المستساغ قانونا إدخال ما يمنح من معاش على اثر وفاة موروثهم في حساب التعويض عن الضرر اللاحق بهم من جراء ذلك"، فإنها تكون قد بنت قضاءها بتحميل الدولة المسؤولية عن الأضرار اللاحقة بالمطلوبين على أساس قانوني سليم والفرع الثاني من الوسيلة بدون أساس.

 

في الفرع الثالث من الوسيلة الثانية: حيث يعب الطاعن القرار المطعون فيه بفساد التعليل بخصوص خضوع تقدير التعويض للسلطة التقديرية للمحكمة، ذلك انه لا خلاف في كون المحكمة تتمتع بالسلطة التقديرية لتحديد التعويض عن الأضرار في الحالات التي لم يحددها القانون، وأن هذه السلطة التقديرية ليست مطلقة ولا تعفيها من تعليل حكمها. وأن محكمة   أيدت حكم المحكمة الابتدائية الذي لم تعلل المحكمة مصدرته ما قضت به في إطار إعمال سلطتها التقديرية ولم تقم بإبراز المعايير والمعطيات التي استندت إليها، وإنها لم توضح الظروف والملابسات الخاصة بالنازلة وكذا بيانها العناصر التي تبين ملاءمة التعويض المعنوي المحكوم به مع معطيات نازلة الحال. وأنه إن كان المشرع قد منح السلطة التقديرية للمحكمة لتحديد التعويض في غير الحالات التي يحددها القانون أو الاتفاق فان ذلك يعني أن المحكمة يجب عليها ليس فقط أن تبرز العناصر المعتمدة من قبلها بل إن تقوم بشرحها ومدى ملاءمتها مع وقائع النازلة وصولا لتكوين قناعتها على أساس مبادئ مستمدة من القانون وان المحكمة أمام تأييدها للحكم المستأنف في هذا الشأن بناء على تعليل فاسد يجعل قرارها عرضة للنقض.

 

لكن، حيث إن المحكمة لما أيدت الحكم المستأنف اعتمادا على ما عللت به هذه الأخيرة حكمها بشأن تقدير التعويض وذلك بإبراز عناصر هذا التقدير المتجلية في الضرر المعنوي المتمثل في فقدان المطلوبين العطف والحنان والإشراف الأبوي على تنشئة واستقرار الأسرة، فإنها تكون قد عللت قرارها تعليلا سليما يتلاءم مع واقع التراع وظروفه وملابساته مما يكون معه ما أثير بهذا الفرع من الوسيلة بدون أساس. 

 

لهــــــذه الأسبـــــــاب


قضت محكمة النقض بنقض القرار المطعون فيه. 

الرئيس : السيدة عائشة بن الراضي المقرر : السيدة سلوى الفاسي الفهري - المحامي العام : السيد عبد العالي المصباحي.



 


أعلى الصفحة