القانون المدني- المسطرة المدنية

بقلم ذ مولاي حفيظ علوي قاديري
دكتور في القانون الخاص تخصص قانون الأعمال أستاذ بكلية الحقوق مراكش
تحت عدد: 308
تكريسا لدولة القانون، أكد الدستور الجديد على الوفاء

لاختيار بناء دولة ديموقراطية يسودها الحق والقانون ترتكز على المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة والتضامن والأمن والحرية والمساواة وتكافؤ الفرص وحقوق وواجبات المواطنة.

وفي هذا السياق تم التأكيد بقوة على مبدأ المساواة أمام القانون والتزام جميع الأشخاص والسلطات العمومية بالامتثال له مع التزام هذه الأخيرة بالعمل على توفير الظروف الملائمة لتفعيل حرية المواطنين والمساواة بينهم ومشاركتهم في الحياة العامة واعتبار دستورية ونشر القواعد القانونية كمبادئ ملزمة.

وبالموازاة، جاء التكريس الدستوري لكافة الحريات و الحقوق الأساسية القضائية:

v               ضمان قرينة البراءة والحق في المحاكمة العادلة.

v               الحماية القضائية والأمن القضائي.

v               ضمان حق التقاضي لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون.

v               حق الطعن في كل قرار إداري تنظيمي أو فردي أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة.

v               ضمان الحق في محاكمة عادلة وفي حكم يصدر داخل أجل معقول.

v               ضمان حقوق الدفاع أمام جميع المحاكم.

v               ضمان مجانية التقاضي.

v               ضمان حق التعويض على الخطأ القضائي.

v               وجوب تعليل الأحكام وصدورها في جلسات علنية.

v               تكريس الحق في الحصول على المعلومات مع الالتزام بعدم جواز تقييده إلا بمقتضى قانون.

v                منع إحداث محاكم استثنائية.

كما شهدت العشرية الأخيرة انطلاقة أوراش إصلاح كبرى اختارت عبرها المملكة المغربية نهج الديموقراطية والانفتاح الاقتصادي.

وفي هذا الإطار تم تطوير إدارة إلكترونية تمهد لانتقال المسطرة من الورق إلى الشاشة. وكذا تبسيط واختصار المساطر الإدارية بموازاة مع تخليق شامل للحياة العامة. فكان ورش تحديث الإدارة القضائية من أجل:

تحديث الإدارة القضائية:

ü                تهيئ البنيات التحتية التقنية.

ü                إعداد نظم معلوماتية لتدبير الشؤون الداخلية.

ü                إعداد محتوى وقواعد بيانات تهم جل الشرائح المستهدفة.

ü                إنشاء شبابيك الإعلام.

ü                أزيد من 40 محكمة متصلة بشبكة الانترنت ومجهزة بشبابيك الإعلام وكذا حاسوب وضع رهن إشارة المرتفق لولوج المعلومات التي تهم ملفاته.

ü                أزيد من 25 خدمة على الخط، قارة أو تفاعلية تهم: السجل التجاري، تتبع معالجة الملفات الشخصية، تتبع مساطر كتابة الضبط، تتبع معالجة الشكايات، إنشاء مكاتب الوسيط.

ü                الوضع على الخط لطلب وثيقة الزواج والجنسية وعقد السجل العدلي.

تخليق العمل القضائي:

ü                التفتيش القضائي.

ü                الزيارات التفقدية.

ü                مراقبة وتقييم النشاط المهني للموظفين.

ü                مراقبة شعب الحسابات والصندوق والمحجوزات الثمينة ومكاتب التبليغ والتنفيذ الزجري.

تعميم الإعلام القانوني والقضائي:

ü                تحيين النصوص القانونية

ü                استعمال التكنولوجيا الحديثة

ü                المنشورات القانونية

ü                الاهتمام بشكايات الموظفين.

فلكي يمنح المشرع قضاء فعالا وذا جودة عالية، عمل - المشرع المغربي- على إدخال مجموع من التعديلات على القوانين، تتعلق هذه الأخيرة بقانون الشركات ومدونة التجارة ومدونة التأمينات وقانون حرية الأسعار ومدونة الأسرة، ومدونة الشغل، والمساطر الجنائية والمدنية، والقانون الجنائي والمدني، وغيرها من القوانين.

أما على المستوى العمودي للقضاء، فقد سهر المشرع على اعتماد مبدأ التخصص في الفصل في القضايا، فقد تم إحداث محاكم إدارية و تجارية و محاكم استئناف إدارية وتجارية، وأقسام لقضاء الأسرة وقضاء القرب.

