القانون المدني- المسطرة المدنية

بقلم ذ هشام اداحمد ابراهيم
باحث بماستر القانون والممارسة القضائية كلية العلوم القانونية السويسي الرباط
تحت عدد: 758
تعد العقود من ضمن الأمور الضرورية في حياة الإنسان، ففي اليوم الواحد يبرم الفرد العديد من التصرفات القانونية، مما يجعله يحتك بالعديد من الأطراف إلا أن طغيان الجانب المادي

في عصرنا الحاضر وأمام سعي مختلف الأطراف إلي تحقيق الربح المادي بمختلف الوسائل قد أدى إلي انتشار العديد من الممارسات اللا أخلاقية من قبيل الاحتيال واستعمال الوسائل التدليسية للاعتداء على أموال الغير، مما تطلب ضرورة وضع ضوابط وقيود لهذه العلاقات.

وهو ما سأحول بسطه في هذه المداخلة إيمانا مني بدور الأخلاق في ضبط العلاقات القانونية ، إذ أعتبر ذالك مدخل الإصلاح الحقيقي، للوضع الحالي في ظل التغيرات الحديثة التي مست مختلف جوانب الحياة ومع تزيد الاهتمام بالمادية، ولعلى من ضمن الأمور المتفق عليها اليوم في إطار الحديث على تأهيل المهن سواء القانونية أو القضائية أهمية التخلق في توفير النجاعة والحكامة، وقياس على ذالك فإن العقد اليوم في حاجة الي أحياء البعد المعنوي المثمتل في مبدأ حسن النية إذ هو مفهوم قديم حديث في نفس الان، إذ ثم إيراده في تشريعات متعددة تعود لأزمان غابرة، من هنا تبرز الحاجة إلي ضرورة ترسيخ القواعد الأخلاقية في العلاقات التعاقدية من قبيل مبدأ حسن النية فما المقصود بهذا المبادئ وما هي حدوده؟

أولا : سياق ظهور مبدأ حسن النية
لقد ظهر حسن النية كحاجة للموازنة بين الشكلية التي كانت تستوجبها القوانين الرومانية، وكذا محاولة ضبط حرية الإرادة واستقلاليتها التي عرفت أوجها في القرن التاسع عشر، ولتجاوز هذا الوضع تولد هذا المبدأ وكان له تأثير بليغ في القانون الحديث، خاصة قانون العقود لتترسخ مجموعة من المبادئ القانونية مثل الالتزام التعاقدي السابق للتفاوض وبطلان البنود أو الشروط التعسفية....

لم يعرف هذا المبدأ مكانته في التصرفات القانونية دفعة واحدة، بل كان يتطور تدريجيا بتقدم وتطور دور الإرادة حسب النزعة السائدة في الأنظمة المختلفة قديما وحديثا. فقد برزت الحاجة إلي هذا المبدأ تزامنا مع ظهور مبدأ سلطان الإرادة، لذا فإن دور مبدأ حسن النية يرتبط ارتباطا وثيقا بدور الإرادة في العقد، فعندما كان دور الإرادة في العقود منعدما، يكون الوضع كذالك لمبدأ حسن النية، وقد ثار هذا الأمر وبرز بشكل لافت في الآونة الأخيرة مع موجة العقود ذات الصبغة الإذعانية التي يكون لأحد الأطراف سلطة واسعة في التعاقد.

حسن النية هو مفهوم كلاسيكي عرف أوجه في القانون الفرنسي، إذ يوفر للأشخاص إمكانية تدخل القاضي في العقد بشكل واسع، إلا أنه بالرغم من الدراسات العديدة التي خصصت لهذا المفهوم، لا تزال الشكوك قائمة حول معناه أو مجال تطبيقه، أو حتى التغييرات التي قد يتعين عليه مسايرتها تحت تأثير التغيرات الحديثة، فعلى الرغم من أن تدوين فكرة حسن النية وتقننها، لا يبدو في الوهلة الأولى، تغيرا لما كان موجودا، إما في القوانين السابقة أو قبل التقنين، إلا أن فحص الأحكام والمقتضيات التي تتناول حسن النية، يظهر أنها تتناول بعض التغييرات التي لا يمكن تجاهلها، هذه التغيرات ليست محدودة أو بسيطة، بل تتأسس على نهج جديد لتطبيق هذه القواعد.

