القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ أشرف الواهبي
طالب باحت
تحت عدد: 493
تقديـــم
لكل فعل ردة فعل ، هذه القاعدة وإن كانت بعيدة كل البعد

 عن التخصص القانوني ، إلا أنها من الناحية المجازية تعتبر شرحا مبسطا لوظيفة المسطرة الجنائية ، بمعنى أن الفعل الأصلي هو خرق القاعدة القانونية ، والمسطرة الجنائية لم تأت إلا كرد فعل على ذالك الخرق ، بدليل أن المسطرة الجنائية وإن لم يعرفها المشرع المغربي في قانون 22.01 ، فإن بعض الشراح أعطوها تعاريف يمكن القول بأنها تعاريف فقهية ، تشترك كلها في اعتبار قانون المسطرة الجنائية ، قانون إجرائي ينظم جميع الإجراءات التي تعقب إرتكاب الجريمة مباشرة لتفتيت وتحليل وفلترة ملاباساتها ، وذالك في محاولة لتطبيق العدالة الجنائية في قالب يتسم بطابع الشرعية الإجرائية للوصول إلى الغاية المنشودة ، والتي تتوفر عبر إستيفاء حق الدولة في إيقاع العقاب دون الإخلال بحق المتهم في التمتع بمحاكمة عادلة.

إلا أن العقل البشري مثله مثل باقي المخلوقات والموجودات على وجه البسيطة يعتريه النقص فإن ركز على شيء أغفل أشياء ، وبالتالي تظل القوانين في تطور مستمر في محاولة لتطهيرها من الثغرات و الإشكالات التي تطرحها ، ومن بين الإشكالات وإن كان بعض الفقهاء والدارسين في المجال الحقوقي والقانوني لا يعتبرها إشكالا ، هي تلك الحالة التي لم يستفظ المشرع المغربي في شرحها ، والحديث هنا عن المادة 75 من قانون المسطرة الجنائية .

 

فما الإشكال التي تطرحه المادة 75 من قانون المسطرة الجنائية مقارنتا  بحالات التلبس العادية ؟

 

للإجابة على الإشكال المطروح وجب تقسيم التصيم إلى مبحثين ، في المبحث الأول يتم تفكيك مفهوم التلبس وتسليط الضوء على الهيكلة الضبطية التي تشرف عليه ، وفي المبحث الثاني نقوم بتسليط الضوء على مقتضيات المادة 75 من قانون المسطرة الجنائية وطرح بعض الإشكالات المتعلقة بها .

 

المبحث الأول : حالة التلبس العادية

من باب العلم بالشيء ، ولضمان تسلسل الموضوع وجب ذكر القاعدة قبل ذكر الإستثناء الوارد عليها ، وذالك للعلم بطبائع الأمور وتسليط الضوء على الإجراءات البديهية في حالة وقوع جريمة يعاقب عليها القانون ، وبالتالي فإن الإجراءات المتخذة كردة فعل على ذلك الخرق تكون إجراءات آلية يقوم بها ضباط الشرطة القضائية وفق قواعد يمكن القول بأنها عبارة عن هندسة نظرية وعملية تتسم بالدقة قي قالب يحترم الشرعية الإجرائية ويرسخ لمبدأ قرينة البراءة .

المطلب الأول : مفهوم حالة التلبس

كما هو معلوم فإن المشرع المغربي ينئى بنفسه عن الحسم في التعاريف المتعددة عبر إعطاء تعريف جامع مانع لأحد الإجراءات المسطرية التي اختلف الفقهاء حول إعطاء تعريف موحد لها ، باعتبار أن تغليب تيار فقهي بعينه على تيار آخر قد يتمخض عنه جفاء علمي ، قد يحصر بدوره بحر المعرفة في زاوية لا تليق بعظيم قدره ، لذا كان من الضروري بما كان فتح هذا الباب على مصرعيه ، ليثري الإختلاف ذلك النهم العلمي إن صح التعبير ، ويغطي على الفراغ في بعض الزوايا التي أغفلها البعض وتجاهلها البعض الآخر ، وبالتالي فإن هذا التعدد في التعاريف لا يعتبر إختلاف من باب التناقضات بقدر ما يعتبرون مكملين لبعضهم البعض ، ومن بين هاته التعاريف نجد تعريف الأستاذ أحمد الخمليشي الذي عرف الجريمة المتلبس بها بكونها هي تلك الحالة التي تضبط وقائعها أو أفعالها أثناء العمل الإجرامي أو تضبط بعد تنفيذها في ضروف خاصة حددها القانون ، بينما عرفها الأستاذ الحبيب بيهي على النحو التالي " التلبس بالجريمة هي وصف قانوني يلحق الجريمة ، ويتلق بطريقة إكتشافها ومعاينتها ، وهي بذالك حالة ممتازة للحفاظ على الأدلة وإثبات الأفعال المرتكبة ".

