قانون الأعمال

بقلم ذ صوفيا بومنينة
محامية متمرنة بهيئة طنجة - باحثة في قانون الأعمال
تحت عدد: 757
إن حقوق الإنسان هي حقوق عالمية، ومترابطة، ومتشابكة، وغير قابلة للتجزئة، بما فيها الحق في التنمية الذي يحق بموجبه لكل إنسان، ولجميع الشعوب المشاركة والإسهام في

تحقيقها اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، والتمتع بها بشكل إيجابي في إطار احترام حقوق الآخرين، وخاصة الحريات الأساسية.

وتبعا لذلك، فالمسؤولية عن تعزيز حقوق الإنسان، وضمان احترامها وحمايتها هي مسؤولية ملقاة على عاتق الحكومات أساسا.
وفي هذا السياق، فالشركات دولية النشاط (المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات ... إلخ)1 وغيرها من مؤسسات الأعمال، بوصفها من هيئات المجتمع، مسؤولة أيضا عن تعزيز وكفالة الحقوق الإنسانية المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واحترام المسؤوليات والمعايير المعترف بها عموما الواردة في معاهدات الأمم المتحدة، وغيرها من الصكوك الدولية، خاصة وأن مؤسسات الأعمال الدولية أصبحت تؤثر بشكل متنامي في اقتصاد معظم البلدان، وكذلك في العلاقات الاقتصادية الدولية بشكل يتجاوز القدرات الفعلية لأي نظام وطني.
وتبعا لذلك، سنتطرق في البداية لتحديد الإطار المفاهمي لمؤسسات الأعمال الدولية (المطلب الأول)، قبل أن نتناول التزاماتها الخاصة للنهوض بالرفاه الاقتصادي، والتنمية، والتقدم التكنولوجي، وزيادة الثروة (المطلب الثاني ).
المطلب الأول : مؤسسات الأعمال الدولية
تهدف المبادئ والالتزامات المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، وخاصة في الديباجة وفي المواد 1 و2 و55 و56 إلى تعزيز الاحترام الدولي لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وذلك قصد تحسين مستويات المعيشة في إطار الحرية الديموقراطية بحثا عن تقدم اجتماعي متناغم.
علاوة على ذلك، يجب أن تقوم مختلف مؤسسات الأعمال الدولية بعمليات تقييم دورية لما لأنشطتها من تأثير في حقوق الإنسان في إطار هذه القواعد.
وفي هذا الصدد، سنتناول بالدراسة ماهية الشركات دولية النشاط (الفقرة الأولى)، قبل أن نعرج أصحاب المصلحة فيها والتزاماتهم الدولية انطلاقا من المبادئ، والحقوق الأساسية في الشغل الصادرين عن منظمة العمل الدولية (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى : ماهية الشركات دولية النشاط وغيرها من مؤسسات الأعمال
تعد ظاهرة الشركات دولية النشاط واحدة من أهم التطورات في الاقتصاد الدولي، فقد أثارت هذه الظاهرة اهتماما عالميا متزايدا بعد الحرب العالمية الثانية وبالتحديد في النصف الثاني من القرن العشرين، وذلك بعد أن أوضحت أبعاد هذه الشركات وسيطرتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على مجرى تطور النظام الاقتصادي العالمي الجديد.2
إن تعبير الشركات دولية النشاط ظهر كتعبير اقتصادي عالمي في سنة 1950 تقريبا، ليعبر عن الشركات التي يمتد نشاطها الإنتاجي والاستثماري والخدمي لأكثر من دولة من دول العالم وذلك بهدف السيطرة على الإنتاج الدولي، وتحقيق المزيد من الأرباح والعائد على الأموال المستثمرة بها.3
