القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ محمد البكوري
الدكتور في القانون باحث في الحكامة و المجتمع المدني
تحت عدد: 360
لعل من أهم ما أماطت عنه اللثام مشاورات

 رئيس الحكومة منذ تكليفه  بتشيكل الحكومة الجديدة  في العاشر من أكتوبر المنصرم، وجود  نوع من الشرخ  المؤسساتي  والعجز التدبيري على مستوى محطتها الأولى المتمثلة  في  البحث  عن التآلف  القادر  على  ايجاد  أغلبية حكومية  متراصة.  ومن ثم،  انبثاق  حكومة  متجانسة البنيان، منسجمة الأركان، متناغمة  الرؤى، وناجعة الأداء – وفق  متطلبات  روح ومتن الخطاب الملكي لداكار للسادس من نونبر  الحالي-   وهو  الأمر الذي مرده  بالأساس،  في الحاجة الماسة للمؤسسات على اختلاف طبيعتها – رئيس الحكومة،  الحكومة، الأحزاب السياسية... - إلى  التوسل بالآليات  الجديدة  للتواصل  وبناء القدرات والتوافقات،   لضمان الخروج الآمن والسلس من بوتقة  اطالة العجز واستدامة  الكوابح وتعميق الأزمات واستمرار "البلوكاج". وهي  الآليات التي  يبقى من أبرزها مبدأ التفاوض، باعتباره الحل الناجع  لإشكالية  مايمكن تسميته ب"الدوغماقراطية" أو "الديمقراطية الوثوقية".                                                   إن  التفاوض هو تعبير عن موقف  حركي،  ينشأ بين طرفين أو أكثر ، قائم حول  قضية من القضايا   أو مشكل من المشاكل  المطروحة . وهو قناة تواصلية،  يتم  عبرها  تبني العديد  من الإواليات، التي تعمل جاهدة على عرض  وملائمة الاقتراحات المقدمة  وموائمة وتكييف  المواقف المطروحة  وتبادل وتقريب وجهات  النظر المتباينة  وتذويب  الخلافات  الموجودة... مع الحرص على الإستخدام  الأنجع  لأساليب  الإقناع  والقيام بالتنازلات  الممكنة  والإبتعاد عن المواقف المسبقة  والأحكام الجاهزة والآراء الاسقاطية  والقرارات  الدوغمائية والإيمان  بمبادئ  التسوية والتراضي  والتوافق  والحوار ... بغية  الحفاظ على  المصالح  القائمة  أو تجاوز المتضاربة منها، أو من أجل  الحصول  على  منافع جديدة،  عبر إجبار الطرف الثاني  على  القيام  بعمل معين،  من شأنه  نفع الطرف الأول  أو الامتناع عن قيام بعمل  قد يؤثر على هذا الطرف. ومن ثم، ضمان  جدوائية العملية التفاوضية  تجاه  نفسه وتجاه غيره.                     

هكذا، يعد مبدأ التفاوض على هذا الأساس المعياري /  الإجرائي، من بين أهم المبادئ التي ترتكز عليها الحكامة الجيدة.  وهو يعني بذلك، البحث  المضني عن  التوافق  الكفيل بالتحكيم الايجابي بين المصالح المتضاربة، من أجل الوصول إلى إجماع واسع حول  قضية ما ، مع الأخذ بعين الاعتبار تنوع  وتعقد مصدر القرار، للتمكن من تطوير مساطر التبادل والتوافق، عبر إشراك كل الأطراف المعنية  والقادرة  على دخول عملية التفاوض من موقع قوة.  كل ذلك، في إطار ترسيخ فضائل الحوار، عبر جعل الجميع يتواصل والفكرة التي نحملها عن الآخر، إما تتبدل أو تتلاشى، في انتظار أن تزول، باعتبار ذلك رسالة عظمى(1) .

عموما،  يتجلى  التفاوض  كسلوك  تفاعلي وكعملية  تواصلية بين  تيارين أو أكثر،  من أجل  تحقيق  المصالح والمنافع   للجميع،  بطريقة تبادلية، براغماتية  وتشاركية، ووفق مقاربة  رابح –رابح.  وبذلك، يعتبر التفاوض عملية تواصلية من بين العمليات التي يهتم بها علم التواصل. ومن ثم، فإنه يرتكز على نظرية التواصل بجميع دوائرها المعرفية، الفلسفية والعلمية والمنهجية.