أما المشرع المغربي فقد إكتفى بالإشارة إلى شروط توفرها عبر الحالات المنصوص عليها في المادة 56 من قانون المسطرة الجنائية والتي تنص على ما يلي :

" تتحقق حالة التلبس بجناية أو جنحة :

-         أولا : إذا ضبط الفاعل أثناء إرتكابه الجريمة أو على إثر إرتكابها .

-         ثانيا : إذا كان الفاعل مازال مطاردا بصياح الجمهور على إثر إرتكابها .

-         ثالثا : إذا وجد الفاعل بعد مرور وقت قصير على إرتكاب الفعل حاملا أسلحة أو أشياء يستدل معها أنه شارك في الفعل الإجرامي ، أو وجد عليه أثر أو علامات تثبت عليه هذه المشاركة .

يعد بمثابة تلبس بجناية أو جنحة ، ارتكاب جريمة داخل منزل في ظروف غير الظروف المنصوص عليها في الفقرات السابقة إذا التمس مالك أو ساكن المنزل من النيابة العامة أو من ضابط الشرطة القضائية معاينتها ".

يتضح من خلال فقرات المادة 56 أن المشرع المغربي تطرق لتجليات حالة التلبس بنوع من الدقة تلغى معها أي إشكال أو إلتباس حولها ، بالإضافة إلى أنه أدرج شرطا جد مهم في بداية المادة المذكورة ، وأهميته تكمن في كونه هو الأساس الذي تقوم عليه حالة التلبس وما يدور في فلكها من إجراءات ، فقد نصت على أنها " تتحقق حالة التلبس بجناية أو جنحة " ، وهذا يعني أن المشرع قد حصر تطبيق مسطرة التلبس على الأنواع المتسمة بنوع من الخطورة والتي يعاقب عليها بالحبس ، مما يتضح معه إستبعاد المخالفات وكذا الجنح المعاقب عليها فقط بعقوبات مالية ، خصوصا وأن هذه الأخيرة تتسم بالحزم والسرعة في الإنجاز ، وعموما يمكن القول بأن حالة التلبس هي حالة زئبقية تلعب بين حدين أحدهما تلبس حقيقي واضح وجلي ، وآخر إفتراضي تشوبه الفرضيات ، لكن الإجماع يبقى واضح حول خطورة وحساسية هذه الحالة .

 

المطلب الثاني : الهيكلة الضبطية التي تشرف على البحث التلبسي

نظرا لكون حالة التلبس حالة تشوبها الخطورة من كل جانب ، سواء من حيث الصلحيات التي يتمته بها ضباط الشرطة القضائية والتي تعتبر مطلقة نوعا ما ، أو من حيث تهديدها لقرينة البراءة التي تعتبر دعامة أساسية لحق المتهم في الحصول على محاكمة عادلة بإعتبار أن معاينة ضابط الشرطة القضائية للفعل الجرمي في إحدى الحالات المنصوص عليها في المادة 56 من ق.م.ج ، معاينة شرعية تحترم النصوص القانونية والأعراف الفقهية يجعل من الجريمة المرتكبة منسوبة للمتهم بشكل نسبي ، هذا إن لم نقل بأنها مرجحة ترجيحا لا غبار عليه ، لذلك كان لا بد للمشرع من التدخل بترسانة قانونية ليست بالهينة ، والتي يمكن إجمالها في 21 مادة ( أي من المادة 56 إلى المادة 77 من ق.م.ج ) لضبط أي إختلال قد يمس بسلامة الشرعية الإجرائية تحت ذريعة الفراغ التشريعي ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى خول للضباط السامون حسب الأحوال أمر التسيير والرقابة على مجريات البحث التلبسي ، بإعتبارهم ينتمون إلى الأسرة القضائية وتطبيق العدالة هو تكليف ملقى على عاتقهم .

