القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ المنتصر السويني
باحث في المالية العامة
تحت عدد: 666
لفهم ما يجري اليوم، داخل قبة البرلمان من مطالبة النواب بسد عجز صندوق التقاعد الخاص بهم، علينا الرجوع الى الوراء ،وخصوصا الى عهد الجمهورية الرابعة،

ومن أجل إسقاط الجمهورية الرابعة ،قاد كبار الموظفون والتقنقراط في فرنسا، حملة إعلامية كبيرة على الطبقة السياسية الفرنسية وعلى المؤسسات المنبثقة عنها(ونعني بها البرلمان والحكومة)،وعندما عجزت هذه الحملة عن إسقاط أعمدة الجمهورية الرابعة القوية ،لجأ تحالف الوظيفة العليا والتقنقراط (خصوصا تقنقراط وزارة المالية )، وبتواطأ مكشوف مع نظرائهم التقنقراط بوزارة المالية الإنجليزية، لسلاح فعال إستهدف المس بالقوت اليومي للشعب الفرنسي ، من خلال العمل على تخفيض قيمة الفرنك الفرنسي ،هذا التخفيض عجل بانقلاب الشارع والمواطن والمجتمع الفرنسي على الطبقة السياسية الفرنسية وعلى مؤسسات وركائز الجمهورية الرابعة، وبالتالي عبد الطريق نحو الجمهورية الخامسة

المساعدة القوية التي قدمتها الوظيفة العليا والتقنقراط، لرأس هرم الدولة الفرنسية، لم تكن دون ثمن، بل كان ثمنها باهضا على العمل السياسي الفرنسي وعلى مبدأ فصل السلط ،وعلى حيادية الإدارة، هذه الخدمة التي قدمها كبار الموظفين لرئيس الجمهورية الفرنسية ديغول، كان ثمنها فتح الطريق والأفاق أمام هذه الشخصيات(أصحاب الوظائف العليا داخل الإدارة) للدخول الى عالم السياسة(اكتساح البرلمان والحكومة) من بابه الواسع

لم يقتصر تطبيق هذه الوصفة على فرنسا فقط، بل إن التجربة أغرت مجموعة من الدول ومنهم المغرب، حيث أعجب الملك الراحل بوصفة ديغول وأراد بالتالي تطبيقها في المغرب(الذي كان يعيش بعد الإستقلال ، صراعا بين الملكية والحركة الوطنية والأحزاب ذات التمثيلية الواسعة)، من خلال فتح الباب على مصراعيه أمام الموظفين والإدارة لاكتساح العمل السياسي(تشكيل الأحزاب الإدارية-وتشجيع الوظيفة العليا داخل الإدارة على ولوج البرلمان والحكومة ،من خلال حماية وضيفتها الأصلية)، لمحاصرة الاحزاب المرتبطة بالمجتمع والشارع

عملت هذه السياسة على تحويل النواب من ممارسة مهام التمثيلية الشعبية، الى مجرد موظفين يمارسون مهام انتاج القوانين والمراقبة والتقييم ،وبالتالي اعتبارهم موظفين كباقي الموظفين، مكلفين بمهام خاصة ومحددة ،تجعل منهم فقط موظفين تشريعيين، يبحثون عن تحسين وضعهم وتقاعدهم والمزايا الوظيفية ،وبالتالي تم ترسيخ الدولة الإدارية. سياسة تشجيع كبار الموظفين على ولوج البرلمان من خلال وضعية الإلحاق، كانت ضد القواعد الدستورية المتعلقة بفصل السلط ، وبمبدأ المساواة ، وعملت على ترسيخ الريع، وعلى تحويل البرلمان من ترسيخ المصلحة العامة والمنافسة الى الدفاع عن المصالح الخاصة والفئوية، من خلال شرعنة امتيازات النواب

-أولا) تعبيد الطريق أمام الموظفين لممارسة العمل البرلماني ،من خلال وضعية الإلحاق

يستمد النواب شرعيتهم من الانتخاب، والذي يعتبر كمحكمة للرأي العام ،هذه المحكمة مكونة من عامة المواطنين، بينما يستمد الموظفين شرعيتهم من النجاح في المباريات ، وبالتالي لا يمكن القيام بشكل سليم بتنظيم المباريات دون وجود تنظيم أولي للمجتمع ،حتى يتمكن هذا المجتمع من تنظيم واختيار الكفاءات المهنية. وقبل تنظيم المباراة من المفروض ان يكون المجتمع قد اختار بشكل حر وديمقراطي الحكام من خلال الانتخاب، لأن النواب الذين يتم اختيارهم من طرف الشعب هم من يقومون بشرعنة لجنة المباراة والمباراة والناجحين في المباراة، وبالتالي تعتبر المباراة مكملة للانتخاب

