القانون التجاري

بقلم ذ محمد بزطامي
محمد بزطامي باحث بصف الدكتوراه جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء
تحت عدد: 388
لا شك أن للنقل عموما والنقل البحري على وجه الخصوص

 أهمية كبرى في الحركية الاقتصادية والتجارية الوطنية والدولية بل يعد الدعامة الأساسية بالنسبة للتجارة الداخلية والخارجية وأداة محورية في سبيل تطوير التجارة الدولية وتحقيق حركية انتقال البضائع ورؤوس أموال.

ولئن كانت هذه الحركة التجارية في ميدان النقل البحري يصاحبها العديد من المشاكل وبالتالي إثارة العديد من المنازعات بين الناقل البحري وصاحب الحق في البضاعة وذلك بالنظر إلى المرحل التي تقطعها البضاعة بدءا بالالتزامات الملقاة على عاتق الناقل البحري من التزام بشحن البضاعة ورصها داخل السفينة إلى الالتزام بنقلها إلى المكان المتفق عليه وتفريغها من ظهر السفينة على ميناء الوصول انتهاء بتسليمها إلى المرسل إليه حيث تنتهي مسؤولية الناقل البحري، فإنه من الطبيعي أن تتضرر البضاعة خلال هذه المراحل وبمناسبة هذه الالتزامات نظرا لطول الرحلة البحرية التي تستغرقها السفينة وما تتعرض له من هزات وحوادث، في هذا النطاق تبرز أهمية دراسة مسؤولية الناقل البحري أي مساءلته عن الأضرار الحاصلة للبضاعة وهي في عهدته خصوصا وإن من الأنظمة التي تأخذ بنظام المقاول الإجباري أي مكتب استغلال الموانئ.

 بالرجوع إلى مدونة التجارة المغربية في تعريفها لعقد النقل نجد المادة 443 تنص على أن عقد النقل هو: " اتفاق يتعهد بمقتضاه الناقل مقابل ثمن بأن ينقل شخصا أو شيئا إلى مكان معين، مع مراعاة مقتضيات النصوص الخاصة في مادة النقل والاتفاقيات الدولية التي تعد المملكة المغربية طرفا فيها"،  لذلك سنعالج موضوع مسؤولية الناقل البحري في ضوء أحكام القانون المغربي أي ظهر 31 مارس 1919 الخاص بالقانون البحري ومقتضيات مشروع المدونة البحرية لسنة 1984 والأحكام العامة للنقل ثم مقتضيات اتفاقية الأمم المتحدة لنقل البضائع بطريقة البحر لسنة 1978 المعروفة باتفاقية هامبورغ ، لكون المغرب انظم إلى هاته الاتفاقية بمقتضى محضر إيداع وثائق الانضمام الموقع بنيويورك 17/7/1981، ولأهمية موضوع مسؤولية الناقل البحري نشير إلى أن هناك جملة من الاتفاقيات الدولية التي تعرضت إليه نذكر منها : قانون هارنر الامريكي لسنة 1893، قواعد لاهاي لسنة 1921 ثم معاهدة بروكسيل لسنة 1924.

وبناء على هذه المعطيات يتبين أن موضوع مسؤولية الناقل البحري كبناء قانوني مركب تجاذبه القيمة القانونية لهذه المسؤولية هل هي التزام ببذل عناية أم بتحقيق غاية ثم العلاقة القانونية التي تربط بين أطراف عملية النقل من الناقل البحري أو من يحل محله فالشاحن ثم المرسل إليه والمؤمن إضافة إلى تدخل مؤسسة ذات صبغة رسمية طالما أن مجال النقل البحري يعد من المجالات المحتكرة من قبل الدولة علاقة تمتاز بالواقعية أحيانا والافتراض أحايين أخرى ما يطرح مجموعة من التساؤلات ترتبط بأساس هذه المسؤولية وصورها؟ فخصوصية مبدأ تحديدها في مادة النقل البحري؟ ثم أحكام الدعوى المرتبطة بها في حالة قيامها؟

 

المبحث الأول: تحقق مسؤولية الناقل البحري وصورها

مسؤولية الناقل البحري هو مفهوم ذو حمولة قانونية كبرى فهو من ناحية ينصب على أساس هذه المسؤولية ونطاقها (المطلب الأول)، ومن ناحية ثانية يتطلب الوقوف عند صور هذه المسؤولية (المطلب الثاني).

المطلب الأول: أساس مسؤولية الناقل البحري ونطاقها

سنتناول هذا المطلب في ثلاث فقرات نخصصها الأولى لمفهوم مسؤولية الناقل البحري، والثانية لأساس هذه المسؤولية، قبل أن نتطرق لنطاقها في فقرة ثالثة.

الفقرة الأولى: مفهوم مسؤولية الناقل البحري

مفهوم مسؤولية الناقل البحري تتحدد بطبيعتها فيما إذا كانت عقدية أم تقصيرية؟

ومسؤولية الناقل البحري هي المسؤولية التي تقوم بوصفه ناقلا مرتبطا بعقد نقل وتستبعد المسؤولية التي تقوم على أساس كونه غير ناقل كمسؤوليته عن الأضرار التي تسببها السفينة لرصيف الميناء أو لسفينة أخرى راسية في الميناء، ومسؤولية الناقل البحري هي مسؤولية عقدية مبناها عقد النقل البحري الذي يربطه بالشاحن ولا تتحقق مسؤولية الناقل التقصيرية إلا إذا اقترف فعلا يجرمه القانون، وبالنظر  إلى كون عقد النقل البحري يعد من العقود الرضائية باعتباره يستند على إرادة الطرفين فإن إخلال الناقل بمقتضيات هذا العقد يرتب مسؤوليته العقدية وقد أكد الاجتهاد القضائي المغربي في أكتر من مناسبة الطابع التعاقدي  لهذه المسؤولية ففي قرار لمحكمة النقض (المجلس الأعلى سابقا)[1] جاء فيه "إن الفصل 262 من ق ت ب يتعلق بالاحتجاج الذي يجعله المشرع شرطا لإقامة دعوى المسؤولية العقدية ضد الناقل البحري" وما دامت مسؤولية الناقل البحري تعد مسؤولية عقدية خاضعة لعقد النقل البحري، فهل يكون للناقل البحري بإدراج شرط الإعفاء من المسؤولية في العقد عند هلاك أو عوار البضاعة أو عند التأخير في وصولها؟ نقول إن مثل هذه الشروط تعتبر باطلة وعديمة الأثر في ظل التشريع المغربي استنادا إلى الفصل 264 من ق ت ب.

الفقرة الثانية: أساس المسؤولية

نعني بأساس المسؤولية السبب الذي من أجله  يضع القانون عبء التعويض عن الأضرار على عاتق شخص معين وبناء على ذلك قد يكون الأساس في الخطأ في حين يجد البعض الأساس في الضرر لوحده ولا حاجة للبحت فيما إذا كان محدثه قد أخطأ أم لم يخطأ  فالتشريعات اللاتينية تتجه نحو جعل مسؤولية الناقل تعاقدية تقوم على أساس خطأ حقيقي يتمثل في الإخلال بالتزام بتحقيق نتيجة بينما تفرق الأنظمة الأنجلوسكسونية بين مسؤولية الناقل العام ومسؤولية الناقل الخاص وتركز مسؤولية الناقل العام على أساس الخطأ التقصيري المفترض، أما مسؤولية الناقل الخاص فترتكز على الخطأ التقصيري الواجب إثباته، وحسب المادة 5 من اتفاقية هامبورغ  فقد أوردت ما أسمته (التفاهم العام) جاء فيه من المفهوم عموما أن مسؤولية الناقل بموجب هذه الاتفاقية تقوم على مبدأ الخطأ أو الإهمال المفترض ومؤدى ذلك كقاعدة أن يقع عبء الإثبات على الناقل فهو مسؤول عن الضرر الناتج عن هلاك أو تلف أو التأخير إذا وقع أثناء وجود البضاعة في عهدته ما لم يثبت بأنه وتابعيه أو وكلائه اتخذوا بشكل معقول كل الإجراءات اللازمة لتجنب ذلك الحادث ونتائجه، ويترتب على أنه لا يلزم المضرور إقامة الدليل على ارتكاب الناقل البحري هو أو تابعيه خطأ ما أدى الى إحداث الضرر، وبخصوص أساس المسؤولية في حالة الحريق فإن الفقرات الخاصة بالحريق في المادة الخامسة من اتفاقية هامبورغ ذهبت إلى الميل لصالح الناقل عندما قلبت الأمر فجعلت مسؤولية الناقل تبنى على أساس الخطأ الثابت الذي يجب إثباته من قبل المضرور.

