القانون المدني- المسطرة المدنية

بقلم ذ سعيد بولهنا
حاصل على الماستر في القانون العام باحث في الشؤون القانونية والإدارية
تحت عدد: 503
تلعب كتابة الضبط دورا مهما وحيويا في قيام المحاكم

بعملها وتقديم خدماتها لعموم المتقاضين. فلا أحد ينكرهذا الدور الفعال والمتميز لكتابة الضبط، فهي تعتبر المساعد الأول للجهاز القضائي في أداء رسالته النبيلة، فمنها يبتدئ الملف القضائي وفيها ينتهي .لذلك حظيت باهتمام من أعلى سلطة في البلاد من خلال العديد من الخطب الملكية في هذا المجال لعل أبرزها خطاب31 مارس  لسنة1982 وقوله صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله أن "مسؤولية القاضي ليست أجسم من مسؤولية كاتب الضبط... ".

بالرجوع إلى المقتضيات القانونية المنظمة لهاته الهيئة، فقد تم بداية تنظيمها عن طريق المرسوم الملكي رقم 1.181.66 الصادر بتاريخ 2 فبراير 1967 والمعتبر بمثابة نظام أساسي خاص بموظفي المحاكم   ثلته بعد ذلك العديد من المراسيم  أخرها مرسوم رقم 71-08-2 صادر في 5 رجب 1429 (9 يوليو 2008)بشأن النظام الأساسي الخاص بموظفي هيئة كتابة الضبط. والذي تم تعديله  بمقتضى المرسوم الصادر في الجريدة الرسمية تحث عدد 5981 ليوم 26 شتنبر 2011 وقد جاء في الفصل الأول لهذا المرسوم أنه تحدث هيئة لكتابة الضبط .. ويخضع الموظفون المنتمون لهاته الهيئة للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل ، وهي التي تقوم بتدبير شؤونهم وفقا للمقتضيات التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل"

يتضح من هذا النص أن هاته الهيئة  نظريا هي جهاز مستقل، أي أنه يمارس عمله باستقلالية وحيادية تامة عن مختلف الأطراف المكونة لمنظومة العدالة بصفة عامة من قضاة ومحامين ..الخ .

ويفترض هذا، القول أن كاتب الضبط هو الأمين والحافظ لمجموع الوثائق التي توضع بكتابة الضبط بمعنى أصح الأمين على حقوق المرتفقين، بل أنه الشاهد حتى على القضاة أنفسهم كما هو الحال لكاتب الضبط الجلسات عندما يدون ما يروج أمامه بكل تجرد وحياد دون أي املاءات من أي جهة كانت .

اذا كان دور كاتب الضبط واضحا ومؤطرا تشريعيا من قبل المشرع المغربي .فإن الواقع العملي لا يعكس هاته الرؤية التشريعية والقانونية ولا ينسجم معها. فمازالت بعض السلوكيات تصطبغ بطبيعة عمل هذا الجهاز تذهب إلى درجة اعتباره جهازا للسخرة وليس للمساعدة القضائية بالرغم من أن هذا النظام لم يعد معمولا به في مختلف الادارات والمؤسسات العمومية .

         انطلاقا من هذا، ففي خضم النقاش الدائر حاليا حول مشاريع اصلاح منظومة العدالة وما أفرز من معطيات جديدة تخص أساسا القوانين المتعلقة بالسلطة القضائية وقوانين المسطرة المدنية والتنظيم القضائي للمملكة المغربية ومالها من انعكاس على مختلف الفاعلين في مجال العدالة أبرزها فرز استقلالية السلطة القضائية عن السلطة الحكومية المكلفة بالعدل وما نتج عنه أيضا من فك الارتباط بين النيابة العامة ووزير العدل وأصبح القضاة في وضعية قانونية مستقلة عن السلطة التنظيمية، هاته الاخيرة التي ابتعدت كليا عن تدبير المسار المهني للقضاة .

هذه المعطيات وبلا شك خلفت اثارا على باقي المهن المساعدة للقضاء وفي مقدمتها كتابة الضبط باعتبارها الجهاز التنفيذي التابع مباشرة للسلطة التنظيمية .فكما قلنا سابقا فأول ما يقصده المتقاضي لعرض نزاعه وخصوماته هو هذا الجهاز، فلا يمكن تسجيل الدعوى إلا عن طريق كتابة الضبط .