وطالما أننا نتحدث بلغة القانون حول حادثة أو فعل لم يسمح به القانون ، فإن إجراءات البحث التلبسي في الأحوال العادية والذي يقوم به ضباط الشرطة القضائية الذين تم ذكرهم على سبيل الحصر في المادة 20 من قانون المسطرة الجنائية يجري تحت رقابة وتسيير وكيل الملك أو الوكيل العام للملك حسب الأحوال ، بإعتبار علاقة التبعية التي تجمع ضباط الشرطة القضائية بالضباط السامون ، وهذا ما يستشف لنا من خلال مجموعة من المواد التي أدرجها المشرع المغربي في قانون المسطرة الجنائية ، ففي الفقرة الثانية من المادة 16من ق.م.ج نص المشرع على أنه " يسير وكيل الملك أعمال الشرطة القضائية في دائرة نفوذه " كما أنه تم النص في المادة 17 من نفس القانون على أنه " توضع الشرطة القضائية في دائرة نفوذ كل محكمة إستيناف تحت سلطة الوكيل العام للملك ومراقبة الغرفة الجنحية بمحكمة الإستيناف المشار إليها في الفرع الخامس من هذا الباب " ، بمعنى أن الشرطة القضائية تخضع لسلطة وكيل الملك أو الوكيل العام للملك بحسب الأحوال ، والتفريق هنا بين تبعيتهم القانونية للأول أو الثاني بالنسبة لإجراءات البحث التمهيدي متعلق بإختصاص نوعي وآخر مكاني أو جغرافي متعلق بدائرة نفود المحكمة .

كما أن التنصيص الصريح الذي أورده المشرع في المادة 78 من قانون المسطرة الجنائية لم يترك أي مجال للشرح أو الإستفاظة في الحديث عن هذا الأمر ، فقد كفى و وفى ، في توضيح كل ما ذكر آنفا ، سواء من حيث إختصاص النيابة العامة وإشرافها على البحث التمهيدي بصفة عامة ، أو من حيث  تبعية ضباط الشرطة القضائية للضباط السامون فقد نصت على أنه " يقوم ضباط الشرطة القضائية بأبحاث تمهيدية ، بناء على تعليمات النيابة العامة أو تلقائيا .

-         يسير هذه العمليات وكيل الملك أو الوكيل العام للملك كل فيما يخصه ."

وعموما فإن أمر مباشرة البحث التلبسي ومراقبة سلامة إجراءاته يعد تكليفا ملقى على عاتق النيابة العامة ، لكن تبليغها بحدوث جريمة تخل بسلامة وأمن وإستقرار الوطن والمواطنين هو عبىء عام وشامل لكل أفراد المجتمع فهي مسؤلية أخلاقية قبل أن تكون مسؤلية قانونية.


 

المبحث الثاني : قراءة في أحكام المادة 75 من ق.م.ج

تنص المادة 75 من قانون المسطرة الجنائية على " إذا حضر قاضي التحقيق بمكان وقوع الجناية أو الجنحة المتلبس بها، فإن الوكيل العام للملك أو وكيل الملك وضباط الشرطة القضائية يتخلون له عن القضية بقوة القانون.

يقوم قاضي التحقيق في هذه الحالة بجميع أعمال ضباط الشرطة القضائية المنصوص عليها في هذا الباب. وله أن يأمر أياً من ضباط الشرطة القضائية بمتابعة العمليات.

يرسل قاضي التحقيق إلى الوكيل العام للملك أو وكيل الملك بمجرد انتهاء تلك العمليات جميع وثائق التحقيق ليقرر بشأنها ما يقتضيه الأمر.

وإذا حل بالمكان الوكيل العام للملك أو وكيل الملك وقاضي التحقيق في آن واحد، فلممثل النيابة العامة أن يلتمس مباشرة تحقيق قانوني يكلف بإجرائه قاضي التحقيق الحاضر، ولو أدى ذلك إلى خرق مقتضيات المادة 90 الآتية بعده."

فما العلة التي جعلت من نفسها هدف يسعى المشرع لتحقيقه ، حتى وإن أدى ذلك إلى تعطيل إجراءات معينة ومنصوص عليها في نفس القانون ؟ .

 