أما المسؤولية عن نقل الحيوانات الحية فالناقل لا يسأل عن الأضرار التي تتعرض لها البضائع والتي هي حيوانات حية إذا كانت الأضرار ناتجة عن مخاطر توافق هذا النوع من النقل على أن يكون الناقل قد نفذ تعليمات الشاحن الخاصة بالمحافظة على الحيوانات الحية، أما الأضرار الناتجة عن تدابير لإنقاذ الأرواح أو الأموال في البحر فإنه لا يسأل عنها الناقل إذا كان الهلاك أو التلف أو التأخير ناتجا عن تدابير لإنقاذ الأرواح أو من تدابير معقولة لإنقاذ الممتلكات في البحر وإذا كان معيار المعقولية معيار غير محدد فإن الأمر متروك تحديده للقضاء هو الذي يبين ما إذا كان ما اتخذه الناقل من تدابير معقولة وقد نص المشرع المغربي من خلال الفصل  309 مكرر المعدل  بمقتضى الظهير الصادر بتاريخ 26-7-1922 والذي جاء فيه: "أن كل ربان سفينة ملزم بإنجاد أي شخص ولو عدوا يوجد في البحر في خطر الهلاك مادام يمكنه القيام بهذا دون أن يعرض لخطر جدي سفينته أو ملاحيه أو ركابه وإلا عوقب"

أما في حالة  اشتراك سبب  أخر في إحداث الضرر كاجتماع خطأ أو إهمال من جانب الناقل أو مستخدميه أو وكلائه مع سبب أخر في إحداث الضرر فلا يسأل الناقل إلا عن الضرر الناتج عن الخطأ أو الإهمال الصادر عنه أو تابعيه على أن يثبت حجم الضرر الذي ينسب إلى السبب الأخر الذي اشترك في إحداث النتيجة.

 

 

الفقرة الثالثة: نطاق مسؤولية الناقل البحري

نطاق المسؤولية أو امتدادها تحدد من حيث الزمان بالمدة التي يسأل فيها الناقل البحري عل عندما تكون البضاعة في عهدته أو قبلها أو بعدها، كذلك من الأشخاص هل يقتصر امتداد المسؤولية على شخص الناقل البحري أم تمتد إلى أشخاص آخرين:

1.    نطاق المسؤولية من حيث الزمان.

نطاق المسؤولية من حيث الزمان  يتبين من استقرائنا للمادة الرابعة من اتفاقية هامبورغ والتي مفاده أن الناقل مسئول عن البضائع طالما هي في حراسته، ومن المفروض أن تكون البضائع في حراسة الناقل منذ أن يتسلمها إلى أن يسلمها  ففي قرار لمحكمة الاستئناف بالبيضاء[2] اعتبرت مسؤولية الناقل البحري تنتهي حتما بمجرد تفريغ البضاعة بميناء الوصول عند حافة السفينة عملا بأحكام الفصلين 218 و221 من ق ت ب  أما فيما يخص محكمة النقض فلوحظ أن هناك اختلاف بخصوص تحديد المرحلة البحرية على موقفين:

الموقف الأول: وتذهب فيه محكمة النقض[3] إلى القول بمسؤولية الناقل البحري من تاريخ  تسلمه البضاعة لغاية التسليم الفعلي للمرسل إليه مستندة في ذلك إلى مقتضيات الفصلين 221 من القانون البحري.

الموقف الثاني: وتذهب فيه محكمة النقض[4] إلى القول بأن مسؤولية الناقل البحري تنتهي بخروج البضاعة من حراسته وتسليمها إلى مكتب استغلال الموانئ تحت الروافع ذلك أن الفصل 221 من ق ت ب حينما نصت على كون الناقل البحري يسأل عما يصيب البضاعة متى كانت في حراسته مما يعني بمفهوم المخالفة أنه لا يسأل عما يصيبها إذا خرجت من حراسته  وهذا ما أكدته كذلك في قرا رات أخرى.

2.    نطاق المسؤولية من حيث الأشخاص

عرضت الفقرة الأولى من المادة الأولى من اتفاقية هامبورغ لتعريف الناقل على أنه يقصد بمصطلح الناقل كل شخص أبرم عقد أو أبرم باسمه عقد مع شاحن لنقل بضائع بطريق البحر، وفي فقرتها الثانية أوردت على أنه يقصد بمصطلح الناقل الفعلي كل شخص عهد إليه الناقل بتنفيذ نقل البضائع أو تنفيذ جزء من هذا النقل ويشمل كذلك أي شخص أخر عهد إليه بهذا التنفيذ، وحسب المادة العاشرة من الاتفاقية فإن الناقل المتعاقد مسؤول عن النقل بأكمله إذا ما أسند التنفيذ كله أو بعضه إلى ناقل فعلي كما لو لم يكن هناك ناقل غيره، ومن ثم يجوز للمضرور أن يقاضيه  وحده ولا يكون له دفع مسؤوليته بإثبات أن الضرر وقع بالبضاعة في حراسة الناقل الفعلي، أما بخصوص النقل المتتابع فإن الأصل أن الناقل المتعاقد مسؤول عن النقل بأكمله إلا أنه إذا نص في عقد النقل البحري على قيام شخص مسمى غير الناقل بتنفيذ جزء محدد من النقل المشمول بالعقد المذكور أن ينص أيضا على عدم مسؤولية الناقل المتعاقد عن الهلاك أو التلف أو التأخير الذي ينتج عن حادث وقع أثناء وجود البضاعة في حراسة ناقل لاحق.

المطلب الثاني: صور مسؤولية الناقل البحري

تتحقق صور مسؤولية الناقل البحري متى هلكت البضاعة المشحونة كليا أو جزئيا (الفقرة الأولى)، وتتحقق كذلك في حلة تلف البضاعة أو العوار(الفقرة الثانية)، وأخيرا تتحقق عند تأخير الناقل البحري في تسليم البضاعة (الفقرة الثالثة):

الفقرة الأولى: حالة الهلاك

نكون أمام حالة الهلاك بفناء البضائع المنقولة أو باختفائها سواء تم ذلك بصورة كلية أو جزئية.

و عليه فالهلاك إما كليا أو جزئيا:

1)    حالة الهلاك الكلي:

و المقصود به فقدان البضاعة وضياعها الكلي بحيث يستحيل على الناقل تسليمها إلى المرسل إليه نظرا لهلاكها في معظمها بحيث لم تعد صالحة للاستعمال فيما أعدت له وفي هذه الحالة لا يستطيع الناقل تنفيذ الالتزام الأساسي الملقى على عاتقه والمتمثل في تسليم البضائع كاملة وسليمة إلى المرسل إليه، وقد يكون هذا الوضع ناتجا عن غرق السفينة بسبب رداءة أحوال الطقس أو حدوث حريق بها مثلا، أو بسبب تسليمها لشخص آخر غير المرسل إليه ففي مثل هذه الحالات تقوم مسؤولية الناقل و يكون ملزما بالتعويض عن الهلاك الكلي إلا إذا أثبت أن السبب في ذلك راجع إلى قوة قاهرة.

ويعتبر فقدان البضاعة بالكامل خلال مرحلة النقل البحري خطأ جسيم يسأل عنه الناقل ويمتنع عليه أن يتمسك بشرط تحديد المسؤولية المدون في سند الشحن، وبالتالي لا يستفيد من مبدأ تحديد المسؤولية عند هلك البضاعة هلاكا كليا لأن ذلك يدخل ضمن الأخطاء الجسيمة المرتكبة من طرفه والتي تحرم عليه الاستفادة من هذا المبدأ، فمفهوم الهلاك الكلي للبضائع إذا لا يقتصر فقط على حالة الفناء المادي لها، بل ينطوي في إطار هذا المفهوم العديد من حالات الهلاك الحكمي أو المفترض كما في حالة قيام الناقل البحري بتسليم البضائع إلى غير الحامل الشرعي لوثيقة الشحن أو حالة التأخير الطويل في التسليم و ما شبه ذلك.

