ضمانة احترام عدم تجاوز مدة الارتفاق (دراسة مقارنة مصر فرنسا المغرب) - Alkanounia.com

 
القانون العام

بقلم ذ المهدي العربي
طالب باحث بكلية الحقوق اكدال
تحت عدد: 595
لا شك ان فلسفة التشريع المغربي تقوم على الحفاظ وحماية حق الملكية الخاصة نظرا للأهمية التي يحتلها هذا الحق ضمن النظام القانوني المغربي فإن ذلك يعني بالضرورة أن المساس بهذا الحق لا يمكن أن يتم بدون ضمانات قانونية، ولقد حاولت جل

التشريعات المقارنة التي أقرت بنزع الملكية تخويل أقصى ما يمكن من الوسائل والآليات لحماية الملكية الخاصة وضمان حقوق الملاك الخواص لتحصين هذا الحق من أوجه الشطط والانحراف الذي قد يشوب عمل الإدارة. وعلى نفس المنوال نجد المشرع المغربي وفي إطار خلق توازن حقيقي بين حماية الملكية الخاصة وضمانها وبين حق الدولة في المساس بهذا الحق خدمة للمنفعة العامة؛ قيد نزع الملكية بمجموعة من الضمانات و بفضل قواعد التعمير، لم تعد هناك سيادة مطلقة للملاكين العقاريين على أراضيهم، فبموازاة مع تقديس حق الملكية، تضطر السلطات العمومية، عند الاقتضاء، للحد من هذا الحق لأسباب تعود إلى تحقيق المصلحة العامة، فلا تقضي هذه القيود على حق الملكية، ولكنها تحد منه لتحقيق مصالح الجماعة ، ومن بين اهم المبادئ لحماية الملكية الخاصة والمنفعة العامة نجد مبدا احترام عدم تجاوز مدة الارتفاق فماهو موقف القضاء والتشريع المقارن؟
المحور الاول : موقف القضاء الاداري
يتولى القاضي الإداري الفصل في المنازعات المعروضة عليه طبقا للنصوص والقواعد القانونية المنظمة والمحددة للعلاقات أو الروابط التي نجمت عنها تلك المنازعات، وفيما يتعلق بمسألة التعويض عما تسببه القوانين من أضرار للغير، فإن القاضي إذا أثيرت أمامه منازعة، يبحث عن النص القانوني محل المطالبة، فإذا كان القانون يقرر مبدأ التعويض عن الأضرار التي يمكن أن تترتب على تطبيقه حكم القاضي بالتعويض، وإذا حظر القانون التعويض بنص صريح فإن القاضي ليس له إلا أن يقضي برفض التعويض تطبيقا لإرادة المشرع
وهكذا فقد ذهب القضاء الفرنسي في هذا الاتجاه في مسألة التعويض من خلال تطبيق مبدأ مسؤولية الدولة عن القوانين، فإذا نص المشرع صرامة على مبدأ تعويض المتضررين من قانون ما منحه، وإذا نص على عكس ذلك لا يحكم به. لكن ما لبث أن تخلى عن هذا المبدأ، وكانت البداية لذلك هي قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 29 أبريل 1921 في قضية Prenier et Henry، ففي هذا القرار وهو يرفض إعطاء التعويض، لم يستند مجلس الدولة الفرنسي إلى مجرد سكوت المشرع، ولكن اعتمد على الأعمال التحضيرية لقانون 16 ماي 1915 واستخلص منها إرادة المشرع لاستبعاد التعويض
ولعل النتيجة التي وصل إليها قضاء مجلس الدولة الفرنسي تعني أنه حتى في حالة غياب نص صريح بالتعويض عن الأضرار التي يسببها قانون ما، فإن إمكانية التعويض تبقى قائمة، وهذا ما تأكد فعلا في قرار لافلوريت الشهير والذي أعطى بعدا موسعا لمسؤولية الدولة بدون خطأ وشكل منعطفا حاسما في الاجتهاد القضائي الفرنسي
وقد فتح حكم شركة لافلوريت باب الاجتهاد للحد من مبدأ عدم مسؤولية الدولة عن النشاط التشريعي، وأصبحت هناك إمكانية للتعويض متى توفرت مجموعة من الشروط في هذا الشأن نوردها كما يلي: : يجمل الأستاذ عبد القادر هذه الشروط فيما يلي
أن لا ينص المشرع صراحة على عدم تقديم تعويض طبقا لقاعدة "لا اجتهاد مع نص صريح، أما إذا سكت المشرع فيمكن للقضاء أن يقر التعويض إذا توفر الشرطان الآخران