كما يشكل نظام التفاوض كيانا منظما، يتكون من مجموعة من الأجزاء المتفاعلة والمتداخلة مع بعضها البعض، بحيث تكون في مجموعها كيانا كليا متناسقا يقدم لنا الفعل التفاوضي، كما يجب النظر إلى هذه المنظومة التفاوضية، بأنها تشكل نظاما يتكون من مجموعة متكاملة ومتماهية من الأجزاء ذات الخصائص المشتركة أو أنها تشكل مجموعة من العلاقات تؤدي هدفا مشتركا(2)، وكذا وضع الطرق المثلى أو الممكنة لتحقق المصالح الخاصة(3).

وتنشأ أهمية مبدأ  التفاوض، من خلال معطيين اثنين رئيسيين:   يتمثل المعطى الأول،   في ضرورته  لمعالجة   القضية التفاوضية  التي  يتم  التشاور حولها أو التفاوض بشأنها.  أما المعطى الثاني،  فتبرز في حتميته، باعتباره  المنفذ  الآمن  والمخرج الذي لا محيد عنه  لايجاد الحل المناسب للمشكل  المتنازع  بشأنه.  ومن ثم، التمكين  من معالجة القضية                 التفاوضية بشكل نهائي وفعال.   

هكذا، وعلى ضوء  ما سلف،  نرى وجوبا   أن من  المفاتيح الأساسية  لتشكيل حكومة بن كيران الثانية الاعتماد المركزي  والتوسل  المحوري  على /بالإوالية التفاوضية،  مع الحرص الأكيد على  مراعاة  عناصرها، شروطها، خطواتها، مكوناتها، قواعدها ومهاراتها .  

   أولا،  العناصر  الرئيسية للتفاوض:          

 أ-  الموقف  التفاوضي :  فالتفاوض  يعتبر موقفا  قبل أن يكون سلوكا  أو عملية.   إن الموقف التفاوضي  على صعيد تشكيل  الحكومة المقبلة  يتبلور  في الرغبة  الملحة  في استكمال  صرح البناء المؤسساتي  وتوطيد المسارات السياسية  العادية،  من خلال تحويل مخرجات الانتخابات  إلى  مؤسسات  قائمة الذات.وهو الموقف الذي  يستوجب  من أجل  اخراج هذه الرغبة  إلى حيز الوجود، التحلي بصفات المرونة  والتكيف  مع  الظروف والمتغيرات والمستجدات. علاوة  على تضمنه لعناصر حيوية من قبيل : 

 *خلق الترابط  وضمان الإلتحام  بين حيثياته وجزئياته.     

 *البناء الصلد والتركيب المتين لمكوناته  الفرعية والعامة،  الجزئية  والكلية،  الفردية والشمولية.                                     

* القدرة على  التعرف على الموقف التفاوضي  والتمييز بينه وبين المواقف الأخرى، مع ضمان الوضوح  على مستوى  أبعاده  وسماته.                                     

*  التحكم في هامش الوقت وجعله لصالح التفاوض في حد ذاته  وافراز مكاسب للأطراف المتفاوضة  وتفادي مسألة الهدر الزمني المكلف  ماديا وسياسيا.   فالهدف  الرئيسي من ذلك يبقى هو ربح القليل من الوقت  لمراجعة  الذات  ووضع المزيد من الترتيبات،  وليس  أن  يتم  إرباك عمل وحسابات  أطراف  أخرى لا تأخذ في الحسبان  أو غير معنية  بالتفاوض.  وبالتالي،  ترسخ المخاطر الناجمة عن  طول  فترة  التفاوض  في خلق آثار عكسية  ونتائج  غير  مرغوب  فيها (  إنتاج حالة العجز المؤسساتي )  ومن ثم  تحول  مخاضات التفاوض إلى مخاضات  عسيرة.       

    *تجاوز  مسألة التعقيد المرتبطة بالموقف التفاوضي،  باعتباره  موقف معقد الأبعاد، متداخل العناصر، متشابك الرؤى.  الشيء الذي يجعله في أمس الحاجة إلى الإلمام  بها،  قصد التمكن من بلوغ  الأهداف التي يرنو إلى تحقيقها.   

 *التعامل مع الموقف التفاوضي  وفق منهج  الشك  وضرورة تغيييب نزعة الوثوقية العمياء  والاقتناع بجدوائية  الغموض النسبي.  

*الحرص على تجميع المعطيات  الضرورية  والبيانات اللازمة حول الطرف المتفاوض معه، مع قراءة دوافعه  وقناعاته  وتحركاته  واتجاهاته  القراءة  الوافية.                  