وفي هذا الصدد، لقد تعددت المفاهيم المتعلقة بالشركات دولية النشاط بتعدد من كتب في هذا المجال حيث أنه من الصعوبة وجود مفهوم محدد للشركات دولية النشاط، وفيما يلي تتبع أهم تلك المفاهيم : الشركات دولية النشاط هي : " الشركات التي ليس لها دولة تدين لها بالولاء أكثر من أي دولة أخرى، وليس لها دولة تشعر بأنها وطنها ".4
الشركات دولية النشاط هي : " الشركات التي يكون المحتوى الأجنبي فيها 25 في المائة أو يزيد ".5
الشركات دولية النشاط هي : " الشركات التي تمارس نشاطها في دول عديدة، وتكون إدارتها من جنسيات مختلفة، كما أن ملكية رأسمالها يكون من جنسيات متعددة، وتباشر نشاطا صناعيا في دول مختلفة، وتباشر الأبحاث البحتة والتطبيقية ". 6
الشركات دولية النشاط هي : " الشركات الصناعية التي تنتج وتبيع منتجاتها في أكثر من دولة واحدة ".7
الشركات دولية النشاط هي : " الشركات التي تيسطر على تجمع كبير من الوحدات الإنتاجية وكل تجمع من هذه التجمعات يحتوي على موارد بشرية ومالية في ظل استراتيجية مشتركة وموحدة على أن تزيد قيمة المبيعات السنوية عن 100 مليون دولار أمريكي خارج الدولة الأم، ويجب أن يكون لها قدر من الانتشار الجغرافي فتكون لها شركات تابعة في ست دول أو أكثر".sup>8
الشركات دولية النشاط هي : " الشركات التي تمتلك وتسيطر على تسهيلات إنتاجية في دول عديدة ".9
الشركات دولية النشاط هي : " الشركات التي تستمد قسما هاما وكبيرا من استثماراتها ومواردها وسوق العمل بها من خارج الدولة التي يوجد فيها المركز الرئيسي لها ".10
الشركات دولية النشاط هي : " الشركات التي تتبنى اعتبارات عالمية، وتحاول اتباع سياسة تكامل من العمليات عبر الحدود الوطنية لمختلف الدول، كما أنها تحاول تعظيم أرباحها بتعادل الإيرادات الحدية في الأسواق المحلية، وحيث يعتبر السوق المحلي جزءا مكملا من نطاق عملياتها الدولية ".11
الشركات دولية النشاط هي : " الشركات التي تقوم بالعمليات الصناعية والتجارية في الخارج وتمارس مسؤولية الإدارة على نحو مباشر لهذه العمليات ".12
الشركات دولية النشاط هي : " الشركات التي تتكون من عدد من المنشاَت تنتمي للدولة الأم ".13
الشركات دولية النشاط هي : " شركات أعمال تكون الملكية والإدارة والإنتاج والتسويق منتمية إلى تشريعات وطنية عديدة ".14
الشركات دولية النشاط هي : " الشركات التي تتمتع بشخصية مستقلة، وتمارس أنشطتها بالاختيار في دولة أجنبية أو أكثر ".15
الشركات دولية النشاط هي : " تجمع اقتصادي بين عدة شركات، تتمتع بجنسيات مختلفة وترتبط فيما بينها عن طريق المساهمة في رأس المال بقصد تحقيق هدف اقتصادي معين، وتتحقق وحدة الهدف بوحدة السيطرة على إدارة الشركات أعضاء المجموعة بحيث تكون كيانا اقتصاديا واحدا ".16
الشركات دولية النشاط هي : " الشركات المملوكة أو الخاضعة لأشخاص طبيعيين أو معنويين من جنسيات متعددة، وتدار بواسطة أشخاص من جنسيات مختلفة، وتباشر أنشطتها الإنتاجية أو التجارية في دول أجنبية ".17