أن يكون الضرر خاصا أصاب مجموعة من الخواص دون أن يكون هؤلاء الخواص يقومون بأعمال غير مشروعة
أن يكون الضرر استثنائيا يتجاوز الحدود المألوفة والعادية
وفي مجال الارتفاقات الإدارية عمل القضاء الفرنسي على تفعيل مبدإ التعويض كلما كان هناك سكوت من قبل المشرع، وهكذا تم تطبيق هذا المبدأ بخصوص ارتفاقات منع البناء أمام المقابر، وكذا الارتفاقات المتعلقة بحماية المناطق الأثرية، ليصبح بعد ذلك مبدأ مطلق التطبيق متى تسبب الارتفاق لضرر غير عادي لفئة خاصة
ولتأويل هذا الاتجاه، اعتبر جانب من الفقه الفرنسي أن الارتفاق هو بمثابة تكليف عمومي، وذلك لطبيعته الآمرة، ومبدأ المنفعة العامة لا يقتضي بالضرورة عدم تعويض المتضررين عند غياب نص تشريعي، لأن تضرر فئة مجتمعية دون أخرى يعني وجود تمييز من طرف السلطة الإدارية داخل المجتمع، وأما الضرر الذي يجبر فهو الذي يكون على جانب من الجسامة تحدد انطلاقا من المتضرر وحجم الضرر
أما بخصوص القضاء المصري، فقد ذهب إلى تبني نفس الاتجاه التقليدي والحجج المعتمد عليها السالفة الذكر للقول بعدم مسؤولية الدولة عن القوانين، وهكذا فقد جاء في حكم صادر عن محكمة القضاء الإداري المصري ما يلي: " إن المبدأ المسلم به كقاعدة عامة: عدم مساءلة الدولة عن أعمالها التشريعية لأن التشريع يجب أن تكون له الكلمة العليا في تنظيم المجتمع عن طريق وضع القواعد العامة المجردة، فإذا ما ترتب عن التشريع ضرر لبعض المواطنين فإن الصالح العام يقتضي أن يتحملوا عبء ذلك، ومبدأ عدم مسؤولية الدولة عن النشاط التشريعي وما قد تسببه القوانين من أضرار هو مبدأ تقليدي يقوم على مبدأ سيادة الدولة، ومن خصائص السيادة أنها تفرض سلطاتها على الجميع دون أن يكون لأحد أي حق في التعويض عنها
إذ أن الضرر الذي تبنته القوانين لا تتوفر فيه الشروط اللازمة للحكم بالتعويض، وأهمها الخصوصية أو لأن القوانين هي قواعد عامة ومجردة يقتصر أثرها على تغيير المراكز العامة، أما إذا ترتب عنها ضرر عام لما يصيب أشخاصا بذواتهم فإن مثل هذا الضرر لا يعوض عنه ما لم يكن القانون صراحة منح تعويضا لمن يضار من صدوره، فإذا سكت المشرع عن تقرير هذا "التعويض كان ذلك قرينة على أنه لا يترتب على التشريع أي تعويض
وبشأن الاجتهاد القضائي الإداري المغربي الحديث خاصة بعد إحداث المحاكم الإدارية، وأمام تنصيص المشرع صراحة على مبدأ عدم التعويض مع إقرار استثنائين موجبين له نجد هذا القضاء قد أصدر مجموعة من القرارات والأحكام لا تجيز التعويض في هذا الموضوع، وذلك لأسباب تعود بالأساس إلى التأويل القضائي لقوانين التعمير وخاصة يتعلق تصميم التهيئة المنظم لارتفاقات التعمير
وفي هذا الإطار، ذهبت المحكمة الإدارية بفاس في حكمها رقم 92/2000 إلى القول: " وحيث أنه طالما أن توسعة الطريق المذكور بهذا الجزء لم تتحقق بعد على أرض الواقع فإن المطالبة بالتعويض عن الحرمان الدائم منه والنقل الجبري لملكيته يبقى "سابقا لأوانه والدعوى بشأنه حليفة عدم القبول
وقد أكدت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى في قرارها رقم 622 أن التعويض يكون في حالات محددة بعينها، وبما أن هذه الحالات غير مستوفية فإن التعويض عن الحرمان من الاستغلال يكون غير صحيح ومما جاء في القرار: " وحيث إن تصميم التهيئة يرتب قيودا على ملكية الأراضي الخاضعة له والتي يمنع استعمالها في غير ما أعدت له بموجب التصميم المذكور خلال مدة عشر سنوات الموالية لصدور المرسوم المصادق عليه، ولا يمكن لأصحابها خلال هذه الفترة المطالبة بأي تعويض إلا إذا نتج عن الارتفاقات المذكورة المس بحقوق