لذلك فإنه بالموازاة مع النقاش الدائر حول فك القضاة لارتباطهم مع وزارة العدل، طرح بشدة مسألة استقلالية كتابة الضبط أو لنقل أيضا فك الارتباط مع القضاة بالرغم من ان الفصل التام بينهما يبقى شبه مستحيل بل أن المقصود من ذلك أن يكون هناك نوع من التعاون والتناغم بينهما في ظل وحدة البيئة والعمل والهدف .

فتبعا لهذا القول ولظروف عدة أخرى مرتبطة بطبيعة الهيئة  اعتبرت العديد من الأطر العاملة بكتابة الضبط أنه لم يعد من المنطقي والمقبول أن تتدخل السلطة القضائية في شؤون هي من صميم أعمال السلطة التنفيذية .ونقصد هنا المهام التدبيرية لعمل المحاكم من قبيل تدبير الوضعية الفردية للموظفين سواء فيما يتعلق بالترقية أو التأديب أو الرخص الادارية والنقل من شعبة الى أخرى  أو غيرها من الامور التي تتعلق بالتجهيزات المكتبية والتقنية والمالية وبصفة عامة التدبير المالي والبشري والإداري للمحاكم .

فحسب النص القانوني السالف الذكر فإن كتابة الضبط تابعة للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل لذلك ليس هناك من تبرير لإخضاعها لسلطة أخرى، لذلك فان طرح فك الارتباط مع السلطة القضائية يستند على أساس أن تؤدي كل سلطة مهامها في جو من التنسيق والتوازي والاحترام والتكامل أخدا بعين الاعتبار مسألة المصلحة العامة وخدمة المتقاضين من جهة والمبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة .فكما هو معلوم فإن المهمة الاساسية المنوطة بالقضاة هي الفصل في النزاعات وإصدار الاحكام في الخصومات المعروضة عليهم .ولا يمتد هذا العمل إلى القيام بأمور تدبيرية  فهذا الدور موكول للإدارة القضائية أو بمعنى أصح لرجل الإدارة.

 صحيح أن ذلك يبقى مقبولا قبل صدور القوانين المتعلقة بالسلطة القضائية على اعتبار أن المسؤول القضائي أنداك يستمد سلطة التدبير والمراقبة والإشراف من سلطة وزير العدل لكون هذا الاخير كان يعتبر المسؤول المباشر عن قضاة النيابة  والغير مباشر عن قضاة الاحكام،لذلك من الطبيعي والمقبول القول باشرافهم على القضاة والموظفين معا وعلى المحاكم بشكل عام .وتنفيذ سياسة وزير العدل عن طريق ما يتلقونه من تعليمات في هذا الشأن  سواء بشكل كتابي مناشير دوريات  أو بشكل شفوي  تروم تجويد الخدمات القضائية المقدمة لعموم المواطنين .

غير أنه ومع انتفاء صفة التبعية هاته بعد أن أصبح الجسم القضائي سلطة مستقلة عن السلطة التنفيذية وأصبح وزير العدل خارج إطار تشكيلة المجلس الأعلى للسلطة القضائية وبالتالي لم تعد له صلة بأعمال القضاة سواء الحكم أو النيابة العامة .فإنه لا مجال للحديث عن الاشراف المباشر والغير المباشر للمسؤولين القضائيين على كتابة الضبط انسجاما مع المبدأ الدستوري القاضي بفصل السلط .

فاستقلالية القضاء عن سلطة الوزير معناه سحب سلطة الاشراف والمراقبة وتدبير شؤون الموظفين بشكل تلقائي ومباشر منهم في ظل عدم التبعية وتفويضها إلى سلطة ادارية أخرى تابعة مباشرة لسلطة الوزير .

ولعل هذا المعطى هو ما دفع بالقائمين على إعداد المشاريع المتعلقة بمنظومة العدالة الى التنصيص على استحداث منصب الكاتب العام للمحكمة والذي حسب المادة 21 من مشروع التنظيم القضائي الجديد يتولى مهام التسيير والتدبيرالاداري للمحكمة .

