مميزات وإكراهات السياسات العمومية بالمغرب - Alkanounia.com

 
القانون المدني- المسطرة المدنية

بقلم ذ خولة أنور

تحت عدد: 597
حظيت دراسة السياسة العامة باهتملم بالغ وتداول واسع من لدن علماء السياسة في السنوات االخيرة،وقد تبلورت المنظمات والهيئات المتخصصة بدراستها وظهرت المجاالت العلمية المتخصصة بقضايا السياسات العامة وموضوعاتها فأصبحت متاحة للدارسين

ونذكر منها على سبيل المثال مجلة تحليل السياسات ،ومجلة علم السياسة .ومجلة دراسات السياسات
وعلى الرغم من هذا اإلهتمام المتزايد بالسياسات العامة فال يزال عدم اإلنفاق قائما حول ما يقصد بالسياسة العامة وحول كيفية دراستها وحول شرعية اهتمام علماء السياسة بموضوعاتها ،فهناك من يرى أن العمليات وليس السياسات هو ما ينبغي على علماء السياسة أن يركزوا عليه،وهناك من ال يعير انتباها لمثل هذه التساؤالت مؤكدين ضرورة الخوض في تفاصيل العمليات والسياسات العامة من جانب المختصين بالعلوم السياسية،فمدخل السياسات العامة في العلوم السياسية يهتم بكال المجالين فاألول يركز على مشاكل السياسات العامة ومن تم يأتي االهتمام بما تم عمله وكيف تم ذلك وماهي انعكاساته ونتائجه،فهناك تعريف واسع للسياسة العامة يقول بأنها "العالقة بين الوحدة الحكومية وبيئتها"،وتعريف رجارد روز « Rose « فعرف السياسة بأنها :سلسلة من األنشطة المترابطة قليال أو كثيرا وأن نتائجها تؤثر على من تهمهم مستقبال وليست قرارات منفصلة

فمميزات السياسة العمومية و االكراهات التي تعيق إعداد وتنفيذ وكذا تقييم السياسة العمومية هو موضوعنا للدراسة ،فالسياسة العامة الناتجة عن مجموعة من التدخالت المقررة من طرف سلطة عمومية قصد حل مشكل معين يدخل في نطاق اختصاصها ،فهي عملية تهدف إلى تحقيق األهداف المنشودة حول هذه السياسة والهدف األساسي يمثل مثال في تحقيق التنمية و مشاركة السكان عن طريق اتخاذ قرارات لما يجب تنفيذه في ضوء دراسة وتقدير المستقبل،وهكذا فإن تتبع ورصد مسار سياسة عامة معينة يتطلب طرح وتقديم الطلبات والمشاكل ،أي تحديد القضايا و األولويات ،حسب أجندة مركبة بمختلف مراحلها وأشكالها وصوال إلى بلورة سياسة عامة عبر . قرارات ،ومراقبة مدى انعكاسها واستجابتها لطلبات االفراد والمجتمع

وبالنظر إلى التطورات والتحوالت السريعة في المغرب،وظهور العديد من المشاكل المختلفة التي تالمس مجاالت متعددة جعل القادة السياسيين من فاعليين رسميين وغير رسميين يعنون إلى حد كبير بضرورة حل تلك 4 المشاكل،حيث شكل دستور المملكة 1122، انعطافة حاسمة في مسار النموذج المغربي لإلصالح السياسي وهو نموذج تأسس على تحديد اختيارات كل الفاعلين في الحياة السياسية بالمغرب،ومن بين المنطلقات األساسية التي حكمت الهندسة الدستورية هو اإلقرار الدستوري بمجموعة من المستجدات الهامة كدستور لسياسات العمومية ،منطلقين من كون السياسات العامة هي باألساس إحدى مخرجات النظام الدستوري وجزء من األجوبة اليومية . للنظام السياسي ودليل على مشروعيته
وتظهر أهمية موضوعنا بدراسة مميزات هذه السياسة العامة وانعكاسه على الفرد والمجتمع من تنمية و مشاركة للسكان عن طريق المقاربة التشاركية ومقاربة النوع االجتماعي كمبدأ يعكس مميزات لتقدم االمم خاصة مع دستور 1122 ومحاولة إشراك الشباب ومحاربة الفقر وحماية الطفولة كمبادئ للحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة خاصة مع المهام الجديدة للبرلمان في تقييم السياسات العمومية بالمغرب .

