القانون العام

بقلم ذ صديق عزيز
متصرف بقطاع التربية الوطنية
تحت عدد: 279
صادق مجلس الحكومة يوم الأربعاء 29 يوليوز 2015

 على مشروع مرسوم رقم 436-13-2 بتحديد كيفية تطبيق الفصل 38 المكرر من الظهير الشريف رقم 008-58-1 الصادر 24 فبراير 1958 في شأن النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية المتعلق بنقل الموظفين المنتمين إلى الهيئات المشتركة بين الوزارات في صيغته الجديدة،و ينص الفصل 38 مكرر من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية على ما يلي :

§                       يوجد الموظفون المنتمون للهيئات والأطر المشتركة بين جميع الإدارات العمومية في وضعية عادية للقيام بالوظيفة في إدارات الدولة وفي الجماعات المحلية المعينين لديها.

§                       يمكن نقلهم من إدارة عمومية إلى أخرى، أو من جماعة محلية إلى أخرى، أو من إدارة عمومية إلى جماعة محلية، في إطار برامج إعادة انتشار الموظفين تعدها الإدارة لهذا الغرض.

§                         يتم نقل الموظفين المشار إليهم أعلاه كما يلي إما بناء على طلبهم؛  وإما بطلب من رئيس الإدارة العمومية أو الجماعة المحلية التي ينتمي إليها المعني بالأمر، وفي هذه الحالة تتم استشارة اللجنة الإدارية المتساوية الأعضاء المختصة.

§                        يجب أن تراعى في نقل الموظفين المنصوص عليه في هذا الفصل، الحالة العائلية للمعنيين بالأمر ضمن الحدود الملائمة لمصلحة الإدارة، وإذا اعترضت اللجنة الإدارية المتساوية الأعضاء المختصة على الطلب المقدم من لدن رئيس الإدارة أو الجماعة المحلية، ترفع القضية إلى الوزير الأول الذي يبت نهائيا في الموضوع.

§  تحدد كيفية تطبيق أحكام هذا الفصل بموجب مرسوم.

و لعل أبرز ما جاء به هذا المرسوم من معطيات نجملها فيما يلي :

Ø                    نقل الموظفين المنتمين لهيئة الأطر المشتركة بين الوزارات من إدارة عمومية أو جماعة ترابية، و إعادة تعيينهم بإدارة عمومية أو جماعة ترابية أخرى، في إطار ما سماه واضعو المرسوم بتشجيع الحركية. وذلك إما بناء على طلبهم أو تلقائيا إن اقتضت ضرورة المصلحة ذلك.

Ø                    توجه الإدارات العمومية و الجماعات الترابية لزوما قبل فاتح أبريل من كل سنة إلى مصالح وزارة الوظيفة العمومية لوائح الموظفين المقترح نقلهم تلقائيا إلى إدارة عمومية أو جماعة ترابية أخرى، و كذا لوائح حاجياتها من الأطر حسب الكفاءات و المؤهلات.

Ø                    تتولى لجنة مكونة من ممثل وزارة الوظيفة العمومية، المالية و الداخلية -إن تعلق الأمر بجماعة ترابية- دراسة اللوائح و طلبات النقل.  

Ø                    تخويل الموظف الذي ترتب عن نقله تلقائيا تغيير لمحل إقامته بسبب تغيير الجهة أو الاقليم، تعويضا جزافيا ( أجرة 3 أشهر)  تتحمله الإدارة أو الجماعة الترابية المستقبلة في حدود مرتين على الأكثر خلال مساره المهني.

و مما لاشك فيه أن الدولة الحديثة تقوم أساسا في إطار سياستها العامة ببناء أجهزة تنفيذية وتشريعية وقضائية قوية وفعالة، وعلى رأسها القضاء الذي يحتل مركزا مميزا في مواجهة الأفراد ويتمتع بسلطات وامتيازات كبيرة من أجل تحقيق المصلحة العامة. و يعتبر الدستور أسمى قانون و المصدر والأصل بالنسبة لجميع القوانين المعمول بها في الدولة، فهي مرتبطة به شكلا ومضمونا، روحا ونصا.