ففيما يخص الحالة الأولى: فقد استقر العمل على ضرورة قيام الناقل البحري أو من ينوب عنه بتسليم البضائع إلى الحامل الشرعي لوثيقة الشحن بغض النظر عما إذا كان هذا الأخير هو المالك الحقيقي للبضائع أم لا أما إذا أخطأ الناقل وقام بتسليم البضائع لغير الحامل الشرعي لوثيقة الشحن فيعتبر مخلا بالتزام التسليم ومسؤولا عن تعويض المرسل إليه بما يعادل قيمة البضائع.

أما فيما يخص الحالة الثانية وهي حالة التأخير الطويل في التسليم فقد استقر العمل أيضا على إعطائها هذه الحالة حكم الفقدان الكلي للبضائع وهو ما أكدته محكمة الاستئناف بالرباط عندما قضت بأنه " يجوز في المادة التجارية اعتبار التأخير الطويل في تسليم البضائع مماثلا لفقدانها فيترتب على هذا التأخير أداء تعويض عن الضرر يعادل قيمة البضاعة ".

و في حالة تعرض البضاعة المنقولة للهلاك الكلي المادي أو المفترض فإن ذلك يشكل قرينة على قيام مسؤولية الناقل البحري، غير أنها ليست قاطعة بل بسيطة قابلة لإثبات العكس كما لو قام الناقل بإثبات أن الهلاك يرجع لسبب أجنبي لا يد له فيه.

2)    الهلاك الجزئي:

و هي الحالة التي يسلم فيها الناقل إلى المرسل إليه البضاعة مع وجود نقص في وزنها أو عدد طرودها أو كميتها المثبتة في سند شحن عند الوصول بحيث يستطيع المرسل إليه معرفة الخصاص الحاصل بالبضاعة وذلك بمقاربة الكمية أو الوزن المسلم له فصلا مع الكمية أو الوزن المضمن بسند الشحن وحتى تتحقق مسؤولية الناقل البحري يفترض وقوع الهلاك الجزئي أيضا أثناء وجود البضائع في حراسة الناقل أو من يتصرف باسمه أو في حراسة مقاول الشحن والتفريغ و يعد ذلك قرينة بسيطة على مسؤوليته عن هذا الهلاك الجزئي كما هو الحال في الهلاك الكلي بحيث يستطيع هذا الأخير دحض مسؤوليته بوسائل لإثبات كلامه مادام الأمر يتعلق بواقعة مادية وليس بتصرف قانوني كما ذكرنا سابقا.

غير أننا نتساءل عن مسؤولية الناقل فيما لو كان العجز أو النقص في البضائع تافها  أو بسيطا قد يرجع إلى طبيعة البضائع دائما أو نتيجة تأثرها بالعوامل أو الظروف الجوية كما هو الحال بالنسبة للحبوب والأسمدة او المواد السائلة فقد جرى العرف على التسامح وعدم مساءلة الناقل البحري عن العجز البسيط والذي لا يتجاوز نسبة محددة وهذا ما أكدته محكمة الاستئناف بالدار البيضاء[5] و الذي جاء فيه " يمكن أن يلحق البضاعة خلال عملية النقل البحري نقص في الوزن أو الحجم رغم محافظتها على حالتها الطبيعية وعندما لا يتعدى النقص 1%  يجب اعتبار هذا الضياع طبيعيا ولا يسأل عنه الناقل البحري.

        

 

 

الفقرة الثانية: حالة التلف أو العوار

يقصد بالعوار أو التلف: العيب الذي يصيب البضاعة ويكون لذلك تأثير على قيمتها في السوق التجاري ذلك أن الناقل البحري يقوم بتسليم البضاعة إلى المرسل إليه بنفس الكمية أو الوزن المدرجين في سند الشحن[6] ولكنها في حالة أسوأ من الحالة التي تسلمها في ميناء الشحن وهو بذلك يختلف عن الخصاص ويتمثل غالبا في العفن أو الرطوبة أو البلل فيما يخص الأخشاب أو التجفاف كما هو الحال بالنسبة للحبوب أو الفساد كما هو الأمر بالنسبة للفواكه أو الخضروات أو التأكسد بالنسبة للمعادن وما أشبه ذلك، ويفترض في الناقل أنه تسلم البضاعة في حالة جيدة من الشاحن إذ يمكن الوقوف على حالة البضاعة من خلال سند الشحن والبيانات المدرجة فيه فإذا كان خاليا من التحفظات الخاصة بحالة البضاعة، فإنه يفترض أن الناقل قد تسلمها في حالة جيدة ويكون بالتالي ملزما بتسليمها في ميناء الوصول بذات الحالة، أما إذا تضمن سند الشحن بعض التحفظات بخصوص حالة البضاعة وقت شحنها كعبارتي التغليف غير كاف أو سوء التغليف ففي هذه الحالة لا يسأل الناقل عن العوار الحاصل للبضاعة، حيث يفترض أن هذا العوار حصل قبل شحن البضاعة و يقع بالتالي على المرسل إليه عبء إثبات كون البضاعة تم شحنها في حالة جيدة، وفي هذا الصدد يطرح الاشكال حول خطاب الضمان الذي يسلم إلى الناقل من طرف الشاحن والذي يتعهد بموجبه مثلا أنه مسؤول عن أي ضرر يصيب البضاعة بسبب سوء التغليف مثلا بحيث أن هذا التحفظ يضمن بخطاب الضمان دون سند الشحن فهل يكون له أثر في مواجهة المرسل إليه؟ نرى أنه بالنظر لكون هذا الأخير يعد غيرا بالنسبة لطرفي خطاب الضمان فإن هذا الأخير ينتج أثره بين طرفيه أي بين الناقل والشاحن، نشير كذلك إلى أنه من ضمن القضايا التي تعرض على المحاكم والتي تهم العوار أو التلف  ما قد تتعرض له البضاعة في أحايين كثيرة من رطوبة أو برودة أو تمزق أو الخدش وذلك أثناء عمليات الشحن أو التفريغ  وكذلك خلال مرحلة النقل، ومن تطبيقات القضاء المغربي في هذا الشأن نورد ما يلي: "حيث أنه بالرجوع إلى أوراق التنقيط يتبين أن مكتب استغلال الموانئ أبدى تحفظات تجاه الناقل البحري يشير فيها إلى كون البراميل أفرغت وهي مضغوطة وسائلة وأن بعضها بدون سدادة"[7].

الفقرة الثالثة : حالة التأخير في تسليم البضائع.

لم تتعرض اتفاقية بروكسل لسنة 1924 لتنظيم حالة التأخير في تسليم البضائع بل اقتصرت فقط على تنظيم حالة الهلاك أو التلف كأسباب لقيام مسؤولية الناقل البحري وربما يعود ذلك إلى الظروف التي كانت سائدة وقت إبرام هذه الاتفاقية وبالخصوص كثرة المخاطر البحرية وصعوبة تجنبها وبالتالي الصعوبة في التنبؤ بدقة بميعاد وصول السفينة، وفي هذا الصدد جاءت قواعد هامبورغ لسنة 1978 لتدخل ضمن نطاق أحكام المسؤولية: حالة التأخر في التسليم بل قد نصت المادة 5 من هذه القواعد بالإضافة لبيانها أساس مسؤولية الناقل البحري، قامت بتنظيم حالة التأخير في التسليم، إذا لم تسلم البضائع المنصوص عليها في عقد النقل البحري في حدود المهلة المتفق عليها صراحة أو في حالة عدم وجود هذا الاتفاق في حدود المهلة التي يكون من المعقول تطلب إتمام التسليم خلالها من ناقل يفظ مع مراعاة ظروف الحالة"، ومن ضمن  التساؤلات التي تثيرها حالة المسؤولية عن التأخير تلك المتعلقة بالخصوص ببيان حالة التأخير:

الحالة الأولى: وتتمثل في وجود اتفاق على تاريخ محدد للتسليم بحيث يعتبر الناقل البحري مخلا بالتزامه بتسليم البضائع متى لم يقم بذلك في التاريخ المتفق عليه، ويشترط تدوين هذا التاريخ في وثيقة الشحن لكي يتم الاحتجاج به في مواجهة الغير بما في ذلك المرسل إليه.