ومنه يمكننا طرح اإلشكالية التالية :

إلى أي حد استطاعت السياسة العمومية بالمغرب بلوغ أهداف الفاعلين فيها ؟

وهذه اإلشكالية تتفرع عنها أسئلة فرعية من قبيل :ماهي أهم مميزات السياسات العمومية بالمغرب؟وكيف ااستطاعت تحقيق التنمية في شتى المجاالت؟و ما هي أهم االختالالت التي يواجهها إعداد وتنفيذ السياسة العمومية ؟ وهذه اإلشكالية و األسئلة الفرعية سنحاول اإلجابة عنها وفق المنهج التاريخي والوظيفي تارة وتارة أخرى وفق المنهج الوصفي واإلستنباطي وكذا المنهج اإلحصائي لتعرف على أهم منجزات السياسات العمومية ،وذلك وفق التصميم التالي:

المبحث الاول: مميزات السياسات العمومية بالمغرب ورهانات التنمية
المبحث الثاني: إكراهات إعداد وتنفيذ السياسات العمومية على ضوء تقييم إنجازاتها

المبحث الأول: مميزات السياسات العمومية بالمغرب ورهانات التنمية
بما أن السياسة العمومية تتخذ رسميا باسم جهاز الدولة فغن لهذا االعتبار تبعات مهمة و أساسية ،و هذا ما يمنح للسياسات العمومية مميزات خاصة تنفرد بها وتعطيه أهمية بالغة،فالسياسة العمومية تعبر منطقيا و افتراضيا على األقل عن المصلحة العامة ،و تصدر في إطار محدد مسبقا من المشروعية،و المغرب كباقي الدول التي اعتمدت على السياسات العمومية في تحقيق األهداف و المصلحة العامة ،منح في دستوره األخير لسنة1122 وضعا متقدما للحكومة في مجال السياسات العمومية،و ذلك انطالقا من مجموعة من اآلليات الدستورية كالسياسات القطاعية وإقرار البرنامج الحكومي الذي يتضمن الخطوط الرئيسية للعمل التي تسعى الحكومة للقيام به في جميع الميادين وهذا ما سأحاول التطرق إلية في )المطلب األول(لدراسة السياسات العمومية وإدماج السياسات القطاعية .واإلحاطة في )المطلب الثاني (برهان التنمية المتمثل في الديمقراطية التشاركية كإطار لتقييم الجهود التنموية .

المطلب الأول:السياسات العمومية و إدماج السياسات القطاعية

فالتحوالت التي عرفها مفهوم الدولة ساهمت بشكل كبير في إعادة صياغة دورها الذي لم يعد ينحصر في إشباع الحاجات األساسية للمجموعات اإلجتماعية،بقدر ما أصبح نشاطها الرئيسي يتجه نحو تحقيق التنمية و في هذا السياق احتلت السياسات العمومية كأداة للتدخل الدولة في القطاعات مكانة متقدمة في استراتيجيتها . التنموية

اندماج السياسات العمومية:
يعد اندماج السياسات العمومية أحد التحديات الكبرى المطروحة على مستوى التنمية وخلق الثروات ،وقبل أجرأة هذا االندماج في برامج ومشاريع محددة ،يجب أوال استحضاره على مستوى اإلستراتيجيات ،والبرامج التنموية ،سواء على المستوى الوطني أو الترابي ،و تتيح الجهوية اليوم فرصة ثمينة لتحقيق هدف االندماج بين السياسات العمومية ،بطريقة قبلية عند إعداد برامج التنمية الجهوية والتصاميم الجهوية إلعداد 2 التراب . ويشكل البرنامج الجهوي للتنمية والتصميم الجهوي إلعداد التراب حجر الزاوية لتحقيق اندماج السياسات العمومية ففي إطار تنزيل الجهوية ،يشكل كل من البرنامج الجهوي للتنمية و التصميم الجهوي إلعداد التراب بوصفهما وثيقتين للتخطيط الجهوي ،فهما فرصة ثمينة ألجرأة االستراتيجيات والسياسات العمومية بشكل أفضل . فمن الضروري ضمان مشاركة فعلية لكل المؤسسات والقوى الحية في الجهة، مع التشاور البناء مع اإلدارة من أجل اعداد برامج التنمية و التصميم الجهوي العداد التراب في احترتم تام . للخيارات اإلستراتيجية للدولة

