//

 
القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ عبـد الصــــمد الدويهري
استاذ التعليم الثانوي التأهيلي تخصص تاريخ و جغرافيا.طالب باحث في ماستر :القانون الاداري و تدبير التنمية
تحت عدد: 380
تقديم
يعتبر تحديد و معالجة المفاهيم من أكثر

 المواضيع الأكاديمية صعوبة لكون أغلب محاولات التحديد تصطدم بغياب المراجع المعتمدة و كذا غياب الإجماع نظرا لاختلاف وجهات نظر الباحثين  وتداخل  الحقول المعرفية المهتمة بالمفهوم موضوع التحديد.

و يزداد الأمر صعوبة إذا كان المفهوم موضوع الدراسة حديث النشأة إن لم يكن في طور التبلور و التشكل كحال المفهوم موضوع هذا البحث ، لكن مختلف هذه الإكراهات لا تمنع من أخذ المبادرة خاصة مع جدة الموضوع و راهنيته.

و لمعالجة المفهوم لابد من التطرق للسياق التاريخي لظهور مفهوم الفعل العمومي الترابي لننتقل بعد ذلك لإبراز أهم الخصائص المميزة له وصولا إلى تحديد أهم الفاعلين الترابيين .

التحديد اللغوي:

 يبدو أن التحديد اللغوي لمفهوم ينتمي لحقل العلوم السياسية و القانونية لن يكون له أهمية كبرى لكن الانضباط المنهجي يفرض بسط المفهوم لغويا و ذلك من خلال تفكيك الكلمات المشكلة " لتوليفة " الفعل العمومي الترابي و توضيح معناها اللغوي.

الفعل : فعل الشيء عمله و صنعه[1] كما أورد الصاغاني[2] في معجم تاج العروس بأن الفعل هو إحداث كل شيء من عمل أو غيره فهو أخص من عمل.

العمومي: نسبة إلى العموم ، عام لجميع الناس.

الترابي:أسم منسوب إلى التراب و هو ما نعم من أديم الأرض.

التحديد الاصطلاحي لمفهوم الفعل العمومي الترابي :

 

 

-I 1 السياق التاريخي للمفهوم :

بدأ الحديث عن مفهوم الفعل العمومي الترابي منذ ثمانينيات القرن العشرين في حقل علم الاجتماع و العلوم السياسية و حقل القانون الإداري خاصة مع تطور مسار اللامركزية و عدم التمركز الإداري بدول الاتحاد الأوروبي  لينتقل تداوله بعد ذلك إلى حقول معرفية أخرى.

وقد برز مفهوم "الفعل العمومي الترابي" بهذه التوليفة في أوساط العلماء و الخبراء المهتمين بدراسة اكراهات  وصعوبات تدبير الشأن المحلي بدول الاتحاد الأوربي  في إطار تطورات اللامركزية و الجهوية و ارتباطا كذلك بسياسات إعداد التراب ببعض دول المجموعة كألمانيا و فرنسا على الخصوص   سنة. [3]

و من السياقات التي انبثق عنها هذا المفهوم بأوروبا "بلدان المنشأ "

·        تطور اللامركزية و مفهوم الحكم المحلي بأوروبا.

·         اتجاه الساسة الأوربيون للتركيز على بعض المجالات الأكثر هشاشة كالمجالات الريفية و بعض المجالات الحضرية التي تعرف صعوبات تنموية .

·        تطور وظائف الجماعات الترابية  على المستوى المحلي.

·        مباشرة مجموعة من الإصلاحات المؤسساتية إلى جانب تطعيم الجماعات الترابية بمجموعة من الكفاءات و الأطر .

  و من العوامل المساهمة في تبلور المفهوم تخصيص بعض المسالك الجامعية المهتمة بتدبير الشأن العام المحلي بالمؤسسات الجامعية الأوروبية.

ولم يتم تداول المفهوم  بشكل واضح بفرنسا إلا سنة 2014 بعدما تم تبني قانون " تحديث الفعل العمومي و التجمعات الحضرية الكبرى من طرف الجمعية الوطنية الفرنسية[4] رغم أن التجربة الفرنسية  و منذ 1982 أظهرت بشكل ملحوظ  إبداعا  مهما في الإصلاحات المرتبطة بالحكم المحلي و التي استطاعت خلالها الموائمة بين المقاربة المؤسساتية (اللامركزية بمفهومها الواضح) و المقاربة الوظيفية ( التعاون مع دول الجوار في إطار المشاريع الترابية البينية ، و هو ما ندعوه اليوم "المابين- ترابية ".)[5]

