قانون الأعمال

بقلم ذة علية معلمي
ﺃستاذة بكلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية بجامعة الحسن الثاني عين الشق و محامية بهيئة الدار البيضاء
تحت عدد: 3
نصت الفقرة الثالثة من المادة 79 من مشروع قانون التعاضد على ما يلي: " تتقادم دعوى المسؤولية ضد أعضاء المجلس الإداري أو أعضاء مجلس الإدارة الجماعية بصفة جماعية أو بصفة فردية بمرور خمس سنوات ابتداء من تاريخ الفعل المحدث للضرر أو إن وقع كتمانه، فابتداء من تاريخ كشفه، غير أنه إذا تم تكييف هذا الفعل بجناية تتقادم الدعوى بمرور عشرين سنة".

 

تثير هذا الفقرة العديد من الاخلالات  الخطيرة والمنافية لأبسط القواعد القانونية المتعارف عليها قانونيا كما سيتضح ذلك من خلال الملاحظات التالية: 

لم تحدد المادة 79 من مشروع مدونة التعاضد طبيعة المسؤولية المتحدث عنها في هذه المادة. هل يتعلق الأمر بالمسؤولية المدنية أم بالمسؤولية الجنائية علما أن لكل مسؤولية قواعدها وشروطها والآثار المترتبة عنها، ومن بين تلك القواعد تلك المرتبطة بالتقادم. فإذا تعلق الأمر بالمسؤولية المدنية فإن قواعد التقادم  هي تلك المنصوص عليها في مقتضيات المادة 106 من قانون الالتزامات والعقود و هي واجبة التطبيق أو على الأقل يجب استنباط أحكام التقادم من خلال ما أوردته تلك المادة من قانون الالتزامات والعقود والمتعلقة بتقادم دعوى المسؤولية الناتجة عن الجرم أو شبه الجرم وهي المادة التي تم تعديلها بمقتضى ظهير 17 نونبر 1960. فعوض أن تحيل المادة 79 من مشروع مدونة التعاضد على أحكام المادة 106 من قانون الالتزامات والعقود بخصوص المسؤولية المدنية. فضل واضعو المشروع الاجتهاد على القواعد القانونية ضاربين بعرض الحائط أبسط المبادئ المتعلقة بالتقادم.

فبقراءة المادة 79 من المشروع يتضح بان الأمر يتعلق بنوعين من المسؤولية، المسؤولية المدنية والمسؤولية الجنائية.

إذا تعلق الأمر بالمسؤولية المدنية، فإن الفقرة الثالثة من المادة 79 من المشروع تحدد التقادم في خمس سنوات ابتداء من تاريخ الفعل المحدث للضرر أو إن وقع كتمانه فابتداء من تاريخ كشفه. ونحن نستنتج فقط بأن هذه الفقرة تتحدث عن المسؤولية المدنية لأن المشروع لم يحدد عن أية مسؤولية يتحدث.

إذا كانت هذه الفقرة تشير إلى تقادم المسؤولية المدنية فإن الأمر خطير ذلك أن التقادم سيصبح بدون سقف وبدون أجل مادام أن أمد التقادم الخمسي ينطلق ابتداء من اكتشاف الفعل المحدث للضرر الذي يمكن أن يكون بعد عشر أو عشرين أو ثلاثين  أو أربعين.......سنة وذلك إلى ما لانهاية وهذا ضرب من العبث.

أما إذا كانت الفقرة المذكورة من المادة 79 تشير إلى تقادم الدعوى الجنحية فالأمر أخطر مادام أن تقادم الدعوى العمومية نظمها قانون المسطرة الجنائية من خلال المادة 5 الذي ينص صراحة على أن الدعوى العمومية تتقادم بمرور أربع سنوات ميلادية كاملة تبتدئ من يوم ارتكاب الجنحة وذلك حسب التعديل الذي أتى به قانون رقم 11-35.

فهل يعقل أن يكون التقادم بخصوص الجنح أربع سنوات وأن يعمد واضعو مشروع مدونة التعاضد إلى الزيادة في أمد التقادم الجنائي مخالفين بذلك القواعد العامة بشان التقادم في المادة الجنائية ؟.

فالفقرة الثالثة من المادة 79 من مشروع مدونة التعاضد تنص صراحة على ما يلي:

"   ..............غير أنه إذا تم تكييف هذا الفعل بجناية تتقادم الدعوى بمرور عشرين (20) سنة ".