   ب-  أطراف التفاوض :  في غالب الأحيان  يتم التفاوض بين طرفين.  وقد يمتد  ليشمل  أكثر من طرفين، وذلك من منطلق تداخل المصالح أو تعارضها  بين الأطراف الفاعلة  في  العملية  التفاوضية.  من جهة أخرى، يمكن تقسيم أطراف التفاوض إلى أطراف مباشرة تتبنى سلوكات صريحة  وأخرى غير مباشرة  تتتدخل في العملية التفاوضية بشكل ضمني. بالنسبة للتفاوض   الدائرة أطواره  في  أفق  شكيل  الحكومة المقبلة،  هو  تفاوض بين الأحزاب السياسية  التي تمكنت من الظفر  بشكل متفاوت بمقاعد برلمانية  في مجلس النواب،  إبان  محطة الاستحقاق التشريعي الأخير.  وهو تفاوض يدخل في صميم  التحديد التيمولوجي للأحزاب السياسية، باعتبارها مجموعات منظمة ودائمة  يجتمع  أعضاؤها  حول مشاريع  يتشاركون  فيها  أو قيم  مشتركة  أو أيضا  تحالفات مصالح. في ظل  الديمقراطية، غالبا ما تسعى  الأحزاب للحصول  على السلطة  أو على الأقل  الوصول  إليها  عبر سبل  دستورية منتظمة،  ولاسيما بواسطة الانتخابات. (4).   وهنا،  لابد  من الوقوف على إحدى أهم الشروط  التي ينبغي توافرها  عند الحديث عن الحزب،  والتي  حددها  الكاتبان جوزيف  لابالمبارا وماريون  وينر، في  كتابهما " الأحزاب السياسية  والنمو السياسي" ، وهو شرط  "إرادة  واعية  للقادة  القوميين  والمحليين  للتنظيم  لأخذ السلطة وممارستها  لوحدهم  أو مع الغير،  وليس  فقط التأثير على السلطة(5) . وهو المنطلق الذي ينبغي استحضاره ، عند ربط  مفهوم السلطة  بالديمقراطية. حيث أن أهم  ما يشغل بال  هذه الأخيرة،  عند اقدامها  على انشاء  سلطة من السلط،  هو العمل على الحد  من مدى  شرعية هذه السلطة،  أكثر من انشغالها  بايجاد  أسس لتلك  الشرعية.  وذلك  نظرا  لكون الديمقراطية  لا تطمئن  إلى السلطة(6) .                                                              

 ت- القضية التفاوضية :  تتتباين  القضايا  التفاوضية  التي تدور في  فلكها  المفاوضات،  إلا أن الأساسي  هنا، هو ضرورة  وجود  موضوع يكون في شأنه التفاوض،  مع   تحديد مجاله : ديبلوماسي،  عسكري،  سياسي،  اقتصادي،  اجتماعي،  تجاري. . .  وكذا الغاية المتوخاة  منه، أي  الهدف التفاوضي، وأيضا  الغرض  المرتبط بكل مرحلة من مراحله،  مع تحديد   التكتيكات والاستراتيجيات والإواليات  والميكانيزمات التي ينبغي استخدامها  في كل محطة من محطاته. إن مجال التفاوض  الحالي الدائرة رحاه  بين  رئيس الحكومة  والأحزاب التي من المفترض أن تشكل  الأغلبية  الحكومية  المقبلة، يبقى  هو  المجال السياسي،  والذي يجسد في نهاية المطاف،  جوهر   التنافس  بين  الأحزاب  التي تتوخى   الوصول  إلى  تدبير الشأن العام، عبر مؤسسة الحكومة.      

 ث- الهدف التفاوضي:   حيث يستحيل  وجود عملية تفاوضية ، بدون  أن ترسم   لها  هدف ترنو إليه  وتتطلع إلى  تحقيقه، عبر  مختلف الوسائل التي تتبناها والخطط التي تضعها.  فإنطلاقا من الهدف،  تتبلور الجهود  التفاوضية  ومؤشرات  بناء التوافقات  وتلين المواقف  في الجلسات التفاوضية وتراعى  سائر الجوانب  وتدرس كافة  الحسابات  وتستشرف كل التوقعات . ويتموقع  الهدف التفاوضي  في تموقعات عديدة ، متصلة ببعضها  البعض،  تتراوح بين  العام والخاص، الكلي والجزئي، الظرفي والنهائي.     وعموما،  يشكل الهدف التفاوضي صيرورة  تتماهى في دواخلها  المسارات  التالية :  القيام بخطوة حاسمة  تكون محل اتفاق وموضوع اجماع  الأطراف المتفاوضة،   الحرص الأكيد على  تفادي القيام  بخطوات غير مأمولة العواقب، والتي قد تؤثر سلبا  على نتائج ومخرجات  التفاوض، خلق تركيبة تمزج بين  المسارين السالفيين. إن  الهدف الذي  تتوخى الوصول  إليه مشاورات  رنيس الحكومة  المكلف عبد الإله بن كيران، هو  تكوين حكومة أغلبية –حكومة قادرة على حمل مشعل التنمية بكل  روافدها وتجلياتها- ولن يتأتى  ذلك  إلا عبر  بناء  جسر من التوافق،  بإمكانه أن يوصل  هذا الهدف الحيوي/  المطلب الاستراتيجي إلى بر الأمان.  ومن ثم،  الخروج من  عنق  زجاجة "البلوكاج" .