وتعتبر العماالت واألقاليم صلة وصل لتعزيز التعاون الترابي فمجالس العماالت و األقاليم تمارس عن طريق الوكالة والتعاقد بعض صالحيات الجماعات،بمبادرة من هذه األخيرة أو من الدولة،ويشترط من أجل ذلك سوى استهداف النجاعة، وقبول الجماعات المعنية،و اتخاذ الدولة بعض التدابير التحفيزية.و بالتالي تحقيق اندماج البرامج و المشاريع الترابية،بما يخدم المصلحة العامة ومصلحة المواطن بوجه خاص وذلك . من أجل تعزيز التعاون بين فاعلي التنمية على المستوى الترابي

وتعد ميزانية الدولة رافعة ناجعة الندماج السياسات العمومية فمما ال شك فيه ان القانون التنظيمي رقم 211.21 3 ،المتعلق بالمالية،حمل الكثير من المستجدات اإليجابية و التي تكرس في مجملها مبدأي الحكامة الجيدة والتدبير على أساس األداء،مع استحضار البعد الجهوي ، من خالل توزيع اعتمادات الميزانية،و يتم هذا التوزيع على أساس العمليات والمشاريع المبرمجة من طرف القطاعات الوزارية.و كما أن إحداث اليات تعزز التقائية السياسات العمومية مجاليا،و تعزيز االلتقائية المالية و الميزانياتية عبر تفعيل القانون التنظيمي 21.211،وأهمية تعزيز التقائية تدخالت المؤسسات العمومية على الصعيد اإلستراتيجي والقطاعي والمجالي،سواء عند التخطيط او أثناء التنفيذ واقتراح اجراءات و تدابير عملية من شأنها الرفع من هذا . الانسجام بين مختلف اإلستراتيجيات والبرامج وتحديد اآلليات التي من شأنها ضمان تفعيل تلك االجراءات

المطلب الثاني:السياسة العمومية على ضوء "الديمقراطية التشاركية"

جعلت الوثيقة الدستورية من الديمقراطية المواطنة و التشاركية إحدى األسس التي ينهض عليها النظام الدستوري للمملكة المغربية.إذ تساهم الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام ،و المنظمات غير الحكومة في إطار الديمقراطية التشاركية في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية،وكذا في قرارات تفعيلها و تقييمها،كما تعمل السلطات العمومية على إحداث هيئات للتشاور ،قصد إشراك مختلف الفاعلين االجتماعيين في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها،فالتأصيل لفكرة المشاركة المواطنة يتطلب اإلشارة الى اعتماد الكثير من السياسات العامة األفقية أو القطاعية على مقاربة تشاركيه مما منح الفاعل المدني الفرصة المباشرة لالحتكاك بمسلسل صياغة وتنفيذ وتقييم السياسات العمومية .فالسياسات العمومية من مميزاتها الحالية أنها أصبحت موضوعا للحوار داخل المؤسسات الوطنية واالستشارية وهيئات الديمقراطية التشاركية،حيث أفرد القانون التنظيمي للجهات تنفيذا للمقتضيات الدستورية المتعلقة بهذا المجال ،مكانة خاصة في إطار مواكبة الجهات من خال اجهزة االستشارة والحوار المنفتح على الفاعلين االقتصاديين .والجهويين والمجتمع المدني،مستهدفا بصفة خاصة ومتميزة النساء والشباب

فما تقوم عليه هذه السياسة العمومية من رؤية واضحة،ومبادئ توجيهية،وأهداف استراتيجية،هو نتاج . لمسلسل تشاركي وانخراط مكثف لشتى الفاعلين والمتدخلين في شتى القطاعات والمجاالت
سياسة عمومية مندمجة لحماية الطفولة
وتشمل اهتمامات هذه المؤسسات السياسات العمومية المرتبطة بقضايا مختلفة ونورد كمثال تطبيقي قضايا االسرة والطفولة والذي توج في 1 يونيو 1120 ،باعتماد السياسة العمومية المندمجة لحماية الطفولة بالمغرب وفي أكتوبر 1120،تم انطالق أشغال إعداد البرنامج التنفيذي للسياسة العمومية، وتمثل إعداد هذه : السياسة العمومية في إطار منهجية تمثلت في

: تقييم خطة العمل الوطنية للطفولة والدروس المستخلصة
وهي الخطة التي ترجمت التزامات المغرب الدولية وقد سعت هذه الخطة التي صيغت وفق مقاربة تشاركية انخرطت فيها جميع االطراف المعنية الى النهوض بحقوق الطفل و تطبيقها على ارض الواقع من خالل أهداف كبرى تتمثل اساسا في الرقي بحق الطفل في الصحة وفي حياة سليمة و في التربية والتعليم ....