الشركات دولية النشاط هي : " الشركات التي تمارس نشاطا استثماريا خارجيا مباشرا بمعنى أنها تمتلك أو تدير أصولا تدر دخلا في أكثر من دولة واحدة، وهي في نشاطها هذا تنتج سلعا خارج موطنها الأصلي وتشترك بذلك في الإنتاج الدولي ".18
الشركات دولية النشاط هي : " الشركات التي تقوم بأنشطتها الرئيسية سواء كانت تتعلق هذه الأنشطة بالتصنيع أو الإنتاج أو تقديم الخدمات في دولتين على الأقل ".19
الشركات دولية النشاط هي : " الشركات التي لها فرع خارجي أو أكثر من فرع يقوم بنشاط يتجاوز نشاط التسويق ".20
الشركات دولية النشاط هي " الشركات التي تمارس نشاطا إنتاجيا في دولتين أو أكثر وتعمل من خلال المراكز الرئيسية لها في إحدى تلك الدول وفروعها المنتشرة في الدول الأخرى ولكنها تابعة للمركز الرئيسي".21
الشركات دولية النشاط هي : " الشركات التي تمتلك وتدير المشروعات الاستثمارية في أكثر من دولة أجنبية ".22
وفي هذا المضمار، لقد وضعت لجنة المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع لمنظمة الأمم المتحدة مفهومين للشركات دولية النشاط. 23 أحدهما : المفهوم الواسع، والثاني : المفهوم الضيق.
وتبعا لذلك، وطبقا للمفهوم الواسع فهي شركات تسيطر على قدر من الأصول والمناجم والمصانع وأماكن البيع وما شابه ذلك في دولتين أو أكثر.
أما المفهوم لها الضيق فيحدد وجود بعض الشروط مثل : نوع النشاط أو الحد الأدنى من الشركات التابعة. وبناء عليه، فالشركات دولية النشاط هي : " الشركات التي تتعدد فيها الوحدات الإنتاجية على المستوى الدولي، وتكون مركزية السيطرة على هذه الوحدات بواسطة الشركة الأم، كما أنها تمارس هذه السيطرة في الإدارة في ظل استراتيجية إنتاجية دولية موحدة".24
كما تشمل عبارة " مؤسسة أعمال " أي كيان تجاري بصرف النظر عن الطابع الدولي أو المحلي لأنشطته، بما في ذلك الشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات أو المتعاقدة الأصلية أو المتعاقدة من الباطن أو الموردة أو حاملة الترخيص أو الموزعة، بغض النظر عن شكل القانوني المستخدم لإنشاء الكيان التجاري ؛ سواء اتخذ شكل شركة مساهمة أو شركة تضامن أو أي شكل قانوني آخر، كما تشمل طبيعة ملكية هذا الكيان.
الفقرة الثانية : أصحاب المصلحة في الشركات دولية النشاط يشمل تعبير " أصحاب المصلحة " حاملي الأسهم وغيرهم من المالكين والعاملين وممثليهم فضلا عن أي فرد أو مجموعة من الأفراد المتأثرين بأنشطة مؤسسات الأعمال الوطنية والدولية.
ويفسر تعبير " أصحاب المصلحة " عمليا على ضوء أهداف هذه القواعد، وهو يشمل أصحاب المصلحة المعنيين بصورة غير مباشرة عندما تكون مصالحهم متضررة أو ستتضرر إلى حد كبير من جراء أنشطة مؤسسات الأعمال الوطنية والدولية.
وبالإضافة إلى الأطراف المتضررة مباشرة من أنشطة مؤسسات الأعمال، يمكن أن يشمل الأمر أطرافا أخرى متضررة بصورة غير مباشرة من هاته الأنشطة مثل مجموعات المستهلكين، والعملاء، والحكومات، والمجتمعات المجاورة، والشعوب الأصلية، والمجتمعات المحلية، والمنظمات غير الحكومية، ومؤسسات الإقراض العامة والخاصة، والموردين، والرابطات التجارية وغيرها.