أما في المغرب فلم يصبح تداول المفهوم حاضرا إلا في العشرية الثانية  من القرن 21 و خاصة بعد التطورات الأخيرة  التي عرفها مسلسل اللامركزية و عدم التمركز ببلادنا والتطور الذي شهده مسار  الجهوية من الجهوية  المتقدمة وصولا  إلى الجهوية الموسعة  التي تضل مطمحا تشتغل عليه كل مكونات الدولة المغربية و خاصة بعد التقطيع الجهوي الأخير (12 جهة ) و دستور 2011 الذي بوأ الجماعات الترابية مكانة دستورية متميزة [6]

-I 2 خصائص المفهوم :

و من أهم السمات المميزة للمفهوم هو تلك  الدينامية باتجاه "مهننة "   و احترافية التدخلات المباشرة من طرف الجماعات الترابية و التي أضفت  مزيدا من الروح  و الحيوية التي جعلت من الفعل العمومي الترابي أكثر قربا من انشغالات الأفراد، و الذين أصبحوا  أكثر إسهاما في اتخاذ القرار العمومي المحلي  . كما أن صفة الترابية تسير في اتجاه تمثيل فعل عمومي أكثر نجاعة في الأداء من خلال تسخير قدرات و خبرات أفضل .

 و من السمات المميزة للفعل العمومي الترابي كذلك  تقليص حضور الممارسات البيروقراطية و الإيديولوجية. فالمصطلح يقترح مفهوما أخلاقيا مفاده العمل من أجل العيش المشترك حيث تلتقي التمثلات الفضلى حول مفهوم الصالح العام  .

كما أن سجالات و نقاشات الأكاديميين و الساسة خلصت إلى اعتبار الجماعات الترابية المجالات الأنسب لإشراك المواطنين في تدبير و برمجة الخدمات العمومية، حيث أصبح مؤشر  خدمات القرب يفرض نفسه كمؤشر لتحديد شرعية السياسات العمومية المحلية.فالحديث عن حكم رشيد يستوجب التموقع أكثر قربا من انشغالات و احتياجات الساكنة لذلك فإن سياسات القرب أصبحت مطلبا للعديد من الهيئات الحزبية و النقابية و الجمعوية .

    كما أن الفعل العمومي يعني كذلك تغييرات جذرية في الرؤيا و التي  تستوجب التفكير بداية في الحاجيات المعبر عنها من طرف المواطنين و الخدمات التي يتطلعون لها  للوصول للخلاصات المرتبطة بالتنظيم المؤسساتي ، و التي يصبح معها بإمكان الجماعات الترابية اقتراح الأجوبة المتناغمة مع وجهات نظر المواطن و الموائمة  أيضا مع مستعملي الخدمات العمومية و ممونيها.[7]

و قد برز جيل جديد من الفاعلين غير الحكوميين داخل الحياة الجمعوية  المنظمة، حيث  أثبت هؤلاء الفاعلون الجدد قدرتهم على الإسهام بكيفية ملموسة في المجهود التنموي و في تخليق الحياة العامة.[8]

و من أهم المفاهيم البانية و الملازمة للفعل العمومي الترابي هي الحكامة الترابية و المرتكزة على

أربع دعائم أساسية هي:

1- النزاهة كمنظومة للقيم المؤطرة لمسؤولية الحفاظ على الموارد و الممتلكات العامة و المال العام و استخدامها بكفاءة تامة

2- الشفافية كمدخل أساسي لتوفير المعلومات الدقيقة في وقتها الآني و إتاحة الفرص للجميع للإطلاع عليها و نشرها.

3- التضمينية كالتزام جماعي يضمن توسيع قاعدة مشاركة المجتمع بجميع فعالياته في تحضير و تنفيذ السياسات العمومية المحلية.

4- المساءلة التي تربط المسؤولية بالمحاسبة و تقديم الحساب لضمان التدبير الجيد و الأمثل للموارد المالية و المادية و البشرية و ربط الانجازات بالأهداف المتوقعة  ذات المرد ودية النافعة .[9]

-I 3 أهم المتدخلين في الفعل العمومي الترابي :