مكتسبة أو تغيير أدخل على الحالة التي كانت عليها الأماكن من قبل ونشأ عنه ضرر مباشر مادي ومحقق، والبين من تقرير الخبرة المنجز من لدن الخبير أن العقار المدعى فيه مخصص في إطار تصميم التهيئة لشق ممرات عمومية وإنشاء مساحات خضراء، كما أن الثابت من نفس التقرير أن العقار المذكور ما زال أرضا عارية، أي أن تصميم التهيئة لم يفعل بعد بخصوصه، وهي وضعية تدخل في إصدار القيود التي يضعها تصميم التهيئة على الأراضي الخاضعة له ولا يعطي لأصحابها أي حق في التعويض طيلة فترة العشر سنوات الموالية لصدور مرسوم المصادقة على تصميم التهيئة، والحكم المستأنف لما قضى مع ذلك المستأنف عليه بالتعويض عن الحرمان من الاستغلال لم يصادف الصواب يتعين إلغائه". وهكذا يتبين من خلال الأحكام القضائية السالفة الذكر أن القاضي الإداري المغربي قد ساير نظيره الفرنسي بخصوص تطبيق إرادة المشرع في إقرار التعويض، مع قيام القاضي الإداري بالتوسع في تأويل الأساس القانوني المنظم لهذه الارتفاقات وارتباطه بمسألة التعويض
إلا أنه في حالة سكوت المشرع عن إقرار التعويض من عدمه، فإننا نجد القاضي الإداري المغربي قد تبنى موقف القضاء المصري، معتبرا سكوت المشرع عن تقرير التعويض يعتبر قرينة على أنه لا يترتب على التشريع أي تعويض. وهذا ما أكدته المحكمة الإدارية بمكناس في إطار مناقشة مسألة التعويض عن المناطق المحرمة من البناء بالقول: " طلب التعويض في نازلة الحال لا يوجد له محل في إطار قانون التعمير لكون المادة التي تحدثت عن كيفية التعويضات المستحقة لأصحاب الأراضي اللازمة لإنجاز التجهيزات المنصوص عليها في البنود 3-4-5-6 من المادة 19 من القانون رقم 12.90 (أي الطرق والمساحات الخضراء، المساحات المخصصة للأنشطة الرياضية، التجهيزات العامة كالسكك الحديدية، التجهيزات الصحية والثقافية والتعليمية والمباني الإدارية، المساجد والمقابر...) لم تتم الإشارة فيها إلى البند 2 المتعلق بالمناطق التي يحظر فيها البناء، مما " ... تعتبر معه أحكام التعويض، في نطاق قانون التعمير، بالنسبة لعقار المدعي، مستثناة من المقتضيات القانونية المذكورة المحور الثاني : موقف المشرع
تشير المادة 28 من قانون التعمير تنص على ان الآثار المترتبة على إعلان المنفعة العامة تنتهي عند انقضاء 10 سنوات ، تبتدئ من تاريخ نشر النص القاضي بالموافقة على تصميم التهيئة في الجريدة الرسمية ، ومن ثم فان اصحاب العقارات الواردة ضمن هذا التصميم لا يستطيعون القيام بالغرس أو البناء في الأراضي المخصصة لانجاز التجهيزات العامة . والارتفاق كما وجد وأنشئ بأسباب معينة ، يمكن أن ينتهي ويزول بأسباب معينة ، وهي متعددة ومختلفة : فتنقضي حقوق الارتفاقات القانونية بإلغاء النص القانوني الذي أحدثها ، أو بانقضاء الحالة التي أخضعها النص لنشوء الارتفاق ، أو بتغير الوضعية الطبيعية للأماكن ،أما الارتفاقات الادارية باعتبارها تنشأ عن تصرف قانوني ، فإنها تنقضي بأسباب انقضاء الحقوق بوجه عام ، كأن تنقضي بحلول الأجل الذي حدد لها ، أو بتحقق الشرط الفاسخ إدا أضيف اليها ، كما تنقضي بإبطال سندها ، أو بنزول مالك العقار المرتفق عنها ، غير ان هناك أسباب خاصة بانتهاء حق الارتفاق منها ما يرتبط بفقدانه لشرط من الشروط اللازمة لقيامه كهلاك أحد العقارين أو اتحاد مالكهما ، ومنها مايرتبط أساسا بزوال المنفعة التي يحققها الارتفاق ، أكثر من ارتباطها بإرادة الأطراف ، وهي تشمل جميع أنواع الارتفاق مهما كان مصدرها وبخصوص انتهاء او زوال المنفعة العامة لذلك الارتفاق ولم ينص المشرع المغربي صراحة على هذا السبب من أسباب انقضاء حق الارتفاق ، وان كان يمكن استخلاصه من تعريف حق الارتفاق الوارد في الفصل 108 من ظهير19 رجب 1333، من انه لما كان الارتفاق تكليفا يتقرر على عقار لاستعمال ومنفعة عقار خر، فان وجود هدا التكليف مرتبط بوجود هده المنفعة العامة ، وأنه بمفهوم المخالفة للنص ، إذا زالت منفعة الارتفاق لم يعد ثمة مسوغ لبقائه