   ثانيا، شروط التفاوض :                           

  أ-  القوة التفاوضية :  وهي تفترض وجوبا  الخضوع    للحدود المرسومة  للمتفاوضين، من طرف الأجهزة التقريرية التي تمتلك سلطة  تفويض التفاوض بإسمها( المكتب السياسي  اللجنة التنفيذية،  اللجنة المركزية...)   ومن ثم، نزع  هذا المنح، الذي غالبا ما يكون مشروطا بشروط صارمة يتم الإحتكام إليها، في حالة عدم تدبير التفاوض بشكل جيد  أو  الإخلال  بالمسؤوليات الملقاة على عاتق  المتفاوضين.  كما أن القوة التفاوضية،  ترتبط بشخصية  المتفاوض، وما يمتلكه من خصائص  كاريزماتية،  وفق الفهم  الفيبري،  تمكنه  من تدبير التفاوض بكل فعالية وسلاسة.                                          

  ب-  امتلاك   المكون المعرفي بالطرف الآخر،  أي  امتلاك  المعلومات الكافية  عن   الطرف  المتفاوض معه،  من حيث قدراته  وامكانياته ورغباته  وقراراته.  ومن ثم، يكون بامكان  الطرف المتفاوض، القيام  بالتحليل المناسب لهذا الزخم الوافر من المعلومات  المتحصل  عليها بطرق مختلفة،  لوضع  برنامج  محدد،  يعمل في اطاره ، على اتخاذ القرار الصائب،  في الاستجابة  أو عدم الاستجابة  لشروط  الطرف المتفاوض معه. خاصة إذا كانت  هناك، شروط تعجيزية، والتي قد تفرمل بشكل سلبي مسارات التفاوض.  إن املاء  شروط  معينة من حق الأطراف، دون أن يتحول ذلك ، إلى نوع  من الابتزاز  القهري  للتفاوض.   فالتفاوض يبقى أساسا، مسألة  أخذ وعطاء .                                       

 ت- القدرة  التفاوضية :   أي  مجمل  الخصائص  التي  تميز الأطراف المتفاوضة،  من حيث  التمكن من المهارة  والبراعة  والكفاية  والنجاعة  والتحكم في مسارات التفاوض  وجعله بالتالي يصب في مصلحة هذه الأطراف، ومصلحة أولئك الذين ينتظرون منهم  مكاسب من التفاوض.  ومن أجل ضمان المزيد من فعالية التفاوض، على الأطراف المتفاوضة  من الجانبين معا – الطرف المتفاوض أو الطرف المتفاوض معه -أن تتحلى بالمواصفات التالية :  الايمان بروح الفريق وخلق أجواء من الحماس والانسجام  والتلاؤم  والتوافق،  مع تفادي الشنآن والتعارض والتشرذم والانقسام  - والتي قد تشكل عوامل للنفور، وبالتالي  الدوران في حلقة  مفرغة،  مما  يجعل المتفاوضون  يصلون  لا محالة، إلى الباب المسدود -وتزويد أعضاء فريق التفاوض  بالتدربب اللازم والتكوين الضروري  ووضع  نظام من التحفيزات المتنوعة.                          

  ث- الرغبة  المشتركة :  أي  أن تتوافر لدى الأطراف المتفاوضة،  الرغبة  في  جعل التفاوض، هو الملاذ  المرن  والايجابي والفعال و النهائي،  لتحقيق  الأهداف التي تصبو إليها  من هذه العملية التواصلية.                                              

ج- المناخ التفاوضي :  أو المحيط  الذي تجرى فيه المفاوضات.  وهو المناخ الذي ينبغي   أن تتوافر فيه مجموعة من الشروط  من قبيل،  أهمية وراهنية القضية التفاوضية، سلامة  وسلاسة المناخ التفاوضي،  توازن المصالح  والقوى...                                                   