المفهوم الحديث لحسن النية، الذي اعتمده المشرع في القوانين الحديثة، خاصة في ظل سلسلة الإصلاحات التشريعية، توقع التزام على عاتق المتعاقدين بحيث يفرض عليهم الأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن حسن النية لم يعد التزاما أخلاقيا، بل أصبح التزام قانوني قائم الذات ،ووجوده وتكوينه الخاص به، بحيث قد يكون في بعض الحالات مستقل عن الإلتزمات الأخرى أو يكون مكملا لها، مما يفرض على المدين الالتزام بالاحترام ووجب الوفاء و التصرف بكل تجرد وحسن نية، بغض النظر عن الوضع الذي يجد نفسه فيه، باعتبار هذا الالتزام نابع عن العلاقة التعاقدية بل ذالك يشكل أثار يترتب عن هذا الالتزام.

لعلى الحديث عن مبدأ حسن النية لا يستقيم دون استحضار مكانة هذا المبدأ ضمن التشريع المغربي، بالرغم أن مجال هذه المداخلة ضيق إذ لا يستوعب مختلف الإشكالات المرتبطة بهذا الموضوع، هذا ما يقود للبحث في التشريع المغربي على بعض تطبيقات مبدأ حسن النية في العقود ، ولعلى أول فصل يرسخ لهذا المبدأ هو الفصل 231 من قانون الالتزامات والعقود الذي ينص على أن " كل تعهد يجب تنفيذه بحسن نية " ، من خلال هذا الفصل لعلى الحديث عن مبدأ حسن النية لا يستقيم دون استحضار مكانة هذا المبدأ ضمن التشريع المغربي، بالرغم أن مجال هذه المداخلة ضيق إذ لا يستوعب مختلف الإشكالات المرتبطة بهذا الموضوع، هذا ما يقود للبحث في التشريع المغربي على بعض تطبيقات مبدأ حسن النية في العقود ، ولعلى أول فصل يرسخ لهذا المبدأ هو الفصل 231 من قانون الالتزامات والعقود الذي ينص على أن" كل تعهد يجب تنفيذه بحسن نية "، من خلال هذا الفصل يتضح جليا وعي المشرع بأهمية مبدأ حسن النية في العقود، لكن قبل ذالك تجدر الإشارة إلي أن المشرع المغربي لم يعرف هذا المبدأ، كما أنه على الرغم من الدور الجوهري الذي تلعبه النية في العقود لما لها من صلة وثيقة بانصراف الإرادة لإحداث أثر قانوني ودورها المهم في مجال الالتزامات واكتساب الحقوق، إلا أنه لا يوجد تعريف لها أو تحديد لمدلولها سواء في النصوص القانونية أو الاجتهادات القضائية، فضلا عن التعارض الفقهي الذي ظهر عندما حاول الفقه ان يضع مفهوما دقيقا لمبدأ حسن النية، فوقع الخلط بين النية والإرادة والباعث.

وكمحاولة لإعطاء تعريفا لهذا المبدأ دون الخوض في الجدال الفقهي حول التعريف الصحيح أو الشامل، نستدل بتوجه محكمة النقض المصرية إذ عرفت حسن النية بأنه "اعتقاد المتصرف إليه اعتقادا تاما حين التصرف أن المتصرف مالك لما يتصرف فيه، فإذا كان هذا الاعتقاد يشوبه أدنى شك امتنع حسن النية " وعلى العموم فمفهوم حسن النية مفهوم غير ثابت فهو يأخذ معناه من الوقائع الخاصة بكل قضية، إلا أنه يقتضي كمبدأ عام مراعاة عدم الإضرار بالمصالح المبررة المشروعة للطرف المقابل في العقد، إن حسن النية في مجمله يرمي إلي تنفيد العقد ليس فقط وفق مضامينه بل مع ما يتفق وروحه، فحسن النية التعاقدي قد توسعت وظيفته تدريجيا لتشمل كامل المجال التعاقدي، أي عند تشكيل العقد من خلال الكشف على المعلومات الضرورية للتعاقد، في فترة تنفيذ العقد تفرض الإمتثال لقاعدة عدم المنافسة، على هذا الأساس يظهر أن حسن النية ضروري في مجال العقود، كما أن الدور المتزايد لحسن النية في قانون العقود ، يتجاوز الدور التقليدي لهذا المبدأ ، مما يفيد أن دور هذا المبدأ قد توسع وامتد ليضطلع بدور توجيهي لأي تعاقد .