الحالة الثانية: وتتمثل في حالة عدم وجود اتفاق على تاريخ محدد للتسليم، وهنا يثار التساؤل فيها إذا كان يتمتع الناقل البحري بالحق في تسليم البضائع في الوقت الذي يراه مناسبا دون أي اعتبار لمصالح الآخرين؟ من وجهة نظرنا نرى أنه من الصعوبة بمكان قبولها وإعطاء الناقل هذه الصلاحية المطلقة دون اعتبار للأجل الذي ينبغي على الناقل احترامه عادة في الظروف المماثلة وتعود للقضاء السلطة التقديرية في تحديد هذا الأجل مع إمكانية الاسترشاد برأي الخبراء في هذا المجال.

 

المبحث الثاني : آثار مسؤولية الناقل البحري

 

يشكل إخلال الناقل البحري بتسليم البضاعة إلى المرسل إليه في ميناء الوصول طبقا للبيانات الواردة في سند الشحن أساسا لمطالبة المرسل إليه للناقل البحري بالتعويض عما لحقه من خسارة وما فاته من كسب طبقا للقواعد العامة في المسؤولية العقدية، غير أن تطبيق هذه القواعد في كافة الاحوال في المادة البحرية سيضر لا محالة بالذمة المالية للناقل البحري لكونه سيكون ملزما بتعويض الضرر كاملا بالرغم من عدم علمه بقيمة البضاعة المتضررة من خلال سند الشحن حيث يكون التعويض غير موازي لقيمة  الضرر وهو ما دفع مشرع ظهير 1919 وكذا اتفاقية الأمم المتحدة لنقل البضائع بطريق البحر إلى تقنين هذا الموضوع  مع تمكين الناقل البحري من الدفع بتحديد مسؤوليته في مبلغ أقل من قيمة البضاعة المتضررة وحيث أن الأمر برمته لا يمكن أن يجري الا في إطار دعوى مسؤولية الناقل فإننا سنتطرق إلى كل من مبدأ تحديد المسؤولية والاستثناءات الواردة عليه ثم دعوى المسؤولية (المطلب الأول)،  على أن نبحث في حالات إعفاء الناقل البحري من المسؤولية  (المطلب الثاني).

 

المطلب الأول : تحديد مسؤولية الناقل البحري والدعوى المرتبطة بها .

في هذا المطلب سنتوقف في الفقرة الأولى عند التحديد القانوني لمسؤولية الناقل البحري وكذا الاستثناءات الواردة عليه، على أن نتوقف في فقرة ثانية عند دعوى مسؤولية الناقل البحري باعتبارها الاطار الذي تجري فيه هذه المسؤولية:

الفقرة الأولى : التحديد القانوني لمسؤولية الناقل البحري والاستثناءات الواردة عليه.

لقد كان من وراء تقرير مبدأ تحديد مسؤولية الناقل البحري كون التعويض الكامل ينطوي على إجحاف بحق الناقل الذي يجهل في كثير من الأحيان محتويات البضاعة المنقولة خصوصا عندما يتعلق الأمر بالطرود التي قد تكون ذات قيمة عالية دون أن يؤمن عليها الناقل البحري أو يتخذ الاحتياطات اللازمة للحفاظ عليها باعتبارها بضاعة عهد إليه بنقلها، وانطلاقا من هذا المعطى يتأسس لدينا أصل عام بموجبه يمكن للناقل البحري ان يتمسك بمبدأ التحديد القانوني للمسؤولية في كافة الأحوال التي يكون فيها سند الشحن خاليا من تحديد قيمة البضاعة (أولا) إلا ان الامر ليس دائما على إطلاقه فهناك حالات ترد على الأصل العام لا يمكن التمسك معها بالمبدأ المذكور(ثانيا):

 

أولا: الأصل العام لمبدأ تحديد مسؤولية الناقل البحري

 

استقر الفقه والقضاء على اعتبار أن العبرة بما هو وارد في سند الشحن كأساس للتعويض عن مسؤولية الناقل البحري، فإذا خلا سند الشحن من تحديد عدد الطرود، فإن الحاوية تشكل طردا واحدا بما تحتويه[8]، فإذا تضمن سند الشحن عدد الطرود المعبأة في الحاوية، فإن كل طرد داخل الحاوية يتخذ أساسا  لتحديد وتقديم التعويض، وقد تدارك القانون البحري لسنة 1984 هذا النقص ونص في الفصل 361 على أن الحاوية في حالة ضياعها أو تضررها إن لم تكن في ملك الناقل أو موفرة من طرفه بمثابة وحدة متميزة تضاف إلى الطرود الموجودة بداخلها في حساب التعويض.

أما عن الاشخاص المستفيدين من مبدأ تحديد المسؤولية فهناك الناقل وتابع الناقل والوكيل جميعهم يمكنهم الاستفادة من مبدأ تحديد المسؤولية في حالة الرجوع عليهم من قبل الناقل الفعلي[9] بالتعويض عن الهلاك أو العوار الذي يعتري البضاعة محل عقد النقل، لكن مسألة تحديد التعويض أو المسؤولية المنصوص عليها، لا تمنع أطراف عقد النقل من الاتفاق على تحديد تعويض يزيد عن الحد الاقصى المنصوص عليه وهو ما اكدته اتفاقية هامبورغ لسنة 1978 في المادة 6 حيث نصت على أنه "يجوز الاتفاق بين الناقل والشاحن على تعيين حدود للمسؤولية تتجاوز الحدود المنصوص عليها في الفقرة الاولى"، ومع تطور النقل البحري عن سابق عهده بالنظر إلى ارتفاع قيمة البضائع وكذا اجرة النقل وظهور الحاويات كل هذا أدى إلى رفع مبلغ التعويض في عن المسؤولية، حيث ينص الفصل 361 من ق ب على ما يلي "تنحصر مسؤولية الناقل بالنسبة إلى الضرر الناتج عن الخسائر أو الاضرار التي لحقت البضائع في مقدار يساوي 835 وحدة حسابية بالنسبة لكل طرد أو وحدة شحن أخرى أو 2.5 وحدة حسابية عن الكيلوغرام من الوزن الاجمالي للبضائع الضائعة أو المتضررة، ويطبق الحد الاكثر ارتفاعا " مما يتضح معه أن المشرع الجديد قد أضاف التحديد على أساس الوزن ليرفع مبلغ التعويض إلى ما يعادل 4000 درهم عن كل طرد و 12.5 درهم عن كل كيلوغرام من الوزن الاجمالي للبضاعة مضيفا بذلك التحديد على أساس الوزن و في نهاية هاذه النقطة المتعلقة بمبدأ تحديد  المسؤولية يثير اشكالا يتعلق بالتأخير في تسليم البضاعة فإذا كان الناقل البحري لا يستفيد من المبدأ اعلاه إلا إذا تعلق الأمر بخسارة او عوار للبضاعة فهل يحق له التمسك بالمبدأ في حالة التأخير؟ و نقول أن بالاستناد إلى عمومية الفصل 266 من ق ت ب فإنه يوحي بسريانه على حالة التأخير إضافة إلى الهلاك والعوار لكن وحيث أن التأخير في التسليم ليس ضررا في ذات البضاعة بقدر ما هو ضرر يعتري الشاحن او المرسل إليه في نشاطه التجاري وبالتالي ليس للناقل البحري أن يعوض الضرر على أساس التحديد القانوني وإنما وفقا للقواعد العامة للمسؤولية والتي تقضي بمساءلة المدين عن التأخير في تنفيد الالتزام طبقا للفصل 263 ق.ل.ع مع مراعاة ما لحق المتضرر من خسائر حقيقية وما فاته من كسب استنادا إلى الفصل 264 ق ل.ع .