ولعل القراءة القانونية لهذا المرسوم تحيلنا إلى مجموعة من النقط التي تؤكد طابعه غير الدستوري    و غير المشروع، و يترجم نية الحكومة ضرب استقرار الموظف المنتمي للأطر المشتركة بين الوزارات في العمق،  و كذا المساس بأمن الإدارة العمومية.

إن البحث في عدم مشروعية هذا المرسوم، يقتضي منا الحديث عن مكامن الخلل فيه. فخرقه للدستور الذي يحظى بمكانة سامية على هرم التشريع، يجعلنا مبتعدين عن التجسيد الحقيقي لمبدأ سمو الدستور على سائر التشريعات الأخرى، وفي منأى عن ضمان أن تكون كافة القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية والأوامر الصادرة عن السلطة التنفيذية مطابقة للدستور.

 إن الطعن بعدم مشروعية مرسوم أو قرار إداري ما يترجم البحث عن الشرعية القانونية، ويحافظ على المراكز القانونية للأفراد. كما يضمن أيضا حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وسيادة القانون والعدالة والمساواة في المجتمع الديمقراطي.

أولا: الحديث عن حركية الموظفين :

يحيل نقل الموظف إلى تغيير للوظيفة داخل نفس الدرجة و نفس المسلك أو إطار الوظائف، ويسري نقل الموظفين على الرسميين منهم دون المتمرنين أو الأعوان غير الرسميين. ويعتبر وسيلة لتقليص الفوارق الكمية و النوعية بين حاجيات الإدارة و الموارد البشرية. و يقسم المشرع الفرنسي نقل الموظفين إلى نوعين:

1)                   - نقل داخلي: يخص وظائف الدولة و الجماعات الترابية، ويركز على تغيير في التعيين في نفس الإدارة و الذي يأتي بطلب من العون أو بمبادرة من الإدارة. 

2)                   - نقل خارجي: يكمن في الوظائف العمومية الترابية و المستشفيات و الذي يتضمن تغييرا في الجماعة الترابية أو المؤسسة و يكون بطلب من الموظف.


ثانيا: تجليات عدم مشروعية مرسوم حركية الموظفين المنتمين للأطر المشتركة بين الوزارات:

1.   يجد الطعن بعدم مشروعية هذا المرسوم أساسه القانوني في المادة 9 من القانون 41.90 المحدث بموجبه المحاكم الإدارية حيث يؤكد على أنه : "استثناء من أحكام المادة السابقة تظل محكمة النقض مختصة بالبت ابتدائيا و انتهائيا في طلبات الإلغاء بسبب تجاوز السلطة المتعلقة ب :- المقررات التنظيمية والفردية الصادرة عن الوزير الأول؛

               - قرارات السلطات الإدارية التي يتعدى نطاق تنفيذها دائرة الاختصاص المحلي لمحكمة إدارية."

2.   إن هذا المرسوم خرق بشكل واضح صلاحيات البرلمان في التشريع، على اعتبار أن الوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالوظيفة العمومية هي من قامت بإعداد هذا المرسوم. و بالرجوع إلى الفصل 71 من الدستور، نجد أن التشريع في ميدان النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية هو من اختصاص البرلمان، و ليس الحكومة التي أصدرت مرسوما تطاول على اختصاص البرلمان بالقيام بقراءة غير سليمة للفصل 38 مكرر من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية و إضافة عناصر جوهرية تمس الموظف في العمق، كان من الأولى تعديلها بواسطة البرلمان و ليس بمرسوم تطبيقي.

3.   إن هذا المرسوم يمس بالحقوق و الحريات الأساسية المنصوص عليها في الباب الثاني من الدستور، و خاصة الفصل 32 الذي يؤكد على أن الدولة تعمل على ضمان الحماية الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية للأسرة، بمقتضى القانون، بما يضمن وحدتها واستقرارها والمحافظة عليها. الشيء الذي يدعونا للتساؤل عن غاية النقل التلقائي للموظف بناء على ضرورة المصلحة -باعتبارها مفهوما فضفاضا يحتمل التأويل و يكتسي طابع العمومية- بالشكل الذي يبعده عن أسرته، و سكنه الذي غالبا ما يكون اقتناه بقروض بنكية، و يحرم أبناؤه من متابعة دراستهم بالمعاهد و المدارس التي كانوا فيها قبل إقرار النقل التلقائي. مما يعاكس إرادة المشرع الدستوري في ضمان حق الاستقرار في التراب الوطني، و كذا ضمان الحماية القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية للأسرة.  