كذلك، لمواجهة ظاهرة البطء التي يسير بها العمل القضائي، أدخلت وزارة العدل نظام المعلوميات لمختلف المحاكم قصد الانفتاح على قضاء العالم و القوانين المقارنة، كل ذلك من أجل مواكبة المرحلة وتحديث الآلة القانونية للقاضي لكي يوظفها في عمله، تحقيقا للأمن القضائي المنشود وبالجودة المطلوبة.

وتأتي هذه الندوة العلمية، كمناسبة لتسليط مزيد من الضوء وكذا لعرض أطروحات أخرى، في إطار إغناء النقاش وتنويعه، بخصوص محددات هذا القانون مكونان كانت أم مقومات. وكذا جل المبادئ الذي حكمته ولا زالت تحكمه. والبحث، بالتالي، في مدى نجاح المشرع المغربي، من خلال هذه المحاولة في الإجابة عن التحديات الجديدة للتشريع، باعتباره الوسيلة القانونية الوحيدة لمساعدة بلدنا في النجاح في تحقيق الأمن القضائي. وتحصين مكسب دولة الحق والقانون. ومتطلبات عدالة القرن الواحد والعشرين.  وذلك ما سنحاول تلمسه، عبر المحاور التالية:

المحور الأول: مستجدات مسودة مشروع قانون التنظيم القضائي ومسألة استقلال القضاء.

يعتبر مبدأ استقلال القضاء من الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، ومعنى ذلك أن تصدر الأحكام عن سلطة قضائية مستقلة ومحايدة ومشكّلة بحكم القانون، وبالتالي فهو يعتبر رهانا قويا لتوفير أمن قضائي بجودة عالية للمترفقين - أي المترددين على مرفق القضاء -، و استقلال القضاء هو مبدأ دستوري وعالمي عملت جلّ الدساتير على الاخذ به.

والمقصود باستقلال السلطة القضائية ليس فقط قضاة الأحكام بل المقصود حتى قضاة النيابة العامة.

إن مهمة القضاء هي السهر على التطبيق السليم للقانون، فهو ينقل القاعدة القانونية من حالة السكون إلى الحركة ، لكن هذا التطبيق المنشود رهين بسلامة الترسانة القانونية، فالأمن القضائي لن يتأتى إلا باستعمال المادة القضائية بطريقة سليمة.

لذلك مع مسودة مشروع جديد لقانون التنظيم القضائي للمملكة، نطرح السؤال عن مدى نجاح المقتضيات الجديدة، وحتى تلك القديمة والتي تم الاحتفاظ بها في الصيغة الجديدة، في شيوع الإحساس بالثقة في المؤسسة القضائية؟ وهل سينجح المشروع، في حالة ما تمّ تمريره في قبّة البرلمان، في إبعاد القضاء عن أي تدخل خارجي يمكن أن يضر بحقوق الناس وحرياتهم، ما دام أن استقلال السلطة القضائية هو ضرورة واستراتيجية قانونية لبناء دولة الحق وتوفير الأمن القضائي؟

المحور الثاني: مستجدات مسودة مشروع قانون التنظيم القضائي ومسألة الحكامة الجيدة

إن غالبية الدراسات التشخيصية المرتبطة بالجهاز القضائي أجمعت على وجود عدة اختلالات، تأثر وبشكل سلبي على مردودية وفعالية الجهاز القضائي، خاصة في ظل غياب معايير موضوعية لمراقبة الأحكام وتوزيع القضايا، وكذا التأخير الملحوظ في البت في القضايا، إضافة إلى عقبات التنفيذ.

وتقييم مسألة الحكامة الجيدة ضمن أي منظومة أو نظام قضائي، تتركز بالأساس، على اعتبار هذا الأخير وسيلة مهمة لتحقيق غاية رئيسية هي التنمية المستدامة.

وإذا كان المغرب قد بادر باتخاذ إصلاحات لتعزيز الحكامة الجيدة، خاصة على مستوى تحسين محيط الأعمال والاستثمار، وتحديث التدبير العمومي. فإن التساؤل يستمر لينسحب على مسلسل الإصلاح التشريعي، والذي يعني بخاصة، إصلاح منظومة القضاء والعدالة.

وبالتالي لا تفوتنا المناسبة، ونحن ندرس ونناقش مسودة مشروع قانون من الأهمية بما كان في النجاح ببلدنا لتحقيق تحقيق الأمن القضائي. وتحصين مكسب دولة الحق والقانون. ومتطلبات عدالة القرن الواحد والعشرين. أن نتساءل عن حدود النجاعة القضائية في نصوص هذا المشروع والتي ستساعد في بلوغ الأهداف التي سطرها واضعو المشروع، وهي، كالتالي:

ü     تأهيل الهياكل القضائية والهياكل المساعدة.

ü      إعادة النظر في الخارطة القضائية للمملكة.

ü     تخليق العمل القضائي.

