القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ يوسف قجاج
باحث في قانون الخاص مهتم بالعلوم الجنائية
تحت عدد: 169
لقد أصبح نظام العدالة الجنائية أكثر من أي وقت مضى محط انتقاد بل و مؤشرا مشجعا على شيوع الجريمة ، هذه الأخيرة شهدت ارتفاعا ملحوظا في مستوى و معدل اقترافها و بموازاة ذلك فإن آليات محاربتها أو الوقاية منها أصبحت عاجزة عن مسايرة هذا المد الإجرامي ، الأمر الذي فسح المجال أمام الإستنجاد بالطرق الكلاسيكية المعتمدة في محاربة الجريمة و على رأسها بطبيعة الحال تكثيف وثيرة الإعتقالات لردع المجرم و الحيلولة دون اقترافه لأفعال جرمية مستقبلية.

فأمام هذا الوضع ظهرت خيارات جديدة لمعالجة أزمة السياسة الجنائية ، هذه الخيارات و إن كانت تبدو إلى الأمس القريب مجرد تصورات نظرية فإن أهمية طرحها في الوقت الراهن أضحى ضرورة ملحة ، و من جملة هذه الخيارات  فتح قناة للتواصل مع أطراف الخصومة الجنائية عبر توسيع هامش العدالة التصالحية .

و لأن رسم ملامح عدالة تفاوضية و الإطمئنان للنجاعة القضائية و الثقة في عدالتها الجنائية يتطلب اعتماد و سائل و آليات جديدة لحل النزاعات خارج الإطار التقليدي للمحاكمة و إجراءاتها تفاديا لتعقيدات القضاء و كثرة شكلياته ، ظهرت آلية الوساطة الجنائية كآلية جديدة لحل الخصومات الجنائية خارج الإطار التقليدي للمحاكمة تقوم على فتح قناة للتواصل بين أطراف الخصومة الجنائية ، فهي تعتبر نظام قانوني مستحدث يهدف إلى حل الخصومات الجنائية بغير الطرق التقليدية و دون الحاجة إلى مرورها بالإجراءات الجنائية العادية ، فهي أحد الحلول البديلة في الدعوى العمومية لحل الخصومات الجنائية و قد جاءت استجابة لضرورة تبني سياسة جنائية تقوم على المصالحة بين أفراد المجتمع و جبر الضرر بالنسبة للضحية و إعادة إدماج الجاني .

لذلك يمكن القول بأن الوساطة الجنائية هي ذلك الأسلوب التوفيقي الذي  يقوم به طرف ثالث لمساعدة أطراف الخصومة أملا في التوصل إلى حل يرضونه بهدف حماية العلاقة الإجتماعية وبغية الحفاظ على الروابط الإجتماعية و تحويل علاقة التصادم بين الجاني و الضحية إلى أسلوب تعاقدي يلتزم من خلاله الجاني بتعويض الضحية في مقابل تخلي هذا الأخير عن أحقيته في تحريك الدعوى العمومية و تتدخل الدولة كطرف ثالث لتتنازل بدورها عن إنزال العقاب بالجاني متى ارتضت ووافقت على العقد التصالحي بين الطرفين.

فعلى اعتبار أن الوساطة الجنائية انتشرت انتشارا واسعا في عدة دول فقد كان من الضروري العمل على أجرأتها و مأسستها تفاديا لتضخم القضايا المطروحة أمام القضاء و تعدد المساطر و تعقيدها و تشعب إجراءاتها ، فإذا كانت مجموعة من التشريعات الجنائية  المقارنة قد أخذت بنظام الوساطة الجنائية و عملت على أجرأته ومأسسته و نخص بالذكر التشريع الجنائي الفرنسي و البلجيكي و التونسي، فإنه بالمقابل فالمشرع الجنائي المغربي مازال مترددا في الأخذ بنظام الوساطة في المادة الجنائية.

و عليه فإن الإشكال الذي يطرح في هذا الموضوع هو مدى إمكانية القول بأن مأسسة الوساطة الجنائية سيساهم في تخفيف العبء عن مؤسسة القضاء و سيساهم في تفعيل العدالة التصالحية ؟

يتفرع عن هذا الإشكال السؤالين التاليين :

-       ما هي دواعي و مبررات مأسسة الوساطة الجنائية؟

-       ما هي الآليات الكفيلة بمأسسة الوساطة الجنائية؟

سيتم الإنطلاق من فرضية مفادها أن الوساطة الجنائية كنظام قانوني مستحدث و كآلية بديلة لحل الخصومات الجنائية تشكل صورة جديدة للعدالة و ستساعد لا محالة في تقوية العدالة التقليدية ، و أن التنصيص عليها و مأسستها في ظل التشريع الجنائي الوطني على غرار ما فعلت التشريعات المقارنة  سيساهم في التخفيف  من حجم القضايا المعروضة على القضاء و في تفعيل العدالة التصالحية و سيقوي من فلسفة جبر ضرر الضحية و إعادة إدماج الجاني.