كما يشمل تعبير " حقوق الإنسان " الحقوق المدنية والثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية المنصوص عليها في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وفي المعاهدات الأخرى 25 ، فضلا عن الحق في التنمية والحقوق التي يعترف بها القانون الإنساني الدولي26 ، وقانون اللجوء الدولي، وقانون العمل الدولي27 ، وغير ذلك من الصكوك التي اعتمدت في إطار منظومة الأمم المتحدة.

وتهدف المعايير المنصوص عليها في الإعلان الثلاثي للمبادئ المتعلقة بالشركات ذات النشاط الدولي، والسياسات الاجتماعية، وفي إعلان المبادئ والحقوق الأساسية في الشغل، الصادرين عن منظمة العمل الدولية28 ؛ بما في ذلك المبادئ التوجيهية الصادرة عن لجنة الاستثمار الدولي والمؤسسات المتعددة الجنسيات التابعة لمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي 29 ، فإنها جميعها تحث قادة الأعمال على الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان، مما يتعين معه والحال، وفي إطار التزاماتها العامة احترام السيادة الوطنية لجميع الدول (أولا)، مع وجوب احترام البيئة بمفهومها العام والخاص (ثانيا)، هذا مع العمل على حماية المستهلك الدولي (ثالثا).
أولا : احترام السيادة الوطنية وحقوق الإنسان
تزعم مؤسسات الأعمال الدولية على أنها تحترم معايير القانون الدولي الواجبة التطبيق، والقوانين الوطنية، واللوائح التنظيمية، وكذلك الممارسات الإدارية، وسيادة القانون، والمصلحة العامة، وأهداف التنمية والسياسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بما في ذلك الشفافية والمساءلة وحظر الفساد، وسلطة البلدان التي تعمل فيها هذه المؤسسات.
كما تدعي بأنها تمتنع عن تقديم رشوة أو أي إكرامية أخرى في غير محلها أو عن قطع وعد بتقديمها أو منحها أو قبولها أو التسامح إزاءها أو الاستفادة منها عن علم أو طلبها، ولا يجوز أن يطلب أو يتوقع منها أن تقدم رشوة أو إكرامية أخرى في غير محلها إلى أي حكومة أو مسؤول حكومي أو مرشح لوظيفة انتخابية أو أي فرد من أفراد القوات المسلحة أو قوات الأمن أو أي فرد آخر أو منظمة أخرى. كما تمتنع عن القيام بأي نشاط يدعم أو يحض أو يشجع الدول أو أي كيانات أخرى على انتهاك حقوق الإنسان وعليها، بالإضافة إلى ذلك، أن تسعى إلى ضمان عدم استخدام السلع والخدمات التي توفرها في انتهاك حقوق الإنسان.
تحترم مؤسسات الأعمال الدولية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فضلا عن الحقوق المدنية والسياسية، وتسهم في إعمال هذه الحقوق، ولاسيما الحق في التنمية وفي الحصول على الغذاء الكافي وعلى مياه الشرب، والحق في بلوغ أعلى مستوى ممكن للصحة البدنية والعقلية، والحق في المسكن المناسب، والحق في الحياة الخاصة، والتعليم، وحرية الفكر والوجدان، والدين، والرأي والتعبير، كما تمتنع عن القيام بأية أعمال تعرقل أو تعوق إعمال هذه الحقوق.
ثانيا : الالتزامات المتعلقة بحماية البيئة
تضطلع الشركات عبر الوطنية وغيرها من مؤسسات الأعمال بأنشطتها وفقا للقوانين واللوائح التنظيمية والممارسات الإدارية والسياسات الوطنية فيما يتصل بالحفاظ على البيئة في البلدان التي تعمل فيها، وكذلك وفقا للاتفاقات والمبادئ والأهداف والمسؤوليات والمعايير الدولية ذات الصلة بالبيئة، فضلا عن حقوق الإنسان، والصحة والسلامة العامة، وأخلاقيات علم الأحياء، ومبدأ الحيطة، وتنفذ أنشطتها بشكل عام على نحو يسهم في بلوغ الهدف الأوسع نطاقا المتمثل في تحقيق التنمية المستدامة.