غير أن هاته المؤسسة الادارية الجديدة بالمحكمة لم تحظى بترحيب من جانب المسؤولين القضائيين الذين أبدو حسب تصريح السيد وزير العدل عندما حل ضيفا غلى قناة الأولى المغربية تخوفا بحكم أن المحكمة سيتم تسييرها بثلاث رؤوس، فمن جهة هناك إدارة جديدة  تحتى مسمى "رئاسة النيابة العامة" لها استقلال مالي وإداري سترى النور في الافق القريب بعدما مصادقة مجلس المستشارين على قانون تنظيم ونقل اختصاصات النيابة العامة والتي منح لها الاشراف المباشر على قضاة النيابة العامة. ومن جهة أخرى هناك المجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي له حق الاشراف والمراقبة على مجموع القضاة والذي بدوره يتمتع باستقلال  مالي وإداري. تم أخيرا مؤسسة الكاتب العام للمحاكم التي يعمل الموظفون تحت سلطتها المباشرة .وهذا التخوف يبقى غير مشروع وغير منطقي ويطرح أكتر من علامة استفهام مدام أن القضاة أنفسهم دافعوا عن طرح استقلالية القضاة واستقلالية السلط عن بعضها البعض  وبالمقابل عندما يتعلق الأمر باستقلالية الإدارة القضائية عارضوا الامر بشده وبعبارة أخرى يريدون الاستقلالية عن وزارة العدل وفي نفس الوقت الاحتفاظ او الابقاء على الجهاز الاداري المتمثل في كتابة الضبط تحت وصايتهم وإشرافهم وهو تناقض غير منطقي وغير مبرر ويخالف مبدأ فصل السلط وغيرها من المبادئ المتعارف عليها في هذا المجال .

إن هذا التنظيم الثلاثي الأضلاع لهو تجسيد فعلي للمبدأ الدستوري في هذا المجال والذي يقضي بمنع تدخل سلطة في شؤون سلطة أخرى  وضرورة أن يكون هناك نوع من الفصل المرن بين السلط وتعاونها .كما أن هذا التوجه يأتي انسجاما مع توصيات التي أقرتها الهيئة العليا لإصلاح منظومة العدالة والتي حظيت بموافقة أعلى سلطة في البلاد .فأساس هذا التقسيم الثلاثي أن مهام القاضي تنحصر في تطبيق القانون والرفع من جودة الاحكام وتقليص أمد التقاضي .في حين ينحصر الجانب الاداري والتدبيري لرجل الادارة ممثلا في مؤسسة الكاتب العام للمحكمة الذي يبقى خاضعا لسلطة مباشرة لوزير العدل .

إن القول باستقلالية كتابة الضبط او بالأحرى الادارة القضائية عن السلطة القضائية أضحى مطلبا ضروريا وملحا يجد أسسه ومرتكزاته في المسببات التي سوقنها أعلاه والتي تقضي أن المهام الادارية والتدبيرية تبقى من صميم اختصاص رجل الادارة والمهام القضائية المتمثلة في الحكم والفصل في النزاعات تبقى من اختصاص رجل القضاء، فلا يمكن الجمع بين صفتين رجل ادارة ورجل قضاء  في ذات الوقت وذلك لتناقضه مع المبادئ الدستورية في هذا المجال أبرزها مبدأي الفصل بين السلطة القضائية والسلطة التنظيمية وربط المسؤولية بالمحاسبة .

من هنا يجب على السلطة الحكومية المكلفة بالعدل أن لا تخطئ مرحلة تاريخية ومفصلية في علاقتها بالسلطة القضائية.فكما تم فك الارتباط بينهما بمقتضى القوانين المتعلقة بالسلطة القضائية واستقلالية النيابة العامة وبالتالي  كان من نتيجة ذلك أن سحب منها البساط لتدبير شؤون ووضعية القضاة بل حتى رسم مقومات السياسة الجنائية الوطنية .فإنه من غير المعقول أن تفرط هاته السلطة التنفيذية في ما تبقى لها من مكون في الجهاز القضائي وإخضاعه لوصاية السلطة القضائية .