ففي زمن الشمولية تصبح التنمية و إعداد التراب مسألة محلية و من هذا المنطلق فإن حل مشاكل من قبيل الفقر ، الأمية ، البطالة و حماية البيئة يتجلى في المبادرة المحلية المبنية على الشراكة و التعاقد بين الدولة ، و الجماعات الترابية ، المجتمع المدني و النسيج الاقتصادي و البنكي .... و بمناسبة المؤتمر الوزاري الإفريقي الرابع للإسكان و التنمية الحضرية المنعقد بنيروبي في 22 مارس 2012 بمبادرة من برنامج الأمم المتحدة للتجمعات البشرية ، تم التركيز على أهمية التخطيط الترابي و الولوج للخدمات الأساسية و الانتقال الحضري للتغلب على مشاكل كتدبير النفايات و النقل و الطاقة و وسائل الاتصال  و الأمن العمومي التي غالبا ما تظهر بفعل التطور العمراني غير المنسجم "المتحكم فيه"[10]  

فالمقاربة الترابية تمكن  من الاقتراب أكثر من الأبعاد الاجتماعية و الثقافية  و التقنية و المهنية للتنمية، و هي كلها عوامل للرفع من جودة الحياة المعيشية و للانفتاح على القرب و التجديد، و بالتالي فانتقال المغرب من نظام الدولة كمحرك رئيسي للتنمية المحلية إلى نظم أخرى تشاركية  تسمح للجماعات الترابية و القطاع الخاص و المجتمع المدني من تحمل مسؤولياتهم الأدبية في تحقيق التنمية المحلية التي أضحت مسألة حيوية [11]

من هذا المنطلق يمكن الوقوف عند أهم  المتدخلين في الفعل العمومي الترابي .  

أ - الدولة / الإدارة المركزية كمنتج و محرك للسياسات العمومية.

ب - الإدارة الترابية المحلية.

ج - المجالس و الهيئات الترابية المنتخبة.

د - القطاع الخاص .

ه - الساكنة / المواطنون كموضوع للفعل العمومي الترابي .

و - هيئات المجتمع المدني من نسيج جمعوي و أحزاب و نقابات .

خلاصة :

     يبدو أن مفهوم الفعل العمومي الترابي سيأخذ مزيدا من الاهتمام من قبل الباحثين و المهتمين بالشأن الترابي ببلادنا خاصة بعد المستجدات التي حملتها الوثيقة الدستورية في هذا الشأن و كذا صدور القوانين التنظيمية للجماعات الترابية بمختلف أصنافها ، هذا إلى جانب تنامي أهمية تدخلات المجتمع المدني كفاعل رئيسي إلى جانب باقي الفاعلين المساهمين في تحديد ملامح الفعل العمومي الترابي.

كما أن مركزية المفهوم في الفعل التنموي و تقاطعه مع مجموعة من المفاهيم كالحكامة الترابية و الحكم التشاركي و التدبير الرشيد كلها عوامل  تجعله من المفاهيم التي تستدعي المزيد من البحث و التحليل الأكاديميين. 



 [1]  معجم المعاني الجامع

 .http://www.maajim.com/ معجم إلكتروني  [2]  

 3 Dictionnaire des politiques territoriales / Romain Pasquier et Sébastien Guigner et Alisair Cole Paris : Presses    de SciencesPo, DL 2011   

[4] LOI n° 2014-58 du 27 janvier 2014 de modernisation de l'action publique territoriale et d'affirmation des métropoles

[5] LA  « modernisation de l’action publique territoriale »   Jean PEVRONY / mission opérationnelle transfrontalière./paris /page315     

 الباب التاسع من دستور 2011 و الذي تناول أصناف الجماعات الترابية و وضعها الدستوري الجديد. [6]

[7] Les Eclaireurs : « Repenser l’action publique territoriale à horizon 2030 »   est un collectif de jeunes français hauts fonctionnaires et cadres du privé de centre droit.

 

 [8]عبد العزيز أشرقي / الحكامة الترابية و تدبير المرافق العمومية المحلية على ضوء مشروع الجهوية المتقدمة /مطبعة النجاح الجديدة الطبعة  الأولى 2014 .

  عبد العزيز أشرقي ، الجماعات الترابية : الأفاق المستقبلية  و تحديات التنمية المستدامة، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء ، طبعة 2016 ، الطبعة الأولى ، ص 11 . [9]

 / د مولاي محمد البوعزاوي ، تحديث الإدارة الترابية بالمغرب : نحو ترسيخ الديموقراطية و كسب رهان التنمية ، / الطبعة الأولى 2015 [10]

 نفس المرجع ص 130 .[11]

بقلم ذ عبـد الصــــمد الدويهري
استاذ التعليم الثانوي التأهيلي تخصص تاريخ و جغرافيا.طالب باحث في ماستر :القانون الاداري و تدبير التنمية
 


أعلى الصفحة