هذا التفريق ما بين الانتخاب والمباراة، يساعد على التقسيم القطعي ما بين التمثيلية والتوظيف، نظرا لإختلاف أسس المشروعية ما بين النواب والموظفين ،وبالتالي لا يمكن ان يكون المنتخب ،منتخبا ومعينا ،أي أن يحتفظ بالحقوق المستمدة من التعيين ،التي من المفروض ان المنتخب هو من يمنحها، وبالتالي فان الانتخاب يسقط التعيين، لأنه الأعلى و الأساس ومنه تنبثق باقي المشروعيات وخصوصا المشروعية المرتبطة بالتعيين، مما يؤكد ان الدولة الديمقراطية ،من المفروض أن تستند على التفريق القطعي ما بين الشرعية المستمدة من الإنتخاب والشرعية المستمدة من التعيين

-ثانيا )تنزيل مبدأ فصل السلط لا يستقيم دون الفصل بين المنتخب والموظف

إن الانتخاب ،يستهدف اختيار الحاكمين والأغلبية المشكلة تختار الحكومة ،أي الجهاز التنفيذي، ومن اجل تنفيذ القوانين تختار الحكومة عن طريق المباراة الموظفين، وحيث ان البرلمان يراقب العمل الحكومي ويقيمه ويشرع ، هذا التفريق وهذا الفصل يستهدف، الحرص على أن لا تكون طبقة المراقبين(بالكسرة) وهم النواب، قادمة او مشكلة من طبقة المراقٌبين(بالفتحة) وهم الموظفون

تنصيص القانون التنظيمي للبرلمان وقانون الوظيفة العمومية ، على أن الموظفين الذين يختارون العمل السياسي(البرلمان-الحكومة)، يوجدون في وضعية الإلحاق، ويتم تنقيطهم وفق آخر نقطة محصل عليها، يعني استمرار انتمائهم إلى إطارهم فيما يتعلق بترقيتهم أو حقوقهم في التقاعد، مما يشكل مظهر من مظاهر غياب الفصل ، ما بين العمل السياسي والعمل الإداري(المفارقة في المغرب تكمن ،في كون حتى رئيسي مجلس النواب ومجلس المستشارين ،كان البعض منهم يوجد في حالة الالحاق ،وبالتالي يملك وزيره سلطة عليه فيما يخص الترقية واعادة التعيين بعد نهاية الولاية،وبالتالي عن أي فصل للسلط نتحدث؟) ،مما يعني خرق المبدأ الدستوري المتعلق بفصل السلط (وهنا وجب التذكير بالموقف، الذي اتخذه السياسي الفرنسي ليون بلوم ،مباشرة بعد نجاحه وترشحه إلى عضوية البرلمان حيث أعلن استقالته من وظيفته في مجلس الدولة الفرنسي وذالك سنة1924معلنا عن اختيار أحادي ، من خلال تفضيله العمل في البرلمان وبالتالي فك ارتباطه مع السلطة التنفيذية حتى يجسد المبدأ الدستوري الذي ينص على مبدأ فصل السلط)

-ثالثا)احتفاظ النواب الموظفين بالمزايا المرتبطة بممارسة الوظيفة العمومية والمزايا المرتبطة بوضعية التمثيلية البرلمانية هو انتهاك دستوري لمبدأ المساواة
الحماية الممنوحة من خلال النص التنظيمي وقانون الوظيفة العمومية ، للموظفين من أجل ولوج عالم السياسية مع الاحتفاظ بالمزايا الوظيفية(نعني بها حماية الوظيفة الأصلية بالإدارة)لم تكن ممنوحة على قدم المساواة للبرلمانيين القادمين من القطاع الخاص أو من قطاع أخر غير قطاع الوظيفة العمومية، بحيث أن هؤلاء الأخيرين كان عليهم الاستقالة من وظائفهم وبالتالي إحراق مراكبهم ، مما يوضح غياب المساواة في الاحتفاظ بالوظيفة ما بين موظفي القطاع العام وباقي القطاعات، وبالتالي تعتبر هذه الوضعية غير عادلة ومن المفروض التراجع عنها. تنصيص القانون التنظيمي للبرلمان وقانون الوظيفة العمومية على إمكانية استمرار المزايا المرتبطة بممارسة الوظيفة العمومية(الترقية الاوتوماتيكية) ،هو امتياز خص به المشرع التنظيمي والمشرع العادي ،الموظفين دون غيرهم من الفئات الأخري من المجتمع، وبالتالي يعتبر ضربا لمبدأ المساواة بين المواطنين