ثانيا: الاستثناءات الواردة على مبدأ تحديد مسؤولية الناقل البحري

 أساس التعويض عن مسؤولية الناقل البحري في الأصل العام يستند على ما هو وارد في سند الشحن، فإذا خلا سند الشحن من تحديد عدد الطرود اعتبرت الحاوية طردا واحدا، غير أن هناك حالات يتم الخروج فيها على هذ الأصل العام وهي: الحالة التي يتم فيها تضمين سند الشحن قيمة البضاعة، حالة عدم تضمين هذا السند بالبيان الصحيح لنوع البضاعة وقيمتها، وكذا الحالة التي يتفق فيه أطراف عملية النقل على رفع التحديد القانوني للمسؤولية وأخيرا حالة الغش والخطأ الجسيم الصادر عن الناقل أو أحد معاونيه، نناقش هذه الحالات اتبعا:

1.    حالة تضمين سند الشحن قيمة البضاعة:

حيث نصت المادة 266 من القانون البحري على أن "الناقل لا يلزم الا بمبلغ 1000 درهم للطرد الواحد ثم أشارت إلى أنه إذا عينت القيمة في تذكرة الشحن فإن المسؤولية تحدد بالقيمة المصرح بها " مما يعني معه أن الشاحن إذا بين قيمة البضاعة في سند الشحن فإن الناقل يلتزم بتعويض الضرر كاملا ويرجع السبب في ذلك إلى أن الشاحن بتضمينه قيمة البضاعة يكون قد نبه الناقل إلى نوع البضاعة المراد نقلها حتى يتخذ الاحتياطات الكافية للعناية بها والحفاظ عليها أو أن يقوم بدوره بالتأمين عليها إذا كانت قيمتها عالية.

2.    حالة عدم تضمين سند الشحن البيان الصحيح لنوع البضاعة وقيمتها:

حيث نصت المادة 269 من ق ت ب على أنه "يعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في الفصل 450 من القانون الجنائي كل شخص خدع أو حاول خداع مجهز السفينة أو تابعيه حول نوع البضائع المشحونة أو قيمتها أو كميتها وذلك بواسطة تصريح صادر عن سوء نية ومدرج في تذكرة الشحن، لكن حيثما كان التصريح الخاطئ صادرا عن حسن نية فإن الجزاء الذي يترتب على ذلك يكون هو وجوب أداء أجرة النقل مضاعفة".

3.    حالة الاتفاق على رفع التحديد القانوني للمسؤولية:

إذ يجوز للناقل البحري الاتفاق مع الشاحن على رفع الحد الأدنى للتعويض المنصوص عليه في الفصل 266 من ق ت ب وبالتالي تشديد مسؤولية في هذا المجال وعلى العكس من ذلك يكون باطلا الاتفاق الذي من شأنه النزول بالمسؤولية عن الحد الادنى لمبلغ التعويض على اعتبار أن الفصل 266 يعد من متعلقات النظام العام .

4.    حالة الغش والخطأ الجسيم الصادر عن الناقل أو أحد تابعيه:

وقد كانت مثار جدل حول ما إذا كان الناقل يستفيد من مبدأ التحديد القانوني للمسؤولية إذا كانت الأضرار التي لحقت البضاعة ناتجة عن الغش أو الخطأ الجسيم، أم تدخل مسؤوليته في نطاق القواعد العامة والتي تفضي بمساءلته عن الضرر بأكمله، وقد استقر فقهيا على أنه لا يجوز للناقل أن يتمسك بمبدأ التحديد القانوني للمسؤولية في حالة الغش الصادر عنه أو عن تابعيه لمنافاة ذلك مع المقتضيات القانونية التي تلزم الناقل البحري بتنفيذ عقد النقل بصدق وامانة، وهكذا بعد تحقق المسؤولية في جانب الناقل البحري تساؤل عن أطراف الدعوى في مواجهته وإجراءاتها.

 

الفقرة الثانية: دعوى المسؤولية في مواجهة الناقل البحري

تخضع دعوى مسؤولية الناقل البحري للقواعد العامة المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية في كافة إجراءاتها، مثل رفع الدعوى والمحكمة المختصة للبت فيها  وكذا أطرافها، وهي ترفع عادة إما من طرف الشاحن أو المرسل إليه ضد الناقل البحري ويحصل في الغالب ان يؤدي المؤمن التعويض عن الضرر الحاصل للبضاعة للمؤمن عليها ليحل محل الشاحن أو المرسل إليه من خلال نقطتين مركزتين هما أطراف دعوى المسؤولية والاجراءات المسطرية لمقاضاة الناقل البحري:

أولا: أطراف دعوى المسؤولية

وهما المدعي الذي يكون عادة الشاحن أو المرسل إليه كما قد يكون المؤمن، والمدعى عليه الذي يكون الناقل البحري أو من يحل محله كما يمكن إدخال مؤسسات لها علاقة بعملية النقل البحري:

المدعي في دعوى المسؤولية :

تقام دعوى المسؤولية أصلا من طرف  الشاحن باعتباره الطرف الاصيل في عقد النقل البحري فإذا تملص الناقل في تنفيذ التزاماته المتمثلة أساسا في إيصال البضاعة سالمة الى ميناء الوصول، كان للشاحن حق مقاضاته ومطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بضاعته.

 كما يمكن أن ترفع دعوى المسؤولية من طرف المرسل اليه باعتباره المستفيد من عقد النقل  وصاحب الحق في تسلم البضاعة وبالتالي مقاضاة الناقل البحري مباشرة بالرغم من كونه ليس طرفا في عقد النقل البحري[10].

 وأخيرا يمكن أن ترتفع دعوى المسؤولية من طرف المؤمن[11] عن طريق حلوله محل الشاحن أو المرسل إليه اذا غالبا ما يقوم هاذين اللأخيرين بالتأمين على البضاعة من اللأضرار التي قد تلحها خلال مرحلة النقل البحري.

المدعى عليه في دعوى المسؤولية :

الأصل أن الطرف المدعى عليه في دعوى المسؤولية يكون هو المتسبب في حدوث الضرر وعليه يكون إما الناقل البحري[12]  وهو الشخص الذي ارتبط مع الشاحن بعقد النقل، لأن الأصل في القواعد العامة أن آثار العقد تنصرف إلى طرفيه وعليه فقد يكون الناقل هو مجهز السفينة أو مستأجرها أو الربان[13] حسب الاحوال التي يتم فيها التوقيع على سند الشحن باعتباره أداة إثبات لعقد النقل البحري.

كما يمكن للمرسل إليه أو مؤمنه أن يوجه الدعوى كذلك ضد مكتب استغلال الموانئ لكون الالتجاء إلى خدمات مقاول الشحن والافراغ بالمغرب يعد إجباريا ويحتكره مكتب استغلال الموانئ[14]،  لذلك فقد تتضرر البضاعة وهي في عهدته مما يؤدي إلى مقاضاته كطرف مدعى عليه ثاني في دعوى المسؤولية أو أن يتم ادخاله في الدعوى[15] من طرف الناقل البحري.

ثانيا: الاجراءات المسطرية الخاصة برفع دعوى المسؤولية:

حرصا من المشرع المغربي على إنهاء المنازعات البحرية الناشئة عن عقد النقل وكذا التخفيف من مسؤولية الناقل خوله دفعا بعدم القبول عند عدم احترام المرسل إليه أو مؤمنه الاجراءات التالية والواردة في الفصل 262 من قانون ت ب والذي ثم تعديله بمقتضى الظهير 17/3/1953 على الشكل التالي :

1.    الاخطار بالهلاك أو التلف داخل الأجل المحدد له :