ثالثا : الالتزامات المتعلقة بحماية المستهلك
يجب على مؤسسات الأعمال أن تعمل وفقا لممارسات نزيهة في مجال الأعمال التجارية والتسويق والإعلان وأن تتخذ جميع الخطوات اللازمة لضمان سلامة وجودة السلع والخدمات التي توفرها، بما في ذلك مراعاة مبدأ الحيطة. ولا يجوز لها إنتاج منتجات استهلاكية تكون ضارة أو محتملة الضرر أو توزيع هذه المنتجات أو تسويقها أو الدعاية لها.
ومن جماع ما تم بسطه أعلاه، يتضح بأن هناك التزامات ومسؤوليات في مجال حقوق الإنسان يتعين على مؤسسات الأعمال الدولية والمسؤولين فيها (المديرون وأعضاء مجالس إدارة أو رؤساء هذه المجالس وغيرهم من المديرين التنفيذيين، وكذلك الأشخاص العاملين فيها) الوفاء بها، والعمل على تفعيلها واحترامها، مما سيساهم، ولا مشاحة في ذلك، في تطوير القانون الدولي بشكل إيجابي.
المطلب الثاني : الالتزامات الخاصة لمؤسسات الأعمال الدولية
تعتبر مؤسسات الأعمال الدولية كيان قوي له القدرة على النهوض بالرفاه الاقتصادي، والتنمية، والتقدم التكنولوجي، وزيادة الثروة.
ناهيك على أن لديها كذلك القدرة على إلحاق الضرر بحقوق الإنسان وبحياة الأفراد عن طريق ممارساتها وعملياتها التجارية الأساسية، بما في ذلك الممارسات المتبعة في مجال التوظيف، والسياسات البيئية، والعلاقات مع الموردين والمستهلكين، والتفاعلات مع الحكومات، وما إلى ذلك من الأنشطة.
وتبعا لذلك، سنتطرق لحقوق الطبقة الشغيلية بصفة عامة (الفقرة الأولى)، قبل أن نسلط الضوء على الحق في السلامة، وتكافؤ الفرص، والمعاملة غير التمييزية بصفة خاصة (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى : حقوق الطبقة الشغيلة
تعد حقوق الطبقة الشغيلة من الحقوق الأساسية التي يتعين على مؤسسات الأعمال صيانتها والعمل على تفعيلها، مما يتعين معه عدم استخدام السخرة 30 أو العمل الجبري المحظور في الصكوك الدولية والتشريعات الوطنية ذات الصلة، وكذلك في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي.
كما يجب عليها أن تحترم حقوق الطفل المتمثلة في حمايته من الاستغلال الاقتصادي المحظور دوليا.31
علاوة أنه عليها أن توفر بيئة عمل آمنة وصحية مع تمكين الأجراء من أجور تضمن لهم ولأسرهم مستوى معيشة لائقا. هذا مع تحسينها تدريجيا.
كما يتعين أن تكفل للأجراء الحرية النقابية،32 والاعتراف الفعلي بالحق في المفاوضة الجماعية33 من خلال حماية حقهم في العمل النقابي، والانضمام إلى منظمات يختارونها بأنفسهم، على ألا يخضع ذلك إلا للوائح المنظمة المعنية، دون تمييز أو دون الحصول على إذن مسبق أو تدخل في شؤونهم، وذلك لأغراض حماية مصالحهم المهنية، وغير ذلك من أغراض المفاوضة الجماعية على نحو ما تنص عليه التشريعات الوطنية، والاتفاقات ذات الصلة الصادرة عن منظمة العمل الدولية.