و للوقوف عند مدى صحة هذه الفرضية نرى أن نقارب موضوعنا وفق الخطة التالية :

أولا : دواعي و مبررات مأسسة الوساطة الجنائية

ثانيا : آليات مأسسة الوساطة الجنائية

 

أولا : دواعي و مبررات مأسسة الوساطة الجنائية

لاشك أن الدواعي و المبررات التي تدعو إلى مأسسة الوساطة الجنائية تتعدد و تختلف، لذلك سنحاول الوقوف عند الدواعي و المبررات المرتبطة بأزمة الصلح الجنائي ، ثم للدواعي و المبررات المرتبطة بتخفيف العبء عن مؤسسة القضاء و بتفعيل العدالة التصالحية.

-1دواعي و مبررات مرتبطة بأزمة الصلح الجنائي

لقد ظل الصلح يشكل هاجس و إشكالية للمشرع المغربي كوسيلة لرفع العبء عن الأجهزة القضائية في الأمور ذات الطابع التقني أو البسيطة لذلك أنيطت بمؤسسة النيابة العامة في سياق قانون المسطرة الجنائية مهمة حسم الخصومات ذات الطابع البسيط والغير الخطير عن طريق الصلح، إلا أن آلية الصلح لم تتموقع في موضعها السليم و لم تستطع أن تلعب دورها المسطر لها كآلية لمكافحة الجنح ، بالإضافة إلى تواضع حصيلتها الميدانية ، حيث أجمع مختلف المهتمين على محدوديتها و ذلك راجع بالأساس إلى مجموعة من الإعتبارات :

_ على رأسها عيب الإقتباس من النص الفرنسي و عدم قابلية البيئة أو الوسط المغربي التأقلم و التكيف مع مضمون الصلح الجنائي ؛

_  إحجام النيابة العامة عن سلوك مسطرة الصلح وتشبتها بأسلوبها المحافظ كمجرد إطار مؤسساتي لتحريك الدعوى العمومية و منح الأفضلية لهذه الأخيرة ، و لم تستطع التأقلم مع الدور الجديد المسطر لها كمؤسسة لإجراء الصلح بين أطراف الخصومة الجنائية ؛

_ الطابع الجوازي لمسطرة الصلح و تنصيص المشرع على عنصر الإختيارية في اللجوء للصلح و تعقد الإجراءات المسطرية المواكبة له و طول أمدها الزمني.

2 -دواعي و مبررات مرتبطة بتخفيف العبء عن مؤسسة القضاء وبتفعيل العدالة التصالحية

 تمثل الوساطة الجنائية نمطا جديدا داخل المنظومة الجنائية ، تقوم على إيجاد مساحة للتحاور و النقاش بين أطراف الخصومة الجنائية فهي تعتبر الآلية القانونية الناجعة لمجابهة الكم غير المبرر للقضايا الزجرية البسيطة المعروضة على أنظار المحاكم ورأب الصدع الذي يمكن أن يطال العلاقات الإجتماعية بين أطراف الخصومة الجنائية في أفق تحقيق عدالة تصالحية تأخذ بعين الإعتبار مصالح الأطراف و تساهم في تخفيف العب عن مؤسسة القضاء ، وستساهم لامحالة في تحسين صورة العدالة الجنائية و إعادة مصداقيتها من خلال تنظيم الروابط الإجتماعية و الحد من قرارات الحفظ و المتابعة .

بالإضافة إلى مسايرة التطور الذي يعرفه مفهوم العدالة من مفهوم عقابي زجري إلى عدالة تصالحية إصلاحية تعويضية  تسعى إلى الإهتمام بأطراف الجريمة  و تتجه نحو تفعيل مشاركة الأفراد في إدراة نظام العدالة الجنائية .