كما تجدر الإشارة إلي أن المشرع المغربي، قد رسخ افتراض حسن النية، في قانون المسطرة المدنية الذي يشكل الشريعة العامة في المادة الإجرائية في المجال المدني، والمتمثل في المادة الخامسة من قانون المسطرة المدنية إذ جاء فيها " يجب على كل متقاض ممارسة حقوقه طبقا لقواعد حسن النية ". يبدو أن المشرع حول تعزيز هذا المبدأ، حتى يكون جزء من الأدلة بل القاعدة التي تحكم المنازعة منذ بدأها، ووفق لهذا المبادئ، عندما يريد كل طرف تأكيد حق يجب عليه إثبات الحقائق دعم لإدعائه، من خلال ما سبق يظهر أن المشرع في المادة 5من ق.م.م حول تكريس البعد الأخلاقي من خلال جعل مبدأ حسن النية مرشد وموجه للعلاقة القانونية للأطراف.

تدعونا هذه الإشارة إلى التأكيد على أن أهمية حسن النية لا تتمثل فقط في اختزالها عن مجرد غياب سوء النية. في حين أن الاحتيال خلال تشكيل العقد، قد يؤدي إلي إنهاء هذا التعاقد في مراحله الأولى، خاصة عندما يتوافق مع سوء نية المتعاقد، والإشارة إلى حسن النية كالتزام إيجابي للأطراف، يتأسس على ضرورة حرص الأطراف على وضع جميع الوسائل المتاحة، ضمان احترام الاتفاقيات والامتثال للإلتزامات التي تم تشكيلها قانونًا، حسن النية هي النوايا الطيبة للأطراف. يجد أساسه في القوة الملزمة للعقد.

ثانيا: نحو تجسيد واقعي لمبدأ حسن النية في العقود
لقد تطورت فكرة الرضائية في مجموعة من العقود القائمة على إرادة الأطراف ، وأصبح من أهم خصائص هذه العقود أنها عقود قائمة على خاصية حسن النية بين أطرافه بعد ذلك تطورت هذه الخاصية وتحولت من مجرد مبدأ تفرضه علاقات الثقة والصداقة المتبادلة بين الأفراد المتعاقدة لمبدأ قانوني ملزم في العقود الرضائية ، ليترسخ هذا المبدأ ليس كحق مستقل بل يعتبر مبدأ عقديا يمثل أهم الحقوق التي يتمتع بها، خاصة في العقود القائمة على الاعتبار الشخصي.

ويتجسد هذا المبدأ من خلال خصائصه، وأهم هذه الخصائص انه التزام مفروض على كلا طرفي العقد، وأنه مبدأ يعتمد على النوايا والبواعث التي تؤدي للكشف عن النية من خلال المظهر الخارجي للإرادة، كما أنه مبدأ أخلاقي يرتكز على ضرورة وجود الثقة والنزاهة والتعاون، إلى جانب كونه مبدأ مفترض في المعاملات العقدية، وقرينة تقبل إثبات عكسها وعلى من يدعي سوء النية إثبات ذلك.
لكن بعد ان تم إلحاق مفهوم حسن النية بالنظام العام، واعتباره مبدأ قانونيا مستمدا من فكرة النظام العام الذي قيد من الحرية التعاقدية للأفراد، عجز مبدأ النظام العام عن استيعاب مبدأ حسن النية. ان ضبابية مفهوم كل من النظام العام ومبدأ حسن النية ، أدت لإلحاق المبدأ بالعديد من المفاهيم من بينها فكرة العدالة والإنصاف الى ان أصبح مبدأ مستقلا بذاته، حيث لم يعد نظرا للخصائص الهامة التي يتميز بها من نزاهة واستقامة وإنصاف حكرا على العلاقات التعاقدية فحسب، بل أصبح يسيطر على جميعا الات القانونية أهمها مادة الشركات التجارية، فتحول مبدأ حسن النية من فكرة كلاسيكية مصدرها القانون المدني، وفكرة ملازمة لمرحلة إبرام العقد وتنفيذه لفكرة ضرورية لابد أن تتكيف مع خصوصية الالتزامات الناشئة بين المتعاملين في مجال الشركات التجارية. أول مظاهر مبدأ حسن النية في مجال الشركات التجارية هو نية الاشتراك، حيث لا توجد شركة تجارية دون وجود نية الاشتراك، فتعتبر هذه الإرادة في التعاون واقتسام المخاطر على قدم المساواة بين الشركاء أهم أسس الشركة التجارية. لا يعتبر مبدأ نية الاشتراك فقط تكريسا للالتزام العام بحسن النية في العقود، بل يعد أهم مظاهر التي تبرز ليس فقط في العلاقة بين الشركاء بل حتى تجاه الغير، لذلك لابد من تمديد نطاق حسن النية وعدم حصره في ركن نية الاشتراك .