حيث يقضي الفصل 262 على أنه يجب على المرسل إليه أو مؤمنه إذا ما أراد مقاضاة الناقل البحري والحصول على التعويض أن يعبر عن إرادته بذلك بواسطة إخطار كتابي يوجهه إليه ويشعره فيه بالخصاص أو العوار الحاصل للبضاعة حتى يحاط الناقل علما بالعجز أو العوار المدعى به ويستعد لدفع دعوى التعويض الموجهة ضده، مما يتبين معه أن المرسل إليه أو مؤمنه لا يكون ملزما بإخطار الناقل البحري في حالتي الهلاك الكلي وكذا التأخير في التسليم، لأنه لم يتسلم أصلا البضاعة حتى يمكنه معاينتها لتحديد الخصاص أو العوار، إضافة إلى ذلك قيد المشرع المغربي المرسل إليه ومؤمنه بخصوص تبليغ الاخطار بأجل ثمانية أيام من تاريخ وضع البضاعة تحت تصرفه الفعلي ويعتبر هذا الأجل مسقطا يترتب على عدم احترامه سقوط الحق في رفع الدعوى الخاصة بالتعويض وتتباين هنا أحكام المشرع المغربي مع اتفاقية الامم المتحدة لسنة 1978 بخصوص توجيه الاخطار فإذا كان المشرع المغربي يرتب على عدم الإخطار اعتبار المرسل إليه قد تسلم البضاعة في حالة جيدة وسليمة ويبقى عليه عبئ اثبات أن الضرر الحاصل بها قد حدث وهي في عهدة الناقل البحري وبالتالي لا يسقط حقه في رفع دعوى المسؤولية، وفي هذا الصدد جاء في قرار لمحكمة الاستئناف التجارية بفاس رقم " 744"  الصادر بتاريخ 11-05-2006 ملف عدد591-05 "وحيث ان وثائق الملف تؤكد على ان البضاعة وصلت الى الميناء بتاريخ 11/06/2002 ووضعت رهن اشارة المرسل اليها بتاريخ 12/06/2006 والتي قامت بالتحفظات بمقتضى كتابها مؤرخ في يوم 11/6/2006 طالبت بمقتضاه الشاحن الحضور لعمليات الخبرة المنجزة بتاريخ 12/6/2006 الشيء الذي يؤكد على قيام المرسل اليها بالتحفظات حول العوار الحاصل بالبضاعة داخل الاجل المحدد بالمادة 19 من اتفاقية الامم المتحدة للنقل البحري للبضائع لسنة 1978".

2.     أجل رفع الدعوى :

 يقضي الفصل 262 من ق ت ب والذي وقع تعديله بمقتضى ظهير 17/3/1953 على أنه " لا تقبل أية دعوى تعويض بسبب عوار خصوصي أو هلاك  جزئي .... لم يقع تنظيم احتجاج معلل .....ولم يتبع هذا الاحتجاج بدعوى قضائية داخل اجل 90 يوما...." أي انه يجب على المرسل إليه أو مؤمنه أن يرفع دعوى التعويض داخل أجل لا يتعدى تسعين يوما وتبدأ مدة 90 يوما من اليوم الموالي لتوجيه رسالة الاحتجاج وليس من تاريخ انتهاء أجل الثمانية أيام على توجيه الاحتجاج، ويترتب على عدم احترام المرسل إليه أو مؤمنه المدة المذكورة لرفع الدعوى سقوط الحق في إقامة هذه الدعوى وبالتالي عدم قبولها عند رفعها، وحيث أن مقتضيات الفصل 262 ليست من النظام العام فلا يجوز للمحكمة أن تثيرها تلقائيا، بل لا بد ممن له مصلحة في ذلك أن يتمسك بها.

3.    المحكمة المختصة لنظر دعوى المسؤولية :

ترفع دعوى المسؤولية في مواجهة النقل البحري امام المحكمة المختصة مكانيا ونوعيا وذلك طبقا للقواعد العامة بشأن اختصاص المحاكم كما هو منصوص عليه في قانون المسطرة المدنية، لذلك سوف نركز فقط على خصوصيات الاختصاص القضائي في المادة البحرية مقارنة مع الاختصاص في ظل مقتضيات قانون المسطرة المدنية، فإذا كان الاختصاص النوعي أولا من النظام العام لا يجوز مخالفة قواعده وإذا كان الاختصاص المكاني ثانيا عكس الاول يجوز الاتفاق على مخالفته طبقا للفصل 28 من ق م م على اعتبار أن عقد النقل يعتبر عملا تجاريا وبالتالي يمنح المدعي الخيار بين رفع الدعوى امام محكمة موطن المدعى عليه او المحكمة التي سيقع في دائرة نفوذها وجوب الأداء، أي أمام محكمة موطن الناقل البحري أو امام محكمة الوفاء فإن الامر يصطدم بحالة شرط الاختصاص المضمن في سند شحن أو عقد النقل الذي بمقتضاه يقوم الناقل البحري بمنح الاختصاص للنظر في النزاعات الناشئة عن تنفيذ عقد النقل إلى محاكم اخرى حيث نجد الفقرة 10 من الفصل 264 تنص بأنه " يكون باطلا وعديم الأثر كل شرط مدرج في تذكرة الشحن او في أي سند كان يتعلق بنقل بحري منشأ في المغرب او في بلاد اجنبية تكون غاية مباشرة او غير مباشرة إعفاء المجهز من مسؤوليته او مخالفة قواعد الاختصاص...." الشيء الذي يعني ان الاختصاص المكاني في مادة القانون البحري يصبح هو الآخر من النظام العام ويكون كل شرط مدرج في تذكرة الشحن يرمي إلى مخالفة قواعد هذا الاختصاص باطلا، وعكس ما سبق نجد اتفاقية الامم المتحدة لنقل البضائع بطريق البحر التي نظمت الاختصاص القضائي في المادة 21 تترك الخيار في رفع دعوى التعويض امام :

المركز الرئيسي للمدعى عليه وإن لم يكن فالمحل الاعتيادي لإقامته

أو مكان إبرام العقد بشرط أن يكون للمدعى عليه مقر عمل أو فرع أو وكالة أبرم العقد عن طريقها أو ميناء الشحن او ميناء التفريغ أو أي مكان آخر يعين لهذا الغرض في عقد النقل البحري.

  الشيء الذي يجعل ما قضت به الاتفاقية مقدم في التطبيق على القانون الوطني حيث جاء في قرار لمحكمة الاستئناف التجارية بفاس رقم " 744"  الصادر بتاريخ 11-05-2006 ملف عدد591-05 ما يلي: " وحيث ان اتفاقية الامم المتحدة المذكورة اعلاه موقعة بهامبورغ بتاريخ31/03/78 وصادق عليها المغرب بتاريخ 01/11/92 واصبحت قانونا ملزما داخل التراب الوطني منذ هذا التاريخ وهي بذلك بمثابة قانون وطني لا حق للقانون البحري وبالتالي ترجع في التطبيق على هذا الاخير استنادا لمبدأ القانون اللاحق يرجح عند التعارض على القانون السابق، وتطبيقا ايضا للمادة 24 من الاتفاقية الدولية المذكورة بفقرتها الثانية بخصوص احكام المادة 20 منها".

المطلب الثاني: حالات الإعفاء من المسؤولية

حالات الاعفاء من المسؤولية التي نظمها المشرع المغربي ترجع إما إلى السفينة (الفقرة الأولى) أو إلى القوة القاهرة (الفقرة الثانية) وهو ما يستوجب مناقشة هذه النقط على الشكل التالي:

الفقرة الأولى: حالات الإعفاء الراجعة إلى السفينة

حالات الاعفاء الراجعة إلى السفينة تتمثل في عدم صلاحية السفينة للملاحة بسبب عيوب خفية لا يمكن للناقل البحري اكتشافها إلا بعد بدئ الرحلة البحرية، أو في الأخطاء في الملاحة أو في إدارة السفينة:

أولا: الإعفاء من المسؤولية بسبب عدم صلاحية السفينة للملاحة.

بالرجوع إلى الفصل 213 من ق.ت.ب لسنة 1919 يتضح أن أهم التزام يقع مع الناقل البحري يتمثل في تقديم سفينة صالحة للملاحة ما يعني مساءلته عن كل ضرر يلحق البضاعة بسبب عدم صلاحية هذه الأخيرة، غير أن المشرع عاد في الفقرة الموالية من نفس الفصل فأعفى الناقل من المسؤولية متى اثبت أن عدم صلاحية السفينة يرجع إلى سبب مخفي لا يمكن اكتشافه سوى بعد بدء الرحلة البحرية وهو ما أكدته الفقرة الثانية من المادة الرابعة من اتفاقية بروكسيل لسنة 1924 بحيث أعفت الناقل البحري من المسؤولية بشرط بذل الهمة الكافية واليقظة المعقولة.

من خلال ما سبق يتبين أن إعفاء الناقل البحري بسبب عدم صلاحية السفينة تتخذ إحدى الصور التالية:

1-      إعفاء الناقل من المسؤولية متى أثبت قيامه ببذل العناية الواجبة.