ثالثا، خطوات التفاوض :                                 


 أ-  الخطوة الأولى :  تحديد  وتشخيص مسارات  القضية التفاوضية .   وهو ما يكمن  أساسا،  في القيام بالتحديد الدقيق  والتشخيص  العميق  لمختلف مسارات  هذه القضية،  من  خلال الاحاطة  الشاملة  بعناصرها  الثابتة  وشروطها المتغيرة، مع المعرفة المسبقة  بالأطراف المتفاوض معها،  ووضع مراحل محددة  لهذه المسارات، خاصة المرحلة التمهيدية، التي  تتوخى   الاضطلاع  على نوايا الأطراف  واتجهاتهم ورغباتهم  وتحديد القواسم المشتركة، وكذا نقاط الالتقاء  ونقاط الاختلاف.                                  

 ب-   الخطوة الثانية :  تهيئة  المناخ الملائم  للتفاوض،  عبر توفير الظروف المواتية  لانطلاق التفاوض في أجواء  ايجابية، يطبعها  التفاهم الناجع والاستجابة البراغماتية  وتسييد  منطق حسن النوايا،  مع تغليب مصلحة   الأطراف المتفاوضة في تحقيق المكاسب المتبادلة .                                                                             

  ت-الخطوة الثالثة :  قبول الخصم  للتفاوض،  وعدم اتخاذ القرارات المتسرعة والأحكام المسبقة  والقبول الطوعي بالجلوس  على  طاولة المفاوضات،  والاقتناع بفكرة أن التفاوض هو المجال الأفسح لإيجاد الحلول للمشاكل العالقة  والتحرك في منأى  عن  مفاهيم نظرية المؤمراة،  واتسام المناورات التفاوضية  بصدق  نوايا  الأطراف  المتفاوضة .                            

   ث-الخطوة الرابعة :  الاعداد التنفييذي  لعملية التفاوض،  من خلال  القيام بانجاز  الاجراءات التمهيدية التالية :  تحديد خارطة طريق التفاوض،  من خلال التركيز على صلاحيات  أعضاء التفاوض، الاختيار المناسب  للسياسات التفاوضية   الناجعة لكل مرحلة من مراحل التفاوض ، وضع خطط مدروسة  للاستراتيجيات التفاوضية ، تناول الأولويات  المرسومة في أجندة التفاوض...                                       

 ج-الخطوة  الخامسة :   الشروع  الفعلي  في عقد  جلسات التفاوض،  مع مراعاة   الجوانب المتعلقة  بالوقت  والتكلفة  والجهد  والجوانب السيكولوجية  والضغط الاعلامي  وتعثر المشاورات،  وكذا الحرص  على : دراسة  الخيارات المعروضة والبدائل الممكنة  والانتقاء  التفضيلي للاقتراحات  والعروض  المطروحة، استخدام كافة  الوسائل القانونية، الدستورية  والسياسية  للتأثير على الطرف المتفاوض معه، التوسل بالأدوات التفاوضية  المناسبة ...                                                                  

   ح-الخطوة السادسة :  التطلع إلى تحقيق الهدف التفاوضي  وتكريسه في  صيغة اتفاقية أو ميثاق  مكتوب،  وعرض الاتفاق التفاوضي على  جميع   المتدخلين في العملية  التفاوضية.  

  رابعا، مكونات التفاوض :

إن المنظومة التفاوضية وفق  المنظور التركيبي،  تقوم على ثلاثة مكونات هي: المدخلات Inputs والعملياتProcess  والمخرجات Outputs .

أ‌-       مدخلات التفاوض: يمكن اعتبار مدخلات التفاوض بأنها تتشكل من كل العناصر التي تدخل في نطاق التفاوض، عدد أفراد فريق التفاوض، سماتهم الشخصية وتكوينهم المعرفي، المراكز الاجتماعية والثقافية لفريق التفاوض، موقع التفاوض ومحيطه، مكونات البيئة الخارجية، منطلقات التفاوض.                                                  

ب‌-  عمليات التفاوض: وهي  مجمل  المسارات  والصيرورات التي  تتحرك  في  اطارها  الأطراف  المتفاوضة،  وكذا سائر القدرات والأفكار التدوالية  المرتبطة بها،  من أجل تحقيق الأهداف  التفاوضية  المنشودة.                                                       

ج- مخرجات  التفاوض :يمكن اعتبار مخرجات التفاوض هي نتائج التفاوض، وهي قد تكون إما عدم اتفاق وإما تأجيل التفاوض وإما تحقيق الاتفاق، وفي حالة حصول هذا الأخير فإنه يؤدي إلى إحدى النتائج التالية أو إلى جميعها وهي:

- اشباع رغبات المتفاوضين والمستهدفين من عمليات التفاوض.