مما أدى لتغير مفهوم حسن النية بعد تراجع المفهوم العقدي للشركات التجارية تطور مبدأ حسن النية في الشركات التجارية وأصبح يمتلك القدرة على التكيف مع الكثير من الالتزامات داخل الشركة، فقيد هذا المبدأ تصرفات كل من الشركاء والمسيرين وحتى الغير بعدما امتدت الزامية تنفيذ العقد بحسن نية للغير وأصبح القاضي يشترط توفر مبدأ حسن النية في كل العقود المبرمة خلال حياة الشركة التجارية باعتباره مبدأ قانوني مهم.

مع أن ظهور فكرة التعاون والنزاهة اعتمد على مبادئ أخلاقية بدت للوهلة الأولى أنه لا مكان لها في قانون الشركات التجارية، إلا أن وجودها أصبح ضروريا من أجل توحيد المصالح في الشركة التجارية، وكل هذه الالتزامات مصدرها مبدأ حسن النية الذي يساهم في تنظيم العلاقات خاصة العلاقات الخارجية للشركة التجارية. أصبح القاضي عن طريق مبدأ حسن النية يستدل بكل سهولة على كل تجاوز لمصلحة الشركة خاصة في العلاقة بين الشركاء عندما تتعسف الأغلبية المالكة لراس المال، أو في حالة خرق مبدأ المساواة بين الشركاء، وأهم ما يستدل عليه عن طريق مبدأ حسن النية هو مدى نزاهة واجتهاد المسير عند أداء مهامه، واحترامه للمصلحة العامة أو المصلحة الجماعية لكل الأطراف فيعتبر حسن النية في الشركة التجارية أهم المبادئ التي تقوم عليها والتي تمثل أساس نجاحها أو فشلها، حيث يفرض هذا المبدأ واجب الصدق والمصارحة والبعد عن كل مظاهر التغرير.

كما يجد هذا المبدأ مجاله الخصب في عقد التأمين والذي يفرض مجموعة من الإلتزمات على أطراف هذا العقد، بل يعتبر هذا خاصية من خصوصية عقد التأمين وميزة له عن باقي العقود إذ يحضر بشكل جلي ومثير، بحيث يبرز مند الوهلة الأولى للتعاقد فيفرض على المؤمن له التصريح بالضروف المرتبطة بالخطر وإشعار المؤمن بتحقق هذا الأخير وغيرها من الالتزمات المرتبطة بهذا المبدأ...

أخدا بعين الاعتبار الغاية التي أوجد مبدأ حسن النية من أجلاها ، و المثمتلة في إرساء نوع من التوازن بين أطراف العقد خاصة في حالة وجود طرف ضعيف، إلى جانب انتشار مبدأ الحرية التعاقدية، فكان لابد من انتشار مبدأ التعاون الثنائي بين الأطراف المتقاعدة ، وهو مايبرز من خلال أثارهم يفرضه هذا المبدأ على الطرف الاخر لعقد التأمين، أي المؤمن، إذ يتوجب عليه عدم ايراد الشروط التعسفية في عقد التأمين .

خلاصة القول إن مبدأ حسن النية كالتزام قانوني قد ساهم في تطويع بنود العقد في افق توجهه لتحقيق توازن بين أطراف العلاقة التعاقدية، ولقد حاولت مختلف التشريعات من ضمنها التشريع المغربي إلي جانب التشريع الفرنسي...تضمنه في نصوص قانونية إما في المجال المدني أو التجاري، غير أنه يبقى الغموض يحوم حول هذا المبدأ مما أثار على القواعد والضوابط الممكن إعمالها لتنفيذه على أرض الواقع وحدود سلطة القاضي أثناء تفعيله، ولنا العودة لاستكمال معالجة هذا الموضوع إن شاء الله في أقرب الأجل.

بقلم ذ هشام اداحمد ابراهيم
باحث بماستر القانون والممارسة القضائية كلية العلوم القانونية السويسي الرباط