  إعفاء الناقل من المسؤولية متى أثبت قيامه ببذل العناية الواجبة هو المبدأ الذي أسس عليه المشرع الفرنسي والكندي إعفاء الناقل من المسؤولية بسبب عدم صلاحية السفينة للملاحة، حيث ألزما الناقل بالإضافة إلى إثبات التزامه المتمثل في تقديم سفينة صالحة للملاحة، إثبات أنه بذل العناية الواجبة والكافية لجعل السفينة صالحة للملاحة وقد ذهب جانب من الفقه إلى إعفاء الناقل البحري من المسؤولية حتى في حالة وجود عيوب سابقة بالسفينة وإنه يكفي إثبات قيام الناقل ببذل العناية الواجبة والمعقولة[16].

2-      إعفاء الناقل من المسؤولية بسبب العيوب الخفية.

وهي تلك العيوب التي من شانها عدم إمكانية اكتشافها رغم بذل العناية الواجبة لجعل السفينة في حالة صالحة للملاحة قبل الإبحار أو عند البدء فيه.

ثانيا: الإعفاء من المسؤولية بسبب الأخطاء في الملاحة أو في إدارة السفينة.

تنص الفقرة الثانية من الفصل 224 ق.ت.ب على ما يلي: إلا انه يمكن للمجهز أن يتحلل من الأخطاء المرتكبة من طرف الربان أو المرشد أو الملاحين في تنفيذ مهامهم التي تتعلق بالسفينة.

باستقرائنا للفقرة أعلاه يتضح أن المشرع أعفى الناقل البحري من المسؤولية عن الأخطاء في الملاحة وكذا في إدارة السفينة دون الأخطاء التجارية والتي تنصرف إلى شحن ورص وإفراغ البضاعة، والإعفاء من المسؤولية عن الأخطاء الملاحية يجد محله في أن الناقل البحري لا يتدخل فعلا ولا قانونا في قيادة السفينة وسيرها بما للربان من سلطة واسعة في التصرف واستغلال في أداء عملهم وبعدهم عن رقابة الناقل بحيث يصعب عليه متابعة عملهم والإشراف عليهم في عرض البحر[17].

الفقرة الثانية: الإعفاء من المسؤولية الراجعة إلى القوة القاهرة.

يعفى الناقل البحري من المسؤولية عن هلاك أو تلف البضاعة بسبب القوة القاهرة استنادا إلى الفصل 221 ق.ت.ب والذي ينص على ما يلي: يبقى مؤجر السفينة مسؤولا عن هلاك أو عوار يصيب البضائع مادامت تحت حراسته وما لم يثبت وجود قوة قاهرة.

وقد درج الاجتهاد القضائي على تعريف القوة القاهرة في مجال الملاحة البحرية بما يلي: إن الدفع بالقوة القاهرة لا يكون له أساس إلا إذا اثبت الناقل أن الحادث غير متوقع ولا يمكن التغلب عليه، ويدخل ضمن حالة القوة القاهرة الحريق وحوادث الحرب والإضراب عن العمل بالإضافة إلى الإكراه الصادر عن القوة العمومية، غير أن الفقه اشترط شروطا أربعة لابد أن تتوفر للاعتداد بالقوة القاهرة وهي:

1- عدم إمكانية توقع القوة القاهرة من قبل الناقل.

2- استحالة تجنب أو دفع القوة القاهرة.

3- ألا يكون للناقل البحري أو لأحد تابعيه أو مستخدميه يد في حدوث القوة القاهرة.

4- أن تكون القوة القاهرة هي السبب الوحيد في وقوع الضرر.

 

خاتـــــمة

من خلال مقاربتنا لموضوع مسؤولية الناقل البحري في مجال البيع التجاري الدولي للبضائع والتي استهللنا بالتعريف بها، ثم التأسيس لها على مستوى الاتفاقيات الدولية وعلى مستوى التشريع الداخلي وذلك بتحديد نطاقها خصوصا على مستوى الأشخاص والوقوف عند أهم صورها وصولا إلى بعض الآثار التي ترتبها حيث بحثنا هذه الأخيرة على مستوى الدعوى باعتبارها اللبنة الأولى للمطالبة بتعويض الإضرار التي قد تصيب البضائع التي كلف الناقل البحري بإيصالها وكذا بحث المبدأ الذي تقوم عليه هذه المسؤولية، وأخيرا تطرقنا لبعض حالات الإعفاء من المسؤولية والتي ارتأينا أنها تشكل محط اهتمام التشريع والفقه القانونيين.

تبين لنا أن مسؤولية الناقل البحري مؤسسة قانونية قائمة الذات تتجاذبها مجموعة من الإشكاليات، ذلك أن هذه المسؤولية يصعب إفرازها داخل جمع من العلاقات التي تؤطر النقل والنقل البحري بالخصوص حيث يعرف هذا الأخير تدخل مجموعة من الأطراف ذات مراكز قانونية مختلفة ومهمة في نفس الآن، فبالإضافة إلى مؤسسات النقل تدخل في هذه العلاقة: مؤسسات التامين، إضافة إلى مؤسسات ذات طبيعة سيادية، لكون العلاقة التي تجمع هؤلاء ترتبط بذات موضوع محل عقد النقل البحري والذي يعتبر العمود الفقري لاقتصاد الدول.

ولما كان نقل البضائع يتم على ظهر سفينة تعبر المياه الإقليمية لمجموعة من الدول فإن هذا الأمر يولد مجموعة من الإشكاليات لعل أهمها القانون الواجب التطبيق عند حدوث حادث نقل بحري على مستوى المياه الإقليمية لإحدى هذه الدول، وإن كانت اتفاقية هامبورغ لسنة 1978 نظرت إلى مسؤولية الناقل البحري بنوع من المرونة خصوصا على مستوى الإثبات حيث جعلت من مسؤولية الناقل البحري مسؤولية مفترضة قابلة لإثبات العكس، ولئن كان المشرع المغربي قد صادق على هذه الاتفاقية فان بعض المحاكم تطل علينا باجتهادات لا تعكس رغبة المشرع الداعية إلى الانفتاح وخلق فرص للاستثمار، الشيء الذي نرى معه ضرورة تدخل المشرع للحسم في هذه الجوانب.

 

 

المراجع المعتمدة :



[1][1] - قرار بتاريخ 11/2/1987 عدد312 ملف مدني رقم 94.213 غير منشور.

[2] - قرار لمحكمة الاستئناف بالبيضاء بتاريخ 4/2/1986رقم 221 ملف عدد 1302/84

[3] - قرار بتاريخ 25/6/1986 رقم 1588 ملف عدد 93155 غير منشور. 

[4] - قرار بتاريخ 5/4/1986 رقم 975 ملف عدد 91009 غير منشور

[5] - قرار محكمة الاستئناف بالدار البيضاء صادر بتاريخ 1-7-1986

[6] - في هذا الصدد جاء في قرار لمحكمة الاستئناف التجارية بفاس رقم " 1548"  الصادر بتاريخ 27-12-2005   ملف عدد 1051-05 ما يلي: " لكن حيث ان الثابت بالاطلاع على وثائق الملف ان المستانف عليها ادلت ببيان تسوية الخسائر ووصل الحلول وبذلك انتقلت اليها بقوة القانون وعن طريق الحلول جميع الحقوق والدعاوى التي يملكها المؤمن له طبقا للفصل 367 من القانون البحري وان تقرير الخبرة اكد وجود الرياح الشرقية وقت افراغ البضاعة من ظهر الباخرة وليس خلال عملية النقل البحري كما ان وثيقة الشحن البحري لا تحتوي على أي تحفظ من طرف الناقل البحري وبذلك تبقى مسؤوليته قائمة منذ تسلمه البضاعة من ميناء الشحن وخلال عملية النقل الى غاية ميناء الافراغ وذلك عن الخسارة الناتجة عن هلاك البضاعة لوجودها في عهدته مادام لم يثبت انه قد اتخذ هو او مستخدموه جميع ماكان يلزم اتخاذه بشكل معقول من تدابير لتجنب الحادث وتبعاته عملا بالمادتين 4 و 5 من اتفاقية الامم المتحدة للنقل البحري للبضائع لسنة 1978 او مايعرف بقواعد هامبورغ والتي انضم اليها المغرب.