: سيرورة إعداد السياسة العمومية
ففي اطار المقاربة التشاركية والتشاورية أخذت وزارة التضامن والمرأة و االسرة والتنمية االجتماعية على عاتقها مسؤولية أن يكون مسلسل إعداد السياسة العمومية المندمجة لحماية الطفولة مبنيا على مقاربة تشاركية وتفاعلية،جامعة لجهود كل الفاعلين المعنيين ومجسدة إلرادتهم المشتركة،وأن تكون هذه السياسة العمومية ثمرة عمل تشاوري يحدد األدوار و المسؤوليات ووسائل التنفيذ و التتبع والتقييم.وشملت سيرورة الأعداد للسياسة العمومية عدة مراحل من خالل تعبئة الفاعلين االساسيين وتكوين هيئات القيادة والتتبع لبلورة رؤية مشتركة لإلرتقاء بالحماية،وفق مقاربة مندمجة تحدد أولويات هذا اإلرتقاء وأهدافه ،وتمثلت أولى ثمار السيرورة التشاركية إلعداد السياسة العمومية في القيام بتشخيص مشترك للمكتسبات واإلكراهات و التحديات ،عالوة على التوافق حول اقتراحات محددة لإلرتقاء بالحماية ويتبين من خال النتائج المحصل عليها أن الخالصات المنبثقة عن استشارات الفاعلين االساسيين تتوافق في غالبيتها مع نتائج التقييم نصف اللمرحلي لخطة العمل الوطنية للطفولة.

بعد استحضارنا لبعض مميزات السياسة العمومية بالمغرب وانفتاحها على التنمية وإشراك المواطنين واستحضرنا نموذج لسياسة عمومية مندمجة لحماية الطفولة وكذا استحضرنا بعض مميزات السياسات العمومية عن طريق إدماج القطاعات االقتصادية لتحقيق التنمية ،سنحاول في المبحث الثاني الوقوف على أبرز الصعوبات التي تحد من فاعلية السياسات العمومية من حيث اإلعداد والتنفيذ والتقييم .

المبحث الثاني: إكراهات إعداد وتنفيذ السياسات العمومية على ضوء تقييم إنجازاتها
أثبت التجارب السياسية أن إدراج قضية مجتمعية في االجندة السياسية للسلطات العمومية يكون إما نتيجة مبادرة الفاعلين السياسيين ،أو مطالب جماعية انتقلت الى مستوى المطلب السياسي المنظم بفعل وجود دعم منظم من طرف الفاعلين االجتماعيين غير أن المرحلة األهم في السياسات العمومية تبقى مرحلة التدخل ،ويتعلق األمر بسيرورة اإلعداد والتنفيذ والتقويم ،حيث يتأثر اإلستخدام الملموس للسياسات العمومية بعدد من .(المعطيات ،وهدا ما سنحاول التطرق اليه في ) المطلب الأول

وسنحاول في( المطلب الثاني )استحضار نموذج تطبيقي يبرز أهم االختالالت والمعيقات التي تواجه تنفيذ السياسات العمومية بالمغرب.
المطلب الأول:مظاهر ضعف السياسات العمومية بالمغرب