كما تتحمل الدول المسؤولية الرئيسية عن تعزيز حقوق الإنسان المعترف بها في القانون الدولي، وكذلك في القانون الوطني، وعن تأمين إعمال هذه الحقوق واحترامها وحمايتها، بما في ذلك ضمان احترام الشركات دولية النشاط وغيرها من مؤسسات الأعمال حقوق الإنسان. ومن واجب مؤسسات الأعمال الدولية ، ضمن ما تمارسه من نشاط ونفوذ في ميادين اختصاصها، أن تعمل على تعزيز حقوق الإنسان المعترف بها في القانون الدولي، وكذلك في القانون الوطني وتأمين إعمالها واحترامها وحمايتها، بما في ذلك حقوق ومصالح السكان الأصليين، وسائر المجموعات الضعيفة.
الفقرة الثانية : الحق في السلامة وتكافؤ الفرص والمعاملة غير التمييزية
تنشأ باستمرار قضايا دولية جديدة مرتبطة بحقوق الإنسان، ومن الملاحظ أن مؤسسات الأعمال الدولية كثيرا ما تكون معنية بها، مما أصبح معه الأمر يستدعي وضع المزيد من المعايير وتنفيذها في الوقت الحاضر وفي المستقبل، ونخص بالذكر الحق في السلامة (أولا)، والحق في تكافؤ الفرص، والمعاملة غير التمييزية (ثانيا).

أولا : حق في سلامة الأشخاص
يتعين على الشركات دولية النشاط وغيرها من مؤسسات الأعمال الدولية 34 ألا ترتكب أو تستغل جرائم الحرب، أو الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، أو جرائم الإبادة الجماعية، وغيرها من انتهاكات القانون الإنساني 35 ، والجرائم الأخرى التي ترتكب ضد الإنسانية على نحو ما حدده القانون الدولي، وبوجه خاص القانون الإنساني. يجب أن تراعي ترتيبات الأمن الخاصة بمؤسسات الأعمال معايير حقوق الإنسان الدولية، فضلا عن القوانين والمعايير المهنية السارية في البلد أو البلدان التي تعمل فيها.
ثانيا : الحق في تكافؤ الفرص والمعاملة غير التمييزية
تحاول مؤسسات الأعمال الدولية ضمان تكافؤ الفرص والمعاملة، وفق ما هو منصوص عليه في الصكوك الدولية والتشريعات الوطنية ذات الصلة36 ، وكذلك في القانون الدولي لحقوق الإنسان، وذلك قصد القضاء على التمييز القائم على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الوضع الاجتماعي أو الوضع الخاص بالسكان الأصليين أو العجز أو العمر (باستثناء الأطفال الذين قد يحظون بحماية أكبر) أو أوضاع أخرى خاصة بالأفراد لا علاقة لها بالمتطلبات اللازمة لأداء العمل، أو امتثالا لتدابير خاصة ترمي إلى التصدي للتمييز الذي كان يمارس في السابق ضد مجموعات معينة.
خاتمة
يتعين أن تعتمد مؤسسات الأعمال الوطنية والدولية، كخطوة أولى تنفيذ مختلف القواعد ذات الارتباط بحقوق الإنسان في أنظمتها الداخلية وتقوم بتعميمها وتنفيذها. كما تقدم تقارير دورية عن هذه القواعد وتتخذ تدابير أخرى لتنفيذها تنفيذا كاملا.
ولإتاحة التنفيذ الفوري على الأقل لأوجه الحماية المحددة في هذه القواعد. وتطبق كل شركة عبر وطنية أو كل مؤسسة من مؤسسات الأعمال الأخرى هذه القواعد وتدرجها في عقودها أو في ترتيباتها أو معاملاتها الأخرى مع المتعاقدين أو المتعاقدين من الباطن أو الموردين أو الحائزين على التراخيص أو الموزعين أو الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين الذين يبرمون معها اتفاقات، وذلك بغية ضمان احترام هذه القواعد وتنفيذها.
كما ينبغي للدول أن تضع وتعزز الإطار القانوني والإداري اللازم لضمان قيام مؤسسات الأعمال بتنفيذ القواعد والقوانين الوطنية والدولية الأخرى ذات الصلة.