وحيث ان تطبيق  مبدأ ضياع الطريق يعد بدوره مردودا لكون الخبرة المنجزة في الموضوع اكدت ان الخصاص مصدره الناقل البحري الذي لم يكلف نفسه عناء التاكد من الوزن الحقيقي للبضاعة ساعة شحنها وساعة افراغها وبالتالي فالضياع لا يمكن ايعازه الى ضياع الطريق.

[7] - قرار استئنافية الدار البيضاء بتاريخ 14/02/1989

[8] - وقد استند هذا الموقف على ما ينص عليه الفصل 266 من القانون البحري لسنة 1919 الذي تم تعديله بمقتضى ظهير 16/9/1954 انه " إذا لم تتضمن تذكرة الشحن تعيين القيمة (قيمة البضاعة ) فإن مسؤولية المجهز والربان تحدد في 1000 درهم عن كل طرد وذلك بالرغم من كل اتفاق مخالف، أما إذا عينت القيمة في تذكرة الشحن فإن مسؤولية تحدد بالقيمة المصرح بها " باستقرائنا لهذا النص نلاحظ أنه يجوز للناقل البحري التمسك بمبدأ التحديد القانوني للمسؤولية وتحديد التعويض في مبلغ 1000 درهم لكل طرد إذا لم يتضمن سند الشحن قيمة البضاعة ويعتبر هذا التعويض حدا ادنى بالنظر لما يمكن الاتفاق عليه وحدا اقصى لما يمكن أن يحكم به القاضي، والنص اعلاه خلق مجموعة من الإشكاليات القانونية حول مفهوم الطرد كونه الاساس لحساب التعويض.

[9] - وهو الشخص الذي يعهد إليه الناقل المتعاقد بتنفيذ عقد النقل.

[10] - وهو ما ادى الى ظهور ثلاث اتجاهات فقهية حول التكييف القانوني لحق المرسل اليه المباشر تجاه الناقل: منها من رأى أنه مجرد اشتراط من الشاحن لمصلحة المرسل اليه في عقد النقل بمقتضاه يكون للمرسل اليه حق مباشر من قبل المتعهد بتنفيذ الاشتراط، كما أن هناك نظرية أخرى أسست حق المرسل اليه المباشر تجاه الناقل على فكرة النيابة الناقصة حيث أن الشاحن يتعاقد مع الناقل باسمه ولكن لحساب أو لاذن المرسل اليه وبالتالي يعتبر الشاحن نائبا عن المرسل اليه، أما النظرية الحديثة فتأسس حق المرسل اليه على فكرة تمثيل سند الشحن للبضاعة ومقتضاها أن المرسل اليه يكتسب حقا مباشرا في مواجهة الناقل بسبب توقيع هذا الأخير سند الشحن وموافقته على تسليم البضاعة الى حامل هذا السند.

[11] - شركات التأمين حيث تقوم هذه الأخيرة بتعويض المرسل اليه وتحل محله في الرجوع على الناقل البحري بدعوى المسؤولية، ويكون ذلك موضوع شرط مدرج في عقد التأمين وهوما يجد أساسه  في الفصل 367 ق ت ب الذي ينص "ان أداء المؤمن التعويضات الملقاة على عاتقه ينقل اليه بقوة القانون وعن طريق الحلول جميع الحقوق والدعوات التي يملكها المؤمن له ضد الغير، بسبب الخسائر والعواريات التي استوجبت هذا اللأداء، كما أنه تجوز للمؤمن الملزم بأداء الخسائر والعواريات التي تقع مسؤوليتها على الغير، أن يطالب هذا الأخير باسمه الخاص حتى ولو كان الاداء من طرفه لم يقع بعد.." حيث جاء في قرار لمحكمة الاستئناف التجارية بفاس رقم " 1471"  الصادر بتاريخ 06-12-2005  ملف عدد331-05 ما يلي " حيث يتبين حقا بالرجوع الى محتويات الملف ان صفة الجهة المستأنفة ثابتة من خلال شهادة التامين المرفقة بالمقال الافتتاحي كما انه من الثابت من اوراق الملف ان الحمولة التي امنتها الجهة المستأنفة قد لحقها فعلا خصاص حسب الثابت من تقرير الخبرة المضاف للملف الا ان مبلغ التعويض المستحق عن ذلك حسبما يستفاد من بيان التسوية ينحصر 53650 درهم ومتى كان ذلك ولما كانت الجهة المستأنفة قد حلت محل مؤمنتها طبقا لمقتضيات القانون البحري فانه يبقى من حقها مطالبة المستأنف عليه ربان الباخرة باعتباره وكيلا عن الناقل وممثلا له بمبلغ التعويض اعلاه بالإضافة الى مصاريف الخبرة المنجزة بمناسبة النزاع والتي تقدر حسب الوصل الصادر عن الخبير المنتدب ب19600 درهم أي ما مجموعه 73250 درهم بينما يبقى الطلب بما زاد عن ذلك غير مؤسس لعدم وجود ما يثبته .

[12] - شركات الملاحة التي لها صفة الناقل البحري

[13] - بصفته وكيلا عن الناقل البحري وممثلا له في تنفيذ الرحلة البحرية، وفي هذا الصدد جاء في قرار لمحكمة الاستئناف التجارية بفاس رقم " 1161"  الصادر بتاريخ  29-09-2005  ملف عدد  330-05 مايلي "..... وحيث انه من المقرر قضاء وفقها ان ربان الباخرة يعتبر ممثل شرعيا لمالكيها ومجهزيها ومستأجريها وبالتالي يجوز مقاضاته بهذه الصفة"

[14] - مؤسسة عمومية أحدثت بمقتضى الظهير الشريف 28/12/1984 وقد منحها المشرع  المغربي حق احتكار عمليات الشحن والافراغ في أهم الموانئ

[15] - نشير إلى أنه يجب إدخال مكتب استغلال الموانئ منذ رفع الدعوى حيث جاء في قرار لمحكمة الاستئناف التجارية بفاس رقم " 1548"  الصادر بتاريخ 27-12-2005 ملف عدد1051-05 ما يلي " وحيث ان التذرع بمسؤولية مكتب استغلال الموانئ لا يمكن الالتفات اليه لأنه ليس طرفا في النازلة ولم يتم ادخاله من طرف الناقل البحري في الطور الابتدائي".

[16] - بالمقابل ذهب اجتهاد قضائي بخلاف ذلك ففي نازلة أصيبت فيها البضاعة بتلف نتيجة عطب في أجهزة التبريد خلال الرحلة البحرية صرحت خلالها المحكمة بمسؤولية الناقل البحري بعلة أنه كان عليه اتخاذ كافة الاحتياطات من أجل ضمان سير سليم للمحرك خاصة وأن السفينة سبق أن تعرضت لعطب مشابه قبل أقل من سنة على ذلك، ويمكن للناقل إثبات قيامه ببدل العناية الواجبة قبل الإبحار أي عند البدء فيه بكافة طرق الإثبات بما في ذلك شهادة المعاينة بالصلاحية عن الإقلاع والتي تسلم من طرف شركات متخصصة.   

[17] - في هذا الشأن جاء في قرار لمحكمة الاستئناف التجارية بفاس رقم " 744"  الصادر بتاريخ 11-05-2006 ملف عدد591-05 ما يلي: " وحيث ان الخبرة قد انجزت مباشرة بعد تسليم البضاعة واكدت على انه اثناء عملية الافراغ تم نقل البضاعة على الرصيف بصورة سريعة عبر قاطرات ذات شوكات "à Fourches " وان هذه السرعة احدثت عدة اضرار بالبضاعة، أي ان بعض الاضرار اللاحقة بالبضاعة نتجت بفعل مستخدمي المستأنفة، والتي لم تبادر بالقيام باي تحفظات اثناء الافراغ وتحت الروافع الامر الذي يجعلها تتحمل المسؤولية المحكوم بها".

بقلم ذ محمد بزطامي
محمد بزطامي باحث بصف الدكتوراه جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء
 


أعلى الصفحة