وهدا ما قرره المشرع المصري في المادة 1029 مدني من أنه " لمالك العقار المرتفق به أن يتحرر من الارتفاق كله أو بعضه ،ادا فقد الارتفاق كل المنفعة للعقار المرتفق ن أو لم تبق له غير فائدة محدودة لا تتناسب البتة مع الاعباء الواقعة على العقار " المرتفق به
ومثل ذلك أن يكون الارتفاق هو حق المرور ، ثم ينفتح للعقار المرتفق ممر اخر الى الطريق العام ، بحيث يغني عن الممر المقرر بحق الارتفاق ، ففي هده الحالة ومثلها يجوز لمالك العقار المرتفق به أن يطلب إنهاء الارتفاق ويلاحظ ان المشرع وازن بين مصلحة صاخب العقار المرتفق في بقاء ارتفاق انعدمت فائدته، أو أصبحت ضئيلة الى حد كبير ومصلحة صاحب العقار المرتفق به في زوال الارتفاق والذي يحمل عقاره بعبء ثقيل فرجح مصلحة هذا الاخير نظرا لانها تفوق كثيرا المصلحة الاولى ، إلى حد ينعدم معه التناسب بين المصلحتين، فآثر تحرير العقار المرتفق به من حق الارتفاق ، ولو اقتضى الامر أن يمنح مالك العقار المرتفق به تعويضا مناسبا لمالك العقار المرتفق ، في مقابل زوال حقه دون رضائه ونجد قاضي الموضوع هو الذي يقدر انعدام الفائدة من حق الارتفاق ، أو مدى نقصانها ، وله في هده الصورة الاخيرة أن يحكم بتعويض مناسب لصاحب العقار المرتفق. وما دام أن المشرع المغربي لم ينص على ذلك صراحة الشئ الذي جعل الاجتهادات القضائية تتضارب في هدا الاطار ، ذلك أنه ادا اعتبرنا أن سكوت المشرع يعتبر إجازة لمبدأ التعويض ما دام أن الأصل في الاشياء الإباحة وأن القواعد العامة للعدالة تقتضي التعويض عن الاضرار المحدثة ، فيمكن القول بأنه لاضير في تعويض المتضررين ، وهو مادهبت اليه المحكمة الادارية بأكادير حين أوضحت بان تصميم التهيئة لمدينة إنزكان المصادق عليه أشار الى ان البقعة الارضية موضوع طلب التعويض مخصص لانشاء مرفق رياضي وأنه بذلك تكون المدعية محقة في المطالبة بالتعويض عن الخرمان من الاستغلال معتمدة في ذلك على قرار المجلس الاعلى سابقا الصادر في الموضوع وفي حكم آخر لنفس المحكمة اعتبرت أن الحق في التعويض عن الحرمان من الاستغلال يبدأ من تاريخ المصادقة على التصميم في حين يستحق التعويض عن قيمة الملك ابداء من تاريخ إنجاز المرفق العمومي على الملك موضوع التخصيص
خاتمة
وصفوة القول إن أهم ما يمكن الخروج به من خلال دراستنا لموضوع مبدا احترام عدم تجاوز مدة الارتفاق التي تدخل ضمن ميدان التعمير عبر حماية حق الملكية وتحقيق المنفعة فان الارتفاقات على اختلاف أنواعها و مصادرها تهدف إلى تحقيق المنفعة العامة، إلا أنه في مقابل ذلك وفي بعض الحالات نجد أن الإدارة المعنية بتدبير مجال التعمير قد تتجاوز سلطاتها المشروعة عندما تلحق الأضرار بالغير خلافا للقانون، وفي حالات أخرى فإن بعض الأشخاص يخرقون بدورهم نطاق القانون و لا يحترمون تلك الارتفاقات، وذلك بإيعاز منهم أو بمساهمة من بعض الإدارات المعنية ، ونتيجة للأضرار التي قد تطال الغير عند فرض ارتفاقات التعمير، يتدخل القضاء الإداري من خلال الاحكام القضائية التي تكرس ضمانة عدم تجاوز مدة الارتفاق
بقلم ذ المهدي العربي
طالب باحث بكلية الحقوق اكدال
 


أعلى الصفحة