القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ السموني حميد
طالب باحث بسلك ماستر العلوم القانونية تخصص قانون الأعمال بكلية العلوم القانونية و الاقتصادية والاجتماعية - اكدال
تحت عدد: 517
التسجيل السمعي البصري لاستجوابات الاشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية المشتبه في ارتكابهم جنايات او جنح كضمانة جديدة من خلال مشروع قانون المسطرة الجنائية

مـقـدمـة  

إن محاضر الضابطة القضائية تعتبر وسيلة إثبات مهمة يعتمد عليها من طرف النيابة العامة لتقرير المتابعة من عدمها .’و التي غالبا ما يستند إليها قضاء الحكم لبناء حكمه المعلل’ و التي تدون ضمنها مجموع الإجراءات المنجزة من طرف ضباط و أعوان الشرطة القضائية و ذلك خلال مرحلة البحث التمهيدي بنوعيه العادي و التلبسي .

يعتبر المحضر المناط الرئيس لتوجيه الاتهام للمشتبه فيه’ كما يعتبر في الوقت نفسه المرآة الحقيقة التي يتم  من خلالها تقييم مجهود ضابط الشرطة القضائية و معرفة مدى حنكته و كفاءته كمساعد للنيابة العامة في التثبيت من الجرائم أو التحقق من وقوعها و البحث عن مرتكبيها’ و المساهمة في تحقيق العدالة الجنائية’ مما يستوجب معه احترام الشروط الشكلية و الموضوعية المنصوص عليها قانونا و ذلك تحت طائلة البطلان بمقتضى المادتين  289 و 751 من ق.م.ج .

هناك من يقترح وضع كاميرات في مخافر الشرطة لمراقبة مدى التزام ض .ش .ق بشرعية الإجراءات و احترامهم لحقوق الإنسان و حريات الأفراد و هذا ما استجابت له الفقرة الأولى من المادة 67/1 من مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية حيث جاء فيها : " يقوم ضباط الشرطة القضائية بتسجيل سمعي بصري لاستجوابات الأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية المشتبه في ارتكابهم لجنايات أو جنح تتجاوز العقوبة المقررة لها قانونا سنتين حبسا..." إلا أن مجتمعنا لم يرق بعد إلى مستوى الاعتراف بارتكاب الجريمة – فغالبية المجرمين ينكرون ما نسب إليهم و لو ضبطوا في  حالة تلبس [1]

إذن فهل إحداث مسطرة التسجيل السمعي البصري لعملية الاستجواب ستدعم حقوق المشتبه فيه؟

فسوف نعالج الموضوع في مطلبين :

المطلب الأول : التسجيل السمعي البصري للاستجوابات

المطلب الثاني : الإشكالات المتعلقة بكيفية التطبيق على المستوى العملي

 

المطلب الأول : التسجيل السمعي البصري للاستجوابات

يعتبر التسجيل السمعي البصري من أهم المستجدات التي جاءت بها مودة المشروع, فهو يعتبر إجراء منطقيا على اعتبار أن التطور التكنولوجي الذي وصلت إليه الإنسانية اليوم يجب أن يساهم في ضمان قرينة البراءة.

بالاطلاع على مضمون المادة 1-67 من مسودة المشروع  فإن ضابط الشرطة القضائية يجب عليه أن يقوم بتسجيل سمعي بصري لاستجوابات الأشخاص المودعين تحت الحراسة النظرية المشتبه في ارتكابهم جنايات او جنح’ اللهم اذا تعذرت عملية التسجيل   لأسباب تقنية اشار الى ذلك بشكل دقيق في المحضر و يشعر النيابة العامة بذلك .

و باعتماد التسجيل السمعي البصري يكون واضعو مسودة المشروع ساروا على النهج الذي سلكه المشرع الفرنسي عندما اعتمد هذا النوع و حصره في أول الأمر على الأحداث الموضوعين تحت الحراسة النظرية [2] قبل أن يمدد العمل به على الأشخاص الراشدين بمقتضى قانون 5 مارس 2007 المتعلق بتعزيز توازن قانون المسطرة الجنائية     و الذي دخل حيز التطبيق في فاتح يونيو 2008 .

أما فيما يخص عرض التسجيل أمام المحكمة فإن مسودة المشروع جعلته مقرونا بشرطين :

الأول: يتعلق بوجود منازعة في التصريحات المدلى بها من قبل الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية.

أما الثاني : فيتعلق بصدور أمر من المحكمة هذا الأمر إما أن يكون تلقائيا أو بناء على طلب النيابة العامة أو أحد الأطراف.

إن وجود هذين الشرطين يدلان على أن حالات عرض التسجيل أمام المحكمة ستكون جد  قليلة’ مما يطرح التساؤل عن مدى فعالية هذا الإجراء خصوصا و انه يعتبر إجراء مكلف لخزينة الدولة’ على اعتبار أن كل المراكز المعدة للحراسة النظرية يجب أن تكون مجهزة بالآلات الخاصة بالتسجيل السمعي البصري.  

و بالنظر إلى ما ورد فإن هذا الإجراء في نظرنا سوف يؤدي دوره المأمول منه       و المتمثل أساسا في ضمان قرينة البراءة و شفافية المسطرة  خصوصا في الوقت الذي ينكر الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية التصريحات المدلى بها أو ادعائه أنها انتزعت منه بالعنف أو الحالة التي ينازع فيها بشان مضمون المحضر فيتم عرض تسجيله أمام المحكمة و هو ما يساهم في تكوين اقتناع القاضي الجنائي.