- ارتفاع درجات الرضا والروح المعنوية لديهم.

- تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية لهم.

وعموما، فتدبير العلاقة ما بين هذه المكونات الثلاثة تتخللها عملية التقويم المستمر، الذي يؤدي إلى التفاعل السلبي أو الايجابي مع شفرات الرسائل المتبادلة معها واستخلاص النتائج. حيث يمكن استخلاص هذه النتائج عن طريق التغذية الإرجاعية، أوما يسمى كذلك بالمعلومات المرتدة    Feed Back information   .                                   على  هذا المستوى التركيبي،   سنجد أن هناك خواص الحقل السياسي وطبيعة الفاعلين السياسيين من جهة ثقافتهم وطريقة تعاملهم مع المشاكل الكبرى والكيفية التي يتبادلون بها الضربات في صراعاتهم، وكذا حالهم عند الصلح وكيف ينعكس ذلك على حيوية المجتمع وقدراته التفاوضية. هذا دون أن ننسى الجانب الثقافي، لأن الثقافة معطى استراتيجي مهم(7). إن كل ذلك يجعل الخلافات الأيديولوجية حاضرة وقادمة، وهي تغيب التعامل في عدد من المناحي التي حولها خلاف. وهناك قضايا عليها التقاء تتعلق على الخصوص بالإصلاح السياسي والدمقرطة، وعليهم أن يتفقوا على آليات لترجمة هذا التوافق بصورة عملية في مرحلة الانتخابات وفي البرلمان وفي النقاشات العامة(8).    

  خامسا، قواعد التفاوض :                                                            

 أ-القاعدة الأولى: ترتيب خطوات التفاوض، والتي يمكن تقسيمها إلى أربع مراحل:   

  * ترتيب الأفكار: ينطلق أطراف التفاوض من عملية فكرية ذهنية سابقة عن الحوار أو تبادل الرسائل فيما بينها، ذلك أن كل طرف يحاول أن يرسم ترتيبا معينا لأطروحاته التفاوضية، حيث يتم البحث دائما عن تمهيد التفاوض بأشياء وأساليب وأفكار تخدم الهدف من التفاوض وتيسر العملية التفاوضية، فيستحسن هنا أن يتم دائما الانطلاق مما يحب الطرف المتفاوض الآخر، والحرص على إرسال الرسائل الايجابية، ثم يتم الانتقال تدريجيا إلى المرحلة القادمة، وهي التعريف بالمشكلة أوبجوهر الموضوع المتفاوض عليه.

* التعريف بالمشكلة: فالمطلوب هو أن يتم تقديم تعريف بالمشكلة المتفاوض عليها أو بالإشكال الذي يطرحه موضوع التفاوض، بحيث يجب أن يكون هذا التعريف واضحا وصريحا ودون غموض في جوانبه الأساسية حتى يتم تبادل الرسائل بين أطراف التفاوض بناء على معطيات حقيقية،(9) ويستحسن أن يتم استعمال اللغة نفسها بين المتفاوضين خصوصا إذا كان التفاوض مباشرا، على اعتبار أن اللغة حمالة أوجه.

* تحديد الأولويات: بعد أن يتم تحديد المشكلة وإشكالية موضوع التفاوض يتم البحث عن حل لها انطلاقا من ترتيب للأولويات وليس انطلاقا من الخوض فيها على معطيات جانبية أو على أولويات فرعية، فالنقاش والحوار والتفاوض له أركانه وأصوله ومحاوره ويجب أن يؤسس عليها، فهذه الأمور كلها تنبني على الكشف عن أولويات الأطراف المتفاوضة، واعتمادها على ترتيب ممنهج حسب الأهمية أو حسب الخطة التفاوضية التي تسعى إلى تحقيق الأهداف المرسومة من العملية التفاوضية.

* معرفة عناصر الضعف وعناصر القوة: بعد الكشف عن أولويات الأطراف المتفاوضة وبعد تحليلها تتم معرفة وتمييز عناصر الضعف من عناصر القوة لدى كل طرف من أطراف التفاوض. إن الكشف عن هذه العناصر هو ما سيؤدي إلى توضيح مواقع الأطراف العملية ضمن عملية التفاوض، حيث سيتضح من هو الطرف القوي ومن هو الطرف الضعيف أو ما هو التوازن القائم بين جوانب القوة لدى الطرفين وبين جوانب الضعف لديهم، إذ أن التفاعل بين هاتين المعادلتين الداخليتين لكلا الأطراف سينتج عنه معادلة ثالثة تجمع بين قوة الطرفين، ضعفهما، إذ أن الحل الذي ستكشف عنه هذه المعادلة الأخيرة هو الذي سيحدد لنا نتائج التفاوض(10).