المطلب الأول : تمييز أحكام المادة 75 عن باقي إجراءات البحث التلبسي العادي

 كما أسلفنا بالذكر وكما هو معلوم أن ضباط الشرطة القضائية يباشرون مهامهم تحت إمرة النيابة وأن هذه الأخيرة هي من تعود لها مقاليد الأمور بشأن إجراء البحث التلبسي ككل ، لكن في حالة حضور قاضي التحقيق في مسرح الجريمة فإنه يصبح المشرف على مجريات البحث بقوة القانون ، وبتعبير آخر يصبح حضور وكيل الملك أو الوكيل العام للملك من عدمه سواء ، بحيث يتخلون له عن سلطتهم في مباشرة البحث بقوة القانون ، ولعل أن هذا المقتضى هو ما أكسب قاضي التحقيق صفته الضبطية التي ذكر بصددها في المادة 20 من قانون المسطرة الجنائية من بين الضباط السامون ، إذ أن قاضي التحقيق بإعتباره ينتمي للقضاء الجالس فإن أغلب مهامه تكون قضائية ، فحتى تلك الأوامر التي يصدرها وهو يحقق إعداديا في إحدى الجرائم يغلب عليها الطابع القضائي ، بخلاف قاضي النيابة العامة الذي وإن كان من ظمن أفراد الأسرة القضائية ، فإن هاته الصفة لا تفعل بصفة تامة وكاملة إلا حين يكون حاضر في الجلسة وممثلا للحق العام ، مما جعل بعض الفقه يخوض في طرح من قبيل أن المشرع توسم الحكمة في تخويل إجراءات البحث التلبسي لقاضي التحقيق في حالة حضوره ، بصفته قاض جالس يحكم على الأمور بروية ووفق قناعة قضائية يوازن فيها بين الأمور ويرجح ما فيه الصلاح دونما أي اندفاع ، تجاه المتهم الذي لم تثبت إدانته بحكم قضائي بهذف تحصين المجتمع ، أي مجرد أن تلوح هاته الفكرة المسبقة بذهن النيابة العامة قد يجعلها في بعض الأوقات تتخذ قرارات صارمة ومجحفة بحق قرينة البراءة التي تعتبر بدورها هي أساس وعماد المحاكمة العادلة ، وهذا ما أراد المشرع تجنبه ، باعتبار النيابة العامة خصم شريف في الدعوى ، لذلك وضع ضوابط لتلك الخصومة ، وأحكام المادة 75 من قانون المسطرة الجنائية ماهي إلا إحدى تلك الضوابط ؛ بالإظافة إلى أن هناك من سلط الضوء على مضمون الفقرة الأخيرة من المادة 75 واعتبرها مفتاح للإشكال الحاصل ، باعتبار أن حضور قاضي التحقيق بمسرح الجريمة بجانب وكيل الملك أو الوكيل العام للملك ، فإن لممثل النيابة العامة أن يلتمس مباشرة تحقيق قانوني يكلف بإجرائه قاضي التحقيق الحاضر ، ولو أدى ذلك إلى خرق مقتضيات المادة 90 الآتية بعده  وبالتالي لم يعتبر هذا الإتجاه أن ما يجريه قاضي التحقيق من أبحاث في مسرح الجريمة بحث تلبسي أو تمهيدي إن صح التعبير ، وإنما اعتبره تحقيقا إعداديا ، بحجة أن كل الإجراءات التي يقوم بها قاضي التحقيق في مسرح الجريمة من جمع معطيات ما هي إلا مواد خام تهذف في الأساس إلى تسهيل إجراء التحقيق الإعدادي ، وما دامت هذه الفقرة تلغي إمكانية إلتماس النيابة العامة من قاضي تحقيق آخر إجراء تحقيق إعدادي بناء على المعطيات والمحاضر التي تم إستجماعها من مسرح الجريمة ، أي أن حظور قاضي التحقيق بمكان وقوع الجناية أو الجنحة المتلبس بها ، كفيل بجعله المشرف والمكلف بمجريات البحث والتحقيق إلى أن تستقر القضية بجلسة الحكم للنطق فيها ، مما يدحض معه فكرة تقسيم وفصل الإجراءات المخولة له بمقتضى هاته المادة إلى بحث تلبسي وتحقيق إعدادي ، وبالتالي دعى هذا الإتجاه إلى دمجهما معا .

 

المطلب الثاني : بعض الإشكالات الفقهية التي تطرحها المادة 75 من ق.م.ج

ويبقى من بين أهم الساؤلات التي لا تلق إجابة قاطعة ، هو ذالك التساؤل القائل بكيفية علم قاضي التحقيق بوقوع الجريمة ، فإذا ما انطلقنا من المادة 42 من قانون المسطرة الجنائية نجد بأن على كل سلطة منتصبة وعلى كل موظف بلغ إلى علمه أثناء ممارسته لمهامه إرتكاب جريمة ، أن يخبر بذلك فورا وكيل الملك أو الوكيل العام للملك وأن يوجه إليه جميع ما يتعلق بالجريمة من معلومات ومحاضر ووثائق ، وبالتالي فإن الجهة المعنية بتبليغها بالجريمة هي النيابة العامة ، وحتى ضباط الشرطة القضائية يزاولون مهامهم تحت إمرتها طبقا للمواد 16و17و18 من قانون المسطرة الجنائية ، مما يجعلهم ملزمون بإشعارها هي وليس مؤسسة التحقيق ، فكيف يصل إلى علم هذه الأخيرة وقوع جريمة لتطبق بذلك مقتضيات المادة 75 من قانون المسطرة الجنائية ؟ .