بل الأكثر من ذلك يعتبر هذا الإجراء القانوني حماية للشخص المشتبه فيه            من أي ضغط أو أكراه أو تعذيب أثناء مرحلة الاستجواب و هو بمثابة ضمانة أساسية تحمي المشتبه فيه و جهاز الشرطة القضائية في آن واحد.

و قد جاء هذا الإجراء دعما لسمعة المغرب و إشعاعه على المستوى المحلي         و الدولي فهو مقتضى هام يتعين تعزيزه من عدة جوانب إذا أريد له أن يكون فعالا في الحد من إمكانية القيام بأفعال يمكن اعتبارها تعذيبا أو معاملة لا إنسانية[3]

و ما يعاب على هذا الإجراء حصر مقتضياته في الجنايات و الجنح التي تتجاوز عقوبتها سنتين أي الجنح الضبطية فقط و قد تكون من وراء ذلك أسباب تتعلق بنقص الإمكانيات المادية لتزويد كل مخافر الشرطة و الدرك بوسائل التسجيل.

ففي حقيقة الأمر يصعب تكهن المسار الذي سيتخذه المشروع المعدل لقانون المسطرة الجنائية و التغييرات أو التعديلات التي يمكن أن يعرفها’ ففي اعتقادنا أنها ستكون إضافة لتحسين وضعية الأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية كما يلاحظ أن مسودة المشروع أعطت أهمية لمجموعة من المواد المرتبطة بالحراسة النظرية و الرفع     من المكانة التي أصبحت تحظى بها مؤسسة الحراسة النظرية ضمن قانون المسطرة الجنائية تكريسا لمحاكمة عادلة .

 

 

 

المطلب الثاني : الإشكالات المتعلقة بكيفية التطبيق على المستوى العملي  

فأول انتقاد يوجه للمشرع  في هذا الشأن هي الفترة التي حددها لعملية تسجيل الاستجواب’ إذ كان عليه النص صراحة على أن التسجيل السمعي البصري يتم خلال كل الأوقات التي يتم فيها استنطاق المشتبه فيه فلا تكون هناك مثلا فترات يتم فيها تهيئ الموقوف للاستنطاق الذي سيتم تسجيله لاحقا دون أن يطالها التسجيل[4] .

الملاحظة الثانية  على هذه المسطرة القانونية هو عدم تعميمها على جميع الجنح        و ليس فقط الجنح التي تتجاوز سنتين, على الرغم من أن هذه الأخيرة هي أكثر الجرائم شيوعا و التي تستوجب المراقبة الدقيقة في مرحلة البحث و التحري.

الملاحظة الثالثة التي لا بد من الإشارة إليها هي مسألة التجهيزات اللوجستيكية لعملية التسجيل الني يجب توفيرها بالشكل الملائم لضباط الشرطة القضائية ليقوموا بهذه العملية على أحسن ما يرام تفاديا لمختلف الاكراهات التي تطالهم’ و مثال ذلك على هذه الحالة الإشكال الذي مازال مطروحا لرجال الشرطة و الدرك الملكي في مسالة توفير جهاز مراقبة كمية السكر"جهاز قياس تشبع الهواء بالكحول" أثناء السياقة التي نصت عليه مدونة السير على الطرق منذ (25 مارس 2010)’ و لكن مع ذلك لم يتم توفيره بالشكل اللازم و الضروري .

فيمكن القول أن هذا الإجراء سيدعم عمل الضابطة القضائية التي تعتبر من أهم آليات العدالة الجنائية’ لأن أعمالها في هذا الصدد تعتبر أساس المحاكمات الزجرية كما أن محاضرها يكون لها في  الكثير من الحالات حجية إما مطلقة أو نسبية – حسب ما ينص عليه القانون-

إضافة إلى أننا أمام هدف سام يتعلق بإصلاح شامل و عميق لمنظومة العدالة       فمن بين التوصيات الصادرة في هذا الشأن عن الهيأة العليا لإصلاح منظومة العدالة          ما نصت عليه الفقرة 14 " من ضرورة تطهير منظومة العدالة من الشوائب العالقة بها مما يستدعي على الخصوص فضلا عن الشفافية التي يعززها تعميم التكنولوجيا الحديثة في تسيير المحاكم و التواصل مع المهنيين و المتقاضين" .

خــــاتـمة

إن المشروع الجديد جاء بمجموعة من المقتضيات القانونية المهمة لمسطرة الوضع تحت الحراسة النظرية و كذا تعزيز حقوق الدفاع بضمانات جديدة مقارنة بالقانون الحالي إضافة إلى تقوية الرقابة على عمل الضابطة القضائية ( الشرطة و الدرك) و إحداث مسطرة التسجيل السمعي البصري كآلية قانونية جديدة تعزز مختلف الضمانات المؤطرة لحقوق الشخص المشتبه فيه.



[1]   - هشام بنعلي الشروط الشكلية لمحاضر الضابطة القضائية و الإشكالات المطروحة مجلة العلوم الجنائية العدد الثاني 2015 ا

[2]  - الدكتور محمد الأمين تأملات حول المقتضيات الجديدة المتعلقة بالحراسة النظرية الواردة في مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية المجلة المغربية للقانون الجنائي العدد 2.2015

[3]   - الدكتور زكرياء بوشرورة حماية الحقوق و الحريات في مرحلة البحث و التحري على ضوء مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية المجلة المغربية للقانون الجنائي و العلوم الجنائية العدد  2 2015

[4]  -  الدكتور زكرياء بوشرورة مرجع سابق 

بقلم ذ السموني حميد
طالب باحث بسلك ماستر العلوم القانونية تخصص قانون الأعمال بكلية العلوم القانونية و الاقتصادية والاجتماعية - اكدال
 


أعلى الصفحة