يمكن اعتبار تراجع تصنيف المغرب على مستوى مؤشر المركب للتنمية البشرية مؤشرا قويا على فشل استراتيجية التنمية المتبعة في بالدنا،بالرغم من أن صياغة السياسات العمومية تسبقها دراسات و مشاورات وترصد لتطبيقها كل اإلمكانيات البشرية والتقنية والمالية فإنها ال تحقق األهداف المرجوة ،وهذا ما يمكن معاينته بالنسبة للسياسات العمومية التي انتهجتها الدولة في مجموعة من القطاعات اإلجتماعية الحيوية،كالصحة والتعليم و السكن والتنمية القروية ومحاربة االمية والفقر وغيرها من القطاعات التي تندرج ضمن مشروع للتنمية البشرية، ويمكننا استحضار المثال الذي ذكرناه في المبحث األول حول السياسة العمومية المندمجة لحماية الطفولة حيث أن أهم المعيقات التي تحد من فاعلية تنفيذ السياسات العمومية يمكن إبرازها في : غياب إطار قانوني يوضح وينظم ويقنن مهام العاملين االجتماعيين ،وجود صعوبات تعيق مراقبة مفتشي الشغل لتشغيل االطفال في القطاع الغير منظم ،وغياب اإلحالة وتتبع منظومة مندمجة لرصد الحاالت و التكفل بها ،وضعف التنسيق المؤسساتي بين المتدخلين ... وفي هذا السياق تجدر اإلشارة أن المغرب اعتمد منذ بداية األلفية سياسة اجتماعية تميزت خالل السنوات األخيرة بإنجاز مجموعة من البرامج العمومية لمحاربة الفقر والهشاشة ونذكر منها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي انطلقت سنة1110... لكن في مقابل ذلك يالحظ أن الفئات األكثر فقرا و األكثر هشاشة ،خصوصا النساء تظل غير مستهدفة بالشكل الصحيح،كما ال توجد استراتيجيات لدعم األسر في وضعية هشة على المستويات االقتصادية والسوسيونفسية ،استراتيجيات تدمج بين الحماية االجتماعية والمساعدة على القيام باألدوار األسرية،وموازاة مع ذالك لم تضع الدولة بعض اليات لضمان قيام القطاع الخاص بدوره في حماية االطفال من االستغالل على "الخط " أو في السياحة

فتقييم السياسات العمومية خاصة في ظل المهام الجديدة للبرلمان التي منحها له دستور 1122 يسمح لنا بالتشخيص عن عدم فعاليتها ومحدوديتها و منها على وجه الخصوص صعوبات تعترض عمل اللجان البرلمانية منها:عدم توفر اللجان على خبرات وكفاءات ذات تكوين قانوني ،وضعف الحيز الزمني المخصص لدراسة مشروع قانون المالية،وعدم توفر اللجان على الوقت الكافي، وهناك معيقات خارجية و التي تؤثر على دور البرلمان في تقييم السياسات العمومية ،فأهم مالمح ألزمة السياسات العمومية هي هيمنة الطابع األحادي في تطور و إنجاز هذه السياسات إعدادا و تنفيذا وتتبعا أي قانون مالية السنة مثال فإن الحصيلة السنوية لهذه القوانين تكشف استمرار الطابع النمطي لمضامينها وطرق التعامل معها فهذه القوانين لم يعد للمؤسسة التشريعية أي دور فعلي لإلسهام في المحطات التي تمر منها حيث ان هذا الوضع لم يعد مقبوال في ظل مستجدات الوثيقة الدستورية والمقاربة اإلصالحية للدستور المالي بمعنى القانون التنظيمي للمالية 21.211 يوضح راهنية تجاوز أحادية تصور و إنجاز السياسات العمومية و الذي تتوقف عليه عملية التقييم. فالفترة االنتقالية التي عاشها المغرب بعد مجئ حكومة التناوب ،حيث أصبح الفاعل السياسي يستورد مخططات وموديالت لصنع السياسات العمومية ،ويعتمد على البرامج المندمجة التي تصبو نحو التأثير في

المجال االقتصادي واالجتماعي ،كما بدأت ثقافة المقاربة التشاركية في صنع السياسة العمومية ،لكن مستوى الفاعل السياسي لم يواكب هذه التحوالت الماكرو سياسية التي تعرفها بالدنا،وظلت االحزاب شاردة عن النص،ال هي واكبت تطور الترسانة القانونية ،وال هي أجابت عن مختلف األسئلة المطروحة حول السياسات العمومية والتي تهم االرتقاء بالسياسات القطاعية التي تعرف قصورا كبيرا في المرور من التصور و ترجمته الى أرض الواقع.