تعددت الإجابات والتفسيرات حول هذا السؤال بتعدد التيارات الفقهية ، فهناك تيار فقهي قال بحالة المصادفة ، أي أن تطبيق مقتضيات المادة 75 من ق.م.ج يبقى في نظرهم قائم على الصدفة فحسب ، بمعنى أن يتصادف وجود قاضي التحقيق في مكان الجريمة أو بجواره بطريقة تخلوا من الشكلية الإدارية أو القضائية ، كما لو أنه كان يتنزه أو يتجول مثلا في إحدى الأماكن العامة فيحدث فعل إجرامي على مرأى منه فيصادف حالة التلبس فيصبح له حق الأسبقية والإستئثار بإجراء البحث تطبيقا لمقتضى المادة 75 من قانون المسطرة الجنائية ؛ وهناك إتجاه فقهي آخر قال بوجود عرف معين بين النيابة العامة ومؤسسة قاضي التحقيق ، يقتضي فيما مضمونه أنه عندما يتناهى لعلم النيابة العامة وقوع جناية أو جنحة متلبس بها ، فإنها ترسل ملتمس لقاضي التحقيق وتخيره بين الذهاب معها إلى مسرح الجريمة من عدمه ، وبالتالي يكون حظور قاضي التحقيق إختياريا وفق إجراءات شكلية تتمثل في ملتمس أو إشعاره شفويا .

هناك سؤال آخر على نفس القدر من الأهمية إذ أنه يسلط الضوء على إنعدام تحديد المشرع المغربي قاضي التحقيق حسب الأحوال ( جناية أم جنحة ) ، وتكمن العلة في ذلك عبر توفر الصفة القضائية التي تعتبر شرطا جوهري لدرجة أن المشرع سما بها عن الدرجة والإختصاص ، أي أنه إكتفى بقول "حضور قاضي التحقيق" ، ولم يقل شيء عن الإختصاص بعكس قضاة النيابة العامة التي فصل فيها بين وكيل الملك والكيل العام للملك ، وهذا يطرح إشكال آخر حول فرضية ما إذا كان قاضي تحقيق معين بالمحكمة الإبتدائية والذي تقتصر مهامه على الجنح والمخالفات مارا من أحد الشوارع وحدث أن وقعت جريمة تعد جناية ، وأجرى البحث كما هو منصوص عليه في المادة 75 من ق.م.ج ، فكيف يمكن معه تطبيق مقتضيات الفقرة الأخيرة من نفس المادة ؟ ، والتي جاء فيها بتعبير المشرع "إذا حل بالمكان الوكيل العام للملك أو وكيل الملك وقاضي التحقيق في آن واحد، فلممثل النيابة العامة أن يلتمس مباشرة تحقيق قانوني يكلف بإجرائه قاضي التحقيق الحاضر، ولو أدى ذلك إلى خرق مقتضيات المادة 90 الآتية بعده." علما أن الإختصاص المخول له بإعتباره قاضي تحقيق تابع للمحكمة الإبتدائية لا يمكنه من الشروع في التحقيق الإعدادي بخصوص تلك الجريمة ، للإجابة عن هاته الإشكالية وجب تجاهل مقتضيات هذه الفقرة ، وتسليط الضوء على الفقرة التي تسبقها ، والتي تنص على أنه "يقوم قاضي التحقيق في هذه الحالة بجميع أعمال ضباط الشرطة القضائية المنصوص عليها في هذا الباب. وله أن يأمر أياً من ضباط الشرطة القضائية بمتابعة العمليات.

يرسل قاضي التحقيق إلى الوكيل العام للملك أو وكيل الملك بمجرد انتهاء تلك العمليات جميع وثائق التحقيق ليقرر بشأنها ما يقتضيه الأمر" . وبالتالي يكون تحقيقه هذا عبارة عن بحث تلبسي يحيله عند الإنتهاء على النيابة العامة لتراعي فيه الإختصاص المنصوص عليه وفق القانون .

 

وختاما يمكن القول بأن عموم الإجراءات المضمنة في المادة 75 من قانون المسطرة الجنائية ، لم يأتي بها المشرع عبثا أومحاباتا منه لجهة معينة وإنما هو فقط توسم الخير والسداد في ذلك ، لتندمج إجراءات البحث التلبسي والتمهيدي مع التحقيق الإعدادي في نسق إجرائي متسلسل غايته القصوى هي حصول المتهم على محاكمة عادلة دون المساس بحق الدولة في توقيع العقاب وفق شرعية إجرائية تسموا بتطبيق النصوص القانونية .

بقلم ذ أشرف الواهبي
طالب باحت
 


أعلى الصفحة