المحور الثالث: مستجدات مسودة مشروع قانون التنظيم القضائي والأمن القضائي.

يعتبر الأمن القضائي إحدى الوظائف الأساسية للدولة، فبدونه لا يمكن إقرار أية حماية للحقوق أو ضمان أي استقرار للمعاملات وبالتالي تحقيق أية تنمية كيفما كان نوعها. ولعل هذا هو مغزى وسياق الخطاب الملكي الذي جاء فيه في منطوقه: " يتعين على الجميع التجنّد لتحقيق إصلاح شمولي للقضاء لتعزيز استقلاله الذي نحن له ضامنون، هدفنا ترسيخ الثقة في العدالة وضمان الأمن القضائي الذي يمر عبر الأهلية المهنية والنزاهة والاستقامة وسيلتنا صيانة حرمة القضاء وأخلاقياته ومواصلة تحديثه وتأهيله...".

إن موضوع الأمن القضائي هو من المواضيع التي تحتفظ براهنيتها الممتدة في الزمن المستقبل، فهو مقياس أصيل في بناء دولة الحق والقانون وسيادة ثقافة حقوق الانسان والحكامة الجيدة في تدبير الشأن العام عموما والشأن القضائي على وجه الخصوص.

وبدون أن يكون هناك أمن قضائي لا يمكن لمناخ التنمية أن ينمو، باعتباره المحرك الديناميكي الذي يضمن الحقوق، ويوفر الأمن، والأمان والاستقرار، وهذا ما يراهن عليه المغرب حالا، في إصلاح القضاء لتحقيق سرعة التنمية، ولمواجهة العولمة التي أصبحت قاب قوسين، أو أدنى، لتحتل العالم بنظرياتها، وتطبيقاتها، التي تراعي فيها مصالحها الذاتية.

المحور الرابع: مسودة مشروع قانون التنظيم القضائي والقضاء المتخصص.

لقد كان للمحاكم المختصة دور كبير في جلب الاستثمار، بحيث ثم إحداث محاكم إدارية و محاكم استئناف إدارية ومحاكم تجارية ومحاكم استئناف تجارية، وغني عن البيان أن الدور الذي أصبحت تلعبه المحاكم المختصة عموما والمحاكم التجارية على وجه الخصوص في الدفع بعجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وذلك من خلال الضمانات التي تمنحها هذه المحاكم على مستوى فض المنازعات المعروضة عليها والتي تتسم بالسرعة والفعالية و الاحترافية، لأن مجال المال والأعمال من الأمور التي تعرف نوع من الحركية و السرعة في التداول.

علما أن المحاكم التجارية على مختلف درجاتها لا تساهم فقط في جلب الاستثمار واستقطابه، وإنما تلعب دورا مهما في تثبيته من خلال اختصاصها الأصيل في مادة صعوبة المقاولة، وإن لم تشر إليه صراحة المادة 5 من القانون المحدث للمحاكم التجارية و الخاصة بالاختصاص النوعي،

وتجدر الإشارة إلى أن عدد المحاكم الابتدائية التجارية في المغرب هو 7 محاكم ، موزعين بين الرباط والدار البيضاء، فاس، مراكش، طنجة، مكناس، أكادير، أما محاكم الاستئناف التجارية لم يتجاوز عددها ثلاث محاكم متواجدة في كل من الدار البيضاء، فاس، مراكش، على أن النقض في الأحكام التي تصدر من طرف هذه المحاكم يتم على مستوى الغرفة التجارية لمحكمة النقض.

وعليه، هل كان المشرع المغربي موفقا في التقسيم الذي خص به المحاكم التجارية؟ وهل كان هذا التقسيم منسجما مع عدد الجهات الاقتصادية بالمملكة؟ كما تم تهميش المركز على حساب الجهة على مستوى المحاكم التجارية بالدار البيضاء، و هو ما أدى إلى تمركز الاستثمار في مناطق دون أخرى كالقطب الاقتصادي ( الدار البيضاء – طنجة – أكادير) ما انعكس سلبا على التنمية الاجتماعية في المناطق المهمشة. فكيف عالج المشرع المغربي هذه الجملة من الاختلالات الوظيفية لقانون من الأهمية بما كان. ومن المفروض في نصوصه أن تجسد العلاقة الوطيدة بين إعادة تأهيل المؤسسات وتحديث الإدارة بغاية الرفع من جاذبية وتنافسية الاقتصاد الوطني كرافعة أساسية لا محيد عنها لتنمية بشرية مستدامة، ولمواكبة التحولات الوطنية والدولية.

بقلم ذ مولاي حفيظ علوي قاديري
دكتور في القانون الخاص تخصص قانون الأعمال أستاذ بكلية الحقوق مراكش
 


أعلى الصفحة