القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ علال البصراوي
محام و رئيس اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان
تحت عدد: 85

معلوم أن قانون المسطرة الجنائية أو قانون الإجراءات الجنائية يهتم بمستويات ثلاث : البحث عن مرتكب الجريمة – الحكم عليه، ثم تنفيذ العقوبة المحكوم بها . وبهذا المعنى، فإن المسطرة الجنائية هي التي تمنح الحياة للقانون الجنائي الذي إن وجد، فإن تطبيقه يحتاج إلى إجراءات ومساطر ومؤسسات تنظمها المسطرة الجنائية . وهي في كل ذلك، تعمل لتحقيق معادلة أساسية في تحقيق العدالة  : ضمان حقوق المجتمع في إنزال العقاب المناسب على المجرم بشكل يحقق الردع الخاص والردع العام من جهة، ومن جهة ثانية ضمان حقوق الفرد الذي وإن اتهم بارتكاب جريمة، إلا أنه يبقى بريئا إلى أن تثبت إدانته بحكم نهائي مع ما يقتضيه ذلك من حمايته من التعسفات وضمان حقوقه في كل المراحل. وقد شكل تحقيق هذه المعادلة على الوجه المطلوب تحديا دائما لكل المجتمعات عبر أنظمتها القانونية لضمان ذلك التوازن الحكيم بين الفعالية في ضبط الجريمة ومعاقبة مرتكبيها وحماية الفرد وضمان حقوقه.


وعلى أساس هذه المعادلة، انقسمت الأنظمة القانونية للمسطرة الجنائية وتطورت بين النظام التحقيقي والنظام الاتهامي، ثم إلى المزج بينهما .

فإذا كان النظام التحقيقي يتسم بإهمال دور الضحية في الدعوى وبالمبالغة في السرية أثناء إنجاز الإجراءات منذ اللحظات الأولى للتعاطي مع مرتكب الفعل أو المشتبه فيه، مما يفتح الباب أمام الخروقات والتعسفات في حقه، فإن النظام الاتهامي على عكس ذلك، يتميز بضمانات أكبر تميزها خاصة العلنية والشفاهية وبوضع متميز للمتضرر الذي يضعه هذا النظام في موقع الخصم للمتهم يكون له دور في كل مراحل الدعوى .

وبذلك اعتبر هذا النظام – وهو المعتمد في غالبية القضاء الأنكلوسكسوني – اعتبر أكثر ضمانا لتحقيق المعادلة السابقة وأكثر حماية وتحقيقا للحقوق والحريات .

و قد عمد المشرع المغربي مثل كثير من الدول الأخرى، إلى اعتماد نظام مختلط في قانون المسطرة الجنائية الحالي، إذ مزج بين النظام الاتهامي بما يتيحه من علنية وشفاهية وبوضع متميز للضحية، وبين النظام التحقيقي باعتماده على السرية وعدم منح الضحية إمكانيات أكبر في سير الدعوى.

فهل حافظ مشروع المسطرة المطروح للنقاش على الخاصيات نفسها، أم أنه اختار الرجوع أكثر إلى النظام التحقيقي ؟.

نشير بداية إلى أنه وإن كانت مناقشة المسطرة الجنائية تتم عادة وفق المبادئ العامة للعدالة الجنائية ومقتضيات ومبادئ حقوق الإنسان، فإن مناقشة المشروع الحالي، ينبغي أن تتم فضلا عما ذكر مراعية للسياق الذي يأتي فيه هذا المشروع والمتسم أساسا بـ :

أولا : مرور أزيد من عقد على تطبيق القانون الحالي .

مرور أزيد من عقد من الزمن على تطبيق القانون الحالي للمسطرة الجنائية وهي مدة كافية لإخضاعه للتقييم.

 حيث اتضح فعلا أنه لا يمثل مطمح المهنيين ومجموع الحقوقيين في توفير شروط المحاكمة العادلة  وما يليها من تنفيذ للعقوبات. وهكذا بقيت المحاكمات تتم على أساس محاضر الضابطة القضائية بحجية  شبه مطلقة وسلطات واسعة للنيابة العامة وقضاء للتحقيق غير فعال ولا تأثير له على سير المسطرة، مما طرح السؤال عن ضرورة وجوده أصلا.

أما مؤسسة الصلح بين الخصوم التي أفرد لها هذا القانون حيزا مهما، فقد ظلت مجمدة ولم تفعلها النيابة العامة، ما جعل المحاكم تغرق في عشرات الآلاف من الملفات التي كان يمكن إنهاؤها بالصلح أمام النيابة العامة، مع ما يترتب على ذلك من ضياع للوقت والجهد والمال والتأثير على جودة الأحكام .