فالوساطة الجنائية تعد وسيلة فعالة في علاج الزيادة الهائلة والمستمرة في أعداد القضايا التي تنظرها المحاكم الجنائية كما  أنها أصبحت في الوقت الحاضر وسيلة لضمان تعويض المجني عليه وتفعيل مشاركة الأفراد في نظام العدالة الجنائية ، بالإضافة إلى اعتبارها وسيلة اجتماعية مناسبة لعلاج الآثار المترتبة على الجرائم البسيطة والتي يصعب على المحاكم التعامل معها، فضلا على أن الوساطة يمكن أن تؤدى إلى توسيع النطاق القضائي لسلطة الدولة عن طريق إدخال صور العدالة الرضائية ، فقد أظهر التطبيق الحالي للعدالة الجنائية عزوف من جانب المجني عليه للسير في الإجراءات الجنائية، وبالتالي يمكن عن طريق الوساطة، تشجيع طرفي الخصومة الجنائية على المشاركة الفعالة في إدراة نظام العدالة الجنائية.

ثانيا : آليات مأسسة الوساطة الجنائية

مما لاشك فيه أن إخراج أي نظام إلى الوجود يقتضي العمل على إيجاد الآليات الكفيلة بتنظيمه على أرض الواقع ، لذلك ارتأينا الوقوف عند الآليات التي من خلالها يمكن مأسسة الوساطة الجنائية و تتمثل هذه الآيات على الخصوص في الآليات القانونية ، و الآليات التحسيسية التوعوية.

1 -  الآليات القانونية

تقوم على إعتماد التدابير القانونية التي تنظم آلية الوساطة الجنائية ، و العمل على تبني المقتضيات التشريعية الكفيلة بتنظيم المركز القانون للوسيط الجنائي و مختلف الشروط الواجب توافرها فيه و الواجبات الملقاة على عاتقه من أجل إضفاء الطابع المؤسساتي على هذه الآلية ، و حتى تصبح آلية الوساطة الجنائية كإطار مؤسساتي مهمته الأولى المساهمة في تخفيفي العبء عن مؤسسة القضاء و حل الخصومات الجنائية خارج الإطار التقليدي للمحاكمة ، و كآلية للصلح بين أطراف الخصومة الجنائية و تقريب وجهات النظر ورأب الصدع من جهة ، و من جهة ثانية كآلية تساهم في الرفع من نجاعة السياسة الجنائية الحديثة في مكافحة ظاهرة الجنوح ، و في تفعيل آليات العدالة التصالحية.

2 – آليات تحسيسية توعوية

تقوم هذه الآلية على النقطتين التاليتين :

_ تحسيس الرأي العام بأهمية الوساطة الجنائية في حسم الخصومات الجنائية و بأهمية العدالة التصالحية، و توعيته بمزايا و آفاق الوساطة الجنائية و إبراز فوائدها مقارنة مع الأسلوب التقليدي في تحريك الدعوى العمومية.

_ إرشاد عموم المخاطبين بالقاعدة الجنائية بجميع المعطيات المرتبطة بالوساطة الجنائية من حيث مجال تطبيقاتها و كيفية اللجوء ، و الآثار القانونية المترتبة عنها مع بيان مختلف الإجراءات المسطرية المعتمدة في سلوكها.

يبقى أن نشير في الأخير أن مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية الصادرة بتاريخ 8 ماي 2014  قد نصت على إمكانية إجراء الصلح بالوساطة الجنائية و ذلك من خلال ما نصت علية المادة 41من المشروع وذلك بأن يعهد بإجراء الصلح إلى وسيط أو أكثر يختاره الطرفان أو يختاره وكيل الملك ، و هو ما يشكل بادرة مهمة نحو اتجاه التشريع الجنائي المغربي للأخذ بنظام الوساطة الجنائية و يأتي هذا استجابة لمضامين الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 56 لثورة الملك و الشعب و المتعلق بإصلاح القضاء ، و أيضا استجابة للتوصيات التي خلص إليها الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة.

 

لائحة المراجع التي تم الإعتماد عليها

_ أشرف رمضان عبد الحميد ، الوساطة الجنائية و دورها في إنهاء الدعوى العمومية –دراسة مقارنة ، 2007
_رامي متولي القاضي ، الوساطة في القانون الجنائي الإجرائي المقارن ، 2010

_يوسف بنباصر ، أزمة مسطرة الصلح في القانون و القضاء المغربي: رصد ميداني لحصيلة التطبيق و قراءة في أسباب  الأزمة و الحلول المقترحة لمعالجتها ، سلسلة بنباصر للدراسات القانونية و الأبحاث القضائية ، 2006

_ أنور محمد صدقي المساعدة و بشير سعد زغلول ،الوساطة في إنهاء الخصومة الجنائية - دراسة تحليلية مقارنة

، مجلة الشريعة و القانون ، العدد الأربعون ، أكتوبر 2009

بقلم ذ يوسف قجاج
باحث في قانون الخاص مهتم بالعلوم الجنائية
 


أعلى الصفحة