4.   لم ينص المرسوم على أي ضمانات قانونية كفيلة بتفادي النقل التلقائي الانتقامي سواء في مسألة إعداد لوائح الموظفين المغضوب عليهم، و المقترح نقلهم  تلقائيا من طرف إدارتهم، في غياب معايير موضوعية لقياس مردودية وجودة العمل الذي يباشره الموظف.  

5.   ليس هناك أي وجود قانوني للجنة التي نص عليها المرسوم في الفصل 38 مكرر من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، ذلك أنه تم الحديث عن استشارة اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء فقط دون الإشارة إلى تشكيل أية لجنة عكس ما تم التنصيص عليه في المرسوم بإحداث لجنة لا نعرف حدود حياديتها  و لا اليات اشتغالها و لا كيفية تأسيسها، على اعتبار أن هذه اللجنة كان من الأولى أن يتم التأسيس لها بواسطة قانون و ليس بمرسوم.

6.   يتسم التعويض الجزافي الذي سيتقاضاه الموظف المنقل تلقائيا بالهزالة، إذ كيف يعقل أن يتم نقل موظف تلقائيا من شمال المغرب إلى جنوبه، و أن يمنح تعويضا يقدر بأجرة 3 أشهر إجمالية نظامية تتحمله الإدارة أو الجماعة المستقبلة دون الإدارة التي تسببت في نقله،        و بالشكل الذي يهدر أموال إدارة أخرى. و في تجاهل تام للوضعية الصحية و الاجتماعية للموظف، و وضعية زوجته و أبنائه. مما سيلحق به أضرار جسيمة مادية و معنوية من الصعب جبرها بالتعويض المادي.

7.   إن النقل في هذا المرسوم قد يتحول إلى عقوبة تأديبية، ولن يبقى مجرد إجراء تدبيري يستهدف تدبير الموارد البشرية، و سد الخصاص في مختلف الإدارات العمومية أو الجماعات الترابية.  فكثيرا ما تلجأ الإدارة إلى أسلوب العقاب المقنع تحت ذريعة اتخاذ تدابير داخلية تهم تنظيم المرفق العام و تحقق المصلحة العامة. فقد ذهبت محكمة النقض في قرار رقم 80 مكرر بتاريخ 18 مارس 1993 في قضية هاشم القصري حيث اعتبرت أن "نقل الموظف من مدينة إلى أخرى دون تبرير المصلحة العامة يعتبر انحرافا في استعمال السلطة" حيث أن الإدارة و إن كانت تتوفر فعلا على السلطة التقديرية لنقل موظفيها من مركز إلى آخر و من مدينة إلى أخرى مادام هذا النقل يندرج في إطار المصلحة العامة و حسن تسيير المرفق العام، الذي يعمل لحسابه، فإن ذلك مقيد بعدم الانحراف في استعمال هذه السلطة."

و في قرار آخر لمحكمة النقض راقب القاضي الإداري مدى ملاءمة قرار النقل المتخذ في إطار الموازنة بين المصلحة العامة و الأضرار التي لحقت بالطاعنة. " ....وحيث أن الثابت من أوراق الملف كما لاحظت ذلك المحكمة الإدارية المطعون في حكمها و الذي لا يجادل فيه الطرف المستأنف أن المستأنف عليها تقطن بحي الشرف بأكادير و متزوجة و أم لطفلين صغيرين وأن زوجها بحكم عمله مضطر للتنقل بانتظام كما أن الإعدادية التي تم نقل الطاعنة إليها توجد خارج المنطقة الحضرية لأكادير الشيء الذي استنتجت منه المحكمة عن صواب الاستجابة لطلب إيقاف التنفيذ." (المجلس الأعلى الغرفة الإدارية قرار رقم 787 بتاريخ 30 يوليوز 1998 الوكيل القضائي للملكة ضد الزهرة معترف منشور بمجلة REMALD  الدليل العملي للاجتهاد القضائي في المادة الإدارية ص 205) .