ورغم أن ديباجة القانون الحالي اعتبرت أن من مستجدات هذا القانون وضع بدائل للاعتقال الاحتياطي، إلا أن الممارسة أبانت عن عدم وجود أية بدائل، وإن الاعتقال الاحتياطي ظل ثابتا في ممارسة النيابة العامة لسلطاتها، الأمر الذي كان له بالغ الأثر على الوضعية السيئة للسجون نتيجة اكتظاظها بالمعتقلين احتياطيا (حوالي نصف نزلاء السجون معتقلين احتياطيا – أنظر تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان في الموضوع - ) .

مما يحول دون أداء المؤسسة السجنية لوظائفها في الإصلاح والتهذيب و يجعل النزلاء محرومين من كثير من الحقوق المضمونة لهم بالقوانين والمواثيق الدولية ذات الصلة .

كما اتسم تطبيق هذا القانون بعدم التوازن بين المتهم والضحية الذي ظل موقعه هامشيا ولا يحظى بأية حماية. كما أن وضعيته في مرحلة المحاكمة وما بعدها ظلت ضعيفة .

ورغم النقاشات التي سبقت وضع القانون الحالي بخصوص نظام الامتياز القضائي وأنه يكرس الإفلات من العقاب الأمر الذي لم يعد مقبولا في المغرب الراهن، إلا أن هذا القانون كرس هذا النظام نصا وتطبيقا.

تلكم إذن بعض ملامح القانون الحالي للمسطرة الجنائية على ضوء تطبيقه خلال أزيد من عقد من الزمن، والتي كانت وراء التفكير في تعديله إضافة إلى اعتبارات أخرى .

ثانيا : دستور 2011

صدور دستور يوليوز 2011 والذي جاء  كصك  للحقوق مكرسا لكثير من المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة، خاصة بدعمه لاستقلال القضاء وجعله سلطة مستقلة خصها بباب خاص (الباب السابع : السلطة القضائية –استقلال القضاء ) وجعل الملك هو الضامن لتلك الاستقلالية، بل إن تصدير الدستور جعل من مرتكزات الدولة : الحكامة الجيدة وإرساء مجتمع يتمتع فيه الجميع بالكرامة والمساواة مؤكدا تشبث المغرب بحقوق الانسان كما هي متعارف عليها عالميا، مع مراعاة الطابع الكوني لتلك الحقوق وعدم قابليتها للتجزيء .

ونص الدستور صراحة على أن قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة مضمونان وأن الاعتقال التعسفي أو السري من أخطر الجرائم وتعرض مرتكبيها لأقسى العقوبات. وجعل التعذيب بكافة أشكاله، ومن قبل أي أحد جريمة يعاقب عليها القانون وأنه لا يجوز لأحد أن يعامل الغير – تحت أي ذريعة – معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية.

بعد أن كان الدستور السابق يجعل أعضاء  الحكومة يحاكمون أمام المحكمة العليا، فإن الدستور الحالي نص على أن أعضاء الحكومة مسؤولون جنائيا أمام محاكم المملكة عما يرتكبون من جنايات وجنح أثناء ممارستهم لمهامهم. إذن في ظل هذا الدستور الذي جاء ناصا على كل هذه المبادئ والضمانات، يطرح اليوم مشروع قانون المسطرة الجنائية ، فهل تمثل واضع المشروع تلك المبادئ والضمانات الدستورية ؟ .

ثالثا : تقرير هيأة الإنصاف والمصالحة

مشروع قانون المسطرة الجنائية يأتي بعد تقرير هيأة الإنصاف والمصالحة التي أنهت أشغالها في نونبر 2005 وقدمت تقريرها الختامي للملك الذي أشاد في خطابه بتاريخ سادس يناير 2006 « بالجهود المخلصة للهيأة رئاسة وأعضاء» وكلف المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بتفعيل توصياتها ودعا كافة السلطات العمومية إلى التعاون المثمر مع المجلس .

وقد هم جزء من توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة المؤسسة القضائية، وتحديدا العدالة الجنائية التي تعتبر المسطرة الجنائية أحد عناصرها.

وفي هذا السياق، وبقدر ما اهتمت توصيات الهيأة بمبدأ البراءة كأصل ومبدأ الشرعية والكرامة، اهتمت بمبدأ المساواة أمام القضاء. ولا شك أن ذلك يعني مباشرة إلغاء أي نظام للامتياز من شأنه التفريق بين المتقاضين أمام المحاكم. ومن تم ينبغي حذف نظام الامتياز القضائي .

وهو ما جاء صراحة في دراسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول ملاءمة المسطرة الجنائية مع مبادئ حقوق الإنسان، والتي أعدها الأستاذ محمد الإدريسي العلمي المشيشي لفائدة المجلس .

وإذا كان دستور 2011 جسد تلك التوصية المتعلقة بالمساواة من خلال إلغاء المحكمة العليا ، فكيف تعاطى مشروع المسطرة الجنائية مع الأمر؟

رابعا : ميثاق إصلاح منظومة العدالة .