المطلب الثاني:نموذج عن اختالالت تنفيذ السياسات العمومية "برنامج التنمية المجالية إلقليم الحسيمة "(منارة المتوسط)
إن دستور 1122 في فصله 222 يخول المجلس األعلى للحسابات صالحية تقييم السياسات العمومية كخدمة استشارية بطلب من البرلمان ،و بالتالي يصبح التقرير المتعلق بتقييم السياسات العمومية الذي أنجزه . المجلس األعلى للحسابات بإيعاز من البرلمان،وكأنه صادر عن البرلمان
ويعتبر التقرير المتعلق ببرنامج التنمية المجالية إلقليم الحسيمة"منارة المتوسط" جاء ليكشف عن نتائج الفحص في إطار اختصاصات المجلس األعلى في مجال تقييم المشاريع العمومية،وإلنجاز هذه المهمة نقام المجلس بدراسة التقرير المعد من قبل المفتشية العامة لإلدارة الترابية والمفتشية العامة للمالية،فمراجعة الوثائق والبيانات لم تسفر عن الوقوف على حاالت غش أو اختالس ،لكن سجل المجلس بالمقابل عدة اختالالت شابت مرحلتي إعداد وتنفيذ هذا البرنامج.

ففيما يتعلق بمرحلة االعداد:
تبين من دراسات مكونات هذا البرنامج أنه لم ينبثق عن رؤية استراتيجية مندمجة تتقاسمها جميع االطراف ،إذ تبين أن إعداد المشاريع المكونة لهذا البرنامج لم تتم بالدقة المطلوبة،حيث إن جدول الزمني التوقعي إلنجازها اكتفى بتحديد المساهمات السنوية لألطراف المشاركة،إذ أنه في غياب المبالغ المرصودة لكل مشروع على حدة،تبقى هذه المساهمات ذات طابع تقديري ،أما فيما يخص اإلتفاقية –االطار التي تم توقيعها والتي تشكل االطار التعاقدي بين جميع االطراف فإنه كان على وزارة الداخلية ووالية الجهة أن تتأكد أنها مدعمة بمستندات أساسية كقائمة المشاريع المدرجة في البرنامج ...عوض اقتصارها على مقتضيات ذات . طابع عام

وفيما يتعلق بحكامة البرنامج،الحظ المجلس أن اللجنة المحلية للتتبع والتنسيق لم تتمكن من تعبئة جميع المتدخلين بشكل يضمن المساهمة الفعلية و الدينامية االزمة إلنطالق البرنامج.أما بالنسبة للجنة المركزية فلم .تتطرق إلى نقط أساسية كالجدول الزمني إلنجاز المشاريع المبرمجة أو الميزانيات المعلقة بها

وفيما يتعلق بإنجاز البرنامج:
فقد اتسم ببطء انطالقته،حيث انه منذ التوقيع على االتفاقية اإلطار في أكتوبر 1120 و إلى غاية شهر فبراير من 1122 ،الحظ المجلس ضعف بل غياب أية مبادرة فعلية إلنجاز المشاريع من قبل أغلبية المتدخلين على المستويين المركزي و المحلي ،إذ أنه من بين 222 مشوعا مبرمجا لم تسجل حصيلة سنة 1122 سوى . إنجاز 0 مشاريع بقيمة 2.222 مليون درهم و البدء في إنجاز 20 مشروعا أخر بقيمة 020 مليون درهم

ويعتبر المجلس االعلى للحسابات أن قرار تكليف الوكالة بإنجاز عدد كبير من المشاريع بمبلغ إجمالي يفوق 1 مليار درهم ،أي 22 %من مجموع ميزانية البرنامج ،يعرض تنفيذ المشاريع إلى مجموعة من المخاطر من حيث التتبع و التكلفة واآلجال ،بحيث يتساءل المجلس حول قدرة الوكالة على تنفيذ برنامج من هذا الحجم ينضاف الى برامجها اإلعتيادية التي تنجزها في أقاليم الشمال االخرى ،وذالك بالنظر إلى إمكاناتها البشرية المحدودة،ويرى المجلس أن اللجوء المتسرع إلى خدمات الوكالة من طرف عدة قطاعات وزارية ،كالتربية الوطنية والصحة و البيئة والشبيبة والرياضة والثقافة والبيئة،يبقى غير مبرر ويعكس ميال نحو التملص من التزاماتها على حساب هذه الوكالة ،وذلك بالرغم من توفر هذه الوزارات على القدرات الالزمة والخبرة الكافية إلنجاز مشاريع مماثلة يتم تنفيذها بصفة اعتيادية على الصعيد الوطني