ب-القاعدة الثانية: التركيز على المصالح وليس على المواقف:

إن التفاوض هو عملية مرنة تنافسية يحاول كل طرف أن يحقق مكتسبات لديه منها وهو يدري بأن الطرف الآخر يحاول أن يحقق مكاسب مماثلة وأنه لا بد أن يسمح له بذلك، لذلك فإن التفاوض المتوقف والمتصلب بين الطرفين سوف لن يساهم إلا في توتر المناخ التفاوضي وخلق سيكولوجية التضاد، لذلك يستحب أن يتم التركيز عن المصالح والمكاسب حتى يتسنى أن يتم تحقيق عملية التفاوض، ولتحقيق هذه النتيجة يجب الانطلاق من المبادئ التالية:

* التفريق بين الثوابت والمتغيرات في المصالح: إن المصالح تتميز بوجود ثوابت وعناصر مركزية ومفصلية بداخلها تظل ثابتة ومستقرة، كما تتميز بوجود متغيرات فيها تجعلها متحولة ومتبدلة، لذلك فإنه قد يكون من الخطأ في التفاوض أن يتم التركيز على بعض المصالح المتغيرة والتأسيس عليها، ظنا بأنها مصالح ثابتة ويعتمد عليها، كما أن تصرفا من مثل هذا سوف يؤدي إلى إفشال العملية التفاوضية وإلى تحقيق نتائج غير متوازنة.

* معادلة رابح رابحWin- Win : إن التفاوض لا يعني حرص طرف من أطراف التفاوض، على أن يربح لوحده من عملية التفاوض وترك الآخرين يخرجون منها خاويي الوفاض، فيجب الانطلاق من قاعدة الربح للجميع والحرص على ضرورة إحلال توازن في النتائج المحصل عليها لدى كل طرف.

* إعادة الصياغة وطلب المزيد من الإيضاح: إذا ما انطلقنا من أن العملية التفاوضية هي عملية لغوية وتواصلية في الأساس، فإنه يمكن القول بأن كسب المهارة اللغوية والتعبيرية هي إحدى أهم المهارات الواجب توفرها، وكلما كانت العبارة اللغوية واضحة، كلما كانت الرسالة التي يرسلها المفاوض أوضح وأدت إلى تغذية راجعة سليمة وايجابية، والعكس صحيح.

* بناء الجسر الذهبي: إظهار الحل، كما لو كان نصرا لهم، تنطلق هذه المهارة التفاوضية من الحكمة الصينية المشهورة التي نطق بها أحد الحكماء الصينيين وهي "ابن لهم جسرا ذهبيا" والتي مفادها تقديم الحل الذي يتم التوصل إليه كنتيجة للتفاوض على أنه يعتبر نصرا للطرف الآخر.

 ت- القاعدة الثالثة: عدم التمسك بالمواقف الخاطئة ومحاولة تبريرها: إن التفاوض يجب أن يتحول إلى عملية عقلانية يتم من خلالها مواجهة الدليل بالدليل ومقارعة الحجة بالحجة أثناء الدفاع عن مواقف الأطراف.  لكن إذا ما ثبت بأن موقفا معينا لدى أحد الأطراف يفتقد إلى الدليل وإلى الحجة وثبت عدم صوابيته، فإنه على هذا الطرف ألا يظهر التمسك به ويحاول جاهدا تبريره، إذ أن أي عمل من هذا الشأن سوف يعرض عملية التفاوض إلى الانهيار وإلى الفشل(11).                                                          

 سادسا، مهارات التفاوض :                             أما بخصوص مهارات التفاوض والمجسدة لمهارات إستراتيجية الاختراق فهي تهدف إلى أن تجعل من العملية التفاوضية عملية سلسلة وذكية، كما تسعى إلى تجاوز عقبات ومعيقات التفاوض، بحيث تحاول أن تحقق التواصل بين الأطراف وتبادل الرسائل فيما بينهم بطريقة عقلانية وبيداغوجية أكثر.   