واتساقا مع ذلك، يتعين أن تقدم مؤسسات الأعمال تعويضا عاجلا وفعالا وكافيا إلى الأشخاص والكيانات والمجتمعات المحلية المتضررة من جراء عدم الامتثال لهذه القواعد، وذلك بوسائل منها الجبر، والتعويض، ورد الاعتبار فيما يتعلق بأي ضرر متسبب فيه أو ممتلكات مستولى عليها. وفيما يخص تحديد الأضرار بصدد الجزاءات الجنائية، وجميع المسائل الأخرى المتعلقة بذلك، تطبق هذه القواعد المحاكم الوطنية والهيئات القضائية الدولية، وفقا للقانون الوطني والدولي.
لا يجوز تفسير أي شيء في هذه القواعد على أنه يقلص التزامات الدول المتعلقة بحقوق الإنسان بموجب القانون الوطني والدولي، أو يقيد هذه الالتزامات أو يؤثر فيها سلبا. كما لا يجوز أن تفسر هذه القواعد على أنها تقلص معايير حقوق الإنسان التي توفر حماية أكبر، أو تقيدها أو تؤثر فيها سلبا، أو أنها تقلص الالتزامات أو المسؤوليات الأخرى الخاصة بمؤسسات الأعمال في مجالات غير حقوق الإنسان، أو أنها تقيد هذه المسؤوليات والالتزامات أو تؤثر فيها سلبا.

1- يشير تعبير " الشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات ... وغيرها من مؤسسات الأعمال " إلى أي كيان اقتصادي يعمل في أكثر من بلد واحد أو إلى مجموعة كيانات اقتصادية تعمل في بلدين أو أكثر، أيا كان الشكل القانوني الذي تتخذه سواء في موطنها أو في البلد الذي تمارس فيه نشاطها وسواء نظر إليها منفردة أو مجتمعة.

2 - جون هدسون ومارك هرندر، العلاقات الاقتصادية الدولية، الرياض، دار المريخ للنشر، 1987. صفحة 698.
3 - محمـد عثمان إسماعيل حميد، إستراتيجيات الإدارة الدولية في الشركات الدولية والمتعددة الجنسية، القاهرة - مصر، دار النهضة العربية، 1993. صفحة 7.
4 - Kindelberger, ch, ¨ American business abroad ¨, New heven, 1969. P.180.
5 - Behraman, J, ¨Some patterns in the rise of multinational entreprise¨, london, chaple hill, 1969. P62.
6 -Maisonrog, J, ¨ Proceeding the conference on multinational corporation in the staff development¨ Washing, 1969. Pp.17-18.
7 - Tugendhat, ch, ¨The multinational, eyre and and spotis woude¨, London, 1970. P.10.
8. - Vernon, R, ¨Sovereignty at bay, New York, 1971. P.7.
9 - Dunning, J, ¨ The multinational entreprise¨, London, allen and unwin, 1971. P.16.
10 - Klauzand, W, ¨The world corporations an executive view annals, the American quarterly of social sciences¨, September, 1972. P.14.
11 - Schwendiman, J,¨Strategic and long-range planning for multinational corporation¨, u. s, parger publishers, 1974. P.4.
12 - Arvind, Ph, ¨Managing multinational corporations, parger publishers¨, New York, 1974. P.21.
13 - Kolde, E, ¨The multinational company¨, Lexington book, heat annd company, lexington, 1974. P.5.
14 - Gilipin, R, ¨Power and multinational corporations¨, New York, basic book, 1975. P.8.
15 - Livingstone, M, The international entreprise, London, associated business programmers, 1975. P 9-10.
16 - محمود سمير الشرقاوي، المشروع متعدد القوميات والشركة القابضة كوسيلة لقيامة، مجلة مصر المعاصرة، العدد 632، الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، 1975، صفحة 123.