فالقضاء الإداري تصدى للعقوبة التأديبية المقنعة التي تتخذ عادة شكل نقل موظف من إدارة إلى أخرى، ففي حكم للمحكمة الإدارية للرباط عدد 114 بتاريخ 14 مارس 1999 فريدة بن عصمان ضد الصندوق الوطني للقرض الفلاحي :"... ولئن كان القانون الأساسي لمستخدمي الصندوق الوطني للقرض الفلاحي يدرج النقل ضمن سلم العقوبات التأديبية طبقا للفصل 81 منهن فإن هذه العقوبة يجب أن تكون ملائمة لظروف المستخدم و خصوصا إذا كان الأمر يتعلق بامرأة متزوجة ...إذا كانت للإدارة سلطة تقديرية في اتخاذ العقوبة التي تراها مناسبة في حق مستخدميها، فإنه بالنظر إلى وضعية الطاعنة كامرأة متزوجة، فإن عقوبة النقل تعتبر بالنسبة إليها غير مناسبة لأنها قد تؤدي حتما إلى تشتت أسرة بكاملها و ذلك بالنظر إلى المسافة الرابطة بين سلا و مدينة ابن جرير التي تم نقل الطاعنة إليها."

و مما تجب الإشارة إليه أن قرار النقل التلقائي المتخذ في حق الموظف يعتبر قرار إداريا صادرا عن سلطة إدارية يمكن الطعن فيه بالإلغاء بسبب تجاوز السلطة، بصريح الفصل 118 من الدستور الذي ينص في فقرته الثانية على أن " كل قرار اتخذ في المجال الإداري سواء كان تنظيميا أو فرديا يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة ." وكذا استنادا إلى المادة 8 من القانون 41-90 المحدثة بموجبه محاكم إدارية التي تؤكد اختصاص هذه الأخيرة في" البت ابتدائيا في طلبات إلغاء قرارات السلطات الإدارية بسبب تجاوز السلطة ....."

و عليه فقد  يشكل لجوء الإدارة إلى اتخاذ قرار نقل الموظف في إطار هذا المرسوم من إدارة إلى إدارة أخرى بشكل يلحق به الضرر بمثابة عقوبة تأديبية مقنعة .وهذا ما تصدى له القضاء في العديد من القرارات سواء التي تم ذكرها أو أخرى تصب في خانة اعتبار النقل في الوظيفة العمومية غير مندرج ضمن العقوبات التأديبية، بل وضعه في إطار الإجراءات التدبيرية التي تلجأ إليها الإدارة من أجل تدبير أفضل لمواردها البشرية و بالشكل الذي يحقق المصلحة العامة، و يأخذ بعين الاعتبار رغبة الموظف في الانتقال من عدمها .لكن مع التقيد بالضوابط التي نص عليها الفصل 64 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية. و بالتالي فإن :" نقل موظف كان الباعث عليه تأديبه دون تمتيعه بالضمانات المعمول بها قانونا و ليس تحقيق غرض المصلحة العامة ....قرار مشوب بعيب إساءة استعمال السلطة ...الأمر الذي يستدعي معه التصريح بإلغاء قرار نقل الطاعن إلى مديرية التجهيز بولمان لاتسامه بالشطط في استعمال السلطة". (المحكمة الادارية الدار البيضاء حكم عدد 86 بتاريخ 14/12/2001 الحياني محمد ضد وزير التجهيز منشور بمجلة REMALD  عدد 16/2004 ص 304، 305 و 306).

وجاء في حكم المحكمة الإدارية بمراكش عدد 136 بتاريخ 17/10/2001  في سياق نفس الموضوع أن "إصدار عقوبة تأديبية في حق موظف تم إردافها بعد مرور زمن قصير بإجراء نقله لأجل مصلحة عامة دون سبب مصلحي حقيقي يدعو لذلك و لم يمض سوى يوم واحد فقط على تاريخ استئنافه لعمله.... الطعن بالإلغاء لتجاوز السلطة"

 

 

 

   

 

 

 

 

 

 

 

بقلم ذ صديق عزيز
متصرف بقطاع التربية الوطنية
 


أعلى الصفحة