: رابعا)النتائج الكارثية لوضع النواب القادمين من الوظيفة العمومية في وضعية الالحاق

اكتساح البرلمان من طرف الموظفين ،جعل النخبة التشريعية ،تتأثر بثقافة الموظفين، وبالتالي فإن الاجتياح لا يشكل إجحافا فقط لباقي المهن والمجتمع المدني، بل يجعل فئة الموظفين من خلال موظفيها في البرلمان تشكل لوبيا صلبا يميل الى مصالح فئة معينة داخل المجتمع دون باقي الفئات، مما يضرب في العمق مهمة تمثيلية البرلمان للمجتمع ككل. وضعية الإلحاق جعلت البرلمان أسير لثقافة وقيم الموظفين ،والمتشبعة بمزايا الحقوق والاستقرار والترقية والتقاعد والأوامر الرئاسية والوضعية النظامية، وهي ثقافة مغايرة بشكل مطلق للثقافة المفروض توفرها في النواب ، باعتبارهم يمارسون مهام التمثيلية، والتي من المفروض أن تكون متشبعة بثقافة الولاية البرلمانية القصيرة والارتباط بالتفويض الممنوح من الأمة ،والتشبع بثقافة الحرية والاستقلالية والتطوع ونكران الذات والأخلاق السامية المفروض توفرها في النواب،لأن النواب هم من يمنحون المزايا والوضعيات ،هذه الوضعية تجعلهم في تناقض مع وضعية الموظفين الذي يطالبون دائما بالمزايا، ومن خلال اكتساح الموظفين للبرلمان ،تشبع البرلمان بثقافة الموظفين وصار يبحث عن المزايا ،هذا البحث عن المزايا ،جعله يستغل سلطة التشريع من أجل شرعنة المزايا ،المرتبطة خصوصا بالتعويضات والتقاعد، وبالتالي وللقطع مع هذا التناقض من المفروض العمل على إصلاح الوضعية من جذورها، من خلال ترسيخ استقلالية النواب، وترسيخ فصل السلط ومساواة الكل أمام القانون

الخلاصة :

يتطلب إصلاح الوضع ،العمل على ترسيخ استقلالية النواب ،من خلال إلزام الموظفين بالاختيار ما بين التمثيلية والتوظيف، وبالتالي الزام الموظفين باختيار وضعية الاستيداع أو الاستقالة لولوج البرلمان، كما يتطلب الإصلاح رفض الجمع بين الولاية البرلمانية وأية ولاية أخرى أو مهام أخرى كيفما كان نوعها. و يتطلب الإصلاح كذلك القيام بتحديد إعادة انتخاب النواب في ولايتين حتى نجدد النخب ونرسخ زمن الولاية بخلاف الاستمرارية والترسيم (اللذان يعتبران من حقوق الموظف)، ونقطع مع حق الأقدمية، لأنه يقود حتما إلى المطالبة بالحق في التقاعد، وقد يدفع النواب(المتشبعين بثقافة الموظفين) غدا للمطالبة بالحق في الأقدمية، لأن طريق الحقوق له بداية ولكن ليست له نهاية، بينما طريق النواب هو طريق الواجبات والواجبات فقط

كما أن ترسيخ استقلالية ممارسة مهام التمثيلية الفعلية في النصوص الدستورية والتنظيمية والقانونية، هو الشرط الوحيد القادر على منع الاندماج ما بين الموظفين المراقبين(بالفتحة) والنواب (المراقبين(بالكسرة) ، لأن الاندماج العمودي ،يعمل على وجود وحدة للتصورات ووحدة للمصالح، وتعمل هذه الوضعية كذلك على حذف الفوارق ما بين الجهاز التشريعي والجهاز التنفيذي والإدارة

كما أن المالكيين الشرعيين للدولة ،والذين هم الناخبون يفقدون حقهم في المراقبة ،وبالتالي تصير الهياكل التقنوقراطية هي الفائزة ونكون في وضعية سماها بعض الباحثين ،التدبير الإداري للحقل السياسي، بدل العكس أي تدبير السياسي للحقل الإداري. إن اتفاق ووحدانية الطبقة التي تقود (سياسيين-برلمانيين-حكومة-كبار الموظفين –الإدارة)،في وجه الناخبين ،هي حقيقة تعمل على إضعاف الديمقراطية ،مما يترتب عنه تراجع النقاش السياسي لصالح التوافق ،وبالتالي تتراجع الديمقراطية لأنها تعجز،عن التعبير عن الاختلاف داخل البلد

بقلم ذ المنتصر السويني
باحث في المالية العامة
 


أعلى الصفحة