17 - محمو حافظ غانم، "الاستثمارات الأجنبية المباشرة ودور الشركات متعددة الجنسية ومشكلة صيانة الاستقلال الاقتصادي"، من بحوث ومناقشات المؤتمر العلمي السنوي الأول للاقتصاديين المصريين ) التنمية والعلاقات الاقتصادية الدولية (، الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، في الفترة من 25- 27 مارس، 1976. صفحة 79.
18 - وهبي غبريال، " الاستثمارات الأجنبية المباشرة ودور الشركات متعددة الجنسية ومشكلة صيانة الاستقلال الاقتصادي"، من بحوث ومناقشات المؤتمر العلمي السنوي الأول للاقتصاديين المصريين ) التنمية والعلاقات الاقتصادية الدولية(، الجمعية المصرية لاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، في الفترة من 25-27 مارس، 1976. صفحة 32.
19 - Brooke and Remmers, The strategy of multinational entreprise, organization and finance, London, 1987. P.5.
20 - عبد الهادي علي النجار، الشركة دولية النشاط في العلاقات الاقتصادية الدولية مع الإشارة إلى الاقتصاد المصري، مجلة مصر المعاصرة، العدد 372، الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، 1980، صفحة 6.
21 - Caves, R, ¨Multinational entreprise and economic analysis¨, Cambridge, New York, 1982. p.1.
22 - Hood, N, and Yong, S, The economic of multinational entreprise, London, Longman, 1982. p.3.
23 - زين العابدين فارس، الدولة ونشاط الشركات متعددة الجنسية تقييم للسياسة الضريبية كأداة لتشجيع الاستثمار الخاص الأجنبي الذي تقوم به الشركات المتعددة الجنسية مع التطبيق على مصر، مجلة مصر المعاصرة، العددان 393-394، الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، يوليو- أكتوبر، 1983. صفحة 137.
24 - بنك مصر، النشرة الاقتصادية، العدد الأول، 1998. صفحة 53 إلى 55.
25 - منها : الإعلان العالمي لحقوق الإنسان - العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية - العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية - الاتفاقية الدولية لمناهضة الفصل العنصري والمعاقبة عليه ... إلخ.
26 - المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف الأربع، دخلوا حيز التنفيذ وطنيا بتاريخ 26 يناير 1967.
27 - نموذج اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن البطالة واتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن عمل المرأة ليلا... إلخ.
28 - اعتمده مؤتمر العمل الدولي في دورته 86 التي عقدت في جنيف.
29 - منها أنه يتعين على الشركات أن تساهم في التنمية المستدامة، واحترام حقوق الإنسان ... إلخ.
30 - اتفاقية العمل الدولية رقم 29 لسنة 1930 بشأن أعمال السخرة، واتفاقية العمل الدولية رقم 105 لسنة 1957 بشأن إلغاء عمل السخرة.
31 - منها احترام اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن عمل الأحداث ليلا في ميدان الصناعة. والتوصية رقم 190 بشأن حضر أسوء أشكال عمل الأطفال ... إلخ.
32 - نشير هنا لاتفاقية منظمة العمل رقم 87 لسنة 1948 بشأن الحرية النقابية، وحماية حق التنظيم.
33 - اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 98 لسنة 1949 بشأن حق التنظيم والمفاوضة الجماعية.
34 - التي تنتج أو تورد منتجات أو خدمات عسكرية أو أمنية، أو خاصة بجهاز الشرطة.
35 - يمنع عليها ممارسة أي نشاط تجاري إذا كان يندرج ضمن الأنشطة المنتهكة لحقوق الإنسان.
36 - مثلا على مؤسسات الأعمال احترام مبدأ المساواة، وصون كرامة الأجراء ... إلخ.

بقلم ذ صوفيا بومنينة
محامية متمرنة بهيئة طنجة - باحثة في قانون الأعمال