من هنا فإننا نقترح إدخال تعديلات نراها ذي أهمية في تجسيد منطق الاستقلالية هاته لكتابة الضبط أهمها:

-         جعل مؤسسة الكاتب العام المنصوص عليها في المادة 21 من مشروع التنظيم القضائي الجديد تابعة مباشرة لسلطة وزير العدل تمارس مهامها تحت اشرافه ومراقبته  بدل الصيغة التي وردت عليه حاليا والتي تعطي هاته السلطة  للمسؤولين القضائيين.

-         الاكتفاء فقط بإحداث هاته المؤسسة على صعيد كل دائرة قضائية وليس كل محكمة على حدى يساعده في أداء مهامه رؤوساء كتابة الضبط ورؤوسا كتابة النيابة العامة والمدراء الجهويون  مع اعتباره رئيسا أعلى لباقي الموظفين على مستوى الدائرة القضائية ككل .

-         نقل الاختصاصات التي يمارسها المسؤولون القضائيون (الرئيس الأول –الوكيل العام) إلى مؤسسة الكاتب العام  خاصة في ما يتعلق بالوضعية الفردية للموظفين (التنقيط –ترأس اللجن المتساوية الاعضاء المختصة بالتأديب  والترقية والترسيم-الرخص الادارية للموظفين – النقل من شعبة الى أخرى أومن مصلحة الى أخرى في ظل توحيد كتابة الضبط). اذ من غير المنطقي في ظل مبدأ استقلالية السلطة القضائية النظر في الوضعيات الفردية للموظفين التابعين للسلطة التنظيمية من قبل المسؤول القضائي الذي يمثل السلطة القضائية لأن التسليم بمثل هكذا قول معناه اخضاع السلطة التنظيمية لوصاية ورقابة القضاء وهذا أمر غير منطقي وغير دستوري .

-         إسناد ترأس هاته المؤسسة لأطر كتابة الضبط من ذوي الشهادات العليا خاصة شهادة الماستر والدكتوراه مع جعل التعيين فيها يدخل ضمن دائرة المناصب العليا التي يتم التعيين فيها بظهير أو مرسوم مع التنصيص على عقد جلسة رسمية لتنصيبه يحضرها وزير العدل والرئيس الأول للمحكمة والوكيل العام لديها .وهذا أمر طبيعي لكون الكاتب العام يعتبرا ممثلا لوزير العدل داخل المحكمة في إطار توازن السلط وتعاونها بطبيعة الحال.

-         تعديل بعض المقتضيات القانونية الواردة في مشروع التنظيم القضائي بما ينسجم مع مكانة الكاتب العام وبالأخص تلك المتعلقة بحضور أشغال الجمعية العمومية للمحكمة ومكتب المحكمة واللحن المستحدثة بها بالتنصيص على انتدابه لأحد رؤساء كتابة الضبط لتمثيله فيها.

-         تمكين مؤسسة الكاتب العام من القيام بمهام التفتيش الدوري للمحاكم التابعة لدائرة نفوذه وإعداد تقرير بشأن ذلك يرفعه الى وزير العدل .مع التنصيص كذلك على رفع تقرير سنوي لوزير العدل حول كل ما يتعلق بالتدبير المالي والإداري للمحاكم  والمديريات الاقليمية واقتراح حاجيات المحاكم والمديريات من الموارد البشرية .

ويبقى في الختام أن نشير على أنه من شأن تجسيد هاته الاستقلالية على أرض الواقع أن ينعكس ايجابا على مرتادي مرفق العدالة، كما أن من شأن ذلك أيضا إزالة التداخل الحاصل حاليا بين المهام القضائية والإدارية بشكل يوضح حدود تدخل كل مسؤول على حدى في اطار تجسيد مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة .كما أن هذا لا يعني القول باشتغال كل سلطة بمعزل عن الأخرى بل لابد أن يكون هناك نوع من التكامل والتعاون بين السلطتين خدمة لمرفق القضاء .

بقلم ذ سعيد بولهنا
حاصل على الماستر في القانون العام باحث في الشؤون القانونية والإدارية
 


أعلى الصفحة