خاتمة: يمكننا الخروج بدراستنا لهذا الموضوع بأهم الخالصات فلو أن الدستور الجديد وفر فرصة كبيرة إلضفاء الطابع المؤسسي وتطوير ثقافة جديدة لتقييم السياسة العامة فالدستور يجعل من البرلمان والمجتمع المدني الحاملين الرئيسيين لتطوير تقييم السياسة العمومية فإضفاء هذا الدور الجديد على البرلمان ينبغي أن يتيح إقامة نظام مستمر للحوار مع الحكومة والرأي العام بشأن النتائج التي تحققها السياسات العمومية .واقتراح بدائل لتحسينها
فإضفاء الصبغة المؤسسية للتقييم ال يمكن أن يتم دون تطوير ممارسة تقييمية داخل الحكومة وإال فإنها تظل أداة للمعلومات و النقاش العام النظري دون أي أثير على تحسين اإلدارة العامة .

والتحدي المتمثل في تحسين اإلدارة العامة يمثل تحديا كبيرا في بلد المغرب الذي يواجه قلة الموارد المالية،والتحديات الهائلة من حيث التنمية البشرية فتعديل السياسة ذات الصلة بتطور الخدمات سيمكن من .تحسين ورفع هذه التحديات

ولذلك من الضروري الشروع في عمل جديد من قبل الفاعلين في السياسات العامة من أجل وضع مقترحات واقعية تتكيف مع اإلصالحات األخيرة مع مراعاة المستولى العالي من اإلمكانيات التي يتيحها الدستور.

قائمة المراجع
المؤلفات
جيمس أندرسون ،ترجمه عامر الكبيسي،صنع السياسات العمومية ،دار المسيرة للنشر و التوزيع و الطباعة،قطر،الدوحة،2992
الرسائل:
إيمان المرابط:دور البرلمان في تقييم السياسات العمومية،بحث لنيل شهادة الماستر،ماستر الدستور والحكامة المالية ، شعبة قانون عام ،جامعة سيدي محمد بن عبدهللا ،كلية العلوم القانونية و االقتصادية و االجتماعية ،فاس،السنة الجامعية 8181-8183

المجالات:
حسن طارق،مبادئ و مقاربات في تقييم السياسات العمومية ،الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الانسان ،ابريل 1122
محمد براو، مهام واختصاصات المجلس االعلى للحسابات ،أية مالءمة على ضوء التجربة السابقة ومستجدات الدستور والمعايير الدولية؟،المجلة المغربية للمالية العمومية ،العدد 3، سنة8183 مطبعة البالبل،البطحاء،فاس

القوانين :
دستور المملكة 1122الصادر بتنفيذه الظهير رقم 2292.2 بتاريخ 19يوليوز 1122(الجريدة .)1122.12.11،مكرر0922 عدد،الرسمية القانون التنظيمي رقم 21.211 لقانون المالية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 2-20-21 بتاريخ11 يونيو1120(،الجريدة الرسمية،عدد،0221 ،22 يونيو 1120)

التقارير:
السياسة العمومية المندمجة لحماية الطفولة بالمغرب،المملكة المغربي،وزارة التضامن و المرأة و االسرة والتنمية االجتماعية،بعم من اليونيسيف. تقرير المتعلق ببرنامج التمية المجالية إلقليم الحسيمة"منارة المتوسط" 12 تقرير المجلس االقتصادي واالجتماعي والبيئي ،متطلبات الجهوية المتقدمة وتحديات ادماج السياسات العمومية ،إحالة ذاتية رقم 1122/11،المملكة المغربية

مواقع إلكترونية:
جمال أحرموش،طرق إعداد السياسات العمومية الترابية واإلكراهات المرتبطة بها، مجلة القانون واألعمال مقال منشور في الموقع الالكتروني http:www.droiteentreprise.com/

جريدة المساء :السياسات العمومية بالمغرب بين رهانات التنمية ومؤشرات الفشل،منشور في الجريدة االلكترونية للمساء في الموقع اإللكتروني http://com.maghress.www/almassae/
بقلم ذ خولة أنور

 


أعلى الصفحة