  أ-المهارة الأولى: يجب على المفاوض أن تكون لديه القدرة على الانسلاخ سيكولوجيا من دائرة التفاوض، فيحاول أن يتخيل كأنه يتفرج على سير مفاوضاته وطريقة أدائه فيها وأداء الطرف الآخر المفاوض. إن هذه المهارة تقوي لدى الطرف المفاوض القدرة على التقييم بطريقة موضوعية، وتحاول أن تمنحه فرصة للوصول إلى الأخطاء التي يقع فيها أثناء التفاوض بنفسه، وبالتالي فإنه يكون قادرا على تقويمها تقويما ذاتيا يساهم في إنجاح العملية التفاوضية ويمنح التغذية الراجعة والمعلومات المرتدة إشارات ايجابية تجعل منظومة التفاوض تسير في اتجاهها الطبيعي والمعبر حقيقة عن الأطراف.

ب- المهارة الثانية: وهي المهارة التي تهدف إلى كسر الحاجز النفسي وإعادة التشكيل السيكولوجي لعملية التفاوض. فغالبا ما تكون المشاعر السلبية التي يكونها طرف تفاوضي عن الطرف الآخر، أحد أهم معيقات التفاوض، كما هو الحال بالنسبة لأفكار قبلية وتوقعات مسبقة يؤسس عليها المفاوض عمليته التفاوضية، وقد تكون عملية إعادة تصحيح تلك المشاعر السلبية وتلك الأفكار القبلية والتوقعات المسبقة إحدى أهم مهارات التفاوض وبذلك فإن كسب هذه المهارة، يدفع الطرف المفاوض إلى اتخاذ خطوة متقدمة إلى جانب الطرف المفاوض الآخر، ولعل ذلك يساعد على تحقيق مجموعة من الأهداف والحصول على مجموعة من المكتسبات والتي يصعب تحقيقها وتحصلها بدون العمل بهذه المهارة(12).  

إجمالا، إن من شأن  المفاوضات  التي  تعمل على تبني  الإوالية التفاوضية  المتسمة  بمراعاة  ماسلف  من عناصر، شروط، خطوات،  مكونات، قواعد  ومهارات، أن يكتب لها النجاح، وأن  تبلغ شأوا عظيما في مسارات التوافق   وايجاد الحلول  البسيطة للمشاكل المعقدة.  فالتفاوض هو  المنفذ الذي لا محيد عنه  لإيجاد التسويات  الضرورية  والأقل  كلفة  للنقاط العالقة،  والتي قد تكبح إن لم يتم التعامل معها بنوع من التمرس التشاوري والذكاء التفاوضي،  مختلف مسارات  العيش الممكن في أجواء مفعمة بالانسجام  والتضامن  والتفاهم والتراضي. إن هذه الرؤية في التحليل، هي التي ينبغي  أن تسود   مختلف  مراحل مشاورات  رئيس الحكومة المعين مع باقي  الفرقاء / الشركاء، للتأسيس المتين  لأغلبية حكومية  متراصة ومنسجمة. ومن ثم، الانتقال إلى مرحلة صياغة  هندسة حكومية  فعالة  وناجعة.                 

    الاحالات  :                                               (1) كما يؤكد ذلك  بنسالم حميش، في حوار له مع مجلة الشعلة، عدد مزدوج 9/10، ماي 2005.                                                                   

(2) زهير لخيار، "العمل الجمعوي من الهواية إلى الاحترافية" ، أوماكراف، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2007 ، ص 60 .

(3) حسن السوسي، "في بعض شروط التفاوض "دفاتر سياسية"، العدد 107،دجنبر 2009،  ص3.

(4) هرميه  غي وآخرون، " معجم علم السياسة والمؤسسات السياسية "،ترجمة  هيثم اللمع،  مجد، بيروت ، الطبعة الأولى 2005 ، ص13 .   

 (5) دانكان  جان ماري،  "علم السياسة"، ترجمة محمد عرب صاصيلا، مجد،  بيروت 1997، ص211                                                                           (6) ايدموند  ايبل،  "الديمقراطيون  يسائلون  الديمقراطية " ترجمة   محمد العفراني ، مجلة وجهة نظر،  العدد7، ربيع2000 ،ص38 .                                                                  (8)عمر حمزاوي، في حوار مع جريدة المساء، العدد 783 ، ص: 11.                    (7) حوار مع عبدالله ساعف، الاتحاد الاشتراكي الأسبوعي. 21/28 أبريل 2002.                                                     (9) زهير لخيار، مرجع سابق، ص63.                                                 (10) نفس المرجع السابق، ص64.                                                        (11) نفس المرجع السابق، ص68.                                                      (12) نفس المرجع السابق، ص69.

بقلم ذ محمد البكوري
الدكتور في القانون باحث في الحكامة و المجتمع المدني
 


أعلى الصفحة