إن إدراج هذا المقتضى في الفصل المذكور يفيد أن أمد خمس سنوات المنصوص عليه في نفس الفقرة يتعلق بالجنح. وهنا الأمر يدعوا  أيضا إلى الاستغراب لسببين:

 السبب الأول:

أن الفقرة المذكورة لم تحدد من أين يبتدئ احتساب أمد عشرين سنة.

السبب الثاني:

لأن القانون عدد 11-35 المعدل للمادة 5 من قانون المسطرة الجنائية قد حدد أقصى أمد التقادم بخصوص الجنايات في خمسة عشرة سنة ميلادية كاملة تبتدئ من يوم ارتكاب الجناية.

الملاحظ أن مشروع مدونة التعاضد جاء أقسى وأشد وطئا من المقتضيات القانونية العامة المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية.وهذا راجع بالأساس إلى كون واضعي المشروع غير ملمين تماما بالقواعد القانونية العامة التي تحكم كل من أحكام المسؤولية المدنية والمسؤولية الجنائية.

الأنسب أن يرجع واضعو المشروع إلى مقتضيات المادة 106 من قانون الالتزامات والعقود ومقتضيات المادة 5 من قانون المسطرة الجنائية، حتى لا يسقطوا في التناقضات الخطيرة التي ستعصف لا محالة بمصداقية هذا المشروع لأن الظاهر بأن روح المشروع مشحونة بكثير من الغضب والشدة الزائدين وأفرغ هذا النص من الحكمة والرزانة والانسجام الذي يجب أن يطبع نصوص القانونية.

وهكذا فالمادة 106 من قانون الالتزامات والعقود جاءت حكيمة ورزينة عندما نصت على ما يلي:

" إن  دعوى التعويض من جراء جريمة أو شبه جريمة تتقادم بمضي خمس سنوات تبتدئ من الوقت الذي بلغ فيه إلى علم الفريق المتضرر الضرر ومن هو المسؤول عنه. وتتقادم في جميع الأحوال بمضي عشرين سنة تبتدئ من وقت حدوث الضرر".

وهذا هو عين الصواب بالنسبة للمطالبة بالتعويض عن الضرر الناتج عن المسؤولية التقصيرية، أما  أن تنص المادة 79 من المشروع بأن دعوى المسؤولية تتقادم بمضي خمسة سنوات من تاريخ اكتشاف الضرر، فهذا يعني بأن الضرر يمكن اكتشافه بعد مرور مائة سنة أو بعد مرور قرون من الزمن يبتدئ سريان أجل خمسة سنوات للتقدم بدعوى المسؤولية.

الملاحظ أيضا أن صياغة الفقرة الثالثة من المادة 79 من مشروع مدونة التعاضد تحمل في طياتها لبسا خطيرا لأنه يتعلق بحريات الأفراد في إطار المتابعات الجنائية. ذلك أنه إذا كانت هذه الفقرة تنص بالحرف على ما يلي:

"........غير أنه إذا تم تكييف هذا الفعل بجناية تتقادم الدعوى بمرور عشرين سنة".

إذا كان الشطر الثاني من هذه الفقرة يتحدث عن الجنايات فالمفروض أن الشطر الأول من نفس الفقرة يشير إلى الجنح التي ستصبح بقدرة قادر لا تقادم لها لأنه حسب اجتهاد واضعي المشروع ستحرك الدعوى العمومية بخصوصها داخل أمد خمس سنوات من تاريخ اكتشاف السبب الموجب لتحريك هذه الدعوى، ولنفرض مثلا أن اكتشاف الجنحة تم بعد مرور ثلاثين سنة، سيبقى للنيابة العامة الحق في تحريك الدعوى العمومية الجنائية داخل أجل خمس سنوات من اكتشاف الفعل. بعبارة أخرى وفي إطار هذا المثال سيبقى الشخص أو الأشخاص المعنيين بالمسؤولية تحت رحمة النيابة العامة لمدة خمسة وعشرون سنة علما بأن الأمر يتعلق بجنحة حدد قانون المسطرة الجنائية أمد تقادمها في أربع سنوات ميلادية كاملة تبتدئ من يوم ارتكاب الجنحة.

بقلم ذة علية معلمي
ﺃستاذة بكلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية بجامعة الحسن الثاني عين الشق و محامية بهيئة الدار البيضاء
 


أعلى الصفحة