المشروع الحالي للمسطرة الجنائية هو أول قانون مهم تطرحه وزارة العدل بعد صدور ميثاق إصلاح منظومة العدالة الذي أشرفت عليه الوزارة ذاتها .

وضمن هذا الميثاق أعلن أعضاء الهيأة العليا للحوار الوطني – التي أعدت الميثاق – أنهم يقترحون على وجه الخصوص التوجيهات الجوهرية التالية:

« ... -6- إعادة النظر في آليات وشروط اشتغال الضابطة القضائية مع مزيد من تفعيل مراقبتها من طرف النيابة العامة».

وخصص الميثاق الهدف الفرعي الرابع لـ «تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة»، وذلك من خلال :

- مراجعة الضوابط القانونية لوضع الأشخاص تحت الحراسة النظرية وذلك باعتماد معايير أكثر دقة ووضوح .

وتعزيز مراقبة النيابة العامة لمدى تمتع المشتبه فيهم بحقوقهم، سيما بالمساعدة القانونية والقضائية خلال مرحلة البحث التمهيدي وتقوية مراقبتها لمدى احترام كرامة وإنسانية الأشخاص المستجوبين أثناء فترة الوضع تحت الحراسة النظرية .

وترشيد الاعتقال الاحتياطي من خلال إخضاعه لضوابط واضحة ومحددة وعدم اللجوء إليه إلا في حالة  الضرورة وتقليص مدده وتقليل القرارات المتعلقة به مع العمل على جعل هذه القرارات قابلة للطعن أمام جهة قضائية  بشروط يحددها القانون .

هذا بعض مما انتهى إليه الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة وما اقترحته الهيأة العليا.

و بالنظر إلى الأهمية التي أعطيت لذلك الحوار على كافة المستويات، فإنه يفترض أن تترجم توصياته ومقترحاته فيما يصدر بعدة من قوانين .

فهل كان الأمر كذلك بالنسبة لمشروع المسطرة الجنائية، أي هل وجدت تلك التوصيات والمقترحات أي صدى لها في مشروع هذا القانون ؟

تلكم أربع مرجعيات، اعتبرنا استحضارها ضروريا في قراءة المشروع الجديد للمسطرة الجنائية، إضافة إلى مرجعيات أخرى يمكن اعتمادها .

وعلى ضوء ذلك، يمكن الوقوف على الكثير من التعديلات التي جاء بها المشروع ومست شروط المحاكمة العادلة، بل أكثر من ذلك عموم الحقوق والحريات،  أو التي كان منتظرا من المشروع أن يأتي بها بعد طول انتظار للمهنيين، بالنظر إلى التطورات العامة التي حدثت بالبلد خلال العقد الأخير، خاصة على المستوى الحقوقي .

وفي ضوء كل ذلك، نقف عبر بعض ما جاء به المشروع مركزين على ثلاثة جوانب نعتبرها مهمة، ولها تأثير مباشر وكبير ليس فقط على المحاكمة العادلة، بل تطول منظومة حقوق الإنسان ككل .

ويتعلق الأمر بثلاثة أنظمة : نظام الاختراق، نظام الامتياز القضائي، نظام الاشتباه .

1- نظام الاختراق :

يعتبر نظام الاختراق جديدا في قانون المسطرة الجنائية المغربي، إذ لم يسبق أن تم العمل به ، والمسطرة الجنائية الحالية كانت قد اكتفت بتنظيم المكالمات والاتصالات الهاتفية المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد ( المواد 108 إلى 116 ) في إطار إجراءات البحث دون أن تتجاوز ذلك إلى ما هو أكثر، علما بأن أسلوب التقاط المكالمات ( التنصت) هو نفسه مطعون فيه ومخالف لمبادئ حقوق الإنسان خاصة الإعلان العالمي لحقوق الانسان في المادة 12 التي نصت على أنه «لا يجوز تعريض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة ... أو مراسلاته ...» والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المادة 17 التي نصت على أنه «لا يجوز تعريض أي شخص على نحو تعسفي أو غير قانوني للتدخل في خصوصياته أو ... ، مراسلاته ... «.

و الدستور الحالي نص في الفصل 24 على أنه « لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة «.

لكن مشروع المسطرة الجنائية لم يقف فقط عند التنصت والتقاط المكالمات الذي كرسه كما هو في المسطرة الحالية، بل تجاوز ذلك إلى وضع نظام للاختراق في إطار البحث عن الجريمة ومرتكبيها، وقد جاء ذلك في الباب الثالث من المشروع الذي سماه « تقنيات البحث الخاصة «، الفرع الثاني: الاختراق ، المواد 11-82 و ما بعد ... .

بقلم ذ علال البصراوي
محام و رئيس اